تحميل رواية «جبر السلسبيل الجزء الثاني» PDF
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسود حالة من الفزع داخل المقر الرئيسي لشركة المنياوي بالإسكندرية. الخوف يملئ القلوب، والجميع يعمل على قدم وساق، خاصة رؤساء الأقسام الذين يكثفون جهدهم أضعافًا مضاعفة حتى ينهوا عملهم على أكمل وجه، خوفًا من أن يطولهم غضب "عبد الجبار". بينما يقف هو بطوله الشامخ أمامهم مولياً ظهره، ينظر من نافذة مكتبه بأنفاس مهتاجة من شدة انفعاله. يتناول سيجاراً تلو الآخر وينفث دخانه كما لو كانت نيران متوهجة تخرج من فتحتي أنفه. رغم جمود وصلابة ملامحه، فهو كعادته بارع في إخفاء مشاعره وما يؤلم قلبه. إلا أن عينيه بدت مخ...
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نسمة مالك
بعد مرور 6 أشهر كاملة.
وقت كان بالقدر الكافي لتغير كل شيء، هدنة للجميع ليتمكنوا من التفكير واتخاذ القرار الصحيح.
داخل مبنى عملاق حديث الطراز يتكون من خمسة طوابق مصممة بعناية ودقة فائقة، بكل طابق مجموعة كبيرة من أكفأ العاملين والمتخصصين بمجال الدعاية والإعلان، الكل يعمل على قدم وساق، خاصةً حين علموا بوصول مديرتهم شديدة الطباع.
تأهب جميع العاملين، وانتصبوا واقفين في انتظار دخولها من باب المبنى الرئيسي الذي توقف أمامه سرب من السيارات، جميعهم من أحدث وأغلى الموديلات العالمية.
هبط طاقم الحراسة وحاوطوا السيارة بحماية، تلك السيارة التي تجلس بداخلها المدير العام لهذا المبنى الفخم.
هرول قائد الحرس نحو الباب وفتحه لتهبط منه امرأة في غاية الأناقة بثيابها التي تقوم بتصميمها هي بنفسها.
كانت ترتدي فستانًا أسود طويلًا منقوشًا بفرشات من اللون الأبيض يظهر قوامها الممشوق وبروز بطنها التي بدأت في الظهور رغم أنها أوشكت على إنهاء شهرها السابع، چاكت قصير من نفس لون الفراشات وحجاب من اللون الأسود، زينتهم بحذاء رياضي وحقيبة يد صغيرة، كلاهما من اللون الأبيض.
تخفي عينيها الجميلة بنظارة شمسية من أشهر الماركات.
أسرع أحد أفراد الأمن بحمل حقيبة اللاب توب الخاص بها، بينما سارت هي بين طاقم الحرس بخطي واثقة، رافعة رأسها بشموخ يليق بها كثيرًا.
هذا المكان الذي ذاع صيته خلال فترة قصيرة يقع تحت إدارة الديزينر المحترفة "سلسبيل القناوي".
رغم حداثة سنها وخبرتها القليلة، إلا أنها استطاعت أن تثبت براعتها وتفوقها في مجال الدعاية والإعلان، فهي تقوم برسم جميع التصميمات بيدها مستغلة موهبتها الفريدة من نوعها.
"صباح الخير".
قالتها "سلسبيل" وهي تمر من أمامهم متجهة نحو المصعد المؤدي لمكتبها.
"صباح الخير يا فندم".
نطق بها جميع العاملين بنفس واحد.
خلعت نظارتها قبل أن تدلف لداخل المصعد لتتمكن من قراءة اليافطة المفضلة بالنسبة لها، والتي لا ولن تمل من قرائتها أبدًا.
شركة "السلسبيل" للدعاية والإعلان.
"جابر وصل؟".
أجابتها "صفا" سكرتيرتها الخاصة والتي أصبحت صديقتها المقربة أيضًا قائلة بعملية:
"جابر بيه بلغني أنه هيوصل على ميعاد الاجتماع يا سلسبيل هانم".
جلست "سلسبيل" على مقعدها الجلدي بأريحية، وانتظرت حتى انصرف الجميع بعدما وضعوا الكثير من الملفات أمامها على المكتب يردون توقيعها عليهم، وظلت هي و"صفا" بمفردهما.
لتهرول الأخيرة تجاه ثلاجة موضوعة بإحدى الجوانب، وفتحتها على عجل، أخذت منها طبقًا من الفاكهة الطازجة وزجاجة من الماء وأخرى من العصير وذهبت بهم نحو المكتب.
أزاحت الملفات برفق ووضعتهم أمام "سلسبيل" التي تتابع ما تفعله بملامح جامدة.
تغيرت شخصيتها تغيرًا جذريًا، حتى أن ابتسامتها الرقيقة قد اختفت تمامًا وأصبحت شفتيها للحديث فقط.
"اممم.. أسيب ماما عفاف في البيت أجي هنا ألقيكي يا صفا؟!. أنتي وهي مش وراكم أي حاجة غير أنكم تأكلوني ولا إيه!!"
بدأت "صفا" في تقطيع ثمرة من التفاح، وسكبت كوبًا كبيرًا من عصير المانجو وأعطتهم لها وهي تقول:
"ماما عفاف قالتلي إنك مرضتيش تاكلي أي أكل في البيت عشان كده جبتلك شوية فاكهة وعصير فرش".
ظهر التوتر على ملامح "سلسبيل"، وأبت أن تتذوق أي شيء مغمغمة بأسف:
"أنا مش هقدر أكل ولا أشرب أي حاجة طول ما أنا قلقانة.. فمتغصبيش عليا علشان متعبش وأنتي عارفة إن اجتماع النهاردة مهم أوي ومش هينفع أعتذر عنه خالص".
تنهدت "صفا" بقلة حيلة فهي على يقين بأن "سلسبيل" لن تتراجع بكلمة تفوهت بها.
"يا سلسبيل أنا عارفة إن التيم اللي هيحضر اجتماع النهارده يبقوا أهم وكلاء لأكبر شركات في الشرق الأوسط وبدعيلك من قلبي والله ربنا يوفقك وشغلك يعجبهم عشان لو ده حصل هنبقى كسبنا أقوى صفقة في تاريخ الشركة خلال وقت قياسي، بس كل ده مش هيبقى أغلى عندك من اللي في بطنك!!"
مسدت "سلسبيل" على بطنها بكلتا يديها تتحسس حركة جنينها بلهفة وهي تقول:
"مافيش في الدنيا كلها أغلى من اللي في بطني.. أنا كل اللي بعمله ده بعمله عشانه هو وبس".
صوت طرقات على الباب جعلت "سلسبيل" تتأفف بضيق.
"صفا مش عايزة أشوف حد دلوقتي.. مدخليش أي حد عندي لغاية ميعاد الاجتماع.. عايزة ألحق أراجع على التصميمات مراجعة أخيرة قبل وصول العملاء".
غمغمت بها وهي ترتدي نظارتها الطبية التي زادتها وقارًا وهيبة.
مدت يدها نحو حقيبة اللاب توب وتناولته وبدأت تتصفحه باهتمام وملامح جادة، صارمة جديدة عليها كليًا.
انصرفت "صفا" من أمامها في الحال، غالقة الباب خلفها، لتسند "سلسبيل" بظهرها على المقعد، وتطلعت حولها تتأمل مكانها المفضل.
انتصبت واقفة وسارت تجاه النافذة الزجاجية الفاصلة بينها وبين العاملين تحت يدها.
فور رؤيتهم لها، تأهب الجميع وظهر الخوف عليهم وبدأوا يعملون بجهد تجنبًا لنوبة غضبها المدمر.
كانت تطلع لهم بملامح خالية من المشاعر، فقط البرود، البرود التام أصبحت تتحلى به في الفترة الأخيرة، بينما بداخلها جمرات صغيرة من نيران حارقة خامدة أسفل الرماد.
كانت يدها تمسد بمنتهى الرفق على بطنها، وقلبها يتراقص فرحًا كلما شعرت بركلة من صغيرها.
لفت ذراعيها حول نفسها، وكأنها تحتضن طفلها بحنان العالم أجمع مرددة بفرحة غامرة:
"يا روح وقلب وحياة سلسبيل".
***
بمنزل عبد الجبار.
الأجواء أسوأ ما تكون، تبدل حال "عبد الجبار" للنقيض، كأن روحه تركت جسده بعد فراقه عن من ملكت قلبه.
رغم أنه بارع في التحكم والسيطرة على مشاعره، إلا أن لسانه ينطق دائمًا بما يشغل عقله وقلبه دون أدنى إرادة منه، وهذا يثير جنون "خضرا" كثيرًا، خاصةً بعد هجره لها منذ ما يقارب السبعة أشهر.
اليوم قررت أن تكسر الحاجز الذي بناه بينه وبينها، ووقفت تنتظره على باب الحمام المواجه للغرفة التي كانت تمكث بها غريمتها والتي أصبحت غرفة "عبد الجبار".
فُتح باب الحمام وخرج هو بثيابه الداخلية، ممسكًا بيده منشفة قطنية يجفف بها خصلات شعره الفاحم.
"خير؟ واقفالي كيف الغفير ليه أكده عاد!!"
قالها متعمدًا عدم نطق اسمها، فكلما نادى لأحد، لأي شخص كان لا ينطق لسانه سوى اسم ابنة قلبه "سلسبيل".
مر من أمامها دلف لداخل غرفته، لتهرول "خضرا" خلفه مسرعة غالقة الباب خلفها، ودون سابق إنذار كانت ألقت نفسها داخل حضنه مرددة ببكاء:
"بكفياك.. بحلفك بالله بكفياك جفا وبعد لحد أكده يا عبد الچبار".
قبلت كتفه مرات متتالية صعودًا لعنقه مكملة بتوسل:
"كفاياك زعل مني يا خوي".
كان "عبد الجبار" يقف كالصنم، ينظر للفراغ بشرود، فانهت "خضرا" حديثها وأطبقت بشفتيها على شفتيه مستغلة شروده هذا.
في بادئ الأمر كان لا يبادلها قبلتها هذه، ولكن بعد وقت ليس بقليل إنهال عليها فجأة بقبلة جامحة، غالقًا عينيه، ويده تجذبها نحو الفراش.
لحظات من الحميمية مرت عليهما، كانت "خضرا" تظن أنها قد استرجعت رجلها أخيرًا.
لكن بكل أسف حتى بغيابها ستظل هي الحاضرة، رائحتها تملأ رئتيه، أنفاسها الساخنة تلفح بشرته تزيد لهيب عشقه وجنونه بها، خصلات شعرها الحريرية الطويلة تداعب وجهه تُرغم شفتيه على غمرها بسيل من القبلات المتلهفة، ملمس بشرتها الناعمة أسفل أنامله الخشنة تُطير اللب من عقله تجعله يهمس اسمها بتنهيدة حارة دون أدنى إرادة منه، وكأنه فقد الكلام بأكمله ولا يتذكر منه سوى حروف اسم "سلسبيل!!!" فقط.
"أني خضرا جولتلك مليون مرة أني خضرا مش سلسبيل".
نطقت بها "خضرا" التي انتفضت مبتعدة عنه بعنف، ساحبة الغطاء عليها، تطلعت له لبرهة بأعين جاحظة وملامح يملؤها الوجع والحسرة.
بينما هو كانت ملامحه جامدة غير مبالي كعادته معها مؤخرًا.
كان غضب "خضرا" آخذًا في التفاقم أساسًا منذ مدة، حتى فقدت السيطرة الآن فجأة فصرخت قائلة بغصة يملؤها الأسى:
"طلقني.. طلقني يا عبد الچبار!!!!".
وكأنه استوعب للتو أن حبيبته ليست هنا، فنتفض هو الآخر كمن لدغه عقرب مبتعدًا عن الفراش بأكمله، لتطل له "خضرا" بأعين تذرف الدمع مرددة بإصرار:
"طلقني يا عبد الچبار".
نظر لها نظرة طويلة، ومن ثم قال بهدوء يُحسد عليه:
"مصاريفك ومصاريف بناتي وكل حاجة تحتاجيها هتكون عندكم قبل حتى ما تطلبوها، وأنتي والبنات هتفضلوا هنا في بيتكم، وأني هاخد أمي ونمشي".
صمت لبرهة وتابع بصوته الأجش:
"أنتي طالق يا خضرا".
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نسمة مالك
داخل منزل "سلسبيل" الثاني بمحافظة القاهرة الذي أهداه إليها طليقها "عبد الجبار"، تقف "عفاف" المرأة التي أرسلها الله لتكون السند و الداعم القوي ل "سلسبيل"..
تمسك بيدها دفتر المواعيد الخاصة بمن أتخذتها ابنه لها. تنظم لها يومها بالدقيقة و الثانية بدقة متناهيه، تُدير لها مواعيدها كاملة داخل و خارج المنزل. جميع العاملين بالمنزل يأخذون الأوامر منها هي، بسبب انشغال "سلسبيل" الدائم بأخذ الكثير من الكورسات الخاصة باللغة العربية و الإنجليزية، كورس تصميم لتنمية مهاراتها في الرسم، و حتى أنها تتعلم أصول الاتيكيت أيضًا.
"عايزه الكل يركز معايا لأن انهاردة يوم مهم بالنسبة ل سلسبيل هانم و إحتمال تتأخر في الشغل عشان كده كورس الانجليزي هيتأجل لبكرة و هيكون في نفس معاده الساعة 8 أصبح و هيخلص 9 و نص ، و طبعًا عارفين إن الهانم بتصحي 6 بالدقيقة بتخلص تمارينها 6 ونص، 7 إلا ربع يكون الفطار جاهز لأنها كده هتروح تطمن على الشغل بعد ما تخلص فطار و ترجع على معاد الكورس".
صمتت لبرهةً و نظرت للدفتر بيدها مكملة.
"متنسوش كمان انهارده معاد كورس الرسم هيكون الساعة 6 مساءً و هيخلص الساعة 8 يكون العشا جاهز لأن الهانم بتكون 8 ونص في السرير ده ميعاد نومها المعتاد".
أبتسمت لهم وتابعت بود.
"أنا بفكركم كل يوم بمواعيد مدام سلسبيل عشان تثبت في دماغكم و محدش منكم ينساها.. و دلوقتي تقدروا تتفضلوا على شغلكم".
أنهت حديثها، و أمسكت هاتفها طلبت إحدي الأرقام، و رفعت الهاتف على أذنها تنتظر الرد.
