"سلسبيل" أتذكروني؟! ..تلك الأنثى الضعيفة، المنكسرة التي تزوجت بالإجبار لتنجو بحياتها من ظلم والدها. لكن دعوني أعترف لكم بشيئًا سيبدو مريبًا لكم جميعًا، عفوًا لا يوجد أنثى ضعيفة على وجه الأرض! ضعفنا هذا ستار نخفي خلفه ما نريد الحصول عليه، لذلك ذُكر كيدنا بالقرآن الكريم.
أعترف الآن أن ضميري يأنبني منذ أن أصبحت زوجة ثانية لرجل كانت حياته هادئة مكتفي بزوجته وابنتيه حتى ألتقي بعيناي التي تعمدت رمقه بنظرة ثاقبة أصابت قلبه في الحال. نظرة كنت أستجديه بها أن لا يتركني. أنا من سعيت لزواجي منه فور رؤيته. لو كنت طلبت منه المساعدة فقط وأظهرت عدم تقبلي له من بادئ الأمر، كان ساعدني وأبعدني عن والدي وعنه هو أيضًا. لكن أنا من فتحت له طريقًا سهل نحو قلبي.
طمعت في قلبه فأوقعته بشباكي وأغرقته في بحر عشقي بكامل إرادته. فقد كنت على دراية كاملة بحسن أخلاقه ومعاملته لزوجته التي جعلتها ملكة متوجة. لن أنكر أني تمنيته لنفسي، يكن رجلي أنا الذي طالما حلمت به. وقد كان حصلت عليه واستحوذت على قلبه ونزعت عن زوجته تاجها وأخذته لنفسي. دمرت بوجودي قلبها وأظهرت أسوء ما فيها. وها أنا أقف على عتبة الغرفة التي يرقد بداخلها بعد أن نجا من الموت بأعجوبة.
يمزقني شعوري بالندم والألم على ما فعلته به وبعائلته الصغيرة. أنا الزوجة الثانية لكني الجانية الأولى. فإذا كان هناك أحدًا مذنب في حكايتي هذه، فهي أنا تلك المذنبة التي أغرمت برجل رأت مدى عشق زوجته له ومع ذلك لم ترحم لوعة قلبها وسرقته منها. تمنيت الجبر لقلبي لكني لم أنتبه أن جبري هذا سيكون على حطام قلب زوجته الأولى. لوهلة تخيلت نفسي مكانها، أرى زوجي يذوب عشقًا بامرأة غيري أمام عيناي.
لن أتردد لحظة ولن يقدر أحد على منعي من تمزيقها وتمزيقه معًا بأسناني أربًا. كل ما فعلته "خضرا" لن يكن شيء أبدًا أمام ما أنوي على فعله إذا كنت أنا مكانها!! مجرد التخيل فقط أن زوجي بحضن امرأة غيري جعلني أتهيأ لأخذ عزاه بابتسامة واسعة بعدما أنهى حياته بيدي. صدق من قال هذا المثل: المرأة ترى زوجها بقبره ولا تراه مع امرأة أخرى حقًا صدق. نصيحتي لكل من قرأ حكايتي: إياكِ أن تقربي من رجل متزوج.
إياكِ ثم إياكِ أن تدمرى قلب امرأة مثلك فسوف يأتيكِ عقاب قاسٍ من الممكن أن يمزق قلبك وروحك لأشلاء مثلي تمامًا الآن. "مش هتدخلي معايا ليه يا أبلة خضرا؟! أردفت بها "سلسبيل" بتساؤل حين رأت "خضرا" توقفت قبل عتبة باب الغرفة وتراجعت للخلف خطوتين. ابتلعت "خضرا" رمقها بصعوبة وهي تقول بصوتٍ متحشرج بالبكاء: "خليني أنا أهنه.. هو مطلبش شوفتي.. لو طلبني هدخله."
ابتسمت لها "سلسبيل" ابتسامة باهتة، وأخذت نفس عميق قبل أن تسير بخطواتها البطيئة مستندة على إحدى الممرضات بيد، ويدها الأخرى تضعها أسفل بطنها مكان جرح ولادتها القيصرية. خفق قلبها بشدة كلما اقتربت من الفراش الممد عليه زوجها. انهمرت دموعها على وجنتيها بغزارة. تعالت وتيرة أنفاسها أصبحت على هيئة شهقات عالية متقطعة، فجرحها جعلها لا تقوى على البكاء إلا بتلك الطريقة. حتى وصلت لسمعه فنتفض متأوهًا في مضجعه مرددًا بلهفة:
"سلسبيل.. يا حبة جلبي." عاشق ومُغرم هو بها وليس على العاشق لوم. أخيرًا قطعت المسافة الفاصلة بينها وبينه. ساعدتها الممرضة على الجلوس على مقعد بجوار سريره، لترتمي عليه بحذر شديد تقبل وجهه قبلات حارة متفرقة، ودموعها تنهمر على بشرته حتى اختلطت بدموعه هو. "عبد الجبار.. يا حبيبي.. أنا السبب في كل اللي حصلك.. ياريتك سبتني لأبويا يموتني.. يا ريتك ما اتجوزتني.. يا ريت قلبك ما حبني.. ياريتني مت قبل ما تشوفني مكنش كل ده حصلك."
أسكتها هو بفمه الذي التقط شفتيها بين شفتيه يقبلها بلهفة قبله عميقة غير عابئ لوجود الممرضة التي انسحبت للخارج على الفور بحرج تترك لهما بعد الخصوصية. ابتعد عنها على مضض، وتحدث بنبرة صوته الذي يدغدغ مشاعرها قائلاً بمنتهي العشق: "بعيد الشر عنك يا حبة الجلب.. فداكي يا سلسبيل.. أني فداكي ولو رجع بيا الزمن من التاني مكنتش ههملك واصل."
صمت لبرهةً يلتقط أنفاسه، وتابع بصوتٍ اختنق ببكاء مخيف جعل "سلسبيل" تبكي لبكاءه حين قال بقلبٍ ملتاع أرهقه الفراق: "خوفت أموت وأنتي مش على ذمتي عشان أكده رديتك لعصمتي.. بس رايدك برضاكي.. برضاكي يا سلسبيل." قبلت عينيه ببطء كأنها تتذوق دموعه: "بحبك.. بحبك يا أبو ولادي.. بحبك يا عبد الجبار وعارفة أني أنانية في حبك بس مش هقدر أبطل أحبك.. والله ما هقدر." ابتسم لها ابتسامته التي تُذيب قلبها العاشق له مغمغمًا:
"قولتهالك قبل سابق وهقولهالك تاني." نظر لعينيها نظرته المُتيمة التي تأثرها مكملاً: "كأنك مولودة في جلبي يا بت جلبي يا أم سند وجبر." ضحكت بفرحة غامرة وهي تقول: "الله.. سند عبد الجبار وجبر عبد الجبار.. أيه الأسامي الحلوة.. عجبوني أوي يا أبو جبر." تأمل ملامحها بافتتان و بهمس قال: "أنتي جبر جلب عبد الجبار يا سلسبيل.. مع إنك كيف حب الرمان معرفش أتلم عليكي بتفرطي من يدي فرط.. بس خلاص من انهاردة مهتغبيش عن عيني واصل."
ظهر الحزن على ملامح "سلسبيل" أخفت فرحتها وهمست بتساؤل وخجل قائلة: "طيب وأبلة خضرا يا عبد الجبار.. هتعمل معاها أيه؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!