الفصل 16 | من 20 فصل

رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل السادس عشر 16 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
18
كلمة
2,406
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

"خبر عاجل".. إصابة رجل الأعمال "عبد الجبار المنياوي" بطلق ناري داخل منزله وتم نقله لإحدى المستشفيات الخاصة في حالة حرجة للغاية. "عودة لتلك اللحظة الحاسمة". بعد كل ما فعلته "خضرا" بحق نفسها وبحق زوجها وابنتيها من خطأ فادح، حين لجأت لرجل غريب وفتحت له بنفسها باب حياتها، دخل منها بكل جرأة حتى وصل به الأمر إلى وقوفه هنا بغرفة نومها ممسك سلاح ناري يهدد به حياتها وحياة عائلتها بأكملها.

وقف "عبد الجبار" على أتم استعداد ليضحي بنفسه ولا يرى مكروه في فلذات أكباده. نظر لـ "خضرا" نظرة مليئة بالحب والعرفان، كم اشتاقت لها، يخبرها بعينيه أن كل ما فعلته ما هو إلا رد فعل ناتج عن أفعاله معها. كان "حسان" موجهًا فوهة المسدس تجاه "خضرا"، شد أجزاءه يستعد لإطلاق الرصاص عليها، وضغط الزناد لتخرج منه طلقة.

كانت سرعتها أقل من "عبد الجبار" الذي تناول سلاحه الملقى بجوار قدمه، وأطلق النار على "حسان" أصابه بمنتصف رأسه فسقط قتيلًا في الحال. ووقف أمامها كالسد المنيع مستقبلًا الطلقة بصدره بدلًا عنها. كل هذا حدث في لمح البصر. قوة الطلقة جعلته يتراجع بجزئه العلوي للخلف، فالتقتطه "خضرا" محاوطة خصره بذراعيه. وقف مكانه للحظات يتطلع لها من فوق كتفه مغمغمًا بأنفاس متهدجة:

"سامحيني أنتي يا خضرا.. أنا رديتك أنتي وسلسبيل لعصمتي وخابر زين إنك مش هتأذيها لا هي ولا اللي في بطنها". خارت قواه فهبط على ركبتيه، وعيناه تتنقل بين ابنتيه بابتسامة يحاول يدخل بها الطمأنينة على قلوبهما. "ياااا أخوي.. لاااا يا عبد الچبار.. متسبناش يا أخوي.. أحب على يدك متعملش فيا أكده". صرخت بها "خضرا" بجنون وهي تراه يميل بجسده على الأرض ودمائه تتدفق على صدره بغزارة.

حتى وصل "جابر" ومن بعد "بخيته" التي سقط منها عكازها، ومن ثم سقطت هي بجانبه داخل الحفرة التي ظنت بأنها حفرتها لـ "خضرا" لتسقط هي فيها وتقع شر أعمالها بعدما فقدت القدرة على تحريك جميع أطرافها. بطرفة عين أصبحت لا تقوى على شيء سوى النظر، حاجظة العينين تردد بهذيان: "عبد الچبار يا ولدي.. سندي.. ظهري.. راچلي". ***

انتشر خبر إصابة "عبد الجبار" بسرعة البرق بكل القنوات الإخبارية، وعلى صفحات الجرائد والمجلات، وحتى مواقع التواصل الاجتماعي. من هنا وصل الخبر لـ "عفاف" التي صُعقت من قوة الصدمة. لم تستطع إخبار "سلسبيل" بهذا الخبر الحزين، بل المميت. فضلت الصمت ومنعت عنها أي وسيلة ممكن أن تنقل لها الخبر وأولهم هاتفها.

أخذتها بسيارتها وقادت بنفسها قاصدة عنوان المستشفى الذي أرسله لها "جابر". هناك ستكون تحت رعاية الأطباء إذا حدث لها أي شيء لا قدر الله. تطلعت "سلسبيل" للطريق من حولها، وأردفت بثبات مريب قائلة: "إحنا رايحين المستشفى؟ يبقي إحساسي صح يا ماما عفاف وعبد الجبار جراله حاجة!

