اللهم يا سامع كل شكوى، يا شاهد كل نجوى، يا عالم كل خفية، يا كاشف كل كرب وبلية، يا منجي نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام نجي "سلسبيل" و "أولادها" بعينك التي لا تغفل ولا تنام، أجبر قلبها واشفِ "عبد الجبار" شفاءً لا يغادر سقماً يارب العالمين. تردد "عفاف" هذا الدعاء بلا توقف منذ دخول "سلسبيل" غرفة العمليات المجاورة لغرفة زوجها مباشرةً. بقي الجميع في حالة مزرية حقًا ينتظرون ولو بريق أمل يُزيح هذه الغمة عنهم.
"ماما عفاف.. سلسبيل بتولد إزاي وهي في السابع؟! قالتها "صفا" التي وصلت للتو حاملة حقيبة كبيرة بها كل أغراض "سلسبيل" الخاصة بالولادة. استقبلتها "عفاف" بضمة حنونة، وأخذت منها الحقيبة وبدأت تجهز ثياب الصغار وهي تقول بصوتٍ متحشرج بالبكاء: "الحمد لله إني جهزت لها كل حاجة هتحتاجها بدري.. قلبي كان حاسس أنها ممكن تعملها وتولد في أي وقت بسبب الضغط الكبير اللي بتمر بيه.. أدعيلها يا صفا تقوم بالسلامة." ربتت "صفا"
على كتفها مغمغمة بيقين: "إن شاء الله هتقوم بالسلامة هي والنونو يا ماما عفاف اطمني يا حبيبتي." "لا متخليهاش تولد يا دادة عفاف.. خليها حامل لو ولدت أمي هتموتها وتموت أخوي ولا أختي اللي هتيجي كيف ما عملت في أبوي." صرخت بها "فاطمة" الواقفة بإحدى الأركان محتضنة شقيقاتها ويبكيان بنحيب بصوتٍ مكتوم. جملتها جعلت الجميع يتطلع لـ "خضرا" بأسف، لتهرول مسرعة تجاه البنتين فاتحة ذراعيها وقد تذكرت وجودهما الآن.
"فاطمة.. حياة.. متخافوش يا ضناي.. تعالوا في حضني." ظهر الذعر على ملامحهما، وفروا مبتعدين عنها اختبؤا خلف ظهر "جابر". فعلتهما هذه كانت أقسى عقاب بالنسبة لها، أبنتيها خائفتان منها! تسمرت محلها تطلع لهما بأعين تنهمر منها العبرات حين قالت "حياة" أبنتها الصغيرة: "عمو چابر متهملناش وياها.. أبوي وصاك على أني وخيتي قبل ما يموت." جثى "جابر" على ركبتيه أمامها، ورفع يديه زال دموعهم برفق مردفًا بابتسامة مطمئنة:
"أبوكم مماتش.. أبوكم بإذن الله هيعيش وأنا معاكم أهو مش عايزكم تخافوا وتبطلوا عياط وأدعوا لبابا ولـ سلسبيل كمان يقوموا بالسلامة." أتت إحدى الممرضات وتحدثت بعملية قائلة: "جهزنا جناح لمدام سلسبيل تقدروا تنتظروها فيه على ما تولد." نهضت "صفا" حاملة الحقيبة، اقتربت من الصغيرتان ضمتهما بحنو، وسارت بهما وهي تقول: "أيه رأيكم تيجوا معايا نستنى النونو سوا في الأوضة."
تابعتهم "خضرا" بحسرة شديدة على حالها، لتنتفض بهلع حين وجدت باب غرفة العمليات يُفتح وخرج منه أحد الأطباء يتحدث بأنفاس لاهثة قائلاً: "المريض محتاج نقل دم فورًا." "أنا معاه قولي أتبرع فين." قالها "جابر" بلهفة وهو يفك زرار القميص من حول معصمه، ويرفعه ليظهر ذراعه له. "اتفضل معايا هناخد منك عينة ونحللها الأول." أسرعت "صفا" خلفه وهي تقول بستحياء: "أنا هاجي معاك يا جابر."
نظر لها "جابر" نظرة جعلت وجنتيها تتورد بحمرة الخجل، ليزيد من خجلها أكثر حين مد يده أمسك كف يدها الصغيرة بين راحة يده الضخمة ضاغطًا عليها بخفة. "تعالي." سارت بجواره تحاول سحب يدها من يده، لكنه رفض تركها هامسًا بأذنها: "مش هسيبك.. فاهمة.. أنا مش هسيبك.. ده أنتي وصية أمي يا صفا." خفضت رأسها حتى لا يرى ابتسامتها والدموع التي تجمعت بعينيها تدل على فرحتها بتمسكه بها.