"صباح الخير يا دكتورة ..أنا عفاف والدة سلسبيل القناوي.. طمنيني يا دكتورة سلسبيل عاملة أيه معاكي؟"
"اهلاً وسهلاً يا مدام عفاف.. مش عارفه أقول لحضرتك أيه بس لازم أكون صريحة معاكي.. الحالة النفسية ل سلسبيل هانم سيئة جدًا بل من أسوء الحالات اللي مرت عليا، و برغم أنها دلوقتي بتمثل القوة لكنها أضعف مما هي نفسها تتخيل، عشان كده لازم يكون في رقابة عليها طول الوقت لأن جدار القوة المزيف اللي رسماه على شخصيتها ده ممكن ينهار في أي لحظة عشان كده أنا كنت برجح تفضل في المصحة على الأقل شهر تحت الملاحظة".
ترقرقت العبرات بأعين "عفاف" و تحدثت بصوتٍ تحشرج بالبكاء قائلة.
"معقولة يا دكتورة حالتها متحسنتش خالص.. دي بقالها أكتر من 5 شهور متابعة معاكي و مفوتتش ولا جلسة واحدة!"
"للأسف العلاج النفسي بياخد وقت و مجهود من المريض و من الطبيب المعالج كمان.. و حالة مدام سلسبيل عانت من الظلم و العنف لسنين طويلة مش هتتعافي من كل اللي عاشته ده في شهور قليلة".
تنهدت "عفاف" بحزن و هي تقول.
"بس سلسبيل مستحيل توافق أنها تدخل مصحة نفسية خصوصًا بعد ارتباطها الشديد بشغلها".
"يا مدام عفاف المصحة عندنا ليها فروع في كذا مكان جوه و برة مصر و مدام سلسبيل لو وافقت أنا هحجزلها في فرع المالديف أو في تايلند .. تعتبر نفسها في فترة استجمام، و هيكون عندها وقت كافي تستغل موهبتها في رسم المناظر الطبيعية الخلابة اللي هتكون حواليها و اللي هتساعدها كتير و تصفي ذهنها قبل ما تدخل في شهور الحمل الأخيرة".
"عبد الجبار".. ترك كل شيء حتى ثيابه تركها و أكتفي بأرتداء جلبابه، هذا الجلباب الذي كانت تختبئ بداخله "سلسبيل".. ينبض قلبه بأسمها، غادر الغرفة دون النظر ل" خضرا " التي لم تكف عينيها عن البكاء، تسيل عبراتها على وجنتيها بغزارة، و ما أصعب دموع الحسرة، تعرضت لأبشع موقف لا يمكن أن تتحمله أي أنثى.
"قومي معايا يا أمه خلينا نمشي من أهنه". قالها و هو يناولها عكازها يحثها على النهوض.
تطلعت له "بخيتة" بأعين متسعة على أخرها، لتنصدم بنظرة الضياع و الانكسار الطاهرين على وجهه الحزين.
"نمشي من أهنه نروح فين؟!.. أيه اللي حُصل.. مالك يا ولدي؟!"
أطلق "عبد الجبار " زفرة نزقة من صدره و هو يقول.
"هقولك بعدين يا أمه.. بس أحب على يدك خلينا نمشي دلوجيت .. مطيقش أفضل أهنه".
أطبق جفنيه و اصطك على أسنانه بقوة كاد أن يهشمها حين وصل لسمعه صوت ابنتيه الباكي.
"هتهملنا لحالنا و تمشي يا أبوي!!"
جملتهما كانت كالسكين الحاد انغرس بمنتصف صدره، ركضا اثنانتهما نحوه و أرتموا داخل حضنه يبكيان بنجيب.
"أمي مهتزعلكش تاني واصل بس متهملناش يا بوي"
"ما تفهمني أيه اللي حُصل يا عبد الچبار؟!"
صاحت بها "بخيتة" و هي تضرب بعكازها على الأرض بغضب.
"أني هقولك يا أمه و متعشمة فيكِ تساعديني لخاطر البنته الصغيرين المعلقين بأبوهم و إني خابرة زين إنك تطيقي العما و لا تطقيني". قالتها "خضرا" التي هبطت الدرج للتو، و وقفت أمامها تحاول السيطرة على حدة بكائها مكملة بغصة مريرة يملؤها الأسى.
"عبد الچبار طلقني".
زادت حدة بكاء الصغيرتان، و تمسكوا بثياب والدهما بكل قوتهما، شعر "عبد الجبار " بالندم الشديد حين رأي مدى الخوف الظاهر بأعينهما.
"متهملناش يا عبد الچبار و إني أوعدك هنفذ اللي قولت لي عليه قبل سابق.. هعيش لبناتي بس سيبني على ذمتك عشان خاطرهم". أردفت بها "خضرا" بجمود مفاجيء ظهر على ملامحها المتألمة، بعدما توقفت عن البكاء بشق الأنفس.
"كلامها صُح ياولدي.. ردها على ذمتك لخاطر لحمنا يتربوا في حماك". قالتها "بخيتة " رغم نظرات الغيظ و الكرهه التي ترمق بها "خضرا".
رفع "عبد الجبار " يده و مسد على جبهته صعودًا لخصلات شعره الفاحم كاد أن يقتلعه من جذوره بسبب غضبه العارم ود لو أنفجر في "خضرا" و والدته بأنهما سبب أساسي لما وصل إليه الآن. نظرته لهما كانت كفيله بأن يتفهموا ما يريد أخبارهما به، لكنه تمالك أعصابه لخاطر أبنتيه حتى لا يزيد خوفهما أكثر.
"بكفياكم بكى عاد.. أني عندي شغل مهم هخلصه و هعاود طوالي". قالها و هو يزيح دموعهم بأنامله، و مال عليهما طبع قبله على وجنتهما مكملاً.
"أني مقدرش استغني عنك يا فاطمة و لا أقدر أعيش يوم واحد من غيرك يا حياة".
ضمهما لصدره من جديد، لتهمس ابنته "فاطمة" داخل أذنه بتقطع من بين شهقاتها.
"يعني هتخلص شغل و تعاود طوالي صُح يا بوي؟"
ربت على ظهرهما بحنان و هو يقول.
"هعاود.. أطمني هعاود يا فاطمة".
ظل محتويهما بين ذراعيه حتى هدأت نوبة بكائهما تمامًا، و من ثم بعدهما عنه برفق، و رمق "خضرا" و بخيتة" بنظرة أخيرة قبل أن يغادر المنزل بأكمله بخطي واسعة.
هرول إحدي حراسه بفتح باب السيارة الخلفي له، لكنه صعد بمقعد السائق مغمغمًا بأمر.
"معوزش حد معايا.. خليكم أهنه و فتحوا عنيكم زين، لو حُصل أي حاچة حدتني طوالي".
لم ينتظر سماع رد على حديثه هذا، انفجر هدير محرك السيارة عاكسًا غضبه عليها، ليطير الغبار من الخلف بقوة لحظة إنطلاقها.
يسير بلا هوادة لا يعلم أين يذهب، يشعر لأول مرة بحياته بمعني كلمة الضياع، عاجز عن إتخاذ قرار صحيح منذ ابتعاد "سلسبيل" عنه، حياته بأكملها انقلبت رأسًا على عقب، لم و لن يستطع التأقلم مع غيابها. يقر و يعترف أنه الآن أصبح ظالم، ظلم الجميع و أولهم نفسه.
و مع كل ما يمر به إلا أنه يشعر بالاشتياق الشديد لها، مهوس بها و بعشقها الذي استحوذ على قلبه، مال على ياقته و أخذ نفس عميق يمليء رئتيه بعبقها، فجلبابه مازالت معبأة بعطرها، المرأة الوحيدة التي حاكت من غضبه هدوء، ومن صخب شرقيته عزفت لحنًا حنون. شوقه لها كالشمعة تذوب حتي تحولت لجمر شظاياه تجن كل مساء، بقي حديثها القليل معه عالقًا بروحه، أنفاسها تقيد نبضه، أما هو حزنه المهذب خلف ابتسامته يخجله، كم كان رجلًا يتباهى ولا يبالي، بذاك المساء الكئيب سكب الماء براحتيَّها، ضممته هي بقوة كي لا يضيع، و حين رفعت رأسها كانت كل أحلامها التي لم تقبض عليها يومًا ظنًا منها أنها لن تغيب... تسربت، اختفت بعدما اتهامها بأن مشاعرها تجاهه لم تكن حُب من الأساس، و أنه لن يردها لعصمته حتى بعد علمه بحملها، فعلته هذه كانت القشة التي قسمت ظهر البعير. لن ينسى نظرتها له التي كانت تملؤها الخيبة، خيبة أملها فيه، تركته هذه المرة يواجه غروره بيدين خاويتين، يا متاهته لم تتركه هنا رجلًا يملك العالم كما كان معاها، بل تركته فأرًا يقضم الحيرة بمتاهة الشوق اللعين، يعاد بذهنه سؤال واحد يتردد بلا توقف، كيف يمضى الى حال سبيله و قدميه عالقة بأرضها؟ فهو على يقين أنّ حتى لو اعتذرت الرياح، الغصن سيبقى مكسوراً.
أخرج هاتفها من جيبه، و ظل يتأمل صورتها به بأعين هائمة و قلبًا تحرقه نار الإشتياق.
"اتوحشتك.. اتوحشتك قوي قوي يا سلسبيل يا بنت جلبي".
صدح صوت رنين هاتفه، برقم شخص ينطبق عليه مثل ما محبه إلا بعد عداوة.
"أيوه يا چابر".
أتاه صوت الأخر يقول بغيظ مصطنع.
"وآخرتها أيه يا عبد الجبار في عمايلك دي يعني؟!"
"اممم.. أكده تبجي عرفت". دمدم بها و هو يضحك باستفزاز مثير للأعصاب.
استشاط "جابر" غيظًا و صاح به قائلاً.
"يعني فعلاً أنت شريك أساسي في كل الشركات اللي سلسبيل اتعاقدت معاهم من أول ما فتحنا الشركة؟!"
أجابه "عبد الجبار " ببرود قائلاً.
"و الشركتين اللي هيحضروا الاچتماع معاكم انهاردة كمان".
"كده بقى هتتكشف يا حلو لأن سلسبيل هتحضر إجتماع انهارده و مش هقولك هي بقت ذكية و لماحة إزاي الفترة اللي فاتت دي.. و مش بعيد أبدًا ترفض التعاقد مع العملاء بتوعك". أردف بها "جابر" بثقة.
ضيق "عبد الجبار " عينيه و هو مازال يتطلع لصورتها عبر الهاتف، و تحدث بخبث قائلاً.
"حيث أكده يبجي اچي أحضر معاكم الاچتماع بنفسي لاچل ما أسمع وأشوف رفضها بعيني".
"سلسبيل".. قضت وقتًا ليس بقليل منهمكة في مراجعة تصميماتها، طرقات على باب مكتبها يليها دخول "صفا" بخطي مهرولة، وقفت أمامها تفرك يديها ببعضهما.
"خير يا صفا.. و ايه الدوشة اللي بره دي؟!" قالتها "سلسبيل" دون النظر لها، ظلت تتابع شغلها بتركيز كبير.
أجابتها "صفا" بأسف.
"في واحد برة مصمم يقابلك دلوقتي حالاً يا سلسبيل، و الإجتماع فاضل عليه ربع ساعة بس.. يعني العملاء على وصول".
"اعتذريلوا و بلغيه ياخد معاد يجي فيه". قالتها "سلسبيل" و هي تعتدل بجلستها، و تخلع نظارتها الطبية، ليزداد صوت الشجار بالخارج أكثر، و بلحظة كان الباب انفتح عليهما و اقتحم المكتب أخر شخص تريد رؤيته الآن.
"مش هتحرك من أهنه المرادي قبل ما أشوف بنتي".
كان هذا صوت "قناوي" الذي دب الرعب بأوصالها "سلسبيل".
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نسمة مالك
"عبد الجبار".. مر بطريقه على متجر من أشهر المتاجر المخصصة ببيع جميع الأغراض الرجالي.
خلال دقائق معدودة كان انتقى قميص أبيض اللون، سروال من الجينز الغامق، حذاء رياضي من اللون الأسود، نظارة شمسية سوداء من الماركة الشهيرة Tom Ford Ace، ساعة حول معصمه من Tag Heuer.
ارتداهم على عجل، ومن ثم نثر عطره المفضل Dior Sauvage بغزارة وغادر على الفور غير عابئ بدفع ثمن ما أخذه، فهذا المكان من ضمن ممتلكاته الخاصة.
صدح صوت هاتفه برقم رئيس الحرس الخاص بمعذبة فؤاده "سلسبيل"، خفق قلبه بشدة وهو يضغط على زر الفتح قائلاً بلهفة:
"إيه الأخبار عندك؟!"
أتاه صوت الآخر يتحدث بأسف:
"عبد الجبار باشا.. محمد القناوي والد سلسبيل هانم وصل هنا في الشركة وصمم يقابل الهانم وهو فوق عندها في المكتب دلوقتي."
"چابر وصل عندك ولا لاء؟" قالها وهو يقفز داخل سيارته، وقادها بأقصى سرعة ممكنة.
"لا يا باشا مش هنا وأنا لسه مابلغتهوش، بلغت سيادتك الأول."
زمجر "عبد الجبار" بصوت مخيف يدل على غضبه العارم، وقد شعر بالذعر على صغيرته وجنينه من بطش والدها الظالم.
"اسمعني زين.. لو قناوي مَس شعرة منها طُخه بالنار.. واللي خلق الخلق لو حاجة حصلت للهانم مهيكفنيش رقباتكم كلكم."
أنهى حديثه وألقى الهاتف من يده، وزاد من سرعته أكثر يتمنى لو يستطيع التحليق ومسابقة الرياح حتى يصل إليها.
ليرن الهاتف من جديد هذه المرة برقم "جابر".
"أنت فين يا بني آدم أنت؟!" قالها "عبد الجبار" بعدما لكم الهاتف بكف يده لكمة كادت أن تهشمه لأشلاء من قوتها.
أجابه "جابر" بأنفاس لاهثة:
"أنا داخل الشركة أهو."
أردف "عبد الجبار" بلهجة جادة:
"بلغ قناوي أني چاي في الطريق، ولو لقيته عندك هضربه بالنار.. سامعني يا چابر.. هضربه بالنار."
"سلسبيل".. مع مرور الوقت كل شيء يتحول إلى ماضي إلا اللحظة التي ينكسر بها قلبك تبقى حاضرة إلى الأبد.
والآن يقف أمامها أول شخص كسرها وخذلها طيلة حياتها.
تلك المقابلة كانت تتهيأ لها منذ خمسة أشهر. وافقت "عفاف" حين اقترحت عليها الذهاب إلى دكتورة نفسية حتى تتمكن من التغلب على جميع مخاوفها، وأولهم خوفها الأكبر من المسمى بوالدها.
كان "قناوي" في قمة غضبه، مما جعله يهجم عليها دون سابق إنذار مغمغماً بوحشية:
"أطلقتي يا هملة.. عملتي اللي على كيفك وأطلقتي من غير علمي يا واكلة ناسك؟!"
كاد أن يصفعها على وجنتيها بمنتهى القسوة، لكنها كانت أسرع منه وقامت بنثر رزاز على وجهه عبر بخاخة صغيرة، شوشت رؤيته وسببت له دوار قوي للغاية كاد أن يسقط أرضًا بسببه، أجبره على الجلوس على أقرب مقعد ممسكًا رأسه بكف يده.
"مرحب يا بوي!!" تفوهت بها "سلسبيل" ببرود ثلجي تُحسد عليه.
لم تتحرك من مكانها ولو انش واحد، ظلت جالسة على مقعدها خلف مكتبها، وأشارت لجميع الواقفين من الحرس بالانصراف مرددة:
"أخرجوا واقفلوا الباب وراكم ومحدش يدخل عندي هنا دلوقتي خالص."
نفذ الجميع أوامرها في الحال، وخرجوا واحد تلو الآخر حتى بقت هي ووالدها بمفردهما.
تراخى جسد "قناوي" على المقعد، وشعر بالدنيا تومض من حوله، فرمقها بنظرة زائغة، وهمس بصوت مرتجف قائلاً:
"أنتي عملتي فيا أيه يا بت المركوب القديم؟!"
ابتسمت له ابتسامة مصطنعة، بدت مخيفة أثارت الريبة بنفس "قناوي"، وتحدثت بهدوء ما قبل العاصفة قائلة:
"دفعت عن نفسي من ظلمك لأول مرة في عمري.. أصل اللي قاعدة قدامك دي سلسبيل تانية غير اللي كنت أنت بتضربها بالكرباج."
"ااه مقدرش. مقدرش أقوم على حيلي واصل.. انطقي عملتي فيا أيه يا بت الك**.." قالها بصعوبة وحين شعر بثقل لسانه الشديد.
"أنا معملتش فيك أي حاجة.. من يوم ما شوفتك وعرفتي إنك أبويا وأنت اللي بتعمل فيا حاجات."
رفعت يدها، وبدأت تعد على أصابع يدها:
"ذلتيني.. كسرتيني.. هنتيني.. ضربتيني.. غصبتيني على الجواز.. ورتيني العذاب على كل شكل ولون، وجاي دلوقتي فاكر إنك هتقدر تضربني تاني.. فاكرني هفضل ضعيفة ومدفعش عن نفسي؟!"
نظر لها بأعين شبه مغلقة وقال بضعف:
"أني عملت فيكِ أكده لاجل ما أربيكي زين.. كيف ما أهلنا علمونا وتقاليدنا بتقول أكسر للبنتة ضلع يطلع لها أربعة وعشرين."
"وأنت مش بس كسرت ضلوعي كلهاااا.. لا أنت قتلتني بالحيا.. دمرتني وكرتني في نفسي وفي الدنيا كلهاااا." قالتها بصراخ مقهور دون بكاء، كانت متماسكة لأقصى درجة.
أخذت نفس عميق زفرته على مهل قبل أن تتابع:
"أرجع البلد يا بوي وقول للناس بنتي سلسبيل ماتت وخد عزايا لأني مش هعمل اللي في دماغك وأرجع لعبد الجبار.. طلاقي منه اللي مزعلك أوي ده أحسن حاجة حصلت لي لحد دلوقتي.. هو السبب وصاحب الفضل أني أقوى بالشكل ده وأحقق هدفي وحلمي اللي عمري ما تخيلت إني أحققه."
صمتت لبرهة وأكملت بغصة يملؤها الأسى:
"ولازم تبقى عارف كمان أني عمري ما هسامحك على اللي عملته في أمي وفيّ.. عمري ما هسامحك يا بوي."
كانت آخر جملة وصلت لسمع "قناوي" زلزلت قلبه قبل أن يغلق عينيه ويغرق في نوم عميق.
تطلعت له قليلاً بأعين تحجرت بها العبرات، ومن ثم ضغطت على زر بجواره، فهرولوا رجال الأمن إليها مسرعين:
"شيلوه من هنا وأخرجوا بيه من باب الشركة الخلفي وبلغوا حد من السواقين يوديه الصعيد، ولما يفوق في أي وقت ابقوا طمنوني."
حملوه في التو واللحظة، وساروا به لخارج المكتب تزامنًا مع دخول "جابر" مندفعًا، ليتسمر مكانه بصدمة حين وقعت عينيه على "قناوي" المحمول على أيدي أفراد الأمن، يبدو أنه فاقد الوعي تمامًا.
بقي مكانه للحظات، يقف بصمت يتنقل بعينيه بين "سلسبيل" ووالدها حتى اختفى من أمامهم.
"اممم.. فاضل على الاجتماع 3 دقايق.. كويس إنك متأخرتش يا جابر." دمدمت بها "سلسبيل" وهي تنهض بتمهل من مقعدها وسارت بخطي جاهدت حتى تجعلها متزنة.
"إيه اللي حصل يا سلسبيل؟!" تساءل "جابر" بقلق جم.
تنهدت "سلسبيل" وهي تجيبه بجمود:
"مش وقته من فضلك يا جابر.. العملاء على وصول ولازم نكون في استقبالهم بنفس."
قطعت حديثها فجأة حين داعبت حواسها رائحة عطر تحفظها عن ظهر قلب. رباه!!! من المؤكد أنه هنا، تشعر بأنفاسه تحاوطها، دقات قلبه يصل صدى صوتها إلى أذنها، تلاحقت أنفاسها، وانتفض بدنها كله دفعة واحدة حين سمعت صوته المدمر ينطق اسمها بلهفة من بين أنفاسه المتقطعة:
"سلسبيل!!!"
كتمت أنفاسها قبل أن تستدير ببطء، وتقابلت أعينهما بعد فراق دام لشهور، حينها شعرت بانصهارها كالشمعة من شدة اشتياقها له. يقف أمامها بطوله المهيب، جاذبيته الساحرة، هيبته، ووقاره كان مثالاً حيًا للإغواء والفتنة.
"أهلاً مستر عبد الجبار." نطقت بها "سلسبيل" بعملية بحتة، وملامح نجحت في إخفاء مشاعرها تجاهه ببراعة، لكن قلبها خذلها ولم يتوقف عن الارتجاف بين ضلوعها.
بينما وقف "عبد الجبار" مشدوهًا، يتطلع لها بصدمة من تغيرها الذي أذهله مرددًا بتعجب وهو يتنقل بعينيه بينها وبين "جابر" الذي لم يستطع السيطرة على ضحكاته:
"مستر!! بقى أنا يتقالي مستر عبد الجبار؟!"
"الصراحة مستر وعبد الجبار مش لايقين على بعض خالص." قالها "جابر" وهو يقهقه بصوت عال، جعل "عبد الجبار" يرمقه بنظرة سامة.
"اتفضلوا على قاعة الاجتماعات." قالتها "سلسبيل" مقاطعة إياهم بلهجة صارمة وهي تشير لهما على غرفة مقابل مكتبها.
كان "عبد الجبار" يتطلع لها بفم مفتوح على وسعه من شدة ذهوله من طريقتها الجديدة عليه وعليها كليًا، وتحدث مستفسرًا:
"وإنتي عرفتي كيف أني جاي أحضر الاجتماع وياكم؟!"
"وهو في شريك أساسي يملك أكتر من نص أسهم الشركة ميحضرش اجتماع مهم زي ده؟!" قالتها دون النظر له، مثلت انشغالها بالنظر في ملف موضوع أمامها على المكتب، ومن ثم رفعت رأسها وأبتسمت له ابتسامة خبيثة مكملة:
"نورت شركتك يا عبد الجبار باشا!!!"
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نسمة مالك
داخل غرفة الاجتماعات انقضى وقت طويل، كان الجميع منهمكين بالعمل بكل ما يملكون من تركيز، لكنهم لم يستطيعوا الوصول لاحترافية "عبد الجبار" التي أدهشتهم وأبهارتهم في آنٍ واحد، فتمكنه في مجال إدارة الأعمال فاق الحدود.
كل منهم يحاول إظهار أفضل ما عنده حتى ينال إعجابه، خاصةً "سلسبيل". عرضت تصميماتها التي قامت برسمها بدقة وإتقان شديد.
ومع مرور الوقت بدأت تشعر بالإرهاق والجوع معًا، فمسحت على بروز بطنها بكف يدها بمنتهى الرفق.
أطلقت آهة خافتة لم تصل لسمع أحدٍ سواه، فتفهم على الفور ما تشعر به رغم أنه لم ينظر لها ولو لمرة واحدة.
بينما هي استغلت انشغاله بفحص الملفات المقدمة له، وظلت تتأمل كل تفصيل فيه بملامح جامدة عكس الاشتياق واللهفة اللتان يملآن قلبها المتيم به، تحفر بداخلها ملامحه وقسمات وجهه الوسيم بأعين يتطاير منها الفرحة الغامرة بوجوده هنا معها.
لتداهمها ذكرى يوم طلاقها منه، وحديثه معها أثناء طريقهم نحو منزلها في الإسكندرية.
"اسمعي حديتي وافهميه زين يا سلسبيل."
نظرت له باهتمام تنتظر سماع باقي حديثه بنفاذ صبر.
"أني طلقتك مش عشان قولتيلي يا أنا يا أم بناتك لع، أنا خابر زين إنك قولتي أكده وصممتي على الطلاق من خوفك عليا من تهديد خضرا اللي قالتلك هتقتلني لو فضلت على ذمتي."
رباه! أنه على علم بكل شيء حدث بينها وبين ضرتها! كيف علم؟ من أخبره؟ ولما طلقها إذن؟ دارت هذه الأسئلة برأسها لكنها لم تستطع النطق بحرف واحد، بقيت تطلع له بأعين جاحظة، منذهلة.
"أنت عرفت كل ده إزاي؟ ولما عرفت طلقتني أنا ليه وسبت على ذمتك اللي عايزة تقتلك؟!"
"عرفت من بتي فاطمة.. شافت أمها وهي بتحط منوم ليكم في الوكل. عملت أنها أكلت ونامت زي أختها وأمي بس هي كانت صاحية وسمعت كل حديتها وياكِ وقالتلي على كل اللي حصل بعد ما وعدتها ما أذيش أمها."
صمت لبرهة يلتقط أنفاسه ونظر لها بعينيه التي تذوب بتفاصيلها مكملاً بصوته الأجش.
"وسبت اللي عايزة تطلقني على ذمتي لخاطر بناتي، وطلقتك أنتِ يا سلسبيل عشان ده الصُح اللي كان لازم أعمله من الأول. أنتي ضحية لينا كلنا.. أبوكي، أمي، أخوي الله يرحمه ويساامحه، خضرا، وإني كمان صممت أتجوزك وأني خابر إنك مبتحبنيش ومجبرة على جوازك مني."
"ومين بس قالك إني مبحبكش؟!"
أردفت بها وهي ترفع يدها وتضم وجهه بين كفيها الصغيران، وأصابعها تتحسس لحيته بشغف مكملة بعشق.
"ده أنا أعترفلك إنك كنت حلم بالنسبالي، وأمنيتي اللي مكنتش أتوقع أنها تتحقق. أنا مش بس بحبك.. أنا بعشقك يا عبد الجبار."
ختمت حديثها ومالت برأسها على صدره بعدما عانقته بذراعيها.
"عشقك ليا ده وهم وهيجي عليكي الوقت وتوفقي منه، ووقتها هتكرهيني وتكرهي اليوم اللي شوفتيني فيه، وأني الموت أهون عندي من نظرة كرهة ألمحها في عيونك يا بت جلبي، عشان كده بحرم روحي منك دلوقتي قبل ما ييجي الوقت اللي تحرميني أنتِ فيه منك للأبد، لأني واثق إنك لما تفكري في حديتي ده زين هتلاقي عندي حق، وقتها هتحترميني ومش هتقطعي الوصل بيننا. لكن لو لقيتي قلبك وعقلك متعلقين بيا كيف ما أنا متعلق بيكي، ورايداني أردك على ذمتي مرة تانية لازم تكون بإرادتك الكاملة، من غير ضغط وإجبار من أي مخلوق يا سلسبيل."
ابتعدت عنه وتطلعت له بأعين دامعة، وبهَمْسٍ عاتبته قائلة.
"بعد كل اللي عشناه سوا، بتشكك في حبي ليك يا عبد الجبار؟!"
حرك رأسه لها بالنفي سريعًا، وجذبها من خصرها داخل حضنه بلهفة.
"أني واثق من حبي ليكي.. لكن اللي جواكي من ناحيتي مجرد احتياج وبس مش حب، وأنا وفرتلك كل سبل الحماية والأمان اللي أنتِ محتاجهم، لما تتعودي عليهم هتقدري ساعتها تعرفي إحساسك من جهتي إيه بالظبط، وأي إن كان قرارك أني هحترمه وهقدر يا سلسبيل."
فاقت من تلك الذكرى على صوته ينادي عليها بقلق حين لمح العبرات تترقرق بعينيها الفاتنة التي تسحره بجمالها.
"سلسبيل أنتِ زينة؟!"
"آه كويسة.. كملوا شغل."
قالتها باقتضاب وهي تنظر لملف موضوع أمامها. فرحتها الغامرة بحضوره التي تزين ملامحها أصبحت ممزوجة بالغضب والغيظ، أخفت فرحتها هذه حين تذكرت رفضه القاطع بردها على ذمته بعد علمه بأنها حامل منه، لا يريد أن يكون بينهما رابط يجبرهما على العودة لبعضهما، يريدها كما قال بكامل إرادتها، حتى وصل به الأمر يطلب منها تقولها له صريحة، تخبره بكل ما تملك من جرأة أنها تريده زوجًا لها، وهذا لا ولن تسمح لها كرامتها ولا كبرياؤها بفعله.
كل هذا تحت نظرات "جابر" الذي يتابعها بصمتٍ، وابتسامة دافئة. لا يريد أي شيء آخر غير أن يراها قوية، وتحيا حياة سعيدة حتى لو كانت سعادتها هذه مع غيره. منذ اللحظة التي أخبرته فيها بحملها وهو أيقن أنهما لن يتقابلا على طريق الحب أبدًا، ورغم هذا تعهد بحمايتها ودعمها لأنها ستظل صغيرته "سلسبيل".
"خلينا ناخد ساعة راحة، ونعاود للشغل مرة تانية."
قالها "عبد الجبار" وهو يرفع رأسه أخيرًا وينظر تجاه معذبته التي ابتعدت مسرعة بعينيها عنه ومثلت انشغالها بالأوراق أمامها.
نهض جميع الحضور، من بينهم "جابر" الذي تحدث بعملية وهو يتنقل بين "سلسبيل" و"عبد الجبار" قائلاً.
"مدام الشغل مطول كده يبقى نطلب غدا.. تحبوا تاكلوا حاجة معينة؟"
"عايزة بيتزا ميكس جبن يا جابر لو سمحت."
قالتها "سلسبيل" بصوتها الهامس الرقيق، وهي تعتدل على مقعدها بوضع أكثر راحة، ورمقت "عبد الجبار" بنظرة خاطفة مكملة بابتسامة مصطنعة.
"ووصل مستر عبد الجبار لمكتبه الجديد اللي صممت كل ديكوره بنفسي."
زادت ابتسامتها اتساعًا، وتطلعت له بنظرة بدت باردة وتابعت بثقة.
"تصميمه مش هيعجبك.. بس هو عاجبني أنا وده المهم."
كتم "جابر" ابتسامته على طريقتها التي تثير جنون ذلك العاشق الملتزم بالصمت. لم يتفوه بكلمة واحدة، اكتفى بالنظر للعاملين المرافقين لهم نظرة يخبرهم بها أن يتركوهم بمفردهم، وبالفعل بدأ الجميع يغادرون المكان واحدًا تلو الآخر.
"طيب يلا بينا يا عبد الجبار أوصلك لمكتبك وبعدها هطلب الأكل.. أطلب لك بيتزا أنت كمان ولا تقضيها سندوتشات زيي؟"
قالها "جابر" الذي نهض من مكانه وسار تجاه الباب.
"أطلب أي أكل مش هيفرق."
نطق بها "عبد الجبار" وهو ينهض أيضًا. سار خلفه بخطوات هادئة أثارت الريبة بقلب تلك الجالسة، جعل قلبها ينتفض أكثر بين ضلوعها خاصةً حين وجدته يغلق الباب عليهما بعدما خرج "جابر" مباشرةً.
"وده اسمه إيه ده إن شاء الله يا مستر؟!"
قالتها بثبات تُحسد عليه عكس انصهارها وذوبان عظامها.
"أني طلقت خضرا يا سلسبيل."
قالها بغصة مريرة يملؤها الوجع. جملته هذه هزت كيانها كله، وأصابتها بصدمة للحظات قليلة، رسمت بعدها الجمود على محياها وهي تقول بلامبالاة.
"طلاقك لأبلة خضرا ميخصنيش.. دي حياتك وأنت حر فيها."
قطع المسافة بينه وبينها في خطوتين فقط، حتى توقف أمامها مباشرةً، المسافة بينهما لا تُذكر لكنهما لا يتلامسان.
"اتوحشتك قوي قوي يا حبة القلب."
قالها وهو يرمقها بنظراته التي يشتعل بها نيران شوقه إليها.
أنهارت كل قوتها المزيفة بلمح البصر، تورّدت وجنتيها بحمرة الخجل، ونظرت له نظرة يملؤها الحب مرددة بتنهيدة كالمغيبة.
"وأنت؟!"
لم تُكمل حديثها، وكأنها استعادت وعيها سريعًا.
"وأنت لا.. موحشتنيش خالص يا عبد الجبار."
رفع حاجبيه معًا وتطلع لها بابتسامة عابثة، ومن ثم رفع أكمام قميصه عن معصميه، وفتح أول أزراره ليظهر بداية صدره العريض أمام عينيها المتيمة به. حينها تردد بقلبها سؤال واحد فقط: كيف حال الدفء على صدره؟
شهقت بصوتٍ خفيض حين جثى فجأة على ركبتيه أرضًا أمامها، وجذبها بمقعدها عليه حاصرها بجسده. شعرت بمدى ضآلتها بين ذراعيه الضخمة. لم يعطيها الفرصة حتى للاعتراض ومد يده حاوط بطنها الصغيرة بكفيه يتحسس حركة طفله بلهفة شديدة.
"من حقي أطمن على ولدي اللي في بطنك."
قالها بابتسامة لعوب وهو يتفرس ملامحها بافتتان لا يخلو من الاشتياق.
تنحنحت "سلسبيل" كمحاولة منها لإيجاد صوتها، ورفعت يدها دفعته بكتفه تبعده عنها بعنف لكنه كالصخر لم يتزحزح من مكانه ولو أنش واحد، بل التصق بها أكثر.
"وأنت مين قالك إن اللي في بطني ولد أصلًا؟!"
تطلع لها بفرحة غامرة حقيقية وهو يقول بتساؤل.
"بنت؟ حامل في بنت يا سلسبيل؟"
رمقته بنظرة يتطاير منها الشرر وصاحت في وجهه بغضب قائلة.
"ولا بنت."
نظر لها بحاجب مرفوع، ومال بوجهه على وجهها حتى تلامست أنفهما مغمغمًا بحرارة.
"يعني لا واد ولا بت!! أمال حامل في إيه عاد؟"
خطف قبلة من أرنبة أنفها مكملاً.
"نوع الكائن اللي عمال يخبط شمال ويمين وبيجري تحت يدي ده إيه؟!"
"ملكش فيه.. لما أولد إن شاء الله أكيد هتعرف وقتها اللي بيجري ده نوعه إيه."
أردفت بها وهي تكافح بضراوة لتتخلص من حصاره هذا.
كانت عينيه مثبتة على شفتيها، وهمّ بغمرها بقبلة جامحة. ضيّقت عينيها وقد تفهمت ما يدور بذهنه، فضحكت بصوتها كله وهي تقول.
"أنت فاكر إني كنت رافضة أرجعلك بسبب أبلة خضرا، ودلوقتي ممكن نرجع عشان طلاقها؟!.. اللي بتفكر فيه ده مستحيل يحصل لأن أنت كنت على حق في كل كلمة قولتها ليا، وأنا اللي غلطانة.. شعوري نحيتك كان مجرد احتياج للحماية فعلاً.. مش حب ولا عشق زي ما خيالي المريض صورلي."
نظرت داخل عينيه بعمق وتابعت بقسوة نابعة من جروحها التي مازالت تنزف.
"يعني أنا مبحبكش ياريت تفهم ده كويس، وبما إني اتعلمت أحمي نفسي بنفسي والفَضل في ده يرجع ليك الحقيقة فأنا بعترفلك إني مديونة ليك بالشكر لأنك صممت على انفصالنا يا عبد الجبار، وأنت كنت قولتلي إنك هتحترم قراري."
كلماتها أصابته بمقتل، شعرت بتصلب جسده حولها، أيقنت الآن أنها خسرته للأبد من نظرته لها المملؤه بالحسرة والوجع. طعنته في قلبه بسكينٍ بارد، أبتعد عنها ببطء وانتصب واقفًا بطوله المهيب وتحدث بصلابة قائلاً.
"وأني عند كلامي.. قرارك هنفذه ومش هردك لعصمتي ومن انهاردة اللي بنا هيكون اللي في بطنك سواء بنت أو ولد، والشغل وبس يا سلسبيل هانم."
بالخارج..
وقف "جابر" مستندًا بكفيه على مكتب "صفا" يتأملها بشغف، تلك الفتاة الخلوقة، وصية والدته التي اكتشف أنها يتيمة الأبوين وأن زوج والدته يكون صديق والدها الذي لم يُرزق بأطفال فتخذها ابنة له بعد وفاة والدها ووالدتها في حادث أليم نجت هي منه بمعجزة إلهية.
ابتلعت لعابها بصعوبة من نظراته الجديدة كليًا عليها، يتطلع لها بابتسامة دافئة لا تخلو من الإعجاب مردفًا.
"أطلب لي بيتزا معاكِ."
"بيتزا!!.. بس أنت قولت قبل كده إنك مبتحبهاش؟"
همست بها "صفا" بستحياء متجنبة النظر له، ليميل هو برأسه قليلاً عليها، فنظرت له بأعين متسعة على آخرها من تغيره المفاجئ معها، ليزيد هو من دهشتها حين قال.
"أصلي المرة دي واثق إني هحبها زي ما هي بتحبني وأكتر كمان."
رمشت بأهدابها مرات متتالية مدمدمة ببلاهة.
"هي مين دي اللي بتحبك؟!"
نظر لها نظرة مصطنع البراءة وهو يجيبها.
"البيتزا يا صفا.. هيكون أنتِ مثلاً اللي بتحبيني؟! ومش بس كده ده أنا كمان هطلب ايديها للجواز انهاردة.. بس تفتكري هي هتوافق على طلبي ده؟"
تجمعت الدموع بعينيها جاهدت للسيطرة عليهم تمنعهم من الهبوط، وتحدثت بابتسامة متألمة قائلة.
"لو عليها هي أكيد هتوافق على طلبك يا جابر بس معتقدتش إن أنت اللي هتوافق عليها لو عرفت إيه؟!"
صمتت لوهلة، واعتدلت بمقعدها أظهرت إحدى قدميها، رفعت ثوبها بضعة أنشات لتظهر أمام عينيه طرف صناعي ترتديه بقدمها اليمني.
"رجلها مبتورة."
"بس أنا عارف يا صفا.. عرفت عنك كل حاجة وبتمنى توافقي على طلبي."
هنا انهمرت عبراتها على وجنتيها بغزارة، وحركت رأسها بالنفي مرددة بأسف.
"أنا سمعت الكلام ده قبل كده من خطيبي الأولاني، وفي الأخر سبني قبل الفرح بأسبوع.. وأنا معنديش استعداد يحصل فيا كده تاني يا جابر."
مسحت دموعها بعنف، ونهضت من مكانها مكملة بأسف قبل أن تسير من أمامه بخطى شبه راكضة.
"طلبك مرفوض."
"خضرا."
بعد أن تأخر "عبد الجبار" للعودة إلى المنزل عدة ساعات طويلة، كانت تظن أنه لن يتردد في ردها كل هذا الوقت، لكن من الواضح أنه لن يتراجع عن يمينه. هداها تفكيرها إلى لملمة ما تبقى من كرامتها، قررت أن تعود للصعيد. بدأت تجمع ثيابها وثياب ابنتيها.
"أنتِ بتعملي إيه يا أماي؟!"
قالتها "فاطمة" بتساؤل وهي تتنقل بنظرها لحقائب الثياب الكثيرة من حولها.
"هنمشي من هنا يا فاطمة.. خلاص لحد كده.. أبوكي طلقني ومبقاش رايداني."
بكت "فاطمة" وهي تقول.
"لا يا أماي أحب على يدك خلينا هنا في دار أبوي وهو هيعاود.. مش هيعوق علينا هو واعدني إنه هيسامحك ومهيأذكيش واصل."
نظرت لها "خضرا" بلهفة، وتحدثت مستفسرة.
"وعدك إمتى ووعدك ليه؟!"
ظهر الخوف على ملامح الصغيرة، لتطمئنها "خضرا" وتربت على ظهرها بحنو قائلة.
"في إيه يا بتي.. في حاجة مخبياها عليا؟"
حركت "فاطمة" رأسها بالإيجاب، وتحدثت بصوتٍ مرتعش قائلة.
"أني شوفتك يا أماي.. شوفتك وأنتِ بتحطي حاجة في الوكل لجدتي وأختي وبعد ما أكلوا ناموا طوالي.. عملت حالي نمت أني كمان وسمعت حديتك عن قتل أبوي اللي قولتيها لسلسبيل.. خوفت تعملي كده في أبوي فقولتله لأجل ما يدافع عن نفسه ولما قولتله كده قالي أمك عمرها ما هتعمل فيا كده وطمني ووعدني إنه مش هيأذيكي ولا هيملك تأذيه."
أجهشت "خضرا" في نوبة بكاء مرير، تذرف دموع الندم، نادمة على ما أوصلت نفسها إليه. كانت حياتها مثالية قبل أن تُشجع زوجها على الزواج من امرأة أخرى، من المفترض كانت رفضت الفكرة من بادئ الأمر وأغلقت باب تلك الرياح القوية التي هدمت حياتها. بموافقتها على فكرة الزواج من الأساس شجعت زوجها على اتفاقه مع الطبيب ليتمكن من إقناعها أكثر.
"هنمشي يا أماي؟!"
أطبقت "خضرا" جفنيها بعنف، وبتنهيدة متألمة قالت.
"أيوه يا فاطمة.. هنمشي!"
قطعت حديثها وشهقت بذعر حين استمعت لصوت رجل يتحدث بفحيح كفحيح الأفاعي قائلاً.
"هتمشي يا خضرا بس هتمشي من الدنيا كلها يا وش الخراب."
استدارت على الفور تنظر تجاه مصدر الصوت، لتجحظ عينيها بصدمة حين وجدت "حسان" يدلف داخل الغرفة ممسكًا بيده ابنتها "حياة" كاتم فمها بكف يده، ويده الأخرى واضعًا سلاحه الناري على رأسها.
انقطعت أنفاسها، وكاد أن يتوقف قلبها المرتعد من شدة الخوف، وهرولت بإخفاء ابنتها "فاطمة" خلف ظهرها، وتطلعت له بأعين زائغة مرددة بذهول.
"حسان!!.. أنت دخلت هنا كيف؟!"
"وه نسيتي إياك إني كنت حارس البيت هنا وخابر زين كل شبر فيه قبل ما أطرد منه بسببك وأتشرد بالشوارع ملقيش شغل واصل بعد ما الكل خد صف الكبير ورفضوا يشغلوني عندهم، هملني ومقتلنيش عشان خابر إني هموت بالحيا من الجوع وقلة الفلوس."
قالها "حسان" بغضب عارم، وحقد دفين ظاهر على قسماته المتوحشة.
بينما "فاطمة" استغلت اختفاءها خلف والدتها، وأخرجت هاتفها من جيب منامتها، وطلبت رقم والدها الذي أجابها في الحال.
"فاطمة.. في حاجة يا بتي؟!"
أتاه همسها الباكي تقول بصوتٍ مكتوم.
"إلحقنا يا بوي هيموتنا."
برغم أن جملتها كانت غير واضحة، إلا أنه انتفض من مكانه فجأة وركض بكل ما يملك من سرعة حين وصل لسمعه صوت "خضرا" تقول ببكاء وتوسل.
"همل حياة يا حسان.. البنتة ملهاش صالح.. أقتلني أنا وهمل بناتي أحب على جزمتك..."
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نسمة مالك
"سلسبيل".. بعد حديثها الحاد المغلف بالقسوة مع "عبد الجبار" ظنت أنه سيغادر الشركة، لكنه أدهشها حين بقي و تابع عمله معاها.
كانت تتابعه طيلة الوقت بأعين متلهفة و قلب ينفطر من أجله، تشعر بمدى ألمه التي تسببت هي فيه، على علم بأن كلماتها كانت جارحة لأقصى حد، و هذا ما كانت تريده من الأساس. أرادت أن يشعر بوجعها منه حين تركها و هي في أشد الحاجة إليه.
أقسمت بداخلها لولا وجود العاملين من حولها، لكانت عانقته الآن و غمرته بقبلة عاشقة لن تنتهي إلا بعدما تعود بها زوجته على ذمته مرة أخرى. هيئت نفسها لفعلها فور إنتهاء هذا الإجتماع اللعين، لن تدعه يذهب هذه المرة. نيران الفرق تحرق فؤادهما معًا، تعترف أن عشقها له انتصر على قوتها الزائفة التي تتحلى بها، تريده هو فقط و لا شيء أخر في هذه الحياة بأكملها غيره.
ليأتيه هذا الإتصال الذي جعله ينتفض من مقعده مسرعًا، و سار من أمام عينيها بخطوات راكضة.
"رايح فين يا عبد الجبار؟!"
قالتها "سلسبيل" بقلق و هي تنهض و تُسرع خلفه، ليوقفها مكانها بنظره عاتبه من عينيه التي تتسع بخطورة حبست أنفاسها، جمدتها محلها تطلع له بأعين غامت بهما سحابة تهدد بتساقط دموعها على هيئة أمطار غزيرة.
ظلت عينيه عليها حتى أختفي من أمامها لتهرول هي نحو النافذة فرأته يقفز داخل سيارته و قادها بسرعة عالية، و خلفه "جابر" يلحق به بسيارته.
ظلت واقفة مكانها تتابع قلبها و هو يفارقها و يذهب معه، حاولت السيطرة على نفسها قدر أستطاعتها حتى لا تنفجر في نوبة بكاء مرير. أطلقت أنفاسها المحبوسة و رفعت يدها زالت تلك العبرات العالقة بأهدابها قبل أن تستدير متوجهه نحو مكتبها و هي تقول:
"تقدروا تتفضلوا على مكتبكم و الملفات اللي اختارها عبد الجبار باشا تكون جاهزة على مكتبي بكرة أصبح قبل الساعة تسعة".
خطفت حقيبتها ، و ارتدت نظارتها الشمسية تخفي بها عينيها الحمراء، و غادرت الشركة بخطى غاضبة. مرت بضعة دقائق و صف السائق السيارة الخاصة بها داخل حديقة منزلها. اندفعت هي منها لداخل المنزل راكضة بوهن، لتقابلها "عفاف" فاتحة ذراعيها لها بعدما هاتفتها "صفا" و اخبرتها بأن حالتها لا تُبشر بالخير أبدًا بسبب اليوم العصيب التي مرت به.
"سلسبيل.. يا حبيبتي يا بنتي تعالي في حضني".
أردفت بها "عفاف" بصوتٍ تحشرج بالبكاء، لترتمي "سلسبيل" داخل حضنها، و أجهشت ببكاء حاد مرددة بتقطع من بين شهقاتها:
"جرحته زي ما جرحني يا ماما عفاف.. قولتله كل الكلام اللي فضلت شهور برتب فيه عشان لما اقابله أوجعه بيه يمكن يحس بيا ويعرف هو وجع قلبي إزاي.. حتى أبويا كمان وقفت قدامه و دافعت عن نفسي لأول مرة من ظلمه.. أنا انهاردة قولت كل حاجة جوايا كان نفسي أقولها ل عبد الجبار و ل أبويا.. كنت مفكرة هرتاح بعد ما أوجعهم زي ما وجعوني بس أنا مش مرتاحة.. مش مرتاحة خالص.. جرحت قلب عبد الجبار بكلامي اللي زي الخناجر بس قلبي أنا اللي بينزف يا ماما".
ابتعدت عنها و ضربت بكف يدها على موضع قلبها بقوة، لتسرع "عفاف" بإيقافها، و وضعت كف يدها على قلبها و أردفت ببكاء على بكائها:
"بسم الله على قلبك يا بنتي".
لتصرخ "سلسبيل" صراخ مقهور:
"ااااه قلبي أنا اللي ذاد وجع على وجعه.. و اللي قهرني أني بعدته عني لما حاول يحضني.. مشي و سابني قبل ما ياخدني في حضنه.. كان جبرني على حضنه.. كان جبرني على رجوعي ليه.. أنا موافقة أنه يجبرني عليه.. إزاي بس مش فاهم أنه جبر السلسبيل.. إزاي مش فاهم أني عايزاه و محتجاله يا ماما.. إزاي صدقني لما قولتله إني مبحبوش و هو عارف إني بعشقه.. إزاااااااي!!!"
"أهدي يا بنتي.. بحلفك بالله العظيم تهدي عشان خاطر اللي في بطنك".
جلست على الأرض محتضنة بطنها بلهفة، و ظلت تبكي و تأن بضعف و هي تقول:
"اللي في بطني؟!.. حتى لما سألني عليه مرضتش أقوله ولد و لا بنت.. مرضتش أريحه و في الحقيقة محدش تعبان غيري أنا".
جلست "عفاف" أرضًا بجانبها، تربت على ظهرها بحنان بالغ، لينتفض قلبها حين رأتها تتوقف فجأة عن البكاء، مسحت دموعها بعنف، و قد تحولت ملامحها لأخرى مخيفة، تحاملت على نفسها و انتصبت واقفة و هرولت لخارج المنزل مرددة بنفاذ صبر:
"أنا هروحلوا.. هروحلوا و أقوله كفايا فراق لحد كده".
"عبد الجبار".. كان يضع الهاتف على أذنه أثناء قيادته، يسابق الزمن و الرياح حتى يصل إلى ابنتيه اللتان يصرخان بأسمه صرخات تشق قلبه شقًا، و أخيرًا وصل أمام باب منزله المغلق، ليقتحمه على الفور كسر الباب بأكمله، ليتأهب جميع الحرس رافعين سلاحهم تجاهه، إلا أنهم اخفضوا سريعًا حين لمحوه هو.
اندفع خارج السيارة راكضًا لداخل المنزل بعدما خطف سلاح ناري من يد إحدي الواقفين.
"فااااطمة.. يا أمه.. يا حيااااة".
صدح بها بصوتٍ جوهري، لينصدم بوالدته تجلس في ردهة المنزل تتناول كوب من الشاي بتلذذ، و تطلع له ببرود قائلة:
"خير يا ولدي.. مالك چاي على ملا وشك ليه أكده؟!"
دار بعينيه المذعورة في المكان من حوله مغمغمًا:
"بناتي و أمهم فين يا أمه؟!"
"كانوا أهنة من هبابه.. هتلاقيهم فوق في أواضهم".
ركض هو بأنفاس متقطعة على الدرج المؤدي للطابق الثاني، لتبتسم "بخيتة" بخبث، فقد رأت" حسان" و هو يدلف لداخل المنزل، و تركته حين استمعت لحديثه و أيقنت أنه أتى لقتل "خضرا".
"يله خلص يا حسان على بت المركوب القديم و خلصنا منها".
تمتمت بها بسرها، و ظلت مكانها تنتظر سماع الطلق الناري الذي بالتأكيد سيُصيب من تطيق العمى و لا تطيق وجودها.
"يا مُرحب بالكبير.. أني مستنيك من ياما".
نطق بها "حسان" حين وقعت عينيه على "عبد الجبار" الذي صوب تجاهه السلاح، ليضغط" حسان" على رقبة أبنته" حياة"، و رمقه بنظرة محذرة أجبره على إلقاء سلاحه في الحال.
"همل حياة يا حسان.. البنتة الصغيرة ملهاش صالح بلي بيحصل بنتنا".
تطلع له" حسان" بملامح كساها الحزن ، و تحدث بندم حقيقي قائلاً:
"أني عمري ما كنت هخونك يا كبير.. لولا الشيطانة اللي دخلت بنتنا. هي السبب يا كبير.. هي اللي فتحت باب الشر من الأول".
كان يتحدث و عينيه مثبته على" خضرا " التي تحاوط أبنتها" فاطمة" بحماية، و تبكي بصمت، لقم سلاحه و وجهه نحوها و قد عماه غضبه و قرر ينهي حياتها، شعرت بالموت يحوم حولها فرفعت عينيها الغارقة بالدموع و نظرت ل" عبد الجبار" و همست بصعوبة بالغة:
"سامحني يا عبد الچبار.. سامحني يا خوي! آ ااه".
قطعت حديثها و صرخت بعويل حين صدح صوت الطلق الناري.
"سلسبيل".. وصلت للتو إلى منزل "عبد الجبار" لتجد بابه مفتوح على مصراعيه و لا يوجد أي أحد من الأمن، خطت للداخل بخطي مرتجفة و أعين مترقبة، و قلب تسارعت دقاته حين لمحت "خضرا" تسير بخطي مريبة كما لو كانت تحولت لإنسان آلي، حامله بيدها شيء تخفيه خلف ظهرها حتى توقفت أمام مكتب "عبد الجبار" الموضوع عليه كأس من العصير.
تطلعت حولها تتأكد من عدم وجود أحدًا، و للعجب لم ترى "سلسبيل" التي تتابعها بأعين جاحظة، و قامت بإظهار زجاجة صغيرة، سكبت منها القليل على كأس العصير و اخفتها من جديد.
تفاجأت "سلسبيل" ب "عبد الجبار" حين لف بالمقعد الجلدي الموضوع خلف المكتب، مد يده و أخذ كأس العصير و تناوله دفعة واحدة بصمت.
رأت الكأس سقط أرضًا من بين أصابع يده، تهشم و تناثرت القطع الزجاجية بالمكان، تطلعت لزوجها بأعين متسعة، مذعورة لتجد وجهه شاحب للغاية يظهر عليه الألم الشديد، ألم لم يستطيع تحمله، جعل عينيه زائغه، و جسده يترنجح بوضوح كلما حاول النهوض حتى أوشك على السقوط من فوق مقعده.
هنا صرخت بأسمه صرخة مدوية هزت القلوب و جدران المنزل معًا، هرولت تجاهه راكضه بخطي مرتجفة متعثرة.
"عبد الجباااااااار...."
كان صراخها بإسمه أخر شيء استمع إليه من بين شفتيها قبل أن يغلق عينيه و يغيب عن الوعي أو ربما عن الحياة بأكملها.
"سلسبيل أصحى يا بنتي.. فوقي يا حبيبتي".
هكذا أيقظتها "عفاف" بعدما غرقت في نومًا متعب بعد جملة "محدش تعبان غيري" أجهشت بعدها في وصلة بكاء دامت لوقتٍ طويل ، لتفتح "سلسبيل" عينيها بذعر و لم تتوقف عن الصراخ بأسم من ينبض قلبها بأسمه.
"عبد الجباااار.. عبد الجبار يا ماما عفاف.. حصله حاجة.. في حاجة.. وديني عنده يا ماما عفاف أبوس إيدك".
كانت "عفاف" يظهر عليها الخوف و الحزن الشديد، و عينيها حمراء و منتفخة للغاية، لكنها تحدثت بهدوء عكس هيئتها.
"طيب بطلي صريخ يا سلسبيل و قومي غيري هدومك و أنا هوديكي عنده".
نهضت "سلسبيل" من الفراش بجسد يرتعش بوضوح، و صرخاتها أصبحت غير إراديه لا تستطيع السيطرة عليها تصرخ بلا توقف مرددة بقلب ملتاع.
"عبد الجبااااار فيك أيه يا قلب و روح سلسبيل".
"جابر".. وصل أمام منزل "عبد الجبار" تزامنًا مع صوت إطلاق النار، ترك سيارته بمنتصف الطريق غير عابئ بمصيرها و ركض بكل سرعته خلف أفراد الأمن لداخل المنزل، مروا من أمام "بخيتة" التي تجلس بأريحية و إبتسامة متسعة على وجهها، و قد ظنت أن مرادها تحقق، و تخلصت من طليقة إبنها للأبد، ليتخشب جسدها، و شعرت بالدنيا تومض من حولها حين وصل لسمعها صوت صرخات "خضرا" و أبنتيها معًا يرددون بنواح.
"عبد الچبااااااااار.. أبوااااااااي".
حاولت النهوض بشق الأنفس و سارت بخطي بطيئة متثاقلة تدفع بعكازها كل من يعوق طريقها حتى وصلت إلى الغرفة الصادر منها صوت الصرخات المرعبة، ليسقط عكازها من يدها حين لمحت جسد وحيدها ممد على الأرض، قميصه الأبيض غارقًا بدمائه.
كانت "خضرا" و ابنتيه يجلسون حوله، و "جابر" أيضًا يجلس بجواره واضعًا رأسه على قدمه.
"جابر".
حرك "عبد الجبار" شفتيه بها دون إصدار صوت، ليلبي "جابر" ندائه، و مال عليه ليتمكن من سماعه، كان "عبد الجبار" يجاهد ليفتح عينيه، نظر له بأعين ألتمعت بها الدموع، و همس بصوتٍ لاهث قائلاً.
"أمي و بناتي و!!".
صمت لوهلة لتهبط دمعة حارقة على خديه مكملاً بمنتهي الصعوبة.
"سلسبيل في أمانتك.. سلسبيل".
كانت هذه أخر كلمة قالها قبل أن يغلق عينيه و يستسلم لقدره وسط صرخات أبنتيه التي تشق القلوب.
"مش هتموت يا عبد الجبار.. فااااهم مش هتموت".
قالها "جابر" الذي استجمع شتات نفسه و نهض مسرعًا، حمله على كتفه و هرول به لأقرب مستشفى.
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل السادس عشر 16 - بقلم نسمة مالك
"خبر عاجل".. إصابة رجل الأعمال "عبد الجبار المنياوي" بطلق ناري داخل منزله وتم نقله لإحدى المستشفيات الخاصة في حالة حرجة للغاية.
