تحميل رواية «جبر السلسبيل الجزء الثاني» PDF
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسود حالة من الفزع داخل المقر الرئيسي لشركة المنياوي بالإسكندرية. الخوف يملئ القلوب، والجميع يعمل على قدم وساق، خاصة رؤساء الأقسام الذين يكثفون جهدهم أضعافًا مضاعفة حتى ينهوا عملهم على أكمل وجه، خوفًا من أن يطولهم غضب "عبد الجبار". بينما يقف هو بطوله الشامخ أمامهم مولياً ظهره، ينظر من نافذة مكتبه بأنفاس مهتاجة من شدة انفعاله. يتناول سيجاراً تلو الآخر وينفث دخانه كما لو كانت نيران متوهجة تخرج من فتحتي أنفه. رغم جمود وصلابة ملامحه، فهو كعادته بارع في إخفاء مشاعره وما يؤلم قلبه. إلا أن عينيه بدت مخ...
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الأول 1 - بقلم نسمة مالك
تسود حالة من الفزع داخل المقر الرئيسي لشركة المنياوي بالإسكندرية. الخوف يملئ القلوب، والجميع يعمل على قدم وساق، خاصة رؤساء الأقسام الذين يكثفون جهدهم أضعافًا مضاعفة حتى ينهوا عملهم على أكمل وجه، خوفًا من أن يطولهم غضب "عبد الجبار".
بينما يقف هو بطوله الشامخ أمامهم مولياً ظهره، ينظر من نافذة مكتبه بأنفاس مهتاجة من شدة انفعاله. يتناول سيجاراً تلو الآخر وينفث دخانه كما لو كانت نيران متوهجة تخرج من فتحتي أنفه. رغم جمود وصلابة ملامحه، فهو كعادته بارع في إخفاء مشاعره وما يؤلم قلبه. إلا أن عينيه بدت مخيفة وقد اختفت منها بريق العشق الذي كان يزينها مؤخراً.
تبدل حاله للنقيض بعدما تعرض لصفعة خذلان من أحب وأقرب البشر لقلبه، زوجته وطفلته "سلسبيل". ارتكبت خطأ فادحاً بحقه جرحت به رجولته جرحاً مميتاً. ما يشعر به الآن إحساس لن تستطيع الكلمات وصفه، يشعر بخيبة الأمل وما أصعب هذا الشعور. اعتذارات العالم أجمع لن تكفيه. لا شيء يستطيع تعويض قلبه الذي خُذل من شخصه المفضل.
قلبه! أسفاً عليه بعد فراقه عن نبع الحياة بالنسبة له، أخذت معه روحه، مهجة فؤاده، ابتسامته. ذلك النابض باسمها وحدها صدأ كالحديد، لا يئن ولا يحن. غلفته قسوة وجبروت جديد كلياً عليه، بعدما كان يتميز بالرأفة في معاملته مع العاملين داخل وخارج شركاته.
"كده ملف القضية مبقاش ليه وجود زي ما سيادتك طلبت يا عبد الجبار باشا."
قالها أحد الجالسين بصوتٍ يملؤه الفخر، وكأنه حقق أعظم انتصاراته حين نفذ ما طلبه منه.
أطبق "عبد الجبار" جفنيه بقوة، واصطك على أسنانه بعنف كاد أن يهشمهم حين تذكر تلك اللحظة التي تمزق بها قلبه أشلاء.
... فلاش باااااااااااك ...
أرغم نفسه على الابتسامة حين رأى "جابر" مقبلاً عليه ممسكاً بيد جده العجوز. ظن أنها إحدى زياراتهم لابنته التي تكررت أكثر من مرة منذ وصولهم إليها. أصبح جدها يأتي لها باستمرار برفقة ابنته "سعاد". وإذا جاء برفقة "جابر" حفيده، لابد أن يكون في وجوده.
"يا مُرحب يا عم الحاج.. نورت الدار."
قالها "عبد الجبار" بترحاب وهو يأخذ بيده الأخرى وسار بجانبه نحو الداخل مكملاً.
"عفاف.. قولي لسلسبيل هانم إن جدها وصل بالسلامة.. وجهزوا الوكل قوام."
"أحنا هنمشي على طول.. مش جاين المرادي نضايف يا عبد الجبار بيه."
قالها "فؤاد" بأسف وصوت بدا مرتبكاً للغاية. تملك القلق من قلب "عبد الجبار" خاصة حين تنقل بنظره بينهما، ليجد نظرة "جابر" تتراقص فرحاً لأول مرة منذ وقت ما دلف لمنزله. كل مرة يأتي بها كانت نظرته يملؤها الحسرة والألم.
فتح "عبد الجبار" فمه وكاد أن يستفسر منه عن مقصده، إلا أنه انتفض فجأة كمن لدغته عقرب حين رأى زوجته تهبط الدرج بعباءتها السوداء ساحبة خلفها حقيبة كبيرة وعيناه منتفخة أثر بكائها الشديد. سقط قلبه أرضاً وهو يهرول نحوها بخطوات راكضة.
وقف أمامها ينظر لها بتساؤل وأعين منذهلة بعدما رآها تتهرب بعينيها الدمعة منه، وترسم الجمود على ملامحها التي كساها الحزن ثانيةً. لم يسعفه لسانه بالنطق بحرف واحد، ظل يحلق فيها منتظراً إجابة لهيئتها هذه.
ساد الصمت طويلاً إلى أن قطعه "فؤاد" قائلاً:
"إحنا جاين انهارده عشان ناخد بنتنا معانا من غير مشاكل.. سلسبيل قالتلي أنها مش قادرة تسامحك على لعبك عليها بخصوص مرضها وعايزة تطلق منك.. فياريت يا ابني زي ما دخلنا بالمعروف ننفصل بالمعروف."
ربااااه!!! ماذا يقول هذا الرجل على لسان زوجته؟! هي بنفسها أخبرته من قبل عن عفوها عنه، وتناست هذا الأمر تماماً. ضحك فجأة ملء فمه أمام أعينهم المندهشة، فقد أقنع نفسه أنهم يمزحون معه. كان الموقف حقاً مخيفاً، خاصة حين دلفت "بخيتة" التي كانت تتجسس على ما يقال كعادتها. اقتربت من "فؤاد" مستندة على عكازها، وتحدثت بغضب عارم قائلة:
"طلاق إيه اللي بتتحدت عنه.. معندناش حريم تطلب الطلاق.. ده راجلها يدفنها حية بيده في جبرها أهون ما تخرج من داره مطلقة."
أصبح الجميع على يقين أن ما يحدث الآن لا ولن يمر مرور الكرام بعد حديثها هذا الذي كان بمثابة سكب الزيت على النيران، جعل "جابر" يكاد أن ينفجر بوجهها هي وابنها، إلا أنه لجم غضبه بشق الأنفس، وظل ملتزماً الصمت بأمر من جده.
بينما "عبد الجبار" كان في حالة من الذهول وعدم الاستيعاب.
"سلسبيل رايدة تطلق مني؟!"
أردف بها وهو يغمز لها في الخفاء. تفهمت هي أنه يذكرها أنهما منذ دقائق كانت تعترف له وهي بين حنايا صدره عن مدى عشقها له الذي فاق كل الحدود، أخبرته أنها تمثل له الدنيا وما عليها، وأن وجودها بجواره هو كل ما تتمناه.
ابتلعت غصة مريرة بحلقها قبل أن تطلع له بقوة زائفة.
"أيوه أنا عايزه أطلق منك يا عبد الجبار."
أردفت بها بصراخ مقهور، وهي تندفع من أمامه نحو جدها وتابعت بنبرة متوسلة:
"ياريت تسبني أمشي مع جدي وأنا هتنازل ليك عن كل حقوقي.. حتى شنطة هدومي مش عايزاها.. مش عايزة منك غير ورقة طلاقي وبس."
أنهت جملتها، ومدت يدها أمسكت يد جدها، وتابعت بأنفاس متقطعة.
"يله بينا من هنا يا جدي."
شهقت بقوة حين لف "عبد الجبار" ذراعه حول خصرها فجأة وسحبها عليه بلهفة حتى أصبحت خلف ظهره. لا تعلم كيف ومتى قطع المسافة بينه وبينها. وقف أمامها كالسد المنيع صائحاً بصوته الأجش:
"سلسبيل مراتي.. مرات عبد الجبار المنياوي، ومافيش قوة على وجه الكون ده كله تقدر تاخدها مني."
"بنتنا هناخدها لو مش بمزاجك هيبقي غصب عنك."
كان هذا صوت "جابر" الذي كسر كلمة جده، وخرج عن صمته. أشعل غضب "عبد الجبار" أكثر حتى وصل لزرواته، جعله يهجم عليه ويكيل له لكمات متتالية دون سابق إنذار.
كان "جابر" متوقعاً رد فعله هذا، ومستعداً للدفاع عن نفسه باحترافية شديدة. بغمضة عين نشبت بينهما معركة دامية، لتصدح صرخات "سلسبيل" وعويل "بخيتة" وحتى "خضرا" التي أتت على الصراخ من داخل المطبخ.
"كفايا يا عبد الجبار بالله عليك."
نطقت بها "سلسبيل" وهي تحاول الوصول إليه، لكن يد "عفاف" التي جذبتها داخل حضنها أوقفتها.
تتبع "فؤاد" مصدر الصوت، واستطاع الوصول لهما. أمسك يد حفيده الذي تعرف عليه من رائحة عطره، وتحدث بأمر قائلاً:
"بس يا جابر.. أبعد عنه بقولك!!!.. سيبه يا عبد الجبار بيه ميصحش كده إحنا في بيت جدك."
لم يكمل جملته بسبب لكمة قوية لكمها له "عبد الجبار" دون قصد منه، سقط على أثرها أرضاً.
"جددي."
صرخت بها وهي تركض تجاهه، وجلست بجانبه على ركبتيها تتفحصه بلهفة، وأعين تفيض بالدموع.
ليزيد الأمر سوءاً حين دوى صوت طلق ناري صم الآذان. رفعت رأسها ونظرت تجاه مصدر الصوت بعينين مذعورتين، لتجد زوجها مصوب سلاحه الناري على موضع قلب "جابر".
"بتضرب نار علينا وإحنا في بيتك.. دي مش أخلاق أهل الصعيد أبداً."
قالها "فؤاد" وهو يستند على حفيدته، وانتصب واقفاً بضعف.
"أنت اللي مخابرش أخلاق رجالة الصعيد زين."
صاح بها "عبد الجبار" بصوته القوي هز جدران المكان من حوله، وتابع بلهجة لا تحمل الجدال:
"أني بدافع عن سلسبيل.. مراتي.. اللي حفيدك قال هياخدها غصب عني.. وده لو حصل و سلسبيل خرجت من داري الليلة هيبقي على جثة حد منا."
"مش هخرج.. مش هخرج يا عبد الجبار بس نزل السلاح وسبهم هما يمشوا عشان خاطري."
قالتها "سلسبيل" من بين شهقاتها الحادة. حاولت السيطرة على بكاءها، وتابعت حديثها بقلة حيلة:
"خد جابر وامشي يا جدي.. أنا خلاص هفضل مع جوزي."
"هتفضلي معاه غصب عنك!!.. هي دي الرجولة يا عبد الجبار بيه.. تجبر واحدة على العيشة معاك."
قالها "جابر" بمشاعر مشحونة تعصف بقلبه المعذب بحبها.
ليصيح "عبد الجبار" فيه بلهجته الصلبة قائلاً:
"مش عبد الجبار المنياوي اللي يغصب حرمة على العيشة وياه.. أني رايد أتكلم مع مراتي.. أفهم منها أيه السبب الحقيقي اللي مزعلها مني أكده، ولو لقيت عندها حق.. هرضيها وأحب على راسها ويدها كمان لحد ما ترضى وتصفى من جهتي."
قال "فؤاد" بتعقل:
"ولو مرضيتش.. وفضلت مصرة على طلاقها منك يا عبد الجبار بيه هتعمل إيه ساعتها؟!"
نظر "عبد الجبار" لزوجته التي توقفت عن البكاء، وتنظر له نظرة متوسلة ترجوه بها أن يطلق سراحها، لكنه أشاح بعينيه عنها ونظر لـ "خضرا" وتحدث بأمر:
"خدي سلسبيل على أوضتها."
وجهه نظره لـ "عفاف" مكملاً:
"طلعي شنطة الهانم ورجعي حاجتها كيف ما كانت."
تنهد بارتياح حين رأى زوجته تصعد الدرج مرة أخرى، فتحدث بثقة قائلاً:
"متقلقش يا حاچ فؤاد.. أني خابر كيف هراضي مراتي من غير ما حد يدخل بنتنا."
بعد حديثه هذا لم يجد "فؤاد" أمامه سوى أخذ حفيده بالقوة وعادوا حيث أتوا. عقب رحيلهم هرول "عبد الجبار" مسرعاً تجاه زوجته، دفع باب الغرفة ودلف للداخل، لتخرج "خضرا" التي كانت تقف بجوار الفراش الجالسة عليه "سلسبيل" تربت على ظهرها كمحاولة منها لتكف عن البكاء.
انتظرت "سلسبيل" حتى تأكدت من ذهاب "خضرا" ورفعت رأسها ببطء، ثم عينيها ونظرت لزوجها نظرة مشفقة على حالته المزرية، الدماء المتناثرة على وجهه وثيابه، دماء مشتركة بينه وبين "جابر".
أجهشت بالبكاء وهي تقول:
"بتضرب جدي.. الراجل العجوز العاجز في بيتك يا عبد الجبار!!.. أنا بعد عملتك دي بقيت مصرة أكتر على طلاقي منك.. طلقني يا عبد الجبار أبوس رجلك.. لو مش هتطلقني يبقي تدفني صاحية زي قالت أمه بخيتة وخليني أخلص من العذاب اللي مش عايز يسبني في حالي ده."
شعر أنه أخطأ في حقها بفعله المتهور هذا، ولكن الأمر لا يستحق أنها تصر على الطلاق هكذا، أسبابها ليست مقنعة على الإطلاق. تيقن أن هناك شيئاً ما يرغمها على طلب الطلاق منه.
كانت حالتها لا تحتمل أي جدال الآن، فضل عدم طرح أسئلة عليها بالوقت الحالي، وقرر أن يحتويها حتى لا تتدهور حالتها أكثر. فتنهد بقوة مغمغماً بخفوتٍ:
"خابر أن غلطي في حقك واعر."
