الفصل 16 | من 31 فصل

رواية جبر السلسبيل الفصل السادس عشر 16 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
20
كلمة
1,967
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

مر يومان. لم يستطع "عبد الجبار" الانفراد بـ "سلسبيل" منذ خروجها من غرفة العناية، فقد طلبت هي من الممرضات بالمشفى عدم تركها معه بمفردها بعدما رأت ضعفها المخزي بين يديه.

لهفتها عليه تلغي كل ذرة تعقل بها، خاصة بعد عناقهما الذي أصبح إدمانًا بالنسبة لهما. كل لحظة تمر عليها تحترق شوقًا لضمة من صدره، لكنها صامدة لخاطر "خضرا" التي تعتني بها بحب صادق رغم حزنها وألم قلبها الظاهر بعينيها، يجبرها على الابتعاد عن زوجها قدر الإمكان حتى لا تزيد وجع غيرها، بينما وجعها هي يتضاعف.

حسمت قرارها ولن تتراجع فيه، ستبتعد وقتما تستعيد قواها وتتمكن من النهوض والسير بمفردها، حينها ستتركه لعائلته دون وداع حتى، فهي على دراية كاملة أنه لن يعطي لها أبدًا فرصة الهروب منه. "إحنا بقينا عال يا مدام سلسبيل، وممكن أكتب لك على خروج النهارده". قالها الطبيب فور انتهائه من فحصها بدقة تحت أنظار "عبد الجبار" المرتعدة من شدة خوفه عليها، و"خضرا" التي صدح صوتها بزغرودة تعبر بها عن فرحتها.

"صح حديثك يا دكتور، يعني هي بقت زينة". قالها "عبد الجبار" بهدوء عكس ضجيج قلبه، ليجيبه الطبيب بأسف قائلًا: "هي حالتها أصبحت مستقرة الحمد لله، فإحنا هنعتبر خروجها من المستشفى هدنة بسيطة هتمشي فيها على علاج مهم جدًّا، تاخده في ميعاده بانتظام لأن الخطر لسه موجود وعلشان كده ممنوع الزعل نهائي، أو أي مجهود تعمله حتى لو بسيط". "أني هحطها جوه عنيا ومهخلهاش تعمل حاجة واصل يا دكتور".

قالتها "خضرا" وهي تقترب منها تهندم ثيابها، وتربت على صدرها بحنو. "تسلمي لي يا رب يا أبلة خضرا، ربنا ما يحرمني من حنيتك عليا". همست بها "سلسبيل" بخفوت وهي تبتسم لها ابتسامة باهتة تخفي بها عبراتها التي ترقرقت بعينيها. بادلتها "خضرا" ابتسامة دافئة وهي تقول: "ولا يحرمني منكِ يا خيتي". بينما "عبد الجبار" سار برفقة الطبيب خارج الغرفة، لتتسع ابتسامة "خضرا" مغمغمة:

"أيوه أكده روقي يا حبيبتي وقومي على حيلك وارجعي دارك نوريه وفرحي قلبي وقلب جوزك". صمتت لبرهة وتابعت بمزاح: "وافقعي عين ومرارة بخيتة". حركت "سلسبيل" رأسها لها بالنفي وهمست بضعف قائلة: "ده بيتك أنتي وهيفضل بيتك لوحدك وعمري ما هشركك فيه يا أبلة خضرا، أنا ضيفة عندك وهيجي اليوم اللي همشي فيه وبتمنى يكون في أقرب وقت ممكن".

"واه ليه يا بنتي بتقولي أكده، أنتي خلاص بقيتي مرات عبد الجبار اللي بمشيئة الله هتجبر خاطره وتجيب له الواد اللي بيتمناه من سنين طويلة". رسمت غضبًا مصطنعًا على ملامحها البشوشة وتابعت: "ويكون في علمك أني هكون أم الواد زيكِ ويمكن أكثر كمان، هيكون ابني اللي ما خلفتهوش يا سلسبيل". فتحت "سلسبيل" فمها وهمت بالحديث لكن "خضرا" أوقفتها حين قالت:

"خلينا نفرح لوّل بخروجك بالسلامة، أني نادراها يوم ما ترجعي على الدار هعمل ليلة كبيرة وأوكل ياما بيدي لخاطر عيونك أنتي يا ست البنات". أطبقت "سلسبيل" جفنيها بعنف كمحاولة منها لكبح عبراتها التي تجمعت بحدقتيها بسبب معاملة "خضرا" معاها التي تجعل إصرارها بالابتعاد عن زوجها يزداد. "المنصورة".