"خضرا".. لم يبق أحدًا غيرها أمام غرفة العمليات، عينيها تذرف الدمع بغزارة، دموع ندم، حسرة، خوف من القادم. ضربت بيدها على رأسها مرددة ببكاء كاد أن يقطع أنفاسها: "اااه يا أخوي.. يارب لاجل حبيبك النبي تقلبه مقلب سلامة لخاطر البنتين الصغار." كفت عن البكاء حين رأت الطبيب المشرف على حالة "بخيتة" يقترب منها بوجهه لا يبشر بالخير. "خير يا دكتور.. أمه حصلها حاجة." أجابها الطبيب بأسف قائلاً:
"واضح إن المريضة اتعرضت لصدمة شديدة جدًا أدت لشلل رباعي وحالتها للأسف مش مستقرة.. ادعيلها." لطمت "خضرا" وجنتيها بعنف مرددة بنواح: "يا مرك يا خضرا.. يا وجع الجلب اللي ملوش علاج ولا دوا." داخل غرفة العمليات...
صدمة شلت الجميع حين توقف قلب "عبد الجبار" عن النبض رغم النجاح الكبير للعملية التي قام بها "أيوب" ببراعة وإتقان شديد. هرول مسرعًا نحو الجهاز الخاص بإنعاش القلب، وصعقه به مرات متتالية، يكرر المحاولة مرارًا وتكرارًا دون يأس وهو يقول بغضب عارم: "رافض الحياة لييييييييييييه." على الجانب الآخر بالغرفة التي تلد بها "سلسبيل" كانت الفرحة تعم المكان حين قالت الطبيبة التي تولدها بسعادة بالغة:
"ولدين.. جالك ولدين زي القمر يا سلسبيل." كان صوت بكاء الصغيران يجعل القلوب تتراقص فرحًا، فرحة غامرة تدمع لها العين إلى أن توقف أحدهما فجأة عن البكاء، وتباطأت أنفاسه وحتى نبضات قلبه. ظهر الذعر على وجه الطبيب المشرف على حالة الصغيران، وأسرع بإنقاذ الصغير بشتى الطرق أمام نظرات "سلسبيل" الزائغة، لكن في خلال لحظات فقط قد نفذ أمر الله وتوقف نبض الصغير تزامنًا مع عودة النبض لقلب والده.
حينها شعر قلبها بفقدان إحدى صغارها فهبطت عبراتها ببطء على وجنتيها، ابتسمت ابتسامة يملؤها الرضى مرددة بصوتٍ ضعيف مرتجف: "ابني فدى أبوه.. عبد الجبار هيعيش.. ابني فداه." حمل الطبيب الرضيع على يده، وركض به مهرولاً عبر الباب الداخلي المؤدي للغرفة المتواجد بها دكتور "أيوب"، وتحدث بأنفاس متلاحقة قائلاً: "دكتور أيوب.. قلب الطفل وقف فجأة."
كان "أيوب" انتهى للتو من إنقاذ "عبد الجبار"، ليطلق صرخة مغتاظة، وهو يلتقط الرضيع ووضعه على كتف والده العاري مرددًا بغضب مصطنع وهو يقوم بإنعاش قلبه بمهارة ودقة عالية: "الواد وأبوه دول حد مصلطهم عليا انهاردة ولا إيه؟! ليصل إلى سمعه صوت بكاء شقيقه التوأم، فتابع بتساؤل مستفسرًا: "هما توأم؟! "أيوه يا دكتور توأم.. مولودين قيصري.. والولادة تمت قبل معادها في الشهر السابع." لم يتوقف "أيوب" عن محاولة إنقاذ الرضيع وهو يقول:
"هات أخوه بسررررعة." ركض الطبيب واندفع نحو الرضيع الباكي، حمله على الفور وهرول مسرعًا أمام أعين "سلسبيل" التي تتابع ما يحدث بقلبها قبل عينيها. لحظات مرت من أصعب اللحظات، حبس الجميع أنفاسهم وهم يتابعون محاولات "أيوب" المستميتة لإنقاذ الرضيع، قام بوضع شقيقه بجواره داخل حضن والدهما الذي بدأ في استعادة وعيه رويدًا رويدًا. هبطت دموع "سلسبيل" بغزارة على وجنتيها متمتمة بهمس ضعيف بنبرة متوسلة:
"يارب.. أجبر قلبي يا جبار.. يارب متوجعش قلبي على ضنايا ولا على أبوه.. يارب أنا ملحقتش أخده في حضني." وها قد حان وقت الجبر. جبر السلسبيل الذي أثلج قلبها حين وصل لسمعها صوت بكاء الصغيران معًا من جديد، يليه صوت تكبير من جميع الحاضرين الذين بكوا من شدة تأثيرهم عندما خر "أيوب" أرضًا ساجدًا.
لتجهش "سلسبيل" في البكاء والضحك في آنٍ واحد حين استمعت بقلبها اسمها من بين شفتي "عبد الجبار" يقول دون أن يفتح عينيه وهو يضم صغاره بجسده بحماية دون إرادة منه: "س سلسبيل.." تأوهت "سلسبيل" بصوتها كله مرددة بفرحة غامرة: "آآآه يا عبد الجبار... يا جبر السلسبيل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!