قالها بعدما قطع المسافة بينه وبينها، جثى على ركبتيه أرضاً أمامها، احتضن يدها الصغيرة بين كفيه ضاغطاً عليها برفق، وهمس بصوت جاهد على جعله طبيعياً لكنه خرج مرتجفاً بعض الشيء:
"بس طلاق لا.. أحب على يدك طلاق لا يا سلسبيل."
أغمضت عينيها ببطء لتنهمر عبراتها على وجنتيها بغزارة، تعالت شهقاتها وبصعوبة بالغة همست بغصة مريرة يملؤها الأسى:
"مش هينفع.. صدقني مش هينفع أفضل على ذمتك بعد النهارده."
فتحت عينيها ونظرت لعينيه نظرة أرتعش منها قلبه وتابعت بابتسامة حزينة:
"لو فضلت مراتك هموتلك نفسي يا عبد الجبار!!"
"موتيني أنا فيكِ يا بت قلبي."
قالها بصوته المزلزل قبل أن يخطفها ذراعه كالخطاف لداخل صدره، يضمها بلهفة، ويمطرها بقبلاته الدافئة التي تذيب عظامها. هدأت نوبة غضبها، وبدأت تتجاوب معه قلباً وقالباً، هامساً لها بأجمل كلمات الغزل.
قضوا ليلة غرام ملحمية لن تنمحي أبداً من ذاكرتهما.
بعد وقت ليس بقليل، كانت "سلسبيل" تنعم بالدفء ونوم هنيء فوق صدر زوجها الذي يداعب خصلات شعرها المشعثة بفيضية مثيرة بفضل أصابعه.
صدح صوت رنين هاتفه، فمد يده والتقطه بتكاسل. عقد حاجبيه بتعجب حين لمح اسم "شهاب نور الدين" من أشهر المحامين. تنحنح قبل أن يضغط زر الفتح، وتحدث بلهجته الصارمة قائلاً:
"خير يا متر.. متتصلش بيا غير في المصايب!!"
"شهاب".. بأسف:
"المرادي مش أي مصيبة يا عبد الجبار باشا!!!.. أنا في إيدي توكيل لرفع قضية على جنابك."
"قضية عليّ أني؟!.. قضية إيه، ومين اللي رفعها يا شهاب؟!"
أجابه "شهاب بجملة أصابته بصدمة عمره:
"قضية خلع.. رفعها مراتك مدام سلسبيل هانم."
... نهاية الفلاش باااااااااااك ...
فاق من شروده على صوت المحامي يقول بعملية:
"ورث الست سلسبيل هانم من المرحوم أخوك اتحول لحسابها، وورق الطلاق المدام وقعت عليه، مش فاضل غير توقيع سيادتك بعدها نقدر نحول لها كل مستحقاتها زي ما حضرتك أمرت."
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الثاني 2 - بقلم نسمة مالك
بداخل كل أنثى جانب شرس، متوحش لا يظهر إلا إذا شعرت بالغيرة على زوجها، وصدق من قال أن الغيرة قاتلة، تستنزف الروح بلا رحمة، تُعمي القلب قبل العين، تُلغي العقل وتُجبرنا على اتخاذ قرارات مصيرية بلحظة اندفاع تصل أحيانًا إلى فعل كوارث لعلها تطفئ تلك النيران المتآججة بقلبها غير عابئة بعواقبها الوخيمة.
بمنزل عبد الجبار.
كانت "بخيتة" تدور حول نفسها تارة، وحول "خضرا" زوجة ابنها تارة أخرى، مستندة على عكازها تلكم به الأرض، كادت أن تهشمه من شدة غيظها.
"مافيش غيرك ورا شقلبة حال البنتة الصغيرة يا خضرا."
صاحت بها "بخيتة" بغضب عارم وهي تنغزها بعكازها في كتفها بضربة قوية لم تتأثر بها "خضرا" على الإطلاق، بل أنها أثارت غضبها أكثر حين نظرت لها بملامح تُشع فرحة، وتحدثت بحزن مصطنع قائلة:
"وه، وأني مالي عاد.. هي اللي رفعت على ولدك قضية خلع.. يعني ما ريدوش بعد كل الهنا والدلع اللي شفته على يده، رايد تخلعه بعد ما وصلت لأهل أمها.. كأنها كانت مغصوبة على العيشة وياه!!!"
حركت "بخيتة" رأسها بالنفي، ورمقتها بنظرة سامة، وهي تقول بثقة:
"سلسبيل عشقت عبد الجبار كيف ما هو عشقها، وأنتي خابرة أكده زين، ومتكدرش تعمل العملة العفشة دي إلا لو حد ابن مركوب لوي دراعها وهددها بحاجة واعر لو مبعدتش عن جوزها اللي بتتكحل بتراب رجليه وبتخاف عليه أكتر من روحها!!!"
كانت تستمع لها "خضرا" بملامح بدت جامدة عكس ما بداخلها من قلق تحول إلى خوف جعل الدماء تنسحب من وجهها حتى شحب لونه تمامًا حين تابعت "بخيتة" بابتسامة زائفة ونبرة شامته:
"يا ويلك من عبد الجبار يا خضرا لو طلعتي أنتي بت المركوب اللي وعّت البنتة الصغيرة على قصة الخلع المقندلة دي.. لأنك متأكدة أنه يستحيل كان هيطلق سلسبيل مهما حصل."
استطاعت "خضرا" السيطرة على خوفها، وضحكت ضحكة ساخرة وهي تقول:
"مبقاش في حاجة مستحيل يا حماتي، وأهي سلسبيل أطلقت من عبد الجبار."
صمتت لبرهةً وتابعت محدثة نفسها:
"هي خابرة زين لو فضلت على ذمته أكتر من أكده.. كانت هتبقى أرملته."
***
كانت "خضرا" تحيا أبشع أيام حياتها بعد خروجها من المستشفى، بالتزامن مع نفسيتها السيئة، ترى زوجها يعيش قصة حب ملتهبة مع زوجته الثانية أمام عينيها المتحسرة على حالها وما وصلت إليه، كانت ستنهي حياتها من شدة حبها وغيرتها عليه، لعله يتأثر بفعلتها هذه ويرأف بقلبها ويحقق لها أمنياتها بابتعاده عن "سلسبيل".
لكنه وللمرة الأولى خذلها حين تمسك بزواجه من غريمتها، رغم أنه لم يقصر بحقها، ويسعى جاهدًا لينال رضاها، إلا أنه كلما اختلى بالأخرى يجن جنونها، كل لحظة يقضيها برفقة "سلسبيل" تكون بمثابة طعنات متفرقة تمزق قلبها حتى قتل كل الصفات الحسنة التي كانت تتمتع بها، تحولت شخصيتها تحويل جذري وعقدت عزمها على استرجاع زوجها لها مهما كلف منها الأمر.
انتظرت حتى ذهب زوجها لعمله، وهرولت تجاه المطبخ صنعت أشهى الحلويات ووزعت منها على الجميع حتى العاملين بالمنزل، فور انتهائهم من تناولها غرقوا بنوم عميق، لم يظل أحد مستيقظ سواها هي وسلسبيل فقط.
"إيه اللي بيحصل ده يا أبلة خضرا؟!"
قالتها "سلسبيل" وهي تتنقل بعينيها بين حماتها "بخيتة"، و"عفاف" وحتى ابنتي زوجها، جميعهم ناموا فجأة وهم جالسين بمقاعدهم.
"أني حطيت لهم منوم."
هكذا أجابتها "خضرا" بهدوء، دب الرعب بأوصال "سلسبيل" التي تطلعت لها بأعين متسعة على آخرها، وتحدثت بصوتٍ مرتجف يظهر مدى خوفها قائلة:
"ليه عملتي كده بس."
ابتلعت لعابها بصعوبة وتابعت متعجبة:
"وإيه أنا ما نمتش زيهم؟!"
"لأني رايدة أتحدت وياكِ بكلمتين ومعوزاش مخلوق يسمعنا."
أردفت بها وهي تقترب منها، وجلست بجوارها.
كان الذعر واضح على مرأى تعابير وجه "سلسبيل" من ملامح "خضرا" التي أصبحت متوحشة بعدما كانت تتميز بطيبتها وحنانها، هيئتها الآن توحي بأنها على وشك ارتكاب جريمة قتل.
"مقدرش، ورب العباد مقدرش أتحمل شوفتك مع راجلي أكتر من أكده."
أطلقت صرخة مقهورة انتفضت على آثارها "سلسبيل" وبدأت تبكي بنحيب حين تابعت "خضرا" بصوتٍ مخيف:
"نار.. نار واعر بتحرق جلبي حرق، معتش قادرة أتحملها خلتني قطعت شرايين يدي اللي جوزتك بيها لـ جوزي لاجل ما اخلص من الوجع اللي بينهش في روحي كل ما تبقي في حضنه."
لم تجد "سلسبيل" شيئًا تقوله لها، وقد زاد وتضاعف بداخلها شعور الذنب تجاهها الذي يُلزمها، ظلت تستمع لها وتبكي بصمت.
"ببجي نفسي أقطعك بـ سناني تقطيع، بس خابرة زين إني لو عملت فيكي أكده عبد الجبار مهيملنيش على ذمته دقيقة واحدة، وأني عندي الموت أهون من بعدي عنه."
"يبقى هبعد أنا يا أبلة خضرا.. هطلب الطلاق وهبعد أنا لو ده هيريحك."
همست بها "سلسبيل" بتقطع من بين شهقاتها الحادة.
"اممم.. إن جيتي للحق طلاقك هيريحني صح.. بس هو عبد الجبار هيسيبك تبعدي ولا هيطلقك بسهولة أكده إياك؟!"
دمدمت بها "خضرا" ورمقتها بنظرة تحمل حقد وكرهه عرفوا طريقهم لقلبها الملتاع، وتابعت بنبرة ساخرة:
"ولا أنتي يا كهينة هتقدري على بعده؟!"
أجهشت "سلسبيل" بالبكاء، وحركت رأسها بالنفي تخبرها أنها بالفعل أصبحت غير قادرة على الابتعاد عن زوجها مرددة بنبرة راجية:
"متزعليش مني يا أبلة خضرا، أنا ما صدقت لقيت راجل بجد أتحامي فيه ويبقى ضهر وسند ليا في الدنيا القاسية دي.. أنا والله العظيم مش قصدي أضايقك ولا آخد جوزك منك.. بس جوزك ده بقى جوزي أنا كمان وبرضاكي، وأنتي اللي جوزتيني ليه بنفسك.. وأنا آه وعدتك إني مش هكون ليه زوجة بس مكنتش أتخيل إنه هيخليني أحبه بالشكل ده لدرجة إني هموت لو بعدت عنه."
ساد الصمت طويلاً حتى قطعته "خضرا" التي ربتت على كتف "سلسبيل" بعنف، ابتسمت لها ابتسامة يملؤها الشرر، وتحدثت بجملة كاد قلب "سلسبيل" أن يتوقف بسببها:
"لأ.. مش أنتي اللي هتموتي لو مبعدتيش عنه."
تلاحقت أنفاس "سلسبيل" وهي تسألها عن مقصدها مستفسرة:
"قصدك إيه بكلامك ده؟!"
"خضرا" بذهول مصطنع:
"وه.. كأنك مسمعتيش عن المثل اللي بيقول الوحدة تشوف راجلها في المجبرة ولا إنها تشوفه مع مرة."
توحشت نظرتها القاسية أكثر وتابعت بوعيد:
"لو فضلت على ذمة عبد الجبار هنبقى أرامل أنا وأنتي يا سلسبيل."
"أنتي بتقولي إيه، وبتهدديني بإيه؟!.. انتي عايزة تقتلي جوزك أبو بناتك؟!"
قالتها "سلسبيل" بصدمة بصوتٍ أشبه بالصراخ.
أجابتها "خضرا" بلهجة حادة شديدة الجدية لا تحمل أي جدال قائلة:
"أيوه عندي أقتله ولا إنك تاخديه مني، واديكي شوفتي بعينك كيف خدرت كل اللي في الدار.. المرة الجاية مش هيبجي منوم.. لأ.. هيبقي سم هاري بطيء المفعول.. يموت قصاد عينيكي بالبطيء."
زاد ذعر "سلسبيل" جعل ارتجاف جسدها يتحول إلى تشنجات حين تخيلت مجرد تخيل أنها فقدت زوجها، خوفها عليه جعلها تقول بلا تردد:
"طيب خلاص أنا هبعد.. والله هبعد عنه يا أبلة خضرا.. بس قوليلي هبعد إزاي وأنتي لسه قايلة إنه مش هيطلقني بسهولة؟!"
"تخلعيه."
قالتها "خضرا" ببرود ثلجي وهي تتنهد بارتياح بعدما وصلت لهدفها، وبأمر تابعت حديثها:
"توكلي جدك يرفع لك قضية خلع في أقرب وقت.. وقتها عبد الجبار هو اللي هيطلقك بالتلاتة."
***
"كنت مجبرة على إفلات يداك، ولكن قلبي مازال بك، فإذا تنعمت بلقياك ثانيةً فلا تتركني أبدًا أرجوك، استعمرني بشمسك ودفء أنفاسك إلى الأبد."
يومان فقط قضتهم "سلسبيل" في منزل جدها، والذي هو بالأساس ملك لـ "جابر"، لكنها لن تبقى ليوم آخر بعدما استمعت لحديث خالتها التي تريد إرسالها لوالدها حتى تبعدها عن ابنها.
دون ذرة تفكير منها قررت الفرار هاربة خوفًا من مجيء والدها أو عودة "جابر" بأي لحظة الذي بالتأكيد لن يتركها تذهب، اندفعت فجأة دون سابق إنذار راكضة من غرفتها ومن ثم لخارج الشقة بأكملها بـ أسدالها البيت، أمام أعين خالتها وجدها اللذان لجمتهما الصدمة للحظات، وحين استوعبت "سعاد" ما حدث هرولت خلفها صارخة باسمها:
"سلسبيل.. بتجري رايحة فين كده يا بنتي!!!"
"أجري وراها الحقيها يا سعاد.. البت أكيد سمعتك وأنتي بتقولي هتكلمي أبوها عشان يجي ياخدها."
قالها "فؤاد" بغضب عارم، وهو يضرب كفيه ببعضها، تحرك تجاه شرفة المنزل، ونادى بصوتٍ عالٍ للغاية لتتمكن من سماعه:
"يا سلسبيل.. ارجعي يا بنتي متخافيش."
صوته وصل لسمع "سلسبيل" لكنها لم تعد، أكملت ركضها بلا توقف، تركض بالطرقات بلا هوادة، لم تستطع "سعاد" اللحاق بها، كانت كالطائر الحبيس وطلقوا سراحه أخيرًا، تشعر بالحرية لأول مرة بعمرها.