"جابر" تسعة وعشرون عامًا، شاب مكافح بنى نفسه بعمله الشاق داخل بلده وخارجها، حتى تمكن من تحقيق الكثير من أحلامه، لكن أهم حلم بحياته بأكملها لم يستطع تحقيقه حتى الآن، لكنه لم ولن يتوقف عن السعي حتى يصل لغرضه ويحقق هذا الحلم مهما كلف منه الأمر.

صف سيارته أحدث الموديلات أمام منزل حديث الطراز، جلس شاردًا داخل السيارة، ومد يده لجيب سرواله الخلفي أخرج جزدانه الجلدي فتحه على مهل، وأخرج ورقة قديمة مطوية أكثر من مرة فتحها بحرص ويتطلع لصورته المرسومة باحترافية رسامة ماهرة برفقة فتاة صغيرة ممسكًا بيدها، يسير بها تجاه مدرستها. انبلجت ابتسامة على ملامحه الوسيمة حين صدح صوتها الطفولي العذب يرن بأذنه. فلاش باك.

كان بعامه السابع عشر، وهي بعمر السابعة. يعاملها كما لو كانت ابنته من شدة اهتمامه بأدق تفاصيلها، حتى أصبحت هي معلقة به أكثر من والديها. "شوفت رسمتي الجديدة حلوة إزاي". أخذها منها وتأملها بانبهار مدمدمًا: "دي حلوة أوي يا سلسبيل، بس قولي لي تقصدي بيها مين يا ترى! أجابته بتلقائية: "أقصدنا سوا، رسمتك ورسمتني وأنت بتوديني المدرسة يا جابر". مسح على شعرها بحنان، ومال على وجنتيها الممتلئة لثمها بعمق مغمغمًا:

"عقبال ما أوديكي الكلية كمان يا عيون جابر". التمع الحماس بعينيها الجميلة بلونهما الأخضر الصافي، وتحدثت بفرحة غامرة: "هتوديني الكلية اللي قلت لي عليها بتاعت الرسم". "هوديكي يا حبيبتي، هو أنا عندي كام سلسبيل". قالها وهو يدغدغها كعادته معاها وهي تضحك بقوة ضحكتها الملائكية التي تأسر القلوب. لم يمر على هذا اليوم سوى أسبوع واحد وانقلبت حياتهما رأسًا على عقب. نهاية الفلاش باك.

بشقة واسعة تتميز برقي أثاثها، نجد "فؤاد" رجل كفيف بأواخر عقده السادس يجلس على أريكة ممسكًا مسبحته يسبح عليها كعادته. "صباح الورد على أحلى جدو فؤاد في الدنيا". أردف بها "جابر" الذي دلف للتو من الخارج، واقترب منه، مال عليه وقبل يده وجبهته بحب مكملًا: "إيه اللي مصحيك بدري كده يا حبيبي". "مستنيك من إمبارح يا جابر يا ابني، كنت فين طول الليل يا حبيب جدك". جلس "جابر" على الأريكة جواره، وتنهد براحة مغمغمًا:

"وصلت أخيرًا لعنوان سلسبيل بنت بنتك يا جدي". تهللت أسارير "فؤاد" مردفًا بلهفة: "فين يا جابر، خدني عندها يا ابني، خدني عندها الله لا يسيك يا جابر". "اهدأ يا جدي، أنا هجيبها لك لحد عندك اطمئن". قالها وهو يجذب رأسه لصدره وضمه بحنو مكملًا: "النهارده هروح أجيبها، مش هسيبها بعيد عن حضننا تاني أبدًا". أمام منزل "عبد الجبار".

فرقة من أشهر فرق الفنون الشعبية ترقص الخيول على المزمار البلدي أصرت "خضرا" على إحضارهم، وصدح صوت طلقات نارية فور وصول سيارته التي توقفت بمكانها الخاص داخل حديقة منزله. هبطت "خضرا" التي كانت تجلس بجواره بعدما فشلت في إقناع "سلسبيل" بالجلوس بالمقعد المجاور لزوجها وفضلت الجلوس بالخلف.

طيلة الطريق كانت عينيها تتهرب من نظرة "عبد الجبار" التي تحاصرها عبر المرآة، كانت فرحته بخروجها من المشفى ليس لها مثيل، وكأن قلبه عادت له الحياة برجوعها له. استدارت "خضرا" مسرعة نحوها وفتحت باب السيارة، ومدت يدها لها تساعدها، وتساندها وهي تزغرط بلا توقف أمام أعين "بخيتة" المتأججة.

