تحميل رواية جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك pdf
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"سلسبيل" كانت هادئة و هي تستمع لحديث "بخيتة" السام، و كلماتها المُهينه لها، تنعتها بالخادمة بل والأدهي أنها تريدها زوجة لابنها الأخر المُسمي ب "عبد الجبار"!!! يا الله لقد كان شقيقه يدعي "عبد الرحيم" يعاملها بمُنتهي القسوة، طريقته كانت تصفها بالعذاب مما دفعها تقدم على الأنتحار مرات عديدة خسرت خلالهم حملها مرتين قبل معرفتها حتي بوجوده ،كان لا يتحدث بلسانه مطلقًا معاها، الكثير من الصفعات تتلقاها منه على وجهها طيلة اليوم بسبب و بدون سبب فماذا سيفعل بها شقيقه؟؟.. تبطأت دقات قلبها و شعرت بالفزع، و الر...
رواية جبر السلسبيل الفصل الأول 1 - بقلم نسمة مالك
"سلسبيل" كانت هادئة و هي تستمع لحديث "بخيتة" السام، و كلماتها المُهينه لها، تنعتها بالخادمة بل والأدهي أنها تريدها زوجة لابنها الأخر المُسمي ب "عبد الجبار"!!!
يا الله لقد كان شقيقه يدعي "عبد الرحيم" يعاملها بمُنتهي القسوة، طريقته كانت تصفها بالعذاب مما دفعها تقدم على الأنتحار مرات عديدة خسرت خلالهم حملها مرتين قبل معرفتها حتي بوجوده ،كان لا يتحدث بلسانه مطلقًا معاها، الكثير من الصفعات تتلقاها منه على وجهها طيلة اليوم بسبب و بدون سبب فماذا سيفعل بها شقيقه؟؟..
تبطأت دقات قلبها و شعرت بالفزع، و الرعب يدب بأوصلها جعل جسدها تنخفض درجة حرارته حتي جُمدت أطرافها و أصبحت كالثلج رغم تلك النيران التي تتآجج بصدرها خاصةً بعدما استمعت لجملة أدمت قلبها، و جعلت عبراتها تنهمر علي وجنتيها الشاحبة دون بكاء حين قالت "بخيتة" بسخرية..
"بالك انتي لو خرچتي من أهنه أبوكي هيهملك لحالك تدوري على حل شعرك و تدلي على البندر عند أهل أمك إياك!! .. أخرتك مرات أبوكي هترميكي في الزريبة مع المواشي، و أول ما والدي طلب يدك وافجو عليه طوالي"..
أطبقت عينيها على الفور حين ضربتها ذكريات مؤلمة، تذكرت معاملة زوجة أبيها لها كلما تركت منزل زوجها غاضبه، كانت تجعل والدها يلقنها ضربًا مبرحًا حتي تفقد الوعي بين يدية، لتستيقظ تجد نفسها نائمة داخل الحظيرة أسفل أقدام البهائم، و من ثم تعود مجبرة غير مخيرة لتنجو بحياتها من ضرب والدها المبرح، فصفعات زوجها، و كلمات والدته السامة أرحم بكثير من ضربات سوط والدها الذي يمزق لحمها ..
ارتجف جسدها بقوة حين ربتت "بخيتة" على كتفها أفاقتها من دوامة ذكراها المريرة مردفة بتعقل لا يخلو من صرامتها..
"لو فكرتي في حديتي زين يا مرات والدي هتلاقي چوازك من والدي "عبد الچبار" و جعادك حدايا أهنه رحمة ليكِ"..
مّر الوقت و هي واقفة محلها كالصنم تمامًا بلا حراك، تتابعها "بخيتة" بنظرات جامدة كعادتها،حديثها أصابها بمقتل، تبخرت جميع أحلامها إلى سراب..
رأت نفسها وحيدة لا ظهر لها و لا سند حتي في وجود والدها الذي كان السبب بزيجتها هذه و هي لم تتم عامها الخمسة عشر حتي، و الآن سيزوجها مرة أخرى دون مشورتها ..
...................................... لا حول ولا قوة الا بالله🌼........