ظلت "عفاف" ملتزمة الصمت، تُمثل انشغالها بالقيادة، بينما "سلسبيل" رغم ثباتها إلا أنها تحولت للنقيض تمامًا. تملكت منها قوة غريبة أرغمتها على الهدوء، هدوء مخيف يهدد بعاصفة شديدة ربما تدمر الأخضر واليابس. نظرت للسماء من نافذة السيارة بأعين مستجدية وملامح شاحبة بعدما انسحبت الدماء من عروقها، متمتمة بأنفاس منقطعة: "يارب.. أجبر قلبي واحفظهولي يارب".

بقت على هذا الحال طول الطريق، لا تتفوه إلا بتلك الجملة مرارًا وتكرارًا بلا توقف. حتى صفت "عفاف" سيارتها أمام باب المستشفى أخيرًا. هبطت "سلسبيل" تجر قدميها جرًا نحو المدخل، لا ترى أمامها من شدة انفعالاتها المتضاربة. تترنح يمينًا وشمالًا كالمخمورة، أنفاسها تتلاشى شيئًا فشيئًا، تشعر بجسدها ثقيل كما لو كانت تغرق بأعماق بحر مظلم.

لوهلة ظنت أنها تحيا إحدى كوابيسها البشعة. تسير بجوارها "عفاف" ممسكة بيدها، لتشهق فجأة شهقة قوية حين استنشقت رائحة عبق حبيب روحها. استجمعت شتات نفسها وقادها قلبها نحو مكانه.

كان الجميع يقف أمام باب العمليات إلا "بخيتة" التي دخلت للعناية المركزة لصعوبة حالتها الصحية. لمحتها "خضرا" فهرولت نحوها بخطوات متعثرة حتى وقفت أمامها مباشرةً. تطلعت لها "سلسبيل" بملامح بدت جامدة، رغم أنها تأثرت وشعرت بالشفقة عليها بسبب حالتها المزرية. نظرت لها نظرة طويلة ودموعها تسيل على وجنتيها الملتهبة أثر لطم خديها وتحدثت بصوتٍ مبحوح للغاية بعد وصلة صراخ كادت أن يمزق أحبالها الصوتية:

"حقك عليا يا خيتي.. أني غلط في حقك.. سامحيني يا سلسبيل". ختمت حديثها وعانقتها وأجهشت بنوبة بكاء مرير مرددة بنواح: "عبد الچبار فداني بعد كل اللي عملته وخد الطلقة مكاني.. اااه يا حرقة جلبي عليك يا راچلي". ابتعدت عنها قليلاً ونظرت لها بشبه ابتسامة مكملة: "رچلنا يا سلسبيل.. عبد الچبار قالي أنه ردك يا خيتي". تسمرت "سلسبيل" محلها لبرهةً، ومن ثم بادلتها عناقها هذا، يدها تربت على ظهرها وها قد اجتمعوا أخيرًا على حب رجل واحد،

مدمدمة بثقة عمياء: "أهدي يا أبلة خضرا وبطلي عياط.. عبد الجبار هيقوم منها وهيبقي كويس". هدوئها الغير لائق بالمرة على هيئتها المتألمة جعل الجميع ينظرون لها بترقب ينتظرون انهيارها بأي لحظة، لكنها خلفت ظنونهم وبقت هادئة، مسالمة عكس ما بداخلها من صخب وآلام تفوق التحمل تكاد أن تزهق روحها.