ظلت تركض إلى أن شعرت بأنفاسها تتلاشى كأن روحها تنسحب منها، توقفت بجوار شجرة كبيرة تستظل بأوراقها من أشعة الشمس الحارقة.
أخذت بضعة دقائق تستعيد أنفاسها المسلوبة، وتحدثت عبر الهاتف الذي كان موضوعًا على أذنها أثناء ركوضها:
"هربت.. هربت يا دادة عفاف.. قوليلي أجيلك إزاي."
"عفاف" بلهفة:
"خدي نفسك الأول يا حبيبتي.. وبعدين شاوري لـ تاكسي وقفيه قوليله وصلني إسكندرية وأنا هفضل معاكي على التليفون لحد ما أقابلك بعربيتي على الطريق."
انصاعت لها "سلسبيل" على الفور. قامت بالإشارة لأول سيارة أجرة ظهرت أمامها.
"ممكن توديني إسكندرية من فضلك."
"هاخد 500 جنيه ومقدم يا ست."
أردف بها السائق قبل أن تصعد "سلسبيل" السيارة، هنا تذكرت أنها تركت كل شيء حتى حقيبة ملابسها ونقودها، لم تأخذ معها إلا الهاتف، فشهقت بخفوت قائلة:
"أنا مجبتش معايا أي فلوس يا دادة."
"عفاف":
"اركبى يا سلسبيل وقوليله هحاسبك لما أوصل."
انطلق السائق بسيارته من أمامها في الحال وهو يسب ويلعن بعدما استمع لجملتها هذه، بدأ الخوف يداهمها من جديد وعادت تختبئ بظلال تلك الشجرة الكبيرة، تجمعت العبرات بعينيها وبصوت ظهر به الخوف قالت:
"السواق مشي قبل ما أركب لما سمعني بقولك مش معايا فل؛؛؛ آآآآه."
قطعت حديثها فجأة، وصرخت صرخة مدوية حين مرت من جانبها دراجة بخارية وبلمح البصر خطف سائقها الهاتف من يدها بمنتهى القوة أفقدها توازنها فسقطت على وجهها مصطدمة بجبهتها بالأرض الصلبة بعنف.
كل هذا حدث في غمضة عين ولسوء حظها المعتاد كان الطريق خالي من المارة بسبب أجواء الجو شديد الحرارة.
تحاملت على نفسها، واعتدلت جالسة بوهن تتحسس جبهتها بأصابع مرتعشة، شعرت بسائل لازج يهبط على حاجبيها نزولاً بعينيها فعلمت أنها أصيبت بجرح ليس هين، كلما حاولت النهوض تشعر بدوار شديد يجتاحها بقوة.
زحفت بضعف متراجعة للخلف حتى وصلت لجذع الشجرة ارتمت عليه بظهرها مستسلمة لمصيرها مهما كان فهي على يقين أن الله لن يتركها.
بينما عفاف كادت أن تفقد عقلها، وسقط قلبها أرضًا حين سمعت صرخة "سلسبيل".
"سلسبيل.. مالك يا بنتي.. ردي عليا إيه اللي حصل لك يا ضنايا."
صرخت بها "عفاف"، لم يأتيها منها رد رغم أن الخط ما زال مفتوح، ظلت تصرخ باسمها لعلها تجد رد حتى انغلق الخط، حاولت إعادة الاتصال بها مرارًا وتكرارًا ولكن الهاتف تم غلقه.
لم تفكر مرتين وطلبت رقم الشخص الوحيد الذي بأمكانه هدم الدنيا لأجل "سلسبيل".
***
"عبد الجبار."
يجلس داخل سيارته بالمقعد الخلفي، ممسكًا بيده ورقة طلاق "سلسبيل" الواقفة على توقيعه، يتمنى لو كان ما يعيشه الآن كابوس، وسيفوق منه يجدها نائمة على صدره، تختبئ بين ضلوعه، تبتسم له ابتسامتها التي تنير حياته.
تنقل بعينيه على مكان توقيعها، حينها تأكد أن ما يعيشه الآن لم يكن كابوسًا، بل حقيقة. أسوأ حقيقة حدثت له، فضل عدم إمضاء توقيعه إلا بعدما يذهب إليها خصيصًا من الإسكندرية إلى منزل جدها بالمنصورة ليسألها للمرة الأخيرة عن سبب مقنع لما فعلته، يحاول إيجاد مبرر واحد يدفعها للابتعاد عنه بهذه الطريقة المهينة لرجولته.
صدح صوت رنين هاتفه جعل قلبه ينقبض دون معرفة السبب حين لمح اسم "عفاف"، ضغط زر الفتح وأجابها بلهفة ظهرت بنبرة صوته الأجش:
"خير يا عفاف؟!"
أتاه صوتها الباكي كاد أن يصيبه بسكتة قلبيه من شدة فزعه على معذبته حين سمعها تقول بتقطع:
"ألحق سلسبيل يا عبد الجبار بيه."
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الثالث 3 - بقلم نسمة مالك
لعلّ في الخفايا أعذارًا لا تدري شيئًا عنها، گلهفتي عليك، واشتياقي لك، فأجعل لي دومًا نصيبًا من حُسن ظنك إن صادف يومًا لم تجد فيه عذرًا يبرر لك أفعالي التي جرحت فؤادك، وتأكد أن روحي كانت ترتجف خوفًا من فقدانك يا عزيز قلبي فتركتك مجبرة غير مخيرة حتى لا أرى فيك سوءً يقتلني.
وبعد فراقنا أصبحت بين ليلة وضحاها إمرأة عجوز أهلكها الضعف، دون أن تذبل بصيرتي، ولا شاب شعري لكنه قلبي تعلوُه التجاعيد بغيابك.
أصبحت في أشد لحظات ألمي وحزني لا أصرخ، أفكر في أمرٍ واحد فقط، هو كيف سأقضي ما تبقى من عمري وأنا سبب كل هذا الخراب في قلبك!
أعترف لك أنني آسفة على أعوام مضت ما كنت أعرفك فيها.
كانت "سلسبيل" ممسكة بطرف حجابها تضغط به على جرح جبهتها الذي تدفق منه الدماء بسبب خوفها الشديد.
كلما حاولت النهوض تسقط جالسة مكانها ثانيةً، قدميها ترتعش بقوة، وجسدها الضعيف يتهاوي يمينًا ويسارًا، لكنها تقاوم بأقصى ما لديها حتى لا تفقد وعيها.
جف حلقها تمامًا، وانسحبت روحها منها حين لمحت سيارة توقفت قريبًا منها بها مجموعة من الشباب وقعت عينيهم عليها أثناء سيرهم.
دب الرعب بأوصالها وازداد ارتجاف جسدها أكثر حين رأتهم يهبطوا من سيارتهم، ويهرولوا نحوها.
أصبحت لا تعطي الأمان لأحد بعدما سُرق منها هاتفها، وقد ظنت أن هذه المرة سيسرقوها هي.
فتراجعت للخلف زاحفة على كلتا يديها مرددة بصراخ مذعور:
"ابعدوا عني.. عايزين مني أيه.. سبوني في حالي حرام عليكم"
"اهدئ.. متخفيش.. إحنا هنساعدك محدش هيأذيكي"
نطق بها أحدهم وهو يمد يده لها بزجاجة من المياه، وجثا على ركبته أمامها أرضًا مكملاً برجاء:
"خدي نفسك بس وبلاش خوفك الزايد ده عشان جرحك مينزفش أكتر.. ولو تحبي نوديكي المستشفى"
قطعت "سلسبيل" حديثه صائحة بصوتٍ متحشرج بالبكاء تقول بصعوبة:
"لا مش هروح معاكوا أي مكان.. سبوني في حالي وامشوا في طريقكم.. أنا هفضل هنا"
نظروا لبعضهم بأسف، وعادوا النظر لها بشفقة، مقدرين حالة الذعر التي تُسيطر عليها، ومعها كل الحق، بعد ما رأته في حياتها من ألم وقسوة من أقرب الأقربين لها، فماذا سيفعل بها الغريب؟!
"طيب لو حافظة رقم تليفون حد من قرايبك قولي لنا عليه واحنا نتصل بيه يجي لك هنا"
قالها شاب منهم وهو يخرج هاتفه من جيب سرواله.
ظهر بريق أمل على وجهها، واعتصرت عقلها المشوش لعلها تتذكر رقم "عفاف" لكنها لم تتذكر سوي رقم الرجل الذي لا تريد التحدث إليه حتى لا تفتح مجال للعودة بينهما ثانيةً.
"عبد الجبار" رقمه الوحيد المحفور في ذاكرتها، بل هو نفسه موشوم بأعمق نقطة بقلبها.
ابتسمت ابتسامة يملؤها الوجع تزامنًا مع انهمار عبراتها على وجنتيها بغزارة دون بكاء، ومدت يدها الصغيرة التي تنتفض بوضوح تجاه الهاتف، فأعطاه الشاب لها على الفور بعدما قام بفتحه.
نظرت له بامتنان قبل أن تلتقطه منه، وأجهشت ببكاء مرير وهي تضغط على الأرقام مدونة رقم من كان وما زال دومًا منقذها.
بكاءها وشهقاتها الحادة كانت تقطع نياط القلوب، جاهدت للسيطرة عليها بشق الأنفس حتى أنها كادت أن تموت خنقًا حتى لا يوصل له.
لا تريده أن يستمع لإنهيارها هذا بالوقت الحالي.
أخذت نفس عميق قبل أن ترفع الهاتف على أذنها بعدما ضغطت على زر الاتصال، تنتظر بنفاذ صبر سماع صوته الذي اشتاقته حد الجنون.
"عبد الجبار"
عقب سماعه لصوت "عفاف" تصرخ بأسم "سلسبيل" قفز من مقعدة، وجلس مكان سائقه خلف المقود بطرفة عين، وقاد بأقصى ما لديه من سرعة قبل حتى أن يستمع لباقي حديثها.
"سلسبيل يا عبد الجبار بيه كانت بتكلمني في التليفون وهي ماشية في الطريق وفجأة صرخت والخط فضل مفتوح لكن هي مبتردش.. فضلت أنا على التليفون عماله أصرخ عليها لحد ما الخط أتقفل.. حاولت اكلمها تاني بس التليفون أتقفل خالص بقاله أكتر من ساعة.. مبقتش عارفه أعمل أيه خت عربيتي ورايحة على المنصورة دلوقتي بس أنا معرفش مكانها فين عشان كده كلمت حضرتك يمكن تقدر توصلني عندها"
كان يستمع لحديثها الذي انتزع قلبه من مكانه نزعًا.
لكم المقود بقبضة يده أكثر من مرة بكل ما أوتي من قوة، وصاح بصوته الأجش قائلاً:
"كيييف.. كيف چدها هملها تخرچ.. كييييف"
"هي خرجت هربانة من جدها وكانت جيالي يا عبد الجبار بيه لأنها سمعتهم بيتكلموا أنهم عايزين يرجعوها لأبوها.. فخافت وكلمتني قالتلي ههرب وأجي أعيش معاكي يا دادة عفاف"
قالتها "عفاف" ببكاء من شدة تأثرها بما يحدث مع "سلسبيل".
ما قالته كان بمثابة سكب الزيت على النيران المتآججة بقلب ذلك العاشق.
كاد أن يُصاب قلبه بنوبة توقفه عن الخفقان وهو يتخيل مدى ذعرها من والدها عديم الرحمة الذي رآه هو بعينيه مرات متعددة.
"اقفلي.. هوصلها وهحددك أقولك على مكانها يا عفاف"
قالها "عبد الجبار" بصوتٍ مخيف، وثقة شديدة لا يعلم مصدرها، لكنه على يقين أن قلبه سيقوده إلى طريقها.
ليصدح صوت رنين هاتفه المخصص لها هي فقط، لا أحد يعلم هذا الرقم غيرها.
"سلسبيل!!!!"
نطق بها بقلب ملتاع، وأنفاس متهدجة كادت أن تنقطع من شدة رعبه عليها.
جاهدت هي حتى تحرك شفتيها وتتحدث إليه، لكن حدة بكاءها لم يسعفها، وأيضًا إذا نطقت اسمه سيشعر بلهفتها عليه، فرفعت عينيها الغارقة بالعبرات ومدت يدها لصاحب الهاتف الذي أخذه منها وتحدث هو بدلاً عنها قائلاً:
"السلام عليكم.. حضرتك في بنت هنا تقريبًا عاملة حادثة و!!!"
"مَراتي.. سلسبيل.. حُصلها ايييه"
صرخ بها "عبد الجبار" بهياج، وقد فقد عقله في تلك اللحظة حقًا.
"متخفش حضرتك.. أطمن هي كويسه الحمد لله.. وإحنا حاولنا نساعدها ونوديها المستشفى بس هي رافضة خالص.. فعرضنا عليها تتصل بحد من أهلها فتصلت بيك"
أخيرًا التقط "عبد الجبار" أنفاسه المسلوبة حين أخبره من يحدثه أنها بخير.
وبرغم كل ما يحدث هذا إلا أن قلبه تراقص فرحًا بعدما تأكد أن "سلسبيل" مازالت تراه هو كل أهلها.
"قولي المكان فين بالظبط وإني هكون عندكم في دقايق"
بالفعل أملاه الشاب العنوان بالتفصيل تحت أنظار "سلسبيل" التي تهللت أساريرها دون أدنى إرادة منها.
"جابر"
كان بطريق العودة لمنزله بعدما ابتاع أغلى وأجمل اللوحات والألوان المخصصة لمجال الرسم، هواية "سلسبيل" المفضلة.
رغم أنه على علم أن قلبها ملك غيره، ولن يستطيع أن يجبرها على تقبل عشقه لها، لكن كل ما يهمه الآن أن يسعدها، ويرى الابتسامة على ملامحها الحزينة.
وقد عقد عزمه على البقاء بجوارها، لن يمل ولن يكل عن محاولة التقرب منها، سيضحي بالغالي والنفيس لأجلها.
فهي معه بعد كل تلك السنوات من الفراق، جمعهما القدر ثانيةً وهو لن يضيع الفرصة هذه المرة.
انتبه لصوت رنين هاتفه، فأسرع بالرد وقد زحف القلق إلى قلبه دون معرفة السبب.
"أيوه يا جدي أنا جاي في الطريق.. في حاجة حصلت ولا أيه؟!"
أتاه صوت "فؤاد" الباكي يتحدث بصعوبة وتعب ظاهر بوضوح بنبرة صوته.
"سلسبيل.. سلسبيل هربت يا جابر يا ابني"
صرخ "جابر" بصدمة قائلاً:
"هربت!!!!! إزاي ولييييييه.. مين اللي خوفها خلاها تهرب يا جدي؟!!"
"مش وقت أسأله دلوقتي.. وألحق بنت خالتك دي متعرفش حد في البلد هنا ولا معاها فلوس خالص"
قال "فؤاد" بغضب.
"طيب مشيت منين ولا راحت فين ومعاها تليفون و!!"
كان يصيح بها "جابر" لكنه ابتلع باقي حديثه، وجحظت عينيه على أخرها حين لمح سيارة "عبد الجبار" التي مرت من أمامه بسرعة الرياح، وكأنه يعلم وجهته ومقصده.
لم يفكر مرتين وانطلق خلفه بنفس مستوى السرعة حتى أصبحوا بجانب بعضهما على الطريق.
بعد مرور دقائق قليلة لا تتخطى أصابع اليد الواحدة توقف "جابر" بسيارته أمام "سلسبيل" الجالسة أرضًا تُصارع دوارها، وفي نفس اللحظة توقف "عبد الجبار" أيضًا بسيارته بعدما دفع سيارة "جابر" للخلف حطم وجهتها تمامًا حتى أصبح هو الواقف أمام زوجته مباشرةً يتطلع له من خلف المقود بأعين تقدح شررٍ.
قفز أثنائهما خارج سيارتهما بنفس اللحظة، يهرولان نحو "سلسبيل" التي زاد فزعها وشحوب وجهها من هيئتهم التي لا تبشر بالخير أبدًا.
"بعد يدك عنِها!!"
كان هذا صوت "عبد الجبار" الذي قبض على ذراع "جابر" قبل أن يلمس "سلسبيل" ودفعه بلكمة قوية بعيدًا عنها بعنف، ليأخذ "جابر" وضع الاستعداد لرد اللكمة له التي لن تتوقف إلى هذا الحد، بل سينتهي بهما الأمر إلى معركة دامية.
أدركت "سلسبيل" خطورة الوضع، أصبحت أمام خيارين أصعب من بعضهما، مع من سوف تذهب؟!
هي واثقة أن "عبد الجبار" لن يتركها تذهب برفقة "جابر" هذه المرة إلا في حالة واحدة فقط، ألا وهو جثة هامدة.
تحاملت على نفسها وقررت إنهاء تلك المعركة قبل حتى أن تبدأ.
انتصبت واقفة بجسد يترنجح بشدة بسبب ضعف بنيتها، أخذت نفس عميق، وسارت بخطوات متعثرة كادت أن تسقط أرضًا على وجهها، لكنها ألقت بثقل جسدها على ظهر "عبد الجبار" ملتفة بكلتا يديها حول خصره تقيد حركته وتمنعه من السير نحو غريمه الذي شلته الصدمة، وبقي واقفًا مكانه يحملق بها بنظرات يملؤها الألم.
بينما تسمر "عبد الجبار" من فعلتها هذه التي أثلجت قلبه المُتيم بها عشقًا.
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الرابع 4 - بقلم نسمة مالك
أنهمرت عبرات "سلسبيل" على وجنتيها بغزارة حين رأت نظرة "جابر" المتألمة. دفنت وجهها بظهر "عبد الجبار" هروبًا من نظرته التي تشعرها بذنب لا دخل لها به.
فقلوبنا ليست عليها سلطان. لو كانت تستطيع التحكم في زمام الأمور بعقلها بدلاً من ذلك النابض بعشق رجل تُشاركها فيه امرأة غيرها، لكانت إختارت إعطاء فرصة لبدأ حياة جديدة مع "جابر".
لكن القدر لعب لعبته معها كعادته، واستمعت بأذنها رفض والدته على وجودها بحياته من الأساس. وهي لن تخوض أي صراعات أخرى، يكفيها ما عاشته من قسوة وعذاب لم ينتهي بعد.
تراخي جسدها الضعيف على جسد "عبد الجبار" وسقطت يديها من حول خصره، وأوشكت على السقوط بعدما أصبحت قدماها لم تعد تحملها.
ألتفت "عبد الجبار" لها على الفور، والتقطها بلهفة محاوطًا خصرها بذراعه القوي، ومال عليها قليلاً واضعًا ذراعه الآخر أسفل ركبتيها.
رفعها بمنتهي الخفة بين يديه فأراحت هي رأسها على كتفه غالقة عينيها براحة لم تنعم بها إلا بين حنايا صدره.
سار بها بخطوات مهرولة تجاه سيارته وأجلسها على المقعد الخلفي بتمهلٍ، وصعد بجوارها وهو يقول بأمر لسائقه الذي كان يجلس بالمقعد الأمامي:
"هم يا حسان على المستشفى قوام".
كل هذا أمام "جابر" الذي لم يبتعد بعينيه عن "سلسبيل". انتبه على حالته وهرول مسرعًا نحو سيارته يستعد للسير خلفهم. لن يتركها إلا بعدما يطمئن عليها حتى لو كلفه الأمر حياته.
بينما انتقل "حسان" من مقعده لمقعد السائق، انفجر صوت هدير محرك السيارة ليطير الغبار من الخلف بقوة لحظة انطلاقها.
أغلق "عبد الجبار" زجاج النوافذ العاتم الذي لا يُتيح لمن بالخارج رؤية من بالداخل، ومد يده للفتحة التي بينهم وبين السائق أغلقها أيضًا.
واعتدل بجزعه تجاه "سلسبيل" يتطلع بعينيها الباكية بإشتياق وعشق فاق كل الحدود. كتم أنفاسه وهو يقترب منها ويفك حجابها بكل ما يملك من رفق. شعر بقبضة حديديه تعتصر قلبه حين رأى مدى تطور حالتها للأعياء الشديد. وجهها يزداد شحوبًا، وقد تناثرت حبيبات العرق على جبهتها. تلاحقت أنفاسها وهي تهمس بصعوبة بصوتٍ مجهد:
"عطشانة أوي يا عبد الجبار".
مد يده لبراد صغير يحتوي على زجاجات مياه وعصائر باردة وتناول زجاجة من المياه، وأخرى من العصير وفتح أحدهما وبدأ يسقيها بتلهف مغمغمًا:
"أيه اللي حُصل يا سلسبيل.. مين عمل فيكِ أكده!!!"
"وقعت.. وقعت على وشي".
همست بها "سلسبيل" بأنفاس متهدجة.
أسقاها هو حتى أرتوت من المياه، وأسرع بأعطاءها العصير رغم أعتراضها، لكنه لم يتركها إلا بعدما أنهته وبدأت تستعيد قواها رويدًا رويدًا.
تناول زجاجة مياه ثانية وسكب القليل منها بكف يده، وسار بها على وجهها يزيل عنه آثار الدماء ويتفقد جرح جبهتها بملامح مرتعدة من شدة خوفه عليها.
كان يتحسس وجنتيها الباردة بأنامله الخشنة يستشعر ملمس بشرتها الناعمة بافتتان. لجم نفسه عنها بشق الأنفس حتى لا يلتهمها كلها دفعة واحدة لعل تلك النيران التي تتأجج بأعماقه تهدأ ولو قليلاً.
يرسم ملامحها بأبهامه، عيونها الحزينة التي تتحاشى النظر له، نزولاً بوجنتيها التي أشتعلت بحمرة قانية بفضل قربه منها، وصولاً بشفتيها المرتعشة أثر لمساته الخبيرة التي تداعب أنوثتها.
رفعت يدها ببطء وضعف شديد، وأطبقت على معصمه بأصابعها الهشة. أزاحت يده عن وجهها، واعتدلت بجلستها بوهن مبتعدة عنه حين رأته يميل عليها قاصدًا شفتيها وقد غلبه شوقه لها وفقد كل ذرة تعقل يملكها.
"دادة عفاف.. اتصلي بيها.. زمانها قلقانة عليا أوي".
قالتها "سلسبيل" بصوتٍ مبحوح أثر المشاعر المتضاربة التي تعيشها معه.
اجتهد "عبد الجبار" للسيطرة على نفسه معها قد استطاعته، لكنه فشل وبكل أسف فشل ذريع. لم يقدر على منع نفسه عنها خاصةً بعدما كاد أن يفقدها إلى الأبد.
لم يفكر مرتين ومد ذراعه حول خصرها، وخطفها داخل حضنه. أجلسها على قدميه، وضمه لصدره بعناق قوي. كتمت "سلسبيل" آهة خافتة على أثره.
"أبعد يا عبد الجبار أنا مُحرمة عليك.. أنت رميت عليا يمين طلاق".
همست بها "سلسبيل" بصوتٍ اختنق بالبكاء وهي تكافح بضراوة للتخلص من حصار جسده حولها.
خرج صوته هو بحنينٍ مفعمًا بالشوق الجارف الدائم إليها وحدها:
"رديتك.. رديتك على ذمتي يا بنت جلبي".
ابتعد عنها بضعة أنشات ليتمكن من النظر لعينيها. أشرق وجهه في هذه اللحظة بإبتسامة محمّلة بمشاعره القوية التي يكنّها لها، خاصةً حين لمح طرف ياقتة جلبابه التي ترتديها "سلسبيل" أسفل أسدالها واستطرد:
"لحظة غضب يا سلسبيل و لما فوقت منِها قولت إنك أكيد مهتعمليش فيا أكده إلا لو حد هددتك بحاچة واعرة قوي قوي لأجل ما يفرقونا.. مش أكده يا حبة جلب عبد الجبار.. أني متأكد إني مهونش عليكِ تشقي جلبي شق".
أنهى جملته ونظر داخل عينيها بعمق بنظراته المتيمة التي تخطف أنفاسها وتتغلغل بأعماقها تلمس شيئًا شديد الحساسية بداخلها.
ازدردت لعابها بتوتر وهي تمتثل رغمًا عنها للسحر الذي يبثه لها بنظراته، وكاد أن يطبق على ثغرها بشفتيه بقبلة جامحة، لكن صوت هاتفه الذي صدح تزامنًا مع صوت "حسان" يقول:
"وصلنا المستشفى يا عبد الجبار بيه".
كل ما يحدث لم يمنعه من مراده. تقبيلها هذا كل ما يريده في الوقت الحالي، فليقبلها الآن ويلقى حتفه بعدها.
شهقت "سلسبيل" بخفوت حين مال عليها ولثم ثغرها بلهفة قبلات عميقة متتالية شلت حركتها تمامًا وأبقتها ساكنة، مستسلمة لفيض غرامه الذي يغرقها دومًا به، ولكن استسلامها له هذه المرة كان بمثابة الوداع بالنسبة لها.
بينما "جابر".. الذي صف سيارته أمام المستشفى التي تقفت أمامها سيارة غريمه، رفع يده ومسح عبراته التي خانته لأول مرة، وهبطت على خديه دون بكاء. يرى أمام عينيه المرأة التي يذوب في حبها وقلبه معلق بها منذ نعومة أظافره تهيم عشقًا برجل غيره عشقًا، وما أصعب الوقوع في الحب من طرف واحد. شعور لا يتحمله أحد خاصةً إذا كان يمتلك بقلبه عشقًا صادق.
رغم علمه أنه يركض وراء سراب، يوهم نفسه أن القدر سوف ي رأف بقلبه الملتاع وتعود له صغيرته "سلسبيل". يحيا على أمل الفوز بحبها ذات يومًا.
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الخامس 5 - بقلم نسمة مالك
في كثير من الأحيان نتعرض لصدمات تقلب حياتنا رأسًا على عقب، خاصةً إن كانت صدمة قوية، حينها يصبح رد الفعل غير متوقع على الإطلاق، نكتشف جانب في شخصياتنا لم نكن نعلم أنه موجود بداخلنا مطلقًا.
وإذا أتت تلك الصدمة من مَن نعتبرهم أقرب لنا من أنفسنا، وقتها يصبح العقل غير قادر على الاستيعاب، أو ربما تمر تلك الصدمة مرور الكرام بعد أن تعطينا درسًا قاسيًا.
فلكل منا قدرة على التحمل، تختلف قدراتنا بين كل شخص وآخر، وفي حالة "خضرا" لم تستطع تحمل وجود "سلسبيل" كزوجة في حياة زوجها، رغم أن الكثير من النساء يتقبلون وجود زوجة واثنتين وثلاثة أيضًا بحياة أزواجهن، ويتعايشون مع الأمر بكل رضى.
بينما هي الآن في حالة نفسية أسوأ ما يكون، خاصةً بعد محاولة الانتحار التي أقدمت عليها توضح مدى تطور حالتها من سيء لأسوأ، وكان يجب أن تخضع للعلاج النفسي فترة ليست بقليلة حتى تستعيد توازنها وإدراكها العقلي.
تتصرف بلا أدنى تفكير في أفعالها وما ينتج عنها من عواقب وخيمة، وصل بها الأمر إلى مراقبة زوجها عن طريق "حسان"، الرجل الذي يعتبره "عبد الجبار" ذراعه اليمين الذي أدهشها بموافقته السريعة على طلبها.
حتى وصل بهما الأمر إلى تبادل أرقام هواتفهما سرًا، وبدأ بالفعل ينقل لها كل تحركات زوجها.
"اممم يعني قال إنه ردها لعصمته؟!"
دمدمت بها "خضرا" بصوت خفيض، وتابعت دون أن تعطيه فرصة للرد عليها.
"وهي قالت له إيه لما قالها أكده؟"
جاوبها "حسان"، الجالس داخل سيارة "عبد الجبار" الواقفة أمام إحدى المستشفيات الخاصة بالمنصورة.
"مرضيتش ترجعله واصل.. سمعت صوت رفضها وبكاها يا ست الناس."
انبلجت شبه ابتسامة على ملامح "خضرا" التي تبدلت للنقيض بعدما كانت تشع طيبة، تحولت لأخرى جامدة وقد انعكس على وجهها ما تحمله بقلبها من جروح نافذة غلفته بقسوة غريبة عليها كليًا.
"عينك متغفلش عنهم واصل.. لو حصل ووافقت المحروقة دي ترجع على ذمته!!"
صمتت لبرهة، وقد توحشت نظرة عينيها وتابعت بلهجة حادة لا تقبل الجدال.
"وقتها يجيني خبرهم الليلة.. تخلص عليهم اثنين، فاهمني زين؟"
قال "حسان" بطاعة.
"أمرك يا ست الناس."
أغلقت الهاتف بوجهه ليبتسم هو ابتسامة يتطاير منها الشرر والطمع في الحصول عليها بعدما يتخلص من الرجل الذي استأمنه على نفسه، فعلته هذه تعلمنا أن لا أحد يؤتمن في زمننا المليء بالغدر هذا.
بينما هي تعمدت عدم نطق اسمه ليقينها بأن "بخيتة" تتجسس عليها كعادتها، تفوقت عليها في الجبروت، وأصبحت لا تخشى منها ولا حتى من غيرها.
اعتدلت بمقعدها بوضع أكثر راحة، تنظر للفراغ بشرود تتذكر حديث زوجها معها بعد خروجها من المستشفى.
... فلاش باااااااااااك ...
جذب "عبد الجبار" مقعدًا وجلس عليه بجوار الفراش النائمة عليه "خضرا" تبكي وتئن بوهن، مد يده وأمسك يدها بين كفيه يربت عليها برفق، وهو يتنهد بقوة مغمغمًا.
"ليه كل ده عاد يا خضرا؟! أيه اللي حصل يا غالية وصلك للحالة العفشة دي.. معقول غيرتك عليا تخليكي تموتي نفسك وتحرقي جلب البنتة الصغار وجلب أبو البنتة عليكي؟!"
"مش الغيرة اللي خلتني أعمل أكده."
همست بها بصعوبة بالغة من بين شهقاتها الحادة، ورفعت عينيها الغارقة بالعبرات، ونظرت له نظرة طويلة مكملة بابتسامة زائفة أثارت بقلبه الريبة.
"الخوف.. الخوف واعر قوي قوي وأني خوفت عبد الجبار."
عقد حاجبيه وهو يقول بتساؤل مستفسرًا.
"خوفتي؟! من إيه عاد؟"
أجهشت بنوبة بكاء مرير دفعته لاحتوائها داخل صدره كمحاولة منه لتهدئتها، لتهمس هي بصوت مرتجف قائلة.
"من حديث مراتك سلسبيل.. قالتلي إنها هتخليك تطلقني وترجعني على البلد بعد ما تاخد مني بناتي ومحدش غيرها هيفضل على ذمتك.. حديثها مخلاش فيا عقل.. الموت عندي أهون من بعدي عنك أنت وبناتي."
تطلع لها مدهوشًا من حديثها الذي لم يدخل عقله مطلقًا، وحرك رأسه بالنفي مغمغمًا بثقة.
"مستحيل.. مستحيل سلسبيل تقول أكده.. متقدرش تنطق بالحديث العفش ده يا خضرا لأنها خابرة زين إني هزعل منها وهي متقدرش على زعلي واصل."
زادت حدة بكائها.. بكاء يهدد بدخولها إحدى نوبات انهيارها الذي تكرر في الفترة الأخيرة كثيرًا، وصاحت بجنون مرددة.
"كنت خابرة إنك مهتصدقنيش.. كنت خابرة إنك هتكدبني لخاطرها.. كيف ما هطلقني برضوا لخاطرها يا عبد الجبار."
"وبعدهالك عاد يا خضرا.. بكفاك حديثك الماسخ ده."
أردف بها وهي يسيطر على حركاتها الهستيرية العنيفة، ملتفًا بذراعيه حولها جعل ظهرها مقابل صدره حتى استكانت بين يديه، وتراخى جسدها على صدره.
"الأيام بتورينا يا عبد الجبار وهييجي اليوم اللي هتوقع فيه سلسبيل بيني وبينك وهتخليك تختار بيني وبينها وأني متأكدة إنك هترميني كيف ما قالتلي لأنك محبتنيش كيف معشقتها."
رفع "عبد الجبار" يده وأمسك ذقنها جبره على النظر له وتحدث بنفاذ صبر.
"بكفاكِ يا خضرا.. اللي بتقوليه ده مش هيحصل.. مهما حصل هتفضل كفتك أنتي عندي هي اللي رابحة.. مهما حصل ومهما اتقال عنك إني مهستغناش عنك يا أم الغوالي."
... نهاية الفلاش باااااااااااك ...
تنهدت بارتياح حين شعرت أنها على وشك تحقيق مرادها وما تسعى إليه جاهدة وهو استرجاع زوجها لها ثانيةً وإبعاد غريمتها عنهم للأبد.
"سلسبيل".. تهللت أساريرها حين رأت باب الغرفة يُفتح ودلفت منه "عفاف" مقبلة عليها بخطى شبه راكضة وهي تقول بلهفة.
"سلسبيل.. يا حبيبتي يا بنتي."
"دادة عفاف."
نطقت بها "سلسبيل" وهي ترمي بنفسها داخل حضنها وتبكي بضعف وعيناها عالقة على الباب الذي لم يقفل بعد.
كان بالخارج يقف "عبد الجبار" مقابل "جابر" بينهما جميع العاملين بأمن المستشفى الذين قاموا بإبعادهما عن بعض بشق الأنفس بعدما دارت بينهما معركة دامية كانت ستنتهي بموت أحدهما لولا تدخل أفراد الأمن.
أغلقت المرافقة لـ "سلسبيل" الباب على الفور ووقفت أمامه من الخارج تجنبًا لدخول أحدهما.
ضمتها "عفاف" بحب صادق، وربتت على شعرها نزولاً لظهرها بحنان وهي تقول بتساؤل.
"أيه اللي بيحصل بره ده؟! هو عبد الجبار بيه كان بيتخانق مع جابر ابن خالتك ولا إيه؟!"
حركت "سلسبيل" رأسها بالإيجاب وتحدثت بأسف قائلة.
"كانوا هيموتوا بعض يا دادة عشان جابر عايز يدخل يطمن عليا وعبد الجبار منعه ومش راضي يدخله أبدًا."
ضحكت "عفاف" وهي تحرك رأسها بيأس مردفة.
"عبد الجبار بيه بيغير عليكي من ابن خالتك ده وله حق بصراحة.. الواد نظراته ليكي ولهفته عليكي كلها حب.. عايزة يكون رد فعله إيه وهو شايف واحد بياكل مراتُه أكل بعينيه قدامه؟!"
"بس أنا خلاص مبقتش مراته يا دادة."
همست بها "سلسبيل" بغصة يملؤها الأسى، وصمتت لوهلة ثم تابعت بحزن.
"رغم إنه قالي إنه ردني على ذمته تاني.. لكن أنا مش موافقة ومش هوافق."
جلست "عفاف" بجوارها على الفراش، وأخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بتعقل قائلة.
"لو عايزة نصيحتي يا بنتي.. خليكي صريحة مع جوزك وقوليله على كل حاجة أنتي حكتهالي.. قوليله على تهديد ضرتك وعرفيه إنها السبب في القضية اللي وكلتي جدك يرفعها عليه.. عرفيه إن اللي عملتيه ده من خوفك عليه لتنفذ تهديدها وتؤذيه زي ما قالتلك.. خليكي صريحة معاه ومتخافيش من حاجة خصوصًا على عبد الجبار بيه لأنه ما يتخافش عليه يا سلسبيل.. جمدي قلبك وصارحيه.. الصراحة راحة يابنتي."
نظرت لها "سلسبيل" بحيرة ظاهرة في عينيها التي تغرقها الدموع، لترفع "عفاف" يدها وتزيل دموعها بحنو.
"يعني أنتي رأيك إني أقوله يا دادة."
أجابتها "عفاف" قائلة.
"ده مش رأيي.. ده العقل بيقول كده.. عشان لو لفت الأيام وعرف هو اللي حصل واللي قالته ليكي خضرا في يوم ميعتبش عليكي ويغلطك ويقولك معرفتنيش ليه."
ساد الصمت بينهما طويلًا قطعته "سلسبيل" قائلة.
"نادي عليه من فضلك يا دادة قوليله سلسبيل عايزاك ولما يدخل قولي لجابر إني كويسة وهخرج له أنا."
قبلتها "عفاف" من جبهتها قبل أن تنتصب واقفة، وابتسمت لها ابتسامتها الدافئة مرددة.
"أنا هخرج وهبعتهولك وهفضل مستنياكي برة.. اطمني أنا معاكي."
بادلتها "سلسبيل" ابتسامتها بأخرى باهتة، وتابعتها بنظرات زائغة أثناء مغادرتها الغرفة.
فور خروجها دلفت إحدى الطبيبات تطمئن على المحلول المعلق بيد "سلسبيل"، وتقوم بتعقيم جرح جبهتها بأدوات طبية مخصصة للجروح.
ظهرت علامات الاشمئزاز على ملامح "سلسبيل" وشحب لونها فجأة وبدت على وشك القيء.
"مالك يا مدام.. أنتي دايخة ولا حاسة بحاجة تعباكي؟"
قالتها الطبيبة حين لاحظت شحوب وجهها، وتناثر حبيبات العرق على جبهتها.
ازدردت "سلسبيل" لعابها بصعوبة، وهمست بصوت متعب قائلة.
"ريحة القطن اللي في إيدك ده مضيقاني أوي وحاسة إني عايزة أرجع بسببها."
قالت الطبيبة بتعجب.
"القطن ملوش ريحة أصلًا!!!"
صمتت للحظة وتابعت بتكهن.
"لتكوني حامل؟!"
"يا الله!!"
"حامل!!!"
همست بها "سلسبيل" بأنفاس متلاحقة، وقد تذكرت أن عادتها الشهرية تأخرت عن موعدها هذا الشهر بالفعل.
"تحبي أسحب منك عينة دم ونحللها؟"
قالتها الطبيبة التي انتهت للتو من تعقيم جرحها، لتحرك "سلسبيل" رأسها بالنفي سريعًا وهي تقول بتوتر.
"لا لا.. مش عايزة أعمل تحاليل.. أنا مش حامل ولا حاجة."
قالت الطبيبة بعملية.
"تمام.. زي ما تحبي.. على العموم أنتي بقيتي كويسة وتقدري تروحي أول ما المحلول يخلص."
بالخارج..
كانت "عفاف" تتحدث مع "عبد الجبار" الذي رمق "جابر" الواقف بثبات بنظرة ساخرة، وابتسم بانتصار حين قالت له.
"عبد الجبار بيه.. مدام سلسبيل عايزه حضرتك."
"هي كويسة يا مدام عفاف."
أردف بها "جابر" بصوته المتلهف الذي يثير جنون "عبد الجبار".
أجابته "عفاف" بقلق من نظرات "عبد الجبار" الحارقة.
"كويسة الحمد لله."
وقف "عبد الجبار" أمامه مباشرةً وتحدث بلهجته الصارمة قائلاً.
"قالتلك إنها بقت زينة.. تقدر تغور بقى دلوقيت لأجل ما تطمن جدك القلقان عليها وكل هبابة يتصل عليك وعليا."
تطلع له "جابر" بشجاعة دون أن يغمض له جفن، وتحدث بأسف قائلاً.
"هما اللي منعوني عنك."
قالها وهو يتنقل بعينيه بينه وبين أفراد الأمن الواقفين على أبهى استعداد لمنعهما إذا اشتبكا ثانيةً، وتابع بتهديد.
"اعمل حسابك أنا لو لمحتك على طريق قدامي تاني هسويك بالأسفلت."
ضحك "عبد الجبار" ضحكة مدوية وصلت لسمع زوجته بالداخل خطفت أنفاسها وجعلت دقات قلبها تخفق كالطبول، رفع يده ربت على كتفه بعنف وهو يقول.
"اللي بيقول مبيعملش.. وبفضل الله لا أنت ولا بلد بحالها تقدر تعمل حاجة مع راجل صعيدي وخصوصًا لما يبقى الراجل ده عبد الجبار المنياوي يا ابن البندر."
قالها وهو يسير من جانبه تجاه غرفة "سلسبيل" طرق على الباب، وفتحه دون انتظار إذن، ودلف للداخل غالقه خلفه، تاركًا "جابر" يستشيط غضبًا يكاد أن يدمر الأخضر واليابس.
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل السادس 6 - بقلم نسمة مالك
كانت "سلسبيل" في حيرة شديدة من أمرها، لا تعلم من أين تبدأ الحديث، كل ما فكرت فيه وجهزته لتخبره به تبخر من عقلها فور رؤيته مقبلًا عليها بلهفة هكذا.
قطع "عبد الجبار" المسافة بينه وبينها بخطوتين لا ثالث لهما، وبلمح البصر وجدت نفسها مرفوعة بين ذراعيه بمنتهى الخفة كأنها لا تزن شيئًا.
جلس هو مكانها على الفراش واحتوى جسدها الصغير بأكمله داخل حضنه.
"كيفك دلوجيت؟!" همس بها داخل أذنها بصوته المزلزل الذي يبعثر كيانها كله دفعة واحدة.
انكمشت على نفسها بين يديه، أراحت رأسها على موضع قلبه النابض بعشقها وحدها، تنهدت براحة وهي تقول بخفوت: "أنا الحمد لله بقيت كويسة.. أطمن".
مسد على طول ظهرها بكف يده الضخمة يضمها له بقوة مرددًا بتساؤل: "هتعاودي معايا على الدار.. مش أكده يا سلسبيل؟".
أطبقت جفنيها بعنف تكبح عبراتها التي تجمعت بعينيها، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن ترفع وجهها ببطء ومن ثم عينيها الحزينة، وتطلعت له بابتسامتها التي تُذيب قلبه المتيم بها.
تأملت ملامح وجهه الجذاب رغم صلبته وصرامته، وتحدثت بأسف قائلة: "مش هينفع.. مش هينفع أرجع معاك ولا حتى أرجع على ذمتك تاني يا عبد الجبار".
رأت عيناه تتسعان بغضب، وتبرز حولها الشعيرات الدموية بخطورة. مع ذلك تحدثت بتأنٍ بالغ دون أن يخيفها الوضع أو تحذيره: "جوازي منك كان بالنسبة ليا طوق النجاة اللي هينقذني من جبروت أبويا اللي مش عارفة إيه سبب قسوته عليا بالشكل ده لحد دلوقتي.. وجوازك أنت مني كان غلطة ولازم تصلحها وترجع لمراتك اللي هتجنن من غيرتها عليك ولبناتك وتنساني خالص من حياتك".
صمتت لبرهة تحاول السيطرة على حشرجة صوتها الذي اختنق بالبكاء بسبب نظراته العاشقة لها، وتابعت بألم نجحت في إخفائه: "ليها حق أبلة خضرا في غيرتها المجنونة عليك.. وفي تهديدها ليا لو مبعدتش عنك".
عقد حاجبيه بدهشة مغمغمًا: "تهديد إيه اللي بتتكلمي عنه!!!".