تقف على باب المنزل تتابع ما يحدث بغيظ وغضب عارم وهي ترى قوة "خضرا" تتضاعف بوجود "سلسبيل" وهي كانت تظن أنها كسرت أنفها بزواج ابنها من امرأة غيرها، وستصبح الكلمة الأولى والأخيرة لها هي. "شيل مراتك يا خوي". أردفت بها "خضرا" حين شعرت بتهاوي جسد "سلسبيل" التي تسير بصعوبة بالغة بسبب ضعفها الشديد.

لم يجعلها "عبد الجبار" تعيد جملتها مرتين، وقطع المسافة بينه وبينهما وحملها على ذراعيه بخفة كأنها لم تزن شيئًا، بل هي بالفعل ضئيلة للغاية، وجسدها صغير بين ضخامة جسده العريض. دلف بها لداخل المنزل محمولة على يديه، محاوطها بحماية كالحصن المنيع أمام أعين "بخيتة" المنذهلة من أفعال "خضرا" التي كانت تسير خلفهما تسقف، وتزغرط، بل وصل بها الأمر أن تتمايل راقصة بذراعيها وهي تلاعب لها حاجبيها. "الحمد لله على سلامة مراتك يا ولدي".

نطقت بها "بخيتة" من بين أسنانها وهي ترمق "سلسبيل" المستندة برأسها على كتف زوجها بنظرات كالسهام القاتلة. "الله يسلمك يا أمه". قالها "عبد الجبار" وهو يتابع سيره بها متجهًا نحو غرفتها، لتتسع أعين "بخيتة" بصدمة حين نظرت لها "سلسبيل" وأخرجت لسانها لها بحركة استفزازية جعلت النيران تشتعل بداخلها أكثر. "آه يا بت المركوب". تمتمت بها بسرها، لتقفز فجأة بفزع حين اقتربت منها "خضرا" وزغرطت داخل أذنها بصوت عالٍ للغاية مرددة:

"الليلة فرحتنا كبيرة بخروج عروسة سيد الدار بالسلامة يا أمه بخيتة، وإني نادراها هعمل وأوكل ياما وأوزع على الخلق بيدي". "اممم ومَاله، اعملي ووزعي ما هو كله خير ولدي". قالتها "بخيتة" وهي تسير من أمامها بخطوات غاضبة، وهي تسب وتلعن بسرها كعادتها. "خضرا".

دلفت خلف "عبد الجبار" غرفة "سلسبيل" كان هو يضعها على الفراش برفق وكأنها بلورة باهظة الثمن يخشى عليها من الكسر، سحب يده من حولها متعمدًا لمسها بطريقة حميمية كادت أن توقف قلبها من عنف دقاته. "هروح أنا أتسَبّح وأغير خلجاتي على ما تجهزي الأكل يا خضرا". قالها وهو يغادر الغرفة، ويسير للخارج بعدما اطمئن على صغيرته التي تجهز لها "خضرا" ثيابًا بيتية، وجلست بجوارها لتساعدها على تغيير ثيابها.

"عنيا يا أبو فاطمة، هساعد البنت وأسيبها ترتاح هبابة وهقوم أجهز الأكل طوالي". أردفت بها وهي تخلع لها حجابها بعدما تأكدت من خروج زوجها وغلق الباب خلفه. "أبلة خضرا ممكن تبعتي لي فاطمة وحياة يقعدوا معايا على ما أنتِ تخلصي اللي بتعمليه وتيجي". تفهمت "خضرا" المغزى وراء طلبها هذا، تراقص قلبها فرحًا حتى إنها لم تستطع إخفاء فرحتها هذه، وردت عليها دون أدنى اعتراض بعدما ربحت غيرتها مجددًا. "حاضر يا خيتي".

هقولهم يفضلوا وياكِ على ما أجيكِ بالوكل لاجل ما تاكلي زين وأعطيكِ علاجك بيدي." نظرت لها "سلسبيل" بابتسامة تتعجب من حنانها عليها وغيرتها منها بأن واحد. بعد مرور أقل من ساعة. ممددة على الفراش تتابع بنات زوجها يلعبان بجوارها بعرائسهما الباربي، انبلجت ابتسامة حزينة على ملامحها الجميلة وهي تتأملهما، لم يأخذان من والدهما سوى رسمة عينيه الواسعة ذات الرموش السوداء الطويلة.