كانت هناك حالة من الهرج والمرج داخل المستشفى المتواجد بها "عبد الجبار"، جميع العاملين بها بلا استثناء يعملون على قدم وساق ليتمكنوا من إنقاذه. لتلجمهم جميعًا الصدمة حين حددوا مكان الرصاصة التي تقع بجوار القلب مباشرةً، وإذا تحركت أنش واحد ستُسبب جرح بعضلة القلب نفسها. "إحنا بنعتذر محدش هيقدر يجازف ويعمل العملية لـ عبد الجبار باشا لأن فيها خطورة كبيرة على حياته".

قالها مدير المستشفى بنفسه. صُدمت بها "سلسبيل" التي سقطت على ركبتيها أرضًا، وأثار غضب "جابر" الذي قبض على عنقه بقبضته الفولاذية مغمغمًا: "يعني ايييه محدش هيجازف.. يعني هتسبوه لغاية ما يموت يا ولاد ال***؟! "مافيش غير جراح واحد في مصر هو اللي هيقدر يعمله العملية دي". قالها المدير بأنفاس مقطوعة. ليخفف "جابر" قبضته قليلاً حول عنقه، وصرخ في وجهه بنفاذ صبر قائلاً: "ميييين هو أنطق؟ "جراح القلب الدكتور أيوب زيدان...

إحنا حاولنا نتصل بيه بس تليفونه مقفول، كلمنا المستشفى اللي هو مديرها بلغونا إن النهارده أجازته، هكتبلك عنوان بيته وروح هاته بنفسك لأن مافيش قدامنا وقت".

بالفعل تركه "جابر" على مضض، فأخرج ورقة وقلم من جيب البالطو الخاص به ودون بها عناوين دكتور "أيوب". خطفها منه "جابر" واستدار يستعد للذهاب، ليجد "سلسبيل" جالسة أرضًا بجوارها "عفاف" و"خضرا" يحاولان مساعدتها على النهوض، لكنها أبت وظلت على وضعها محتضنة بطنها بذراعيها في حالة ذعر شديد ومع ذلك لا تبكي متماسكة لأقصى حد.

هرول نحوها وجثى أمامها على ركبتيه، وجذبها بمنتهى الرفق من معصميها أرغمها على الوقوف، ودفعها بخفة لأقرب مقعد أجلسها عليه مغمغمًا: "متخفيش يا سلسبيل إن شاء الله عبد الجبار هيقوم منها.. ادعيلوا أنتي بس وفوضي أمرك لله". أنهى جملته واختفى من أمامها كالزئبق. ركض بكل ما يملك من سرعة حتى يحضر الطبيب لينقذ حياة الشخص الذي أصبح أعز صديق بالنسبة له. ***

حالة من الذهول أصابت "جابر" حين وصل بسيارته لعنوان الطبيب "أيوب". تطلع حوله للمنطقة الشعبية شديدة البساطة التي لا تتماشى مع كونه مدير أشهر المستشفيات في مصر!! صف سيارته وهبط منها يدور بعينيه يبحث عن منزله، ليلمح يافطة كبيرة مدون عليها اسمه بالطابق الأخير لمنزل قديم تم ترميمه حديثًا.

اندفع نحو الداخل راكضًا على الدرج حتى وصل لتلك الشقة التي يخرج منها صوت ضحكات تجمع عائلي تسر القلوب. أخذ نفس عميق يلتقط به أنفاسه اللاهثة، وضغط على الجرس عدة مرات حتى فُتح الباب وخرجت منه امرأة بشوشة الوجه. ابتسمت له بوداعة وهي تقول: "خير يا ابني! هم "جابر" بفتح فمه لتستطرد "زينب" بفخر وفرحة دون أن تمنحه فرصة للرد: "عايز ابني الدكتور أيوب مش كده؟ أجابها "جابر" بلهفة قائلاً:

"أيوه يا أمي.. عايزه ضروري جدًا في مسألة حياة أو موت". تطلعت له "زينب" بشفقة ومن ثم لفت وجهها ونادت بصوتها الحنون المليء بالحب: "أيوب.. يا دكتور أيوب يا نن عين أمك.. تعالي يا ضنايا". "اؤمريني يا أمه". هكذا لبى ندائها على الفور كعادته معها، وأتى إليها مهرولاً بهيبته وهيئته التي تخطف القلب. وقف بجوارها وحاوط كتفيها بذراعه لتشير له "زينب" على "جابر" الواقف بعيدًا عن وجهة الباب: "وفي واحد عايزك ضروري يا حبيبي".