"عودة لتلك اللحظة الحاسمة". بعد كل ما فعلته "خضرا" بحق نفسها وبحق زوجها وابنتيها من خطأ فادح، حين لجأت لرجل غريب وفتحت له بنفسها باب حياتها، دخل منها بكل جرأة حتى وصل به الأمر إلى وقوفه هنا بغرفة نومها ممسك سلاح ناري يهدد به حياتها وحياة عائلتها بأكملها.
وقف "عبد الجبار" على أتم استعداد ليضحي بنفسه ولا يرى مكروه في فلذات أكباده. نظر لـ "خضرا" نظرة مليئة بالحب والعرفان، كم اشتاقت لها، يخبرها بعينيه أن كل ما فعلته ما هو إلا رد فعل ناتج عن أفعاله معها.
كان "حسان" موجهًا فوهة المسدس تجاه "خضرا"، شد أجزاءه يستعد لإطلاق الرصاص عليها، وضغط الزناد لتخرج منه طلقة.
كانت سرعتها أقل من "عبد الجبار" الذي تناول سلاحه الملقى بجوار قدمه، وأطلق النار على "حسان" أصابه بمنتصف رأسه فسقط قتيلًا في الحال. ووقف أمامها كالسد المنيع مستقبلًا الطلقة بصدره بدلًا عنها.
كل هذا حدث في لمح البصر. قوة الطلقة جعلته يتراجع بجزئه العلوي للخلف، فالتقتطه "خضرا" محاوطة خصره بذراعيه. وقف مكانه للحظات يتطلع لها من فوق كتفه مغمغمًا بأنفاس متهدجة:
"سامحيني أنتي يا خضرا.. أنا رديتك أنتي وسلسبيل لعصمتي وخابر زين إنك مش هتأذيها لا هي ولا اللي في بطنها".
خارت قواه فهبط على ركبتيه، وعيناه تتنقل بين ابنتيه بابتسامة يحاول يدخل بها الطمأنينة على قلوبهما.
"ياااا أخوي.. لاااا يا عبد الچبار.. متسبناش يا أخوي.. أحب على يدك متعملش فيا أكده".
صرخت بها "خضرا" بجنون وهي تراه يميل بجسده على الأرض ودمائه تتدفق على صدره بغزارة.
حتى وصل "جابر" ومن بعد "بخيته" التي سقط منها عكازها، ومن ثم سقطت هي بجانبه داخل الحفرة التي ظنت بأنها حفرتها لـ "خضرا" لتسقط هي فيها وتقع شر أعمالها بعدما فقدت القدرة على تحريك جميع أطرافها.
بطرفة عين أصبحت لا تقوى على شيء سوى النظر، حاجظة العينين تردد بهذيان:
"عبد الچبار يا ولدي.. سندي.. ظهري.. راچلي".
***
انتشر خبر إصابة "عبد الجبار" بسرعة البرق بكل القنوات الإخبارية، وعلى صفحات الجرائد والمجلات، وحتى مواقع التواصل الاجتماعي. من هنا وصل الخبر لـ "عفاف" التي صُعقت من قوة الصدمة. لم تستطع إخبار "سلسبيل" بهذا الخبر الحزين، بل المميت. فضلت الصمت ومنعت عنها أي وسيلة ممكن أن تنقل لها الخبر وأولهم هاتفها.
أخذتها بسيارتها وقادت بنفسها قاصدة عنوان المستشفى الذي أرسله لها "جابر". هناك ستكون تحت رعاية الأطباء إذا حدث لها أي شيء لا قدر الله.
تطلعت "سلسبيل" للطريق من حولها، وأردفت بثبات مريب قائلة:
"إحنا رايحين المستشفى؟ يبقي إحساسي صح يا ماما عفاف وعبد الجبار جراله حاجة!".
ظلت "عفاف" ملتزمة الصمت، تُمثل انشغالها بالقيادة، بينما "سلسبيل" رغم ثباتها إلا أنها تحولت للنقيض تمامًا. تملكت منها قوة غريبة أرغمتها على الهدوء، هدوء مخيف يهدد بعاصفة شديدة ربما تدمر الأخضر واليابس.
نظرت للسماء من نافذة السيارة بأعين مستجدية وملامح شاحبة بعدما انسحبت الدماء من عروقها، متمتمة بأنفاس منقطعة:
"يارب.. أجبر قلبي واحفظهولي يارب".
بقت على هذا الحال طول الطريق، لا تتفوه إلا بتلك الجملة مرارًا وتكرارًا بلا توقف.
حتى صفت "عفاف" سيارتها أمام باب المستشفى أخيرًا. هبطت "سلسبيل" تجر قدميها جرًا نحو المدخل، لا ترى أمامها من شدة انفعالاتها المتضاربة. تترنح يمينًا وشمالًا كالمخمورة، أنفاسها تتلاشى شيئًا فشيئًا، تشعر بجسدها ثقيل كما لو كانت تغرق بأعماق بحر مظلم.
لوهلة ظنت أنها تحيا إحدى كوابيسها البشعة. تسير بجوارها "عفاف" ممسكة بيدها، لتشهق فجأة شهقة قوية حين استنشقت رائحة عبق حبيب روحها. استجمعت شتات نفسها وقادها قلبها نحو مكانه.
كان الجميع يقف أمام باب العمليات إلا "بخيتة" التي دخلت للعناية المركزة لصعوبة حالتها الصحية. لمحتها "خضرا" فهرولت نحوها بخطوات متعثرة حتى وقفت أمامها مباشرةً. تطلعت لها "سلسبيل" بملامح بدت جامدة، رغم أنها تأثرت وشعرت بالشفقة عليها بسبب حالتها المزرية.
نظرت لها نظرة طويلة ودموعها تسيل على وجنتيها الملتهبة أثر لطم خديها وتحدثت بصوتٍ مبحوح للغاية بعد وصلة صراخ كادت أن يمزق أحبالها الصوتية:
"حقك عليا يا خيتي.. أني غلط في حقك.. سامحيني يا سلسبيل".
ختمت حديثها وعانقتها وأجهشت بنوبة بكاء مرير مرددة بنواح:
"عبد الچبار فداني بعد كل اللي عملته وخد الطلقة مكاني.. اااه يا حرقة جلبي عليك يا راچلي".
ابتعدت عنها قليلاً ونظرت لها بشبه ابتسامة مكملة:
"رچلنا يا سلسبيل.. عبد الچبار قالي أنه ردك يا خيتي".
تسمرت "سلسبيل" محلها لبرهةً، ومن ثم بادلتها عناقها هذا، يدها تربت على ظهرها وها قد اجتمعوا أخيرًا على حب رجل واحد، مدمدمة بثقة عمياء:
"أهدي يا أبلة خضرا وبطلي عياط.. عبد الجبار هيقوم منها وهيبقي كويس".
هدوئها الغير لائق بالمرة على هيئتها المتألمة جعل الجميع ينظرون لها بترقب ينتظرون انهيارها بأي لحظة، لكنها خلفت ظنونهم وبقت هادئة، مسالمة عكس ما بداخلها من صخب وآلام تفوق التحمل تكاد أن تزهق روحها.
كانت هناك حالة من الهرج والمرج داخل المستشفى المتواجد بها "عبد الجبار"، جميع العاملين بها بلا استثناء يعملون على قدم وساق ليتمكنوا من إنقاذه. لتلجمهم جميعًا الصدمة حين حددوا مكان الرصاصة التي تقع بجوار القلب مباشرةً، وإذا تحركت أنش واحد ستُسبب جرح بعضلة القلب نفسها.
"إحنا بنعتذر محدش هيقدر يجازف ويعمل العملية لـ عبد الجبار باشا لأن فيها خطورة كبيرة على حياته".
قالها مدير المستشفى بنفسه. صُدمت بها "سلسبيل" التي سقطت على ركبتيها أرضًا، وأثار غضب "جابر" الذي قبض على عنقه بقبضته الفولاذية مغمغمًا:
"يعني ايييه محدش هيجازف.. يعني هتسبوه لغاية ما يموت يا ولاد ال***؟!".
"مافيش غير جراح واحد في مصر هو اللي هيقدر يعمله العملية دي".
قالها المدير بأنفاس مقطوعة. ليخفف "جابر" قبضته قليلاً حول عنقه، وصرخ في وجهه بنفاذ صبر قائلاً:
"ميييين هو أنطق؟".
"جراح القلب الدكتور أيوب زيدان... إحنا حاولنا نتصل بيه بس تليفونه مقفول، كلمنا المستشفى اللي هو مديرها بلغونا إن النهارده أجازته، هكتبلك عنوان بيته وروح هاته بنفسك لأن مافيش قدامنا وقت".
بالفعل تركه "جابر" على مضض، فأخرج ورقة وقلم من جيب البالطو الخاص به ودون بها عناوين دكتور "أيوب". خطفها منه "جابر" واستدار يستعد للذهاب، ليجد "سلسبيل" جالسة أرضًا بجوارها "عفاف" و"خضرا" يحاولان مساعدتها على النهوض، لكنها أبت وظلت على وضعها محتضنة بطنها بذراعيها في حالة ذعر شديد ومع ذلك لا تبكي متماسكة لأقصى حد.
هرول نحوها وجثى أمامها على ركبتيه، وجذبها بمنتهى الرفق من معصميها أرغمها على الوقوف، ودفعها بخفة لأقرب مقعد أجلسها عليه مغمغمًا:
"متخفيش يا سلسبيل إن شاء الله عبد الجبار هيقوم منها.. ادعيلوا أنتي بس وفوضي أمرك لله".
أنهى جملته واختفى من أمامها كالزئبق. ركض بكل ما يملك من سرعة حتى يحضر الطبيب لينقذ حياة الشخص الذي أصبح أعز صديق بالنسبة له.
***
حالة من الذهول أصابت "جابر" حين وصل بسيارته لعنوان الطبيب "أيوب". تطلع حوله للمنطقة الشعبية شديدة البساطة التي لا تتماشى مع كونه مدير أشهر المستشفيات في مصر!! صف سيارته وهبط منها يدور بعينيه يبحث عن منزله، ليلمح يافطة كبيرة مدون عليها اسمه بالطابق الأخير لمنزل قديم تم ترميمه حديثًا.
اندفع نحو الداخل راكضًا على الدرج حتى وصل لتلك الشقة التي يخرج منها صوت ضحكات تجمع عائلي تسر القلوب. أخذ نفس عميق يلتقط به أنفاسه اللاهثة، وضغط على الجرس عدة مرات حتى فُتح الباب وخرجت منه امرأة بشوشة الوجه. ابتسمت له بوداعة وهي تقول:
"خير يا ابني!".
هم "جابر" بفتح فمه لتستطرد "زينب" بفخر وفرحة دون أن تمنحه فرصة للرد:
"عايز ابني الدكتور أيوب مش كده؟".
أجابها "جابر" بلهفة قائلاً:
"أيوه يا أمي.. عايزه ضروري جدًا في مسألة حياة أو موت".
تطلعت له "زينب" بشفقة ومن ثم لفت وجهها ونادت بصوتها الحنون المليء بالحب:
"أيوب.. يا دكتور أيوب يا نن عين أمك.. تعالي يا ضنايا".
"اؤمريني يا أمه".
هكذا لبى ندائها على الفور كعادته معها، وأتى إليها مهرولاً بهيبته وهيئته التي تخطف القلب. وقف بجوارها وحاوط كتفيها بذراعه لتشير له "زينب" على "جابر" الواقف بعيدًا عن وجهة الباب:
"وفي واحد عايزك ضروري يا حبيبي".
نظر "أيوب" تجاهه وتحدث بترحاب قائلاً:
"أهلاً وسهلاً.. اتفضل".
"دكتور أيوب أنا آسف إني جاي لحضرتك من غير ميعاد بس في واحد واخد رصاصة في صدره وحالته خطيرة أوي وكل الدكاترة اللي كشفوا عليه رافضين يجازفوا ويعملوه العملية وقالوا محدش غيرك بعد ربنا اللي يقدر ينقذه".
أردف بها "جابر" مرة واحدة دون أن يدع فرصة ليلتقط بها نفسه.
"أنا جاي معاك".
قالها "أيوب" دون تفكير، فهو لن يغلق بابه أبدًا بوجه أحد لجأ إليه. قبل يد ورأس "زينب" مغمغمًا:
"ادعيلي يا أمي".
ربتت "زينب" على صدره بكف يدها بحنان بالغ وهي تقول:
"دعيالك يا قلب أمك.. تربح وتكسب ويجعلك في كل خطوة خير وسلامة يا أيوب يا ابن زينب".
كل ما يحدث كانت تتابعه "حبيبة" زوجته التي تحدثت بلهفة قائلة:
"هتنزل من غير ما تاكل ولا حتى تغير هدومك يا أيوب؟!".
ارتدى "أيوب" حذاءه الرياضي على عجل. أقترب منها ونظر لها نظرة العاشقة التي يخصها هي وحدها بها مدمدمًا:
"لما الأكل يجهز كلميني هبعتلك عربية تجيبك عندي".
طبع قبلة عميقة على رأسها، وهرول للخارج مسرعًا. انطلق برفقة "جابر" نحو المستشفى.
لم يمر سوى عدة دقائق حتى وصلوا إلى المستشفى بفضل سرعة "جابر" العالية. انقلبت المستشفى رأسًا على عقب فور علمهم بوصول الجراح الشهير "أيوب زيدان" تأهب الجميع لاستقباله، مجهزين له كافة شيء، ليتوجه "أيوب" نحو غرفة التعقيم مباشرةً.
كانوا الجميع بانتظاره أمام غرفة العمليات. خرج هو عليهم وتطلع حوله، ينظرون له وكأنه طوق النجاة الوحيد الذي سينقذهم بانقاذه لرجلهم، فابتسم لهم ابتسامته الجذابة التي تطمئن القلب وهو يقول بكل ما يملك من رحمة ورأفة بحالته:
"اطمنوا يا جماعة.. خير بإذن الله".
سارت نحوه "سلسبيل" بخطوات متعثرة، فحالتها ازدادت سوء بسبب آلام مبرحة تدهمها تحاول هي قدر الإمكان تحملها، وقد بهت لونها وتناثرت حبيبات العرق على جبينها، والهالات السوداء ظهرت فجأة أسفل عينيها التي يملؤها الحزن. وأردفت بنبرة جادة لا تقبل الجدال قائلة:
"همضي إقرار على نفسي أني هتبرعلوا بقلبي وتاخد قلبي تدهوله يا دكتور بس يعيش".
رباااه.. جملتها هذه زلزلت قلوبهم جميعًا. تطلع لها "أيوب" بنظرة متفحصة، ومن ثم وجه نظره لإحدى الأطباء المساعدين وتحدث بأمر قائلاً:
"ابعت لأخصائي نساء وتوليد خليه يجي حالاً".
سار نحو غرفة العمليات وأشار بعينه على "سلسبيل" قبل أن يدلف للداخل مكملاً:
"المدام بتولد...".
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل السابع عشر 17 - بقلم نسمة مالك
اللهم يا سامع كل شكوى، يا شاهد كل نجوى، يا عالم كل خفية، يا كاشف كل كرب وبلية، يا منجي نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام نجي "سلسبيل" و "أولادها" بعينك التي لا تغفل ولا تنام، أجبر قلبها واشفِ "عبد الجبار" شفاءً لا يغادر سقماً يارب العالمين.
تردد "عفاف" هذا الدعاء بلا توقف منذ دخول "سلسبيل" غرفة العمليات المجاورة لغرفة زوجها مباشرةً. بقي الجميع في حالة مزرية حقًا ينتظرون ولو بريق أمل يُزيح هذه الغمة عنهم.
"ماما عفاف.. سلسبيل بتولد إزاي وهي في السابع؟!"
قالتها "صفا" التي وصلت للتو حاملة حقيبة كبيرة بها كل أغراض "سلسبيل" الخاصة بالولادة.
استقبلتها "عفاف" بضمة حنونة، وأخذت منها الحقيبة وبدأت تجهز ثياب الصغار وهي تقول بصوتٍ متحشرج بالبكاء:
"الحمد لله إني جهزت لها كل حاجة هتحتاجها بدري.. قلبي كان حاسس أنها ممكن تعملها وتولد في أي وقت بسبب الضغط الكبير اللي بتمر بيه.. أدعيلها يا صفا تقوم بالسلامة."
ربتت "صفا" على كتفها مغمغمة بيقين:
"إن شاء الله هتقوم بالسلامة هي والنونو يا ماما عفاف اطمني يا حبيبتي."
"لا متخليهاش تولد يا دادة عفاف.. خليها حامل لو ولدت أمي هتموتها وتموت أخوي ولا أختي اللي هتيجي كيف ما عملت في أبوي."
صرخت بها "فاطمة" الواقفة بإحدى الأركان محتضنة شقيقاتها ويبكيان بنحيب بصوتٍ مكتوم.
جملتها جعلت الجميع يتطلع لـ "خضرا" بأسف، لتهرول مسرعة تجاه البنتين فاتحة ذراعيها وقد تذكرت وجودهما الآن.
"فاطمة.. حياة.. متخافوش يا ضناي.. تعالوا في حضني."
ظهر الذعر على ملامحهما، وفروا مبتعدين عنها اختبؤا خلف ظهر "جابر". فعلتهما هذه كانت أقسى عقاب بالنسبة لها، أبنتيها خائفتان منها! تسمرت محلها تطلع لهما بأعين تنهمر منها العبرات حين قالت "حياة" أبنتها الصغيرة:
"عمو چابر متهملناش وياها.. أبوي وصاك على أني وخيتي قبل ما يموت."
جثى "جابر" على ركبتيه أمامها، ورفع يديه زال دموعهم برفق مردفًا بابتسامة مطمئنة:
"أبوكم مماتش.. أبوكم بإذن الله هيعيش وأنا معاكم أهو مش عايزكم تخافوا وتبطلوا عياط وأدعوا لبابا ولـ سلسبيل كمان يقوموا بالسلامة."
أتت إحدى الممرضات وتحدثت بعملية قائلة:
"جهزنا جناح لمدام سلسبيل تقدروا تنتظروها فيه على ما تولد."
نهضت "صفا" حاملة الحقيبة، اقتربت من الصغيرتان ضمتهما بحنو، وسارت بهما وهي تقول:
"أيه رأيكم تيجوا معايا نستنى النونو سوا في الأوضة."
تابعتهم "خضرا" بحسرة شديدة على حالها، لتنتفض بهلع حين وجدت باب غرفة العمليات يُفتح وخرج منه أحد الأطباء يتحدث بأنفاس لاهثة قائلاً:
"المريض محتاج نقل دم فورًا."
"أنا معاه قولي أتبرع فين."
قالها "جابر" بلهفة وهو يفك زرار القميص من حول معصمه، ويرفعه ليظهر ذراعه له.
"اتفضل معايا هناخد منك عينة ونحللها الأول."
أسرعت "صفا" خلفه وهي تقول بستحياء:
"أنا هاجي معاك يا جابر."
نظر لها "جابر" نظرة جعلت وجنتيها تتورد بحمرة الخجل، ليزيد من خجلها أكثر حين مد يده أمسك كف يدها الصغيرة بين راحة يده الضخمة ضاغطًا عليها بخفة.
"تعالي."
سارت بجواره تحاول سحب يدها من يده، لكنه رفض تركها هامسًا بأذنها:
"مش هسيبك.. فاهمة.. أنا مش هسيبك.. ده أنتي وصية أمي يا صفا."
خفضت رأسها حتى لا يرى ابتسامتها والدموع التي تجمعت بعينيها تدل على فرحتها بتمسكه بها.
"خضرا".. لم يبق أحدًا غيرها أمام غرفة العمليات، عينيها تذرف الدمع بغزارة، دموع ندم، حسرة، خوف من القادم.
ضربت بيدها على رأسها مرددة ببكاء كاد أن يقطع أنفاسها:
"اااه يا أخوي.. يارب لاجل حبيبك النبي تقلبه مقلب سلامة لخاطر البنتين الصغار."
كفت عن البكاء حين رأت الطبيب المشرف على حالة "بخيتة" يقترب منها بوجهه لا يبشر بالخير.
"خير يا دكتور.. أمه حصلها حاجة."
أجابها الطبيب بأسف قائلاً:
"واضح إن المريضة اتعرضت لصدمة شديدة جدًا أدت لشلل رباعي وحالتها للأسف مش مستقرة.. ادعيلها."
لطمت "خضرا" وجنتيها بعنف مرددة بنواح:
"يا مرك يا خضرا.. يا وجع الجلب اللي ملوش علاج ولا دوا."
داخل غرفة العمليات...
صدمة شلت الجميع حين توقف قلب "عبد الجبار" عن النبض رغم النجاح الكبير للعملية التي قام بها "أيوب" ببراعة وإتقان شديد. هرول مسرعًا نحو الجهاز الخاص بإنعاش القلب، وصعقه به مرات متتالية، يكرر المحاولة مرارًا وتكرارًا دون يأس وهو يقول بغضب عارم:
"رافض الحياة لييييييييييييه."
على الجانب الآخر بالغرفة التي تلد بها "سلسبيل" كانت الفرحة تعم المكان حين قالت الطبيبة التي تولدها بسعادة بالغة:
"ولدين.. جالك ولدين زي القمر يا سلسبيل."
كان صوت بكاء الصغيران يجعل القلوب تتراقص فرحًا، فرحة غامرة تدمع لها العين إلى أن توقف أحدهما فجأة عن البكاء، وتباطأت أنفاسه وحتى نبضات قلبه. ظهر الذعر على وجه الطبيب المشرف على حالة الصغيران، وأسرع بإنقاذ الصغير بشتى الطرق أمام نظرات "سلسبيل" الزائغة، لكن في خلال لحظات فقط قد نفذ أمر الله وتوقف نبض الصغير تزامنًا مع عودة النبض لقلب والده.
حينها شعر قلبها بفقدان إحدى صغارها فهبطت عبراتها ببطء على وجنتيها، ابتسمت ابتسامة يملؤها الرضى مرددة بصوتٍ ضعيف مرتجف:
"ابني فدى أبوه.. عبد الجبار هيعيش.. ابني فداه."
حمل الطبيب الرضيع على يده، وركض به مهرولاً عبر الباب الداخلي المؤدي للغرفة المتواجد بها دكتور "أيوب"، وتحدث بأنفاس متلاحقة قائلاً:
"دكتور أيوب.. قلب الطفل وقف فجأة."
كان "أيوب" انتهى للتو من إنقاذ "عبد الجبار"، ليطلق صرخة مغتاظة، وهو يلتقط الرضيع ووضعه على كتف والده العاري مرددًا بغضب مصطنع وهو يقوم بإنعاش قلبه بمهارة ودقة عالية:
"الواد وأبوه دول حد مصلطهم عليا انهاردة ولا إيه؟!"
ليصل إلى سمعه صوت بكاء شقيقه التوأم، فتابع بتساؤل مستفسرًا:
"هما توأم؟!"
"أيوه يا دكتور توأم.. مولودين قيصري.. والولادة تمت قبل معادها في الشهر السابع."
لم يتوقف "أيوب" عن محاولة إنقاذ الرضيع وهو يقول:
"هات أخوه بسررررعة."
ركض الطبيب واندفع نحو الرضيع الباكي، حمله على الفور وهرول مسرعًا أمام أعين "سلسبيل" التي تتابع ما يحدث بقلبها قبل عينيها.
لحظات مرت من أصعب اللحظات، حبس الجميع أنفاسهم وهم يتابعون محاولات "أيوب" المستميتة لإنقاذ الرضيع، قام بوضع شقيقه بجواره داخل حضن والدهما الذي بدأ في استعادة وعيه رويدًا رويدًا.
هبطت دموع "سلسبيل" بغزارة على وجنتيها متمتمة بهمس ضعيف بنبرة متوسلة:
"يارب.. أجبر قلبي يا جبار.. يارب متوجعش قلبي على ضنايا ولا على أبوه.. يارب أنا ملحقتش أخده في حضني."
وها قد حان وقت الجبر. جبر السلسبيل الذي أثلج قلبها حين وصل لسمعها صوت بكاء الصغيران معًا من جديد، يليه صوت تكبير من جميع الحاضرين الذين بكوا من شدة تأثيرهم عندما خر "أيوب" أرضًا ساجدًا.
لتجهش "سلسبيل" في البكاء والضحك في آنٍ واحد حين استمعت بقلبها اسمها من بين شفتي "عبد الجبار" يقول دون أن يفتح عينيه وهو يضم صغاره بجسده بحماية دون إرادة منه:
"س سلسبيل.."
تأوهت "سلسبيل" بصوتها كله مرددة بفرحة غامرة:
"آآآه يا عبد الجبار... يا جبر السلسبيل."
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نسمة مالك
في أوقات غضبنا نجتهد حتى نجرح غيرنا، لكن بعد فوات الأوان ندرك أننا لم نجرح سوي أنفسنا.
نحن مخلوقين من ماء وطين، لو زادت الماء نبقي نهر، ولو زادت الطين نبقي حجر.
لا شيء يدوم للأبد في هذا العالم ولا حتى مشاكلنا.
الحياة مجرد رحلة تحتاج منا الكثير من الرفق، التسامح، وتجاهل الأخطاء.
لذلك عش اليوم فالغد قد يكون أو لا يكون.
"صورة تاريخية".
ألتقطها "جابر" بهاتفه لحظة خروج "عبد الجبار" برفقة صغاره من غرفة العمليات بعد مكوثه داخل غرفة الإفاقة حتى استعادة وعيه.
الصغيران نائمان فوق كتف والدهما الذي مازال بين الوعي واللاوعي.
لكنه يضمهما بذراعيه المعلقان بهما الكثير من الأسلاك الطبية بهيئة تخطف القلب وتدمع لها العين.
"حمد لله على السلامة يا أبو الجبابرة.. يتربوا في عزك يا غالي".
قالها "جابر" بمزاح أثناء تصويره مقطع فيديو له معهم.
مال عليه أثناء سيره بجوار السرير النقالي مكملاً:
"الحمد لله ربنا قومك بالسلامة. كلنا نبارك لـ عبد الجبار باشا المنياوي على الولادة ونقوله يتربوا في عزك وربنا يتمم نفاسك على خير إن شاء الله".
"أفوقلك بس وهخبرك زين مين اللي بيولد".
قالها "عبد الجبار" بوعيد بصوتٍ متعب للغاية.
وبلهفة تابع:
"سلسبيل.. بناتي.. أمي".
"إحنا أهو يا أبوي".
نطقت بها "فاطمة" ابنته الباكية وهي تهرول بخطواتها نحوه وخلفها شقيقتها.
نظر لهما "عبد الجبار" بأعين شبه مغلقة، وأبتسم ابتسامته المطمئنة قبل أن يختفي لداخل غرفة العناية المركزة.
كانت "خضرا" تقف على مسافة منه، تتابعه بعينيها الغارقة بالدموع، غير قادرة على الاقتراب منه أو حتى من بناتها اللتان يصرخان بذعر حقيقي ويختبأن كلما وقعت أعينهما عليها.
فور دخول "عبد الجبار" العناية حملت إحدى الممرضات الصغيران مردفة بعملية:
"الأطفال لازم يدخلوا الحضانة عشان الدكتور يعملهم فحص شامل".
همس "عبد الجبار" بقلق وعينيه تتابع صغاره قائلاً:
"أمهم.. طمنيني على أمهم؟".
أجابته الممرضة وهي تضع الصغيران على سرير نقال خاص بهما وتغادر الغرفة على الفور:
"أطمن الأم كويسة جدًا".
"حمد لله على السلامة.. خضتنا عليك يا راجل".
أردف بها "أيوب" الذي دلف للتو وبدأ يقرأ نتائج الأجهزة التي تم توصيلها بصدر ويد "عبد الجبار".
تنهد "عبد الجبار" تنهيدة حزينة وهو يقول:
"الله يسلمك يا دكتور.. هخرج أمتى من أهنه؟".
رفع "أيوب" حاجبيه معًا، وتطلع له مشدوهًا مغمغمًا:
"تخرج أمتي إيه!!.. أنت ربنا نجاك من طلقة كان بينها وبين القلب واحد سم، وخرجت برحمة ربنا ورأفته بمراتك اللي كانت عايزة تتبرع لك بقلبها وولدت قبل معادها من خوفها وقلقها عليك".
"عشانها وعشان ولادي لازم أخرج من أهنه".
قالها "عبد الجبار" وهو يكافح بضراوة حتى ينهض من مضجعه.
ليوقفه "أيوب" مسرعًا وهو يقول بتحذير:
"أهدي يا عبد الجبار.. أنت كده بتعرض نفسك للخطر".
أنهى جملته وقام بإعطائه حقنة مهدئة.
أغمض "عبد الجبار" عينيه المجهدة، وبدأ يهذي بقلبٍ ملتاع:
"سلسبيل.. مراتي .. لازم أكون چارها".