انسحبت الدماء من وجهها، وبدا الرعب والفزع ظاهرًا على قسماتها وهي تجيبه بصوتٍ مرتجف: "أبلة خضرا بتهددني بيك.. غيرتها عليك عمتها وقست قلبها وبتهددني أنها هتقتلك لو فضلت على ذمتك.. ولما قولتلها إنك مش هطلقني بسهولة قالتلي أرفع خلع.. وخلتني عملت لجدي توكيل وطلبت منه يرفع لي قضية خلع عليك.. عشان خوفت منها.. خوفت تنفذ تهديدها وتعمل فيك حاجة يا عبد الجبار".
أطبق السكون حولهما فور انتهاء حديثها. بقي "عبد الجبار" يتطلع لها بصمت أثار بقلبها الريبة. كانت ملامحه المتلهفة تحولت لأخرى جامدة، شعرت بجسده يتخشب من حولها. حبست أنفاسها حين وجدته يبعدها عن حضنه، وضعها ثانيةً على الفراش، وانتصب واقفًا مبتعدًا عنها. حينها شعرت ببرودة لفحتها بفعل نهوضه ومفارقته إياها فجأة هكذا.
"اممم.. يعني أم فاطمة قالتلك إنها هتقتلني لو فضلت على ذمتي!!!" تمتم بإيجاز تغلفه قساوة غريبة.
حركت "سلسبيل" رأسها له بالإيجاب. وقد زحف القلق لقلبها من نظرات العتاب الذي يرمقها بها.
"حديثك ده يخليني أقل حاجة أعملها إني أرمي اليمين على أم بناتي اللي قوتك على عملتك السودة برفع قضية خلع على رجلك اللي بيتمنى لك الرضا وشايلك جوه قلبه قبل عينيه!!" قالها باقتضاب لا يخلو من الجمود.
ومال عليها بجزعه مستندًا بكفيه على الفراش من حولها، وتابع بألم حاد: "وأنتي نايمة في حضني ييجيني تليفون يبلغني بالقضية اللي رايدة ترفعيها عليا خليتي عقلي يجن مني وأرمي عليكي اليمين من حرقة قلبي.. كنت فاكر إني بكده هطفي النار اللي جوه قلبي من ناحيتك.. بس النار دي زادت ببعدك عني ومقدرتش يا سلسبيل ورديتك على ذمتي في وقتها".
بكت "سلسبيل" وهي تقول بندم: "أنا آسفة على اللي عملته.. أنا غلطت في حقك وأنت متستاهلش مني كده.. بس والله أنا عملت كده من خوفي عليك يا عبد الجبار".
أخذ نفسًا عميقًا وزفره على مهلٍ مردفًا بنفاذ صبر: "بكفياكي بكى عاد.. وخليني ننسى كل اللي حصل وهاخدك من هنا على بيت جديد هيبقى ليكِ لوحدك وملكيش صالح بحديث خضرا واصل".
من أجلها تنازل عن كبريائه وكرامته لأول مرة بعمره، حتى لا يخسرها هي. لا يريد سوى أن تظل زوجته حتى لو كان ما تقوله عن تهديد "خضرا" حقيقة وكلفه الأمر حياته. كانت تتمنى أن توافقه على حديثه هذا، لكن خوفها عليه كان أكبر من احتياجها له، خاصةً بعد علمها بأنها ربما تكون حاملة في أحشائها منه طفلهم الأول. تمكن منها الذعر أكثر وهي تتخيل رد فعل ضرتها على خبر حملها، بالتأكيد ستقتلها هي وجنينها في الحال.
وجدت نفسها تحرك رأسها بالنفي مرددة ببكاء: "لا.. لا.. أنا وهي مش هينفع نبقى على ذمتك.. يا أنا يا هي يا عبد الجبار.. لكن إحنا الاتنين مع بعض مش هينفع.. لازم تختار بينا".
ما تفوهت به الآن هي على دراية كاملة بما سيكون اختياره، تعلم أنها وضعت نفسها في مقارنة خاسرة، بالرغم من عشقه لها، لكن ابنتيه يفضلهما دائمًا عن نفسه، وهي على يقين أنه لا ولن يفرط بهما مهما فعلت أمهما.
"بتلوي دراعي يا سلسبيل!!!" نطق بها مذهولاً من حديثها الذي بدأ يفقده صوابه، وقبض على ذراعها بكف يده بقوة ألمتها مكملاً بغضب عارم تمكن منه: "بتخيريني بينك وبين خضرا!! مقدرش أصدق يعني هي كانت على حق وإني كدبتها ودفعت عنك لما قالتلي إنك هتخليني أطلقها بعد كل اللي عملته وياكِ.. أخرتها عايزة تخربي بيتها وتقعي بيني وبينها.. فاكراني شخشيخة في إيدك عاد وهجري أنفذ حديثك الماسخ ده وأطلق مراتي أم بناتي!!!".
انفجرت "سلسبيل" في وجهه صارخة بعدما صدمها حديثه ونظرته لها التي تحولت للنقيض، يرمقها بنظرة خذلان، يخبرها أنها خذلته وسقطت من نظره بقولها المتهور هذا.
"وهي عملت أيييه معايا يا عبد الجبار ولا أنت نفسك عملت إيه معايا؟! أنا كنت لعبة في إيدك أنت وهي.. اختارتني ليك أنا بالذات عن كل حريم الدنيا لأنك اتفقت مع الدكتور يفهمها إني مريضة ومش هقدر أخلف ولا هعيش أساسًا!!!"
استجمعت قوتها، ورفعت يدها دفعته بصدره بعيدًا عنها بكفها الصغير، وتابعت بغصة مريرة يملؤها الأسى: "يا ريتني كنت مت واترحمت من البهدلة دي كلها.. أنا خلاص جبت أخرى من أبويا ومراتك وأمك ومنك أنت كمان يا عبد الجبار.. مش هشوف راحة طول ما أنا وأم بناتي على ذمتك".
"وأني مش هطلق خضرا يا سلسبيل" قالها "عبد الجبار" بنبرة جادة لا تحمل الجدال.
ابتسمت "سلسبيل" ابتسامة تخفي خلفها حزنها وكسرتها مرددة بأسف: "يبقى أنت كده هتطلقني أنا".
***
كانت "سعاد" تبكي بنحيب وقد تمكن من قلبها الخوف وهي تتخيل رد فعل "جابر" إذا علم أنها وراء هروب "سلسبيل" بعدما استمعت لحديثها تقول أنها ستحدث والدها حتى يأتي ويأخذها. وأيضًا لم تسلم من حديث "فؤاد" الذي صب جم غضبه عليها، وظل يلقي على سمعها كلمات دبت الرعب بأوصالها أكثر.
"أنتي السبب في اللي حصل لبنت أختك زي ما كنتي السبب في جوازة أمها عشان تسد ديون جوزك للمفتري قناوي اللي خد أختك الصغيرة تخليص حق.. خدها موتها بقسوته عليها، ودلوقتي مبتفكريش غير في ابنك وعايزة ترميله بنته عشان يموتها زي أمها.. أنتي قلبك ده إيه يا سعاد.. حجر.. مبتحسيش!!!"
"كفاية يا بابا أبوس إيدك.. كفاية جلد فيا" همست بها "سعاد" بصعوبة من بين شهقاتها، وتابعت قائلة: "أنا مكنتش أعرف أن قناوي ده هيعمل في أختي كده.. لو كنت أعرف أنه جبروت بالشكل ده مكنتش وافقت ولا أنا ولا أبو جابر الله يرحمه.. ولما قولت إني هكلمه يجي ياخد سلسبيل كنت بهزر بس لكن والله ما كنت هكلمه.. وخوفي على ابني ده غصب عني.. مش بخاطري.. مش هقدر أشوفه الراجل التالت في حياة مراته وهو يا حبيبي ما اتخطبش ولا حتى حب واحدة غيرها.. معلق نفسه وقلبه بواحدة ياريتها حتى بتبادله مشاعره ناحيتها.. وكمان بتحب طليقها!! عايزني أعمل إيه وأنا شايفة ابني وحيدي واقع الواقعة السودة دي.. قولي يا بابا عايزني أقف أتفرج عليه؟!!"
قطعت حديثها فجأة، وارتفع صوت نشيجها وقد داهمها دوار عنيف أفقدها توازنها، وأصبحت تترنح يمينًا ويسارًا. حاولت الاستناد على أي شيء حولها، لكنها سقطت أرضًا مستندة بظهرها على الحائط.
"سعاد.. مالك يا بنتي" قالها "فؤاد" وهو يهرول مسرعًا تجاه مصدر الصوت، باحثًا عنها كالمجنون، وقد سقط قلبه بسقوطها، فبدأ يبكي وهو يتحسس بيده المكان من حوله حتى وصل إلى يدها الملقاة بجوارها، لينصدم من برودة بشرتها الشديدة، وهمسها الضعيف تقول بوهن: "دوا الضغط والسكر.. الحقني بدوا يا بابا".
قال "فؤاد" بصوتٍ مرتعش، بل جسده كله أصبح ينتفض بذعر، وقد شعر بالندم لأنه قسا عليها.
"هو فين.. قوليلي حطاه فين وأنا أجبهولك" لم تستطع "سعاد" الرد عليه، وقد بدأت تغيب عن الوعي بعدما داهمها دوارها بقوة أكبر.
شعر "فؤاد" أنه على حافة الجنون بعدم ردها عليه، مما يعني أن حالتها تدهورت وهو عاجز عن إسعافها. ليرأف الله بحاله، وصدح صوت رنين هاتف ابنته، فهرول راكضًا تجاه الصوت، وأسرع بالضغط على زر الفتح مرددًا بلهفة ظنًا منه أن المتصل حفيده.
"جابر.. ألحق أمك يا ابني".
"مالها ماما سعاد يا جدو" صرخت بها "صفا" ابنة زوج "سعاد".
أجابها "فؤاد" بصوتٍ باكي يدل على شدة فزعه: "وقعت من طولها يا بنتي وقالتلي الحقني بدوا الضغط بس أنا مش عارف مكانه.. مش عارف ألحقها وجابر كمان مش هنا وأنا لوحدي مش عارف أتصرف".
انتفضت "صفا" من مكانها، خطفت أسدالها ارتدته بلمح البصر، وركضت بأقصى سرعة تملكها مرددة بأنفاس لاهثة وقد بدأت تبكي هي الأخرى: "أنا هجيب العلاج وأجيلك حالاً.. بس أديها أي حاجة مسكرة على ما أوصل".
***
كانت تمنعه "عفاف" بشق الأنفس حتى لا يقتحم الغرفة على "سلسبيل" بعدما استمع لصوت صراخها الباكي.
"سيبهم يا ابني يتعاتبوا مع بعض.. متدخلش بينهم عشان المشكلة متكبرش أكتر.. لأنهم في الآخر واحد ومراته والداخل بينهم خارج" أردفت بها "عفاف" بتعقل وهي تقف أمامه تمنعه من الوصول لباب غرفة "سلسبيل".
اصطك "جابر" على أسنانه كاد أن يهشمها، وكور قبضة يده ولكم الحائط بجواره عدة مرات متتالية ينفس عن غضبه العارم. ليتوقف بصدمة حين وصل لسمعه صوت "عبد الجبار" يقول بصوته الأجش: "أنتي طالق يا سلسبيل!!!!".
ساد الصمت لدقائق بعد جملته هذه التي أصابت الجميع بصدمة، فقدتهم النطق وحتى الحركة. لم يقطع هذا الصمت سوى صوت رنين هاتف "جابر" الذي صدح تزامنًا مع فتح باب الغرفة وخروج "عبد الجبار" كقذيفة نيران متوهجة. سار من جانبه دون النظر إليه بنظرة عابرة حتى، كان سيره حثيثًا أقرب إلى الهرولة من شدة انفعالاته المتضاربة.
"أيوه يا جدي!!" نطق بها "جابر" بصوتٍ يملؤه الفرحة، ليأتيه صوت "فؤاد" يقول ببكاء: "جابر.. أنت فين يا ابني.. تعالي ألحق أمك وقعت من طولها".
انقطعت أنفاسه حين استمع لصوت جده الباكي، وتباطأت دقات قلبه بعد ما تفوه به، وأصبح في حيرة من أمره، أيدخل لـ "سلسبيل" التي بدأت تبكي بصوت أشبه بالصراخ، أم يذهب لوالدته؟!! وجه نظره لـ "عفاف" التي أسرعت بلهفة تجاه غرفة "سلسبيل" وهمس بأسف: "أمي وقعت ولازم أروح ألحقها".
"روح لها أنت يا ابني وأنا هفضل مع سلسبيل.. متقلقش عليها" قالتها "عفاف" قبل أن تدلف لداخل الغرفة، وتغلق الباب خلفها.
تحرك "جابر" على مضض راكضًا لخارج المستشفى، ومن ثم نحو سيارته، قفز بداخلها وبدأ يقودها بأقصى سرعة ممكنة وهو يقول: "أنا جاي حالاً يا جدي".
غافلاً عن أعين "عبد الجبار" الذي كان مازال يجلس داخل سيارته يلكم المقود بقبضة يده، ويصرخ بهياج بصوت مكتوم من شدة ألم قلبه الملتاع.
بينما بداخل غرفة "سلسبيل"..
"طلقني.. قولتله الحقيقة كدبني وصدق خضرا واختارها هي وطلقني رسمي يا دادة" قالتها "سلسبيل" ببكاء يقطع نياط القلوب وهي تطلع بحسرة لورقة طلاقها الذي وقعها "عبد الجبار" وألقاها بوجهها.
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل السابع 7 - بقلم نسمة مالك
في بعض الأحيان يأتي علينا وقت نكون فيه كالمغيبين، نسير وراء ما نريد دون النظر في عواقبه، حتى تأتي ضربة قوية على حين غرة تعيد لنا وعينا، ضربة تكاد تكون قاتلة، ولكنها وبكل آسف تركننا أحياء، لنقر ونعترف بأنها أعطتنا درسًا قاسيًا نخرج منه بقوة لم نكن نظن إننا نمتلكها ذات يوم.
"جابر".. يقود سيارته بسرعة الرياح، وقد انقبض قلبه قبضة مخيفة، عينيه كانت على الطريق بتركيز شديد، وعلى المرآة أيضًا في آنٍ واحد، ينظر للهدايا القيمة الخاصة بالرسم والكثير من الورود الرائعة التي أحضرها لـ"سلسبيل" ولم يجد فرصة مناسبة لأعطائهم لها.
وبرغم تركيزه هذا إلا أنه لم ينتبه لـ"حسان" الذي يتابعه منذ خروجه من المستشفى بأمر من "عبد الجبار".