تلاشت ابتسامتها حتى اختفت تمامًا وحل مكانها الخجل الذي جعل وجنتيها تتورد بحمرة قاتمة حين تسللت لأنفها رائحة عطره التي تحفظها عن ظهر قلب. علقت أنفاسها بصدرها، ونظرت تجاه باب الغرفة بلهفة تنتظر طالته عليها بنفاذ صبر، تسارعت نبضات قلبها حين وصل لسمعها صوت خطوات قدميه تقترب، ومن ثم طرق برفق على الباب ودلف للداخل غالقه خلفه، وعينيه تدور بحثًا عنها باشتياق واضح على قسماته الصارمة. يا إلهي تشتاقه حد الجنون!

رفرف قلبها بشدة بين ضلوعها حين طل عليها بهيئته التي تذيب عظامها وتخطف أنفاسها، نظراتها تشمله بتفحصٍ لا يخلو من الإعجاب، جلبابه الأسود الذي يظهر عرض كتفيه وذراعيه المعضلة زاده هيبة ووقار. "أبوي! نطق بها الفتاتان وهما يركضان نحوه، ارتموا داخل حضنه، فضمهما هو له بحب شديد، وعينيه مثبتة على تلك الصغيرة التي تطلع لهم بابتسامة فاتنة، وكم تمنت لو تركض هي الأخرى وتختبئ بين ضلوعه. "اتوحشتكم قوي قوي."

قالها "عبد الجبار" قاصدها هي بها، عينيه ترمقها بنظرة معاتبة على معاملتها له التي تبدلت للنقيض دون مبرر أو سبب واضح. ابتعدت هي بعينيها عنه سريعًا، وقد عادت ملامحها للجمود ثانية، وسحبت عليها الغطاء تخفي به منامتها القطنية ذات اللون الوردي التي تظهر جمال عنقها المرمري، وبداية صدرها بسخاء. "قاعدين أهنه وسايبين أمكم تحضر الوكل لحالها أكده؟ قالها وهو يبتعد عن الباب، مكملًا: "همي يا فاطمة وخدي خيتك وياكِ!

لم تدعه "سلسبيل" يكمل حديثه حين قطعته قائلة بصوت مرتجف يظهر مدى توترها: "لا سيبهم.. أنا قلت لأبلة خضرا عايزاهم يفضلوا معايا." رفع حاجبيه ورمقها بنظرة مندهشة، أكدت هي الآن ظنونه بها وأصبح على يقين أنها تتهرب من وجودها معه بمفردهما. "امممم وماله يفضلوا، وأني كمان هفضل وياكِ."

قالها وهو يسير نحوها بخطى بطيئة أثارت الريبة بداخلها، وقد اعتلت ملامحه ابتسامة ماكرة زادت من توترها، وجعلت أنفاسها تتلاحق حين وجدته جلس بجانبها على الفراش المسافة بينهما لا تذكر. جحظت عينيها بصدمة حين شعرت بذراعه يتسلل من أسفل الغطاء ويلتف حول خصرها مستغل انشغال الفتاتان باللهو مرة أخرى، وجذبها عليه لصقها بجزعه العلوي كتفها الأيمن يتوسط صدره. "عبد الجبار." همست بها بتحذير، وهي تتنقل بعينيها بينه وبين الصغيرتين.

"اتوحشتك يا سلسبيل.. اتوحشتك قوي." همس بها داخل أذنها، وهو يزيل خصلاتها الحريرية بيده الأخرى، وأنامله تتحسس نعومة بشرتها بلمسات جعلت جسدها ينتفض بقوة بين يديه حين شعرت بأنامله تضغط على خصرها بعنف محبب. أخذ نفسًا عميقًا يملأ رئتيه بعبق رائحتها، وعينيه تجول على وجهها يتفرس ملامحها، حتى توقف بنظره على شفتيها، ابتلع لعابه بصعوبة مكملًا: "حرماني منكِ ليه يا عشج القلب والروح."

قالها وهو يسحب الغطاء بعيدًا عن عنقها حتى ظهرت مقدمة صدرها أمام عينيه التي تتأجج بها رغبته فيها. أطلقت آهة خافتة حين ضمها له بقوة أكبر ويده تتحرك ببطء على خصرها صعودًا إلى صدرها، فأسرعت هي بالقبض على كفه وهمست بنبرة مرتجفة متوسلة: "عبد الجبار علشان خاطري كفاية." "عبد الجبار!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...