ربت "أيوب" على كف يده المنغرس بها حقن معلق بها محاليل طبية وكيس من الدماء، وتحدث بهدوئه المعتاد قائلاً:
"مراتك كويسة وخرجت من العمليات متقلقش.. وأول ما مفعول البنج يروح هتجيلك هنا تطمنك عليها بنفسها".
مّرت عدة ساعات، هدأ روع الجميع قليلاً باستقرار الأوضاع في الوقت الحالي.
فغادر "جابر" المستشفى برفقة "صفا" ومعهم بنات "عبد الجبار".
وظلت "خضرا" تجلس بمفردها أمام غرفة العناية المتواجد بها زوجها.
رغم أن الطبيب المشرف سمح لها بدخول والاطمئنان عليه، لكنها لم تقوى على مواجهته.
فضلت الانتظار لعله يطلب رؤيتها هو.
بينما بقت "عفاف" مع "سلسبيل" التي فور شعورها بأطرافها قالت بفرحة غامرة:
"أنا حاسة برجلي يا ماما عفاف.. ساعديني أقوم.. عايزة أروح أطمن على عبد الجبار وأشوف ولادي في الحضانة".
هرولت "عفاف" نحوها مرددة بتعقل:
"أستنى لما أنادي الدكتورة تطمني عليكي الأول يا سلسبيل".
تعمقت "سلسبيل" بذراعها ونهضت بصعوبة شديدة وهي تقول بأنفاس متهدجة:
"لا.. مش هقدر أستنى أكتر من كده.. أنا هتجنن وأطمن عليهم يا ماما.. ولادي وأبوهم واخدين قلبي معاهم".
ساعدتها "عفاف" بخلع رداء المستشفى، وألبستها منامة وردية ومن فوقها روب طويل من اللون الأسود أحكمت أغلاقه ورفعت الكاب الخاص به على شعرها.
أخذت "سلسبيل" نفس عميق قبل أن تغادر الفراش بوهن وضعف، تحملت على نفسها، وكتمت آهة متألمة حين انتصبت واقفة.
استندت بيد على "عفاف" التي قالت بحنو:
"حاولي تفردي ضهرك يا بنتي".
لم تنطق "سلسبيل" بحرف واحد، قطعت الحديث تمامًا من قوة الألم الذي يفتك بها، لكنها تحملته.
ومدت يدها الأخرى استندت على المشجب المعلق به المحلول المتصل بكف يدها، وبدأت أول خطواتها تجر قدميها جرًا على الأرض لا تقوى حتى على رفعها.
"عايزين نروح الحضانة لو سمحتي".
قالتها "عفاف" فور خروجهما من الجناح.
لتقبض "سلسبيل" على يدها بأصابعها الباردة، وتحرك رأسها بالنفي مرددة بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"عبد الجبار.. وديني عنده الأول".
ظهر الضيق على وجه "عفاف" وتحدثت بأسف قائلة:
"خضرا هتلاقيها عنده هناك يا سلسبيل وبصراحة أنا خايفة عليكي منها وأنتي لسه والدة وتعبانة كده لتعمل فيكي حاجة.. إحنا مش ناقصين يا بنتي".
هبطت دموع "سلسبيل" على وجنتيها وهي تقول بنبرة راجية:
"عشان خاطري.. عشان خاطري يا ماما وديني عنده".
حركت "عفاف" رأسها بيأس، ورفعت يدها مسحت دموعها:
"أمري لله.. حاضر هوديكي عنده تعالي نركب الاسانسير لأن هو في تاني دور وإحنا هنا في السابع".
سارت بخطواتها البطيئة معها حتى وقفت بها "عفاف" أمام باب الاسانسير ينتظران صعوده.
فُتح الباب ليجدوا "جابر" أمامهما يقول بقلق وهو يقترب من "سلسبيل" بلهفة:
"أيه ده رايحين فين؟!".
أجابته "عفاف" قائلة:
"مصرة تطمن على عبد الجبار بيه".
تطلع لها "جابر" بنظرة عاتبة، وفاجأها بلف يده حول خصرها ضمها كلها داخل صدره وهو يقول بغضب:
"مش أنا طمنتك عليه ووريتك الفيديو اللي صورته له عشان أذل أنفاسه بيه.. عجبك يعني وأنتم مش قادرة تقفي كده يا سلسبيل!!".
لم تستطيع الرد عليه، ولا حتى الابتعاد عنه، بل أن تعبها الشديد أرغمها بإلقاء جسدها عليه.
رمقته "عفاف" بنظرة ذات مغزى مدمدمة:
"امممم.. كويس إنك رحت صفا وجيت تاني عشان تقولها.. أصلي مش قادرة أمنعها لوحدي".
تهرب "جابر" بعينيه من أعين "عفاف" التي ترمقه بنظرة يملؤها الأسف، فعشقه لـ "سلسبيل" مازال محفورًا بقلبه، وظهر على قسماته حين ضمها لصدره بلهفة هكذا.
"لا.. وديني عنده عشان خاطري يا جابر".
همست بها "سلسبيل" منعته بالعودة بها تجاه غرفتها مرة ثانية.
نفذ طلبها على مضض، ودلف بها لداخل الاسانسير خلفهما "عفاف" وهو محاوطها بذراعه حتى أصبحت قدميها لا تلمس الأرض.
توقف بهما الاسانسير في الطابق المقصود، وفور فتح الباب وجدوا "خضرا" تنهض من على مقعدها، وتطلع نحوهم بأعين متسعة، متعجبة من وضع "سلسبيل" المستندة على "جابر".
حاولت "سلسبيل" الابتعاد عن "جابر" وقد شعرت بالإحراج، إلا أنه أبي أن يتركها.
"مش هسيبك يا سلسبيل.. أنا لو سبتك هتقعي وده مش هيحصل.. مافيش أي حاجة ولا أي حد يقدر يوقعك تاني طول ما أنا في ضهرك".
كان يتحدث بصوتٍ عالٍ متعمد أن يصل لسمع "خضرا".
سارت "سلسبيل" برفقته حتى وصلت أمام باب العناية المغلق فطرق "جابر" عليه بقبضة يده.
بينما بقت "خضرا" واقفة مكانها، تتابعهم بصمت.
خرج أحد الأطباء المشرفين على العناية، وتحدث بعملية قائلاً:
"خير يا فندم".
"المدام عايزة تطمن على عبد الجبار بيه".
قالها "جابر" بصوته الأجش، ليبتسم الطبيب ويشير على "سلسبيل" وهو يقول بثقة:
"أكيد حضرتك مدام سلسبيل؟".
حركت "سلسبيل" رأسها بالإيجاب.
ليتابع الطبيب بابتسامة أكثر اتساعًا:
"عبد الجبار بيه مبطلش سؤال عنك ولو كنتي اتأخرتي أكتر من كده كان هيجيلك هو".
سار من أمامهم تجاه غرفة أخرى مغلقة وفتحها مكملاً:
"اتفضلي أدخلي هنا وهبعتلك ممرضة تعقمك الأول".
نظرت "سلسبيل" تجاه "خضرا" وهمست بابتسامة متألمة:
"تعالي يا أبلة خضرا.. هندخله سوا".
رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نسمة مالك
"سلسبيل" أتذكروني؟!
..تلك الأنثى الضعيفة، المنكسرة التي تزوجت بالإجبار لتنجو بحياتها من ظلم والدها.
لكن دعوني أعترف لكم بشيئًا سيبدو مريبًا لكم جميعًا، عفوًا لا يوجد أنثى ضعيفة على وجه الأرض!
ضعفنا هذا ستار نخفي خلفه ما نريد الحصول عليه، لذلك ذُكر كيدنا بالقرآن الكريم.
أعترف الآن أن ضميري يأنبني منذ أن أصبحت زوجة ثانية لرجل كانت حياته هادئة مكتفي بزوجته وابنتيه حتى ألتقي بعيناي التي تعمدت رمقه بنظرة ثاقبة أصابت قلبه في الحال.
نظرة كنت أستجديه بها أن لا يتركني.
أنا من سعيت لزواجي منه فور رؤيته.
لو كنت طلبت منه المساعدة فقط وأظهرت عدم تقبلي له من بادئ الأمر، كان ساعدني وأبعدني عن والدي وعنه هو أيضًا.
لكن أنا من فتحت له طريقًا سهل نحو قلبي.
طمعت في قلبه فأوقعته بشباكي وأغرقته في بحر عشقي بكامل إرادته.
فقد كنت على دراية كاملة بحسن أخلاقه ومعاملته لزوجته التي جعلتها ملكة متوجة.
لن أنكر أني تمنيته لنفسي، يكن رجلي أنا الذي طالما حلمت به.
وقد كان حصلت عليه واستحوذت على قلبه ونزعت عن زوجته تاجها وأخذته لنفسي.
دمرت بوجودي قلبها وأظهرت أسوء ما فيها.
وها أنا أقف على عتبة الغرفة التي يرقد بداخلها بعد أن نجا من الموت بأعجوبة.
يمزقني شعوري بالندم والألم على ما فعلته به وبعائلته الصغيرة.
أنا الزوجة الثانية لكني الجانية الأولى.
فإذا كان هناك أحدًا مذنب في حكايتي هذه، فهي أنا تلك المذنبة التي أغرمت برجل رأت مدى عشق زوجته له ومع ذلك لم ترحم لوعة قلبها وسرقته منها.
تمنيت الجبر لقلبي لكني لم أنتبه أن جبري هذا سيكون على حطام قلب زوجته الأولى.
لوهلة تخيلت نفسي مكانها، أرى زوجي يذوب عشقًا بامرأة غيري أمام عيناي.
لن أتردد لحظة ولن يقدر أحد على منعي من تمزيقها وتمزيقه معًا بأسناني أربًا.
كل ما فعلته "خضرا" لن يكن شيء أبدًا أمام ما أنوي على فعله إذا كنت أنا مكانها!!
مجرد التخيل فقط أن زوجي بحضن امرأة غيري جعلني أتهيأ لأخذ عزاه بابتسامة واسعة بعدما أنهى حياته بيدي.
صدق من قال هذا المثل: المرأة ترى زوجها بقبره ولا تراه مع امرأة أخرى حقًا صدق.
نصيحتي لكل من قرأ حكايتي: إياكِ أن تقربي من رجل متزوج.
إياكِ ثم إياكِ أن تدمرى قلب امرأة مثلك فسوف يأتيكِ عقاب قاسٍ من الممكن أن يمزق قلبك وروحك لأشلاء مثلي تمامًا الآن.
"مش هتدخلي معايا ليه يا أبلة خضرا؟!"
أردفت بها "سلسبيل" بتساؤل حين رأت "خضرا" توقفت قبل عتبة باب الغرفة وتراجعت للخلف خطوتين.
ابتلعت "خضرا" رمقها بصعوبة وهي تقول بصوتٍ متحشرج بالبكاء:
"خليني أنا أهنه.. هو مطلبش شوفتي.. لو طلبني هدخله."
ابتسمت لها "سلسبيل" ابتسامة باهتة، وأخذت نفس عميق قبل أن تسير بخطواتها البطيئة مستندة على إحدى الممرضات بيد، ويدها الأخرى تضعها أسفل بطنها مكان جرح ولادتها القيصرية.
خفق قلبها بشدة كلما اقتربت من الفراش الممد عليه زوجها.
انهمرت دموعها على وجنتيها بغزارة.
تعالت وتيرة أنفاسها أصبحت على هيئة شهقات عالية متقطعة، فجرحها جعلها لا تقوى على البكاء إلا بتلك الطريقة.
حتى وصلت لسمعه فنتفض متأوهًا في مضجعه مرددًا بلهفة:
"سلسبيل.. يا حبة جلبي."
عاشق ومُغرم هو بها وليس على العاشق لوم.
أخيرًا قطعت المسافة الفاصلة بينها وبينه.
ساعدتها الممرضة على الجلوس على مقعد بجوار سريره، لترتمي عليه بحذر شديد تقبل وجهه قبلات حارة متفرقة، ودموعها تنهمر على بشرته حتى اختلطت بدموعه هو.
"عبد الجبار.. يا حبيبي.. أنا السبب في كل اللي حصلك.. ياريتك سبتني لأبويا يموتني.. يا ريتك ما اتجوزتني.. يا ريت قلبك ما حبني.. ياريتني مت قبل ما تشوفني مكنش كل ده حصلك."
أسكتها هو بفمه الذي التقط شفتيها بين شفتيه يقبلها بلهفة قبله عميقة غير عابئ لوجود الممرضة التي انسحبت للخارج على الفور بحرج تترك لهما بعد الخصوصية.
ابتعد عنها على مضض، وتحدث بنبرة صوته الذي يدغدغ مشاعرها قائلاً بمنتهي العشق:
"بعيد الشر عنك يا حبة الجلب.. فداكي يا سلسبيل.. أني فداكي ولو رجع بيا الزمن من التاني مكنتش ههملك واصل."
صمت لبرهةً يلتقط أنفاسه، وتابع بصوتٍ اختنق ببكاء مخيف جعل "سلسبيل" تبكي لبكاءه حين قال بقلبٍ ملتاع أرهقه الفراق:
"خوفت أموت وأنتي مش على ذمتي عشان أكده رديتك لعصمتي.. بس رايدك برضاكي.. برضاكي يا سلسبيل."
قبلت عينيه ببطء كأنها تتذوق دموعه:
"بحبك.. بحبك يا أبو ولادي.. بحبك يا عبد الجبار وعارفة أني أنانية في حبك بس مش هقدر أبطل أحبك.. والله ما هقدر."
ابتسم لها ابتسامته التي تُذيب قلبها العاشق له مغمغمًا:
"قولتهالك قبل سابق وهقولهالك تاني."
نظر لعينيها نظرته المُتيمة التي تأثرها مكملاً:
"كأنك مولودة في جلبي يا بت جلبي يا أم سند وجبر."
ضحكت بفرحة غامرة وهي تقول:
"الله.. سند عبد الجبار وجبر عبد الجبار.. أيه الأسامي الحلوة.. عجبوني أوي يا أبو جبر."
تأمل ملامحها بافتتان و بهمس قال:
"أنتي جبر جلب عبد الجبار يا سلسبيل.. مع إنك كيف حب الرمان معرفش أتلم عليكي بتفرطي من يدي فرط.. بس خلاص من انهاردة مهتغبيش عن عيني واصل."
ظهر الحزن على ملامح "سلسبيل" أخفت فرحتها وهمست بتساؤل وخجل قائلة:
"طيب وأبلة خضرا يا عبد الجبار.. هتعمل معاها أيه؟!"