دقائق معدودة وكان يصف سيارته أمام منزله، تزامنًا مع وصول "صفا" التي قفزت راكضة من سيارة أجرة، متوجهة نحو المنزل التي كانت تأتي إليه دومًا برفقة زوجة والدها "سعاد" لزيارة "فؤاد" التي تعتبره في مقام جدها.
كانت تركض نحو الدرج بهرولة، ليلحق بها "جابر" بخطواته الواسعة، وقد زاد خوفه حين لمح ذعرها الظاهر على ملامحها ذات الجمال الهادئ.
تصعد الدرج كل درجتين معًا لتفلت إحدى قدميها وكادت أن تسقط على وجهها، إلا أن يده التي قبضت على ذراعها منعتها.
استدارت وتطلعت له بلهفة فقد كانت على يقين أنه هو حين حاوطتها رائحة عطره المميز.
"جابر.. خد علاج ماما سعاد وأطلع أنت اديها حقنة الأنسولين بسرعة".
قالتها بأنفاس مقطوعة وهي تمد يدها له بالحقيبة الخاصة بأدوية "سعاد".
أخذهم منها "جابر" وركض بهم من أمامها مسرعًا دون أن يرد عليها بحرف واحد، وصل لشقته في لمح البصر بسبب سرعته الشديدة، بينما هي كانت تجاهد بأنفاس متهدجة لتصعد الباقي من الدرج.
فتح الباب بأصابع مرتعشة، وأندفع للداخل يبحث عن والدته وجده وهو يصيح بصوتٍ يملؤه الخوف.
"يا أمه.. يا جدي!!"
توقف عن الحديث، وحجظت عينيه بصدمة حين وجد "فؤاد" يجلس بجوار والدته الممدة أرضًا في حالة يرثى لها، فاق من صدمته على صوت جده الباكي يقول بتوسل.
"ألحق أمك يا جابر".
جثي على ركبتيه بجوارها، وقام بغرز تلك الحقنة الرفيعة للغاية بفخذها مرددًا بابتسامة يخفي بها ارتعاد قلبه عليها.
"أيه يا أم جابر.. عايزة توقفي قلبي ولا أيه".
قالها وهو يساعد جده على النهوض، ومن ثم مال عليها وحملها على ذراعيه بمنتهى الخفة لضآلة وضعف جسدها الهزيل للغاية.
كانت "سعاد" بين الوعي واللاوعي، تجاهد لتفتح عينيها، تهمس له بجملة صغيرة بصعوبة بالغة قائلة.
"سامحني.. سامحني يا ابني".
كان يسير بها لخارج المنزل قاصدًا المستشفى بعدما رأى شحوب وجهها وعينيها الزائغة التي جعلت الرعب يدب بأوصاله.
"وبعدين معاكي يا أمه.. أنتي بتشوفي غلاوتك عندي بعملك دي!!!".
ارتمت "سعاد" برأسها على صدره، وبكت بضعف وهي تقول.
"عطشانة.. أسقيني يا جابر".
جملتها هذه جعلت "جابر" في حيرة من أمره، يكمل سيره بها، أم يضعها على أقرب أريكة، ويجلب لها الماء؟!
"الميه أهي يا ماما سعاد.. اشربي يا حبيبتي".
صدح صوت "صفا" التي دلفت للتو من باب الشقة المفتوح، وركضت تجاه كوب من المياه كان موضوع على الطاولة، أخذته، واقتربت منها تساعدها على الشراب وهي على يد ابنها.
بللت "سعاد" شفتيها التي أزرقت لونهما، وتحدثت بصوتٍ بالكاد يُسمع قائلة.
"قعدني على كرسيي يا جابر.. أنا هبقى كويسة دلوقتي.. مش عايزة أروح مستشفيات.. عايزة أتكلم معاك يا ابني".
حرك "جابر" رأسه لها بالنفي وتابع سيره بها مرددًا.
"هنروح المستشفى نطمن عليكي بس ونرجع على طول بمشيئة الله يا أم جابر".
ربتت "سعاد" على صدره بكف يدها الباردة كالـ ثلج وهي تقول بنبرة راجية.
"جابر أقف واسمعيني الأول لو ليا خاطر عندك يا ضنايا".
وقف "جابر" محله على مضض، ونظر لها بعينيه التي لمعت بالدموع، وقد تحولت نظرته الآن إلى نظرة طفل صغير لم يتم عامه الخامس مذعورًا من رؤية والدته تصارع الموت أمامه.
تأملت "سعاد" ملامح وجهه الجذابة بابتسامة دافئة وحب شديد، هبطت عبراتها على وجنتيها ببطء وهي تقول بندم.
"سامحني.. وقول لـ سلسبيل هي كمان تسامحني يا جابر وعرفها إن اللي قولته كان كلام وقت غضب لكني والله ما كنت هتصل بأبوها".
انفجرت "صفا" بنوبة بكاء حادة أشبه بالصراخ، ليصطك "جابر" على أسنانه بقوة كاد أن يهشمها، وتابع سيره من جديد بوالدته، ولكن هذه المرة كان يركض بها حتى وصل لسيارته، فتحت بابها "صفا" التي لحقت بهما، فوضع "جابر" والدته على المقعد الخلفي، وهم بالابتعاد عنها، لكن "سعاد" تمسكت بقميصه جذبته عليها حتى أصبحت أذنه مقابل فمها وهمست بأنفاس تتلاشى.
"خلي بالك من بنت خالتك وحاول تصلح بينها وبين جوزها لأنه بيحبها وهي كمان بتحبه ومش هتحب غيره فمتعلقش قلبك بأمل كذاب يا حبيبي.. وبوصيك على صفا.. صفا يا جابر.. صفا يتيمة أم و!!"
صمتت لبرهةً وشهقت بقوة مكملة بحرفين فقط قالتهما بتقطع.
"أب!!"
كانت آخر كلمة نطقت بها، وسكت لسانها إلى الأبد بعدما فارقت روحها جسدها وهي داخل حضن وحيدها.
"لااااااا.. ماما سعاد".
صرخت بها "صفا" وهي تدفع "جابر" بعيدًا عنها، وترتمي فوق صدرها مرددة بصراخ يقطع نياط القلوب.
"متسبنيش بالله عليكِ.. متعمليش فيا كده.. أنا مليش غيرك.. متسبنيش أعيش في مرارة اليُتم تاني أبوس أيدك".
الموت المفاجيء فاجعة حطت على رأس "جابر" دون سابق إنظار، فاللهم إنا نعوذ بك من فواجع الأقدار.
"عبد الجبار".. كان يستعد للذهاب، لكنه ظل مكانه حين رأى "جابر" غادر المكان مهرولاً تاركًا "سلسبيل" برفقة "عفاف" بمفردهما، زحف القلق لقلبه وشعر أن هناك شيئًا خطير أجبره على المغادرة فجأة هكذا.
جلس داخل سيارته ينتظر اتصال "حسان" الذي أرسله خلفه، ليصدح رنين هاتفه أخيرًا، ولكن برقم آخر كان ينتظره أيضًا على أحر من الجمر، فضغط زر الفتح بلهفة قائلاً.
"ها أيه الأخبار؟!"
"كان عندك حق يا عبد الجبار باشا.. الواد اللي سرق تليفون سلسبيل هانم كان مزقوق عليها فعلاً، ولما قرصنا عليه شوية قال إن في واحد كان متفق معاه يقتلها بس هو خاف واكتفى بالسرقة لما سأل وعرف أنها مراتك يا باشا".
"إسمه أيه اللي أتفق معاه؟!".
قالها "عبد الجبار" مستفسرًا بصوته الأجش، ليأتيه الرد الذي كان أكبر صدمة بالنسبة له حين قال الآخر بأسف.
"إسمه حسان.. دراع سيادتك اليمين".
"حسان!!!".
تمتم بها بعدم تصديق، والكثير من الأمور بدأت توضح أمام عينيه، ساد الصمت طويلًا حتى قطعه "عبد الجبار" يقول بأمر.
"قدامك أقل من ساعة وتشيعلي طقم حرس على العنوان اللي هبعتهولك دلوجيت، وهاتلي الواد الحرامي وتليفون الهانم وأسبقني على فرع الشركة في المنصورة".
أردف بها وهو يغادر سيارته متوجهًا لداخل المستشفى.
أغلق الهاتف بوجهه دون انتظار رده، وأرسل له عنوان المستشفى ورقم غرفة "سلسبيل".
سار بخطواته الواثقة حتى وصل لمكتب الطبيبة المشرفة على حالتها، طرق الباب ودلف للداخل دون انتظار إذن.
"خير يا عبد الجبار بيه؟!.. المدام حصلها حاجة؟!"
"أني اللي چاي أسألك عنِها.. كيفها دلوجيت يا دكتورة؟!".
قالها بهدوء عكس ملامح وجهه الغاضب.
تنحنحت الطبيبة بخوف من قسماته العابسة بشدة قائلة بعملية.
"هي الحمد لله بقت كويسة وتقدر تروح مع حضرتك أول ما المحلول اللي في ايدها يخلص".
رمقها "عبد الجبار" بنظرة جعلت قدميها ترتجف من الخوف، فهي تقف أمام رجل الأعمال "عبد الجبار المنياوي" أشهر من النار على علم، وتحدث بلهجة حادة لا تقبل الجدال.
"الهانم معوزهاش تخرج انهارده غير لما أبلغك بنفسي، وممنوع يدخل عندها أي مخلوق غيرك أنتي".
حركت رأسها له بالإيجاب.
ليصمت هو للحظة، وتابع بصوتٍ أكثر لينًا بعدما ابتلع لعابه بصعوبة، وقد تسارعت دقات قلبه بجنون وهو يقول.
"وأريدك كمان تعرفيلي إذا كانت الهانم حامل ولا لا وتبلغيني طوالي على الرقم ده".
وضع يده بجيبه وأعطاها الكارت الخاص به، وسار من أمامها بخطواته الغاضبة عائدًا لسيارته، ينتظر قدوم طقم الحرس حتى يتمكن هو من الذهاب.
ليصدح رنين هاتفه مرة أخرى، برزت عروقه واحمرت عينيه حين لمح اسم "حسان"، ضغط على الهاتف كاد أن يحطمه مغمغمًا بصوته الصلب.
"خير يا حسان؟!"
جاوبه "حسان" وهو يلوك الطعام بفمه بصوتٍ مقزز.
"أم اللي إسمه چابر تعيش أنت يا كبير".
يا الله!!! ما هذا اليوم العجيب الذي يمر على الجميع.
أطبق "عبد الجبار" جفنيه بعنف وهو يتخيل رد فعل "سلسبيل" التي ستظل بنت قلبه حتى بعد طلاقها منه.
"لن يكسر الله بخاطرك إلا ليرضيك بخيرٍ لم تكن تراه".
ألقتها "عفاف" مرارًا وتكرارًا على سمع "سلسبيل" الساكنة داخل حضنها تبكي وتئن بضعف، بقلبٍ منكسر وروحًا ممزقة.
رغم أنها كانت على يقين أن "عبد الجبار" لن يفضل أحدًا على ابنتيه، حتى لو كان قلبه العاشق لها، سينتزعه ويستأصله من جذوره فداءًا لهما، وهذا كان غرضها بالأساس، ضغطت عليه بنقطة ضعفه حتى تجبره على طلاقها من شدة خوفها عليه وعلى جنينها الذي لم تتأكد من وجوده بعد.
حسمت أمرها بالابتعاد عنه، لأول مرة تتخذ قرارًا بحياتها وتنفذه، لكنه أصعب وأقسى قرار أصابها بضربة قوية كادت أن تصيبها بمقتل.
حاولت السيطرة على حدة بكائها وهي تقول.
"زعلانة منه أوي يا دادة.. وفي نفس الوقت زعلانة عشانه وقلبي بيتقطع عليه".
تنهدت "عفاف" بحزن على حال تلك الصغيرة، لكنها تحدثت بتعقل قائلة.
"أنتي كنتي عارفة أنه هيختار بناته يا سلسبيل.. لو كان صدق كلامك اللي قولتي على خضرا معنى كده إنه مش هيخليها على ذمته بعد ما عرف أنها عايزة تقتله وأقل حاجة يعملها أنه هيطلقها.. بس هو كدب نفسه اللي هي أنتي نفسه دي لأن مهما أم بناته عملت مش هينفع يطلقها عشان خاطرهم وبصراحة أنا احترمته لأنه مطلعش أناني في حبه ليكي واختارك على حساب بناته اللي هتبقى وصمة عار بالنسبالهم في الصعيد أن أمهم مطلقة من أبوهم".
ابتسمت "سلسبيل" ابتسامة يملؤها الوجع وهي تقول.
"وهو مش أي أب يا دادة.. مافيش في حنيته ولا خوفه على بناته.. عبد الجبار أحسن أب شفته في الدنيا كلها بعد ما كنت فاكرة أن كل الرجالة ملهاش قلب زي أبويا".
احتضنت "عفاف" وجهها بين كفيها وهي تقول بثقة.
"ربنا هيعوضك خير يابنتي.. مش عايز اكي تزعلي.. واتأكدي أن اللي حصل ده خير ليكي لأن رب الخير لا يأتي إلا بالخير".
قالت "سلسبيل" وهي تحاول السيطرة على بكائها.
"ونعمة بالله.. الحمد لله.. أنا راضية والله يا دادة عفاف وبحمد ربنا إنك معايا وبتقويني بكلامك اللي بيطمن قلبي".
ساد الصمت المطعم بالتنهيد للحظات، قطعه صوت طرقات على باب الغرفة، يليه دخول الطبيبة التي تكللت الابتسامة وهي تقول.
"عاملة أيه دلوقتي يا مدام سلسبيل؟".
أجابتها "سلسبيل" قائلة.
"الحمد لله يا دكتورة أنا بقيت أحسن والمحلول خلص.. ممكن تشلي الحقنة دي من إيدي.. عايزة أخرج من هنا".
تطلعت لها الطبيبة بأسف مصطنع قائلة.
"مش هينفع تخرجي دلوقتي.. لسه في محلول كمان غير اللي خلص ده تكملة للعلاج هركبهولك عشان ميحصلكيش أي إغماء".
كانت تتحدث وهي تتخلص من المحلول الفارغ، وبخفة يد شديدة قامت بسحب عينة دماء من يد "سلسبيل" المبتعدة بوجهها عنها بخوف تجنبًا من رؤية الحقنة المنغرسة بكفها.
"عبد الجبار".. تحرك أخيرًا بسيارته تجاه فرع شركته بالمنصورة بعدما ترك طاقم من أكفأ الحراسات الخاصة داخل وخارج المستشفى المتواجدة بها طليقته.
