الفصل 18 | من 20 فصل

رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
22
كلمة
1,769
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

في أوقات غضبنا نجتهد حتى نجرح غيرنا، لكن بعد فوات الأوان ندرك أننا لم نجرح سوي أنفسنا. نحن مخلوقين من ماء وطين، لو زادت الماء نبقي نهر، ولو زادت الطين نبقي حجر. لا شيء يدوم للأبد في هذا العالم ولا حتى مشاكلنا. الحياة مجرد رحلة تحتاج منا الكثير من الرفق، التسامح، وتجاهل الأخطاء. لذلك عش اليوم فالغد قد يكون أو لا يكون. "صورة تاريخية".

ألتقطها "جابر" بهاتفه لحظة خروج "عبد الجبار" برفقة صغاره من غرفة العمليات بعد مكوثه داخل غرفة الإفاقة حتى استعادة وعيه. الصغيران نائمان فوق كتف والدهما الذي مازال بين الوعي واللاوعي. لكنه يضمهما بذراعيه المعلقان بهما الكثير من الأسلاك الطبية بهيئة تخطف القلب وتدمع لها العين. "حمد لله على السلامة يا أبو الجبابرة.. يتربوا في عزك يا غالي". قالها "جابر" بمزاح أثناء تصويره مقطع فيديو له معهم.

مال عليه أثناء سيره بجوار السرير النقالي مكملاً: "الحمد لله ربنا قومك بالسلامة. كلنا نبارك لـ عبد الجبار باشا المنياوي على الولادة ونقوله يتربوا في عزك وربنا يتمم نفاسك على خير إن شاء الله". "أفوقلك بس وهخبرك زين مين اللي بيولد". قالها "عبد الجبار" بوعيد بصوتٍ متعب للغاية. وبلهفة تابع: "سلسبيل.. بناتي.. أمي". "إحنا أهو يا أبوي". نطقت بها "فاطمة" ابنته الباكية وهي تهرول بخطواتها نحوه وخلفها شقيقتها.

نظر لهما "عبد الجبار" بأعين شبه مغلقة، وأبتسم ابتسامته المطمئنة قبل أن يختفي لداخل غرفة العناية المركزة. كانت "خضرا" تقف على مسافة منه، تتابعه بعينيها الغارقة بالدموع، غير قادرة على الاقتراب منه أو حتى من بناتها اللتان يصرخان بذعر حقيقي ويختبأن كلما وقعت أعينهما عليها. فور دخول "عبد الجبار" العناية حملت إحدى الممرضات الصغيران مردفة بعملية: "الأطفال لازم يدخلوا الحضانة عشان الدكتور يعملهم فحص شامل".

همس "عبد الجبار" بقلق وعينيه تتابع صغاره قائلاً: "أمهم.. طمنيني على أمهم؟ أجابته الممرضة وهي تضع الصغيران على سرير نقال خاص بهما وتغادر الغرفة على الفور: "أطمن الأم كويسة جدًا". "حمد لله على السلامة.. خضتنا عليك يا راجل". أردف بها "أيوب" الذي دلف للتو وبدأ يقرأ نتائج الأجهزة التي تم توصيلها بصدر ويد "عبد الجبار". تنهد "عبد الجبار" تنهيدة حزينة وهو يقول: "الله يسلمك يا دكتور.. هخرج أمتى من أهنه؟

رفع "أيوب" حاجبيه معًا، وتطلع له مشدوهًا مغمغمًا: "تخرج أمتي إيه!! .. أنت ربنا نجاك من طلقة كان بينها وبين القلب واحد سم، وخرجت برحمة ربنا ورأفته بمراتك اللي كانت عايزة تتبرع لك بقلبها وولدت قبل معادها من خوفها وقلقها عليك". "عشانها وعشان ولادي لازم أخرج من أهنه". قالها "عبد الجبار" وهو يكافح بضراوة حتى ينهض من مضجعه. ليوقفه "أيوب" مسرعًا وهو يقول بتحذير: "أهدي يا عبد الجبار.. أنت كده بتعرض نفسك للخطر".

أنهى جملته وقام بإعطائه حقنة مهدئة. أغمض "عبد الجبار" عينيه المجهدة، وبدأ يهذي بقلبٍ ملتاع: "سلسبيل.. مراتي .. لازم أكون چارها". ربت "أيوب" على كف يده المنغرس بها حقن معلق بها محاليل طبية وكيس من الدماء، وتحدث بهدوئه المعتاد قائلاً: "مراتك كويسة وخرجت من العمليات متقلقش.. وأول ما مفعول البنج يروح هتجيلك هنا تطمنك عليها بنفسها". مّرت عدة ساعات، هدأ روع الجميع قليلاً باستقرار الأوضاع في الوقت الحالي.

فغادر "جابر" المستشفى برفقة "صفا" ومعهم بنات "عبد الجبار". وظلت "خضرا" تجلس بمفردها أمام غرفة العناية المتواجد بها زوجها. رغم أن الطبيب المشرف سمح لها بدخول والاطمئنان عليه، لكنها لم تقوى على مواجهته. فضلت الانتظار لعله يطلب رؤيتها هو. بينما بقت "عفاف" مع "سلسبيل" التي فور شعورها بأطرافها قالت بفرحة غامرة: "أنا حاسة برجلي يا ماما عفاف.. ساعديني أقوم.. عايزة أروح أطمن على عبد الجبار وأشوف ولادي في الحضانة".