نظر "أيوب" تجاهه وتحدث بترحاب قائلاً: "أهلاً وسهلاً.. اتفضل". "دكتور أيوب أنا آسف إني جاي لحضرتك من غير ميعاد بس في واحد واخد رصاصة في صدره وحالته خطيرة أوي وكل الدكاترة اللي كشفوا عليه رافضين يجازفوا ويعملوه العملية وقالوا محدش غيرك بعد ربنا اللي يقدر ينقذه". أردف بها "جابر" مرة واحدة دون أن يدع فرصة ليلتقط بها نفسه. "أنا جاي معاك".

قالها "أيوب" دون تفكير، فهو لن يغلق بابه أبدًا بوجه أحد لجأ إليه. قبل يد ورأس "زينب" مغمغمًا: "ادعيلي يا أمي". ربتت "زينب" على صدره بكف يدها بحنان بالغ وهي تقول: "دعيالك يا قلب أمك.. تربح وتكسب ويجعلك في كل خطوة خير وسلامة يا أيوب يا ابن زينب". كل ما يحدث كانت تتابعه "حبيبة" زوجته التي تحدثت بلهفة قائلة: "هتنزل من غير ما تاكل ولا حتى تغير هدومك يا أيوب؟!

ارتدى "أيوب" حذاءه الرياضي على عجل. أقترب منها ونظر لها نظرة العاشقة التي يخصها هي وحدها بها مدمدمًا: "لما الأكل يجهز كلميني هبعتلك عربية تجيبك عندي". طبع قبلة عميقة على رأسها، وهرول للخارج مسرعًا. انطلق برفقة "جابر" نحو المستشفى.

لم يمر سوى عدة دقائق حتى وصلوا إلى المستشفى بفضل سرعة "جابر" العالية. انقلبت المستشفى رأسًا على عقب فور علمهم بوصول الجراح الشهير "أيوب زيدان" تأهب الجميع لاستقباله، مجهزين له كافة شيء، ليتوجه "أيوب" نحو غرفة التعقيم مباشرةً. كانوا الجميع بانتظاره أمام غرفة العمليات. خرج هو عليهم وتطلع حوله، ينظرون له وكأنه طوق النجاة الوحيد الذي سينقذهم بانقاذه لرجلهم، فابتسم لهم ابتسامته الجذابة التي تطمئن القلب وهو يقول بكل ما

يملك من رحمة ورأفة بحالته: "اطمنوا يا جماعة.. خير بإذن الله". سارت نحوه "سلسبيل" بخطوات متعثرة، فحالتها ازدادت سوء بسبب آلام مبرحة تدهمها تحاول هي قدر الإمكان تحملها، وقد بهت لونها وتناثرت حبيبات العرق على جبينها، والهالات السوداء ظهرت فجأة أسفل عينيها التي يملؤها الحزن. وأردفت بنبرة جادة لا تقبل الجدال قائلة: "همضي إقرار على نفسي أني هتبرعلوا بقلبي وتاخد قلبي تدهوله يا دكتور بس يعيش".

رباااه.. جملتها هذه زلزلت قلوبهم جميعًا. تطلع لها "أيوب" بنظرة متفحصة، ومن ثم وجه نظره لإحدى الأطباء المساعدين وتحدث بأمر قائلاً: "ابعت لأخصائي نساء وتوليد خليه يجي حالاً". سار نحو غرفة العمليات وأشار بعينه على "سلسبيل" قبل أن يدلف للداخل مكملاً: "المدام بتولد...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...