تأهب جميع العاملين فور رؤية سيارته الفارهة، وهرول تجاهه حشد هائل لاستقباله حتى وصل لمكتبه الفخم الذي كان ينتظره بداخله إحدى القيادات الهامة ومعه سارق هاتف زوجته الواقف بين رجال الأمن مقيدًا بالأساور الحديدية.
"نورت المنصورة يا عبد الجبار باشا".
مد "عبد الجبار" يده له بالسلام الحار، وهو يقول.
"منورة بيكم يا سيادة العقيد".
أنهى جملته، وتوجه بنظره تجاه ذلك السارق الذي انكمش على نفسه بخوف من نظرته المخيفة.
سار نحوه بخطوات هادئة عكس البركان الغاضب بداخله، وقف أمامه بطوله المهيب، وتحدث بهدوء ما قبل العاصفة قائلاً.
"أتكلم.. أني سامعك".
"ح ح حسان.. والله العظيم حسان هو اللي طلب مني أعمل كده يا جناب البيه".
فتح "عبد الجبار" فمه ليتحدث، لكنه أغلقه ثانيةً حين صدح رنين هاتفه برقم الطبيبة المشرفة على حالة "سلسبيل" فضغط زر الفتح بلهفة ليأتيه صوتها تقول.
"عبد الجبار بيه أنا عملت اختبار الحمل لـ سلسبيل هانم".
صمتت لوهلة كانت بمثابة أعوام لذلك العاشق الذي أوشك قلبه على مغادرة ضلوعه من عنف دقاته حين تابعت الطبيبة.
"ألف مبروك المدام حامل!!!!".
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الثامن 8 - بقلم نسمة مالك
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل التاسع 9 - بقلم نسمة مالك
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل العاشر 10 - بقلم نسمة مالك
الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم. وحين جاء الأعرابي يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وصية قال له: "لا تغضب". وكررها ثلاث، تكرار من يشير إلى ضبط هذه الصفة، ضبطها فيما أحله الله، فالكل شيء حد لا يجب أن يزيد أو يقل عنه حتى لا يتعدى الحد المطلوب، وهو ألا يحملك غضبك على أن تكون ظالمًا، فتتبع السيئة بسيئة مثلها.
وبرغم أن عبد الجبار تمالك غضبه، إلا أن حمية الرجل بداخله كانت تثور بغضب عارم وهو يستمع لاعتراف خضرا زوجته، خاصةً حين قالت:
"أني اتفاچأت ب حسان لما وافق ينقلي كل أخبارك مطلعش آمين يا عبد الچبار، ولو عليا أني معذورة الغيرة واعرة قوي ياخوي..و أنت لازم تغور حسان من أهنه.. ده خاين ملوش أمان أبدًا بعد اللي حُصل منه".
كان سيرد عليها يخبرها أنها السبب فيما فعله، هي من فتحت بابًا لدخوله منه بينهما، هي من ساعدته على الخيانة بحديثها معه في السر، لكنه جاهد نفسه حتى لا يعميه غضبه، وتحلى بالعقل والحكمة، والرشادة والفهم، فكان مثالًا حيًا على العقل الناضج. صامت لا يبدي أي رد فعل، يدرس ما كان وراء سلوك أنثاه حتى فعلت ما فعلت. عليه أن يستعمل الرحمة، عليه أن يراجع ذاكرته ليرى موازين أفعالها، وأن لا يطيح بما فعلته تحت ضعف الذات، وضعف النفس، ووسوسة الشياطين.
بيتا قائمًا، يُسمع فيه صوت ضحكات ابنتيه بفرحة غامرة فور علمهم بعودته، ركضوا تجاهه مسرعين ارتموا داخل حضنه! هذا أكبر انتصار للنفس بالنسبة له، إن أردت حياة سليمة عليك أن تحذف الغضب من قاموسك، ولكن العدل أن يأخذ كل إنسان حقه بلا جور.
"اتوحشتك يا فاطمة أنتي وخيتك قوي"، نطق بها وهو يضمهما لصدره بحنان العالم أجمع. تنعمت الفتاتان بحضن والدهما الدافيء الذي حاوطهما بحماية وأمان. فالأنثى يجب أن تكون أميرة في بيت زوجها، ومهرها ليس هذا الذي يعطيه إياها من أموال، مهرها معاملتها! فرمى وتجاوز ما مضى، واستبدل نبتة الغضب، بنبتة تُسقى بالحب والرعاية والاهتمام والعدل.
العدل الذي يمنعه من الذهاب لسلسبيل ليعتذر لها ويخبرها حقيقة شعوره فيما فعله معها. يود أن يعترف لها بأن الغضب قد أعمى عينيه، وحمية النفس عن رؤية العدل والإنصاف، فاخطأ حين رآها مجبرة على الزواج منه في باديء الأمر ووافق هو على إتمام هذا الزواج. أخطأ حين دفع زوجته خضرا لفعل ما فعلته بسبب عشقه الزائد لتلك الصغيرة، الضحية الوحيدة في لعبته على خضرا بشأن مرضها حتى يجبرها على الموافقة على زواجه منها، ولعبته خضرا عليه فالزواج من امرأة ظنت بأنها لن تقوى على الإنجاب!
أعترف بخطأه هذا أخيرًا، وقرر عدم الاستمرار في ظلم سلسبيل أكثر من ذلك، فأعطاها حريتها خوفًا من أن يأتي يومًا تفوق فيه على حقيقة وضعها معه وتكتشف بأن ما تحمله له بقلبها لم يكن حبًا على الإطلاق بل مجرد احتياج، حينها ستكرهه وتكره حياتها معه وستبتعد عنه للأبد بلا عودة. لذلك قام هو بإطلاق سراحها وأعطاها لأول مرة بعمرها حرية الاختيار. فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولكن هو لن ولن يستطيع أن يتوب عن عشقها.
"أني وأنتي أفضل عقاب لبعض يا خضرا"، نطق بها بعدما تأكد من مغادرة ابنتيه الغرفة. وقف أمامها بطوله المهيب، ينظر لها نظرة جامدة خالية من المشاعر فبدت مخيفة للغاية بالنسبة لها، وتابع بابتسامة مصطنعة زادت من خوفها.
"الطعنة تچيني منك أنتي يا أم بناتي!.. كنتِ رايدة حسان يقتلني لو مطلقتش سلسبيل؟!"
بهتت ملامح خضرا وفتحت فمها لترد عليه لكنه لم يُتح لها الفرصة، وتابع بلهجة لا تخفي غضبه المشحون أبدًا:
"و الخاين كان ناوي يقتلني حتى بعد ما طلقتها لولا أني سبقت وكشفت خيانته.. بس لازم تعرفي إن طلاقي لسلسبيل مش خوف منك لع.. ولا حتى خوف عليها.. أنتي خابرة زين إني أقدر احميها حتى بعد ما بقت مش على ذمتي.. أني طلقتها بس عشان مظلمهاش بنا أكتر من أكده.. لو في ضحية واحدة في كل اللي حُصل لغاية دلوجيت فهي سلسبيل.. ضحية لعبتنا القذرة أني وأنتي، وعشان أكده خرجتها من حياتي قبل ما يجي اليوم وأشوف في عنيها كرهها ليا وندمها على چوازها مني.. ده اللي مهقدرش عليه واصل.. عندي ابعادها عن قلبي و هي عشقاني ولا تفضل چاري و هي كرهاني".
صمت لبرهةً وتابع بأسف شديد:
"وهي لسه صغيرة واللي عاشته في حياتها واعر قوي فقبلت بجوازها مني مغصوبة واديني عطاتها حريتها لاچل ما تفكر زين هي رايدة أيه ورايدة مين يكون في حياتها اللي واثق أننا هنبقي براها أني وأنتي".
قبض على عنقها فجأة بقبضة يده ودفعها بقوة حتى ألصقها بالحائط خلفها، كادت أن تلفظ أنفاسها من شدة خوفها وقوة ضغطه على عنقها، ليتحدث هو بغضب عارم قائلاً:
"أني أقدر اقتلك وادفنك بيدي على عملتك المهببة دي يا خضرا ومافيش مخلوق هيلوم عليا.. لكن اللي منعني عنك بناتك.. بناتي بس اللي مربطين يدي وحيشني عنك".
"حقك عليا يا خوي.. الغيرة مرارها واعر ونارها حرقت قلبي وعمت عنيا وخلتني اطلب من حسان الطلب العفش ده.. متزعلش مني يا عبد الچبار"، قالتها بتقطع بنبرة متوسلة وهي تجاهد لتلتقط أنفاسها.
"اللي عملتيه يأكد إنك محبتنيش واصل.. أنتي بتحبي نفسك يا خضرا.. اللي بيحب حد يفديه بروحه مش يتفق على قتله!!".
تركها على مضض بعدما رأى تدهور حالتها للاعياء الشديد وكادت أن تفقد وعيها أثر خنقه لها، لتشهق هي بقوة ساحبة أكبر قدر ممكن من الهواء تملأ به رئتيها، ليتابع هو بأمر:
"هتفضلي على ذمتي لخاطر بناتك.. لكن أنتي محرمة عليا ولو مش عچبك هطلقك دلوجيت بس لازم تعرفي زين إن طلاقك مش هيكون في مصلحة البنتة الصغار اللي كلها كام سنة وهيبقوا عرايس ويسألوكي عن سبب طلاقنا فكري هتقولي لهم كنتِ رايدة تقتلي أبوهم ليه.. ولو هما مسألوش الناس هتسأل ولو ملقوش إجابة هيخترعوا إجابة من عندهم وكلام الناس ياما ومهيخلصش.. القرار ليكِ وأي إن كان أني هنفذه".
"طلاق لا.. أحب على يدك طلاق لا يا عبد الچبار.. هملني على ذمتك يا خوي واني هعمل المستحيل لاچل ما ترضى عني وتساهلني على اللي عملته في حقك".
لم ينظر لها، اكتفى بالصمت المطعم بالتنهيد وهو ينظر للفراغ بشرود وحزن ظاهر بعينيه بعدما تأكد أنه كُتب عليه يعيش وجع الفراق عن معشوقة فؤاده.
سبحان الله العظيم. سلسبيل. أجرت للتو اختبار حمل منزلي، وتأكدت أنها تحمل طفل عبد الجبار داخل أحشائها، ثمرة عشقها منه، فرحتها الحقيقية التي جعلتها تبكي وتذرف الدموع بغزارة، دموع الفرحة التي نادرًا ما تحياها.
"أنا حامل يا ماما عفاف؟.. بالله أنتي متأكدة أن ده كده حمل؟!"، همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، وهي تطلع لاختبار الحمل الصغير الذي يظهر به شرطتين دليل على وجود جنينها.
"اه والله حمل يا بنتي.. مبروك.. ألف مبروك يا حبيبتي"، أردفت بها عفاف وهي تقبلها بحب من وجنتيها، وتضمها بلهفة لحضنها. ربتت على ظهرها بكف يدها كمحاولة منها لتهدئة حدة بكائها الذي كان يشق سكون المكان من حولها حتى أنه وصل لسمع جابر الذي كان ينتظرها في الخارج، مقدرًا حالتها وغيابها عليه كل تلك المدة.
"سلسبيل!!"، نطق بها بصوته المتلهف قبل أن يدلف لداخل غرفة عفاف الخاصة عبر بابها المفتوح. ابتعدت سلسبيل عن حضن عفاف وتطلعت تجاه مصدر الصوت، لتشهق بخفوت من هيئة جابر التي بدت مزرية للغاية.
"أنتي كويسة؟!"، قالها بأنفاس لاهثة أثر ركضه على الدرج وقطع المسافة بينه وبينها في خطوتين فقط حتى توقف أمامها مباشرةً، يتطلع لها بنظراته المتيمة التي يملأها العشق والاشتياق الأبدي لها. تأملت هيئته، لحيته الكثيفة الغير منمقة على غير عادته، عينيه الذابلة الحزينة، الإجهاد على ملامحه وكأنه لم يرى النوم منذ تركها لمنزله.
"أنا كويسة الحمد لله.. أنت اللي مالك يا جابر.. شكلك مش طبيعي.. في حاجة حصلت؟!"، غمغمت بها سلسبيل بعدما سيطرت على حدة بكائها، رفعت يدها وزالت دموعها من علي وجنتيها. حاول هو السيطرة على ضعفه أمامها إلا أن حزنه وألمه لم يمهله، فتجمعت العبرات بعينيه أفزعتها وجعلتها تعاود البكاء من جديد متمتمة بصوتٍ مرتعش.
"جابر في أيه؟!"، ابتعلت لعابها بصعوبة وتابعت بخوف.
"جدي جراله حاجة؟".
حرك رأسه لها بالنفي، وهمس بصوتٍ اختنق بالبكاء قائلاً:
"أمي.. أمي ماتت يا سلسبيل".
شهقت بقوة وهي ترفع كفها تضعه على فمها، وتطلعت له بأعين جاحظة منذهلة غير مصدقة ما ألقاه على سمعها.
"أنت بتقول أيه.. خالتي ماتت!!.. إزاي و أمتي.. ده أنا سيبها كانت كويسة ومافيهاش أي حاجة!".
لم يرد عليها، كان ينظر لها نظرة احتياج يملؤها الحزن، هو الآن في أصعب وأضعف حالته، أظهر ضعفه هذا لها هي وحدها، نظرته لها كانت تستجديها أن تتركه يضمها، ولو لمرة واحدة ويموت بعدها لن يمانع على الإطلاق. تفهمت هي نظرته جيدًا وما يدور في خاطره، فتوترت وحاولت الفرار من أمامه إلا أنه لم يترك لها فرصة هذه المرة، وخطفها من خصرها دون سابق إنذار في عناق محموم دافنًا وجهه بعنقها، عينيه تذرف الدموع دون بكاء.
"سبيني أحضنك عشان خاطري يا سلسبيل"، همس بها وهو يحتوي جسدها الصغير بين ذراعيه حتى رفعها عن الأرض تمامًا حين شعر بمحاولتها لأبعاده عنها.
"جابر!!"، زاد من ضمها له، وأخذ نفس عميق يملأ رئتيه بعبقها قبل أن يجيبها بلهفة قائلاً:
"يا عيون وقلب جابر".
"أنا حامل".
شعرت بتصلب جسده حولها، ابتعد عنها ببطء حتى تقابلت أعينهما في نظرة طويلة كانت بالنسبة لها بمثابة نظرة النهاية، نهاية لقصة عشقهما التي لم تبدأ بعد.