هرولت "عفاف" نحوها مرددة بتعقل: "أستنى لما أنادي الدكتورة تطمني عليكي الأول يا سلسبيل". تعمقت "سلسبيل" بذراعها ونهضت بصعوبة شديدة وهي تقول بأنفاس متهدجة: "لا.. مش هقدر أستنى أكتر من كده.. أنا هتجنن وأطمن عليهم يا ماما.. ولادي وأبوهم واخدين قلبي معاهم". ساعدتها "عفاف" بخلع رداء المستشفى، وألبستها منامة وردية ومن فوقها روب طويل من اللون الأسود أحكمت أغلاقه ورفعت الكاب الخاص به على شعرها.

أخذت "سلسبيل" نفس عميق قبل أن تغادر الفراش بوهن وضعف، تحملت على نفسها، وكتمت آهة متألمة حين انتصبت واقفة. استندت بيد على "عفاف" التي قالت بحنو: "حاولي تفردي ضهرك يا بنتي". لم تنطق "سلسبيل" بحرف واحد، قطعت الحديث تمامًا من قوة الألم الذي يفتك بها، لكنها تحملته. ومدت يدها الأخرى استندت على المشجب المعلق به المحلول المتصل بكف يدها، وبدأت أول خطواتها تجر قدميها جرًا على الأرض لا تقوى حتى على رفعها.

"عايزين نروح الحضانة لو سمحتي". قالتها "عفاف" فور خروجهما من الجناح. لتقبض "سلسبيل" على يدها بأصابعها الباردة، وتحرك رأسها بالنفي مرددة بصوتٍ بالكاد يُسمع: "عبد الجبار.. وديني عنده الأول". ظهر الضيق على وجه "عفاف" وتحدثت بأسف قائلة: "خضرا هتلاقيها عنده هناك يا سلسبيل وبصراحة أنا خايفة عليكي منها وأنتي لسه والدة وتعبانة كده لتعمل فيكي حاجة.. إحنا مش ناقصين يا بنتي". هبطت دموع "سلسبيل" على وجنتيها وهي تقول بنبرة راجية:

"عشان خاطري.. عشان خاطري يا ماما وديني عنده". حركت "عفاف" رأسها بيأس، ورفعت يدها مسحت دموعها: "أمري لله.. حاضر هوديكي عنده تعالي نركب الاسانسير لأن هو في تاني دور وإحنا هنا في السابع". سارت بخطواتها البطيئة معها حتى وقفت بها "عفاف" أمام باب الاسانسير ينتظران صعوده. فُتح الباب ليجدوا "جابر" أمامهما يقول بقلق وهو يقترب من "سلسبيل" بلهفة: "أيه ده رايحين فين؟! أجابته "عفاف" قائلة: "مصرة تطمن على عبد الجبار بيه".

تطلع لها "جابر" بنظرة عاتبة، وفاجأها بلف يده حول خصرها ضمها كلها داخل صدره وهو يقول بغضب: "مش أنا طمنتك عليه ووريتك الفيديو اللي صورته له عشان أذل أنفاسه بيه.. عجبك يعني وأنتم مش قادرة تقفي كده يا سلسبيل!! لم تستطيع الرد عليه، ولا حتى الابتعاد عنه، بل أن تعبها الشديد أرغمها بإلقاء جسدها عليه. رمقته "عفاف" بنظرة ذات مغزى مدمدمة: "امممم.. كويس إنك رحت صفا وجيت تاني عشان تقولها.. أصلي مش قادرة أمنعها لوحدي".

تهرب "جابر" بعينيه من أعين "عفاف" التي ترمقه بنظرة يملؤها الأسف، فعشقه لـ "سلسبيل" مازال محفورًا بقلبه، وظهر على قسماته حين ضمها لصدره بلهفة هكذا. "لا.. وديني عنده عشان خاطري يا جابر". همست بها "سلسبيل" منعته بالعودة بها تجاه غرفتها مرة ثانية. نفذ طلبها على مضض، ودلف بها لداخل الاسانسير خلفهما "عفاف" وهو محاوطها بذراعه حتى أصبحت قدميها لا تلمس الأرض.

توقف بهما الاسانسير في الطابق المقصود، وفور فتح الباب وجدوا "خضرا" تنهض من على مقعدها، وتطلع نحوهم بأعين متسعة، متعجبة من وضع "سلسبيل" المستندة على "جابر". حاولت "سلسبيل" الابتعاد عن "جابر" وقد شعرت بالإحراج، إلا أنه أبي أن يتركها. "مش هسيبك يا سلسبيل.. أنا لو سبتك هتقعي وده مش هيحصل.. مافيش أي حاجة ولا أي حد يقدر يوقعك تاني طول ما أنا في ضهرك". كان يتحدث بصوتٍ عالٍ متعمد أن يصل لسمع "خضرا".

سارت "سلسبيل" برفقته حتى وصلت أمام باب العناية المغلق فطرق "جابر" عليه بقبضة يده. بينما بقت "خضرا" واقفة مكانها، تتابعهم بصمت. خرج أحد الأطباء المشرفين على العناية، وتحدث بعملية قائلاً: "خير يا فندم". "المدام عايزة تطمن على عبد الجبار بيه". قالها "جابر" بصوته الأجش، ليبتسم الطبيب ويشير على "سلسبيل" وهو يقول بثقة: "أكيد حضرتك مدام سلسبيل؟ حركت "سلسبيل" رأسها بالإيجاب. ليتابع الطبيب بابتسامة أكثر اتساعًا:

"عبد الجبار بيه مبطلش سؤال عنك ولو كنتي اتأخرتي أكتر من كده كان هيجيلك هو". سار من أمامهم تجاه غرفة أخرى مغلقة وفتحها مكملاً: "اتفضلي أدخلي هنا وهبعتلك ممرضة تعقمك الأول". نظرت "سلسبيل" تجاه "خضرا" وهمست بابتسامة متألمة: "تعالي يا أبلة خضرا.. هندخله سوا".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...