توقفت سيارة من الطراز الحديث بعد رحلة سفر استمرت لساعات طويلة من القاهرة إلى الصعيد، أسرع السائق بمغارة مقعده ليفتح الباب ل "عبد الجبار" الذي وصل للتو، كان يجلس بجانب السائق بينما زوجته "خضرا" تجلس بالخلف بجوار ابنتيها "فاطمة، حياة"..
"حمد لله السلامة يا "عبد الچبار" بيه.. نورت الصعيد يا كبير"..
أردف بها السائق بترحاب شديد..
"أنت هتتچوز على أماي يا أبوي؟"..
نطقت بها "فاطمة" ابنته الكبري صاحبة العشر سنوات، جعلته يمد يده و يغلق باب السيارة الذي فتحه له السائق..
شهقت" خضرا" بخفوتٍ، و أسرعت بوضع كف يديها على فم ابنتها مرددة بغضب..
" اجفلي خشمك يابت"..
تمالك "عبد الجبار" أعصابه معبئًا نفسًا عميقًا إلى رئتيه
قبل أن يلتف لهم ،تحدث بهدوء لا يخفي غضبه المشحون من زوجته و هو يتنقل بنظر بين ابنتيه قائلاً..
" صوح يا فاطمة.. أنا هتچوز الليلة".. نظر لزوجته نظرة جعلت قلبها يرتعد بخوف بين ضلوعها مكملاً بأسف ..
"الفضل يرچع لأمك وچدتك اللي مسلمتش من زنهم على دماغي واصل"..
"ربنا يتمم لك بخير يا أخوي، و يرزقك من سلسبيل خيتي بالولد اللي يبجي في ضهرك و سند أخواته البنات"..
قالتها" خضرا" بابتسامة دافئة تخفي بها حزنها الذي يفطر قلبها العاشق له،فهي لن تستطيع الإنجاب تانيةً بعدما تعرضت لنزيف شديد بعد ولادة ابنتها الصغري انقذوها منه الأطباء بشق الأنفس..
زفر" عبد الجبار" بضيق، و اصطك على أسنانه بقوة كاد أن يهشمهم، و هو يطلع لزوجته بأعين يتطاير منها الشرر، و من ثم رفع كفه وضعه على مؤخرة رأسها جذبها عليه مغمغمًا بهمس داخل أذنها..
"أنتي خبرة زين أن الچوازة دي هتكون حبر على ورج وبس، و إني مريدش الواد طالما مش منك أنتي يا خضرة، و كفاياكي حديت ماسخ جدام البنات عاد"..
حديثه هذا أثلج قلبها، و جعل الراحة تغزو قسماتها، فمالت على كتفه لثمته بعمق..
"منحرمش منك و لا من حنيتك عليا واصل يا أخوي"..
أردفت بها بخجل بصوتها الحنون الدافئ، ليهديها
"عبد الجبار" ابتسامته نادرة الظهور، و فتح باب السيارة و هبط منها ليظهر ضخامة حجمه، و طوله الفارهه، و قد زادته جلبابه الصعيدي طول و هيبه تليق بملامحه الصارمة، و اضاف لمظهره وقار و حضور طاغي..
فتح باب السيارة الخلفي لعائلته الصغيرة بنفسه، و سار أمامهم بخطوات واثقة نحو منزل والدته..
....................................... سبحان الله العظيم 🌼..
"بخيتة"..
فرت راكضة تحتمي خلف إحدي الارائك المحطمة، و هي تردد بصراخ مذعور..
"يا مري.. أنتي اتچننتي يا بت البندرية"..
كانت "سلسبيل" بحالة من الانهيار التام بعدما وصل غضبها لذروته بسبب حديث "بخيتة" الجارح، بدأت تحطم كل ما تقع يديها عليه، و تصرخ بجنون مرددة..
"أنا ما صدقت خلصت من قرفك أنتي و ابنك.. تقومي تطلبي أيدي من أبويا للعملاق ابنك اللي أكبر مني بخمستاشر سنه لييييييه يا وليه يا بنت المفترية"..
"بخيتة" بصدمة.. "وه وه وه بتشتميني كمان يا بت المركوب"..
"انا مش هشتمك بس.. لا دا أنا هعملك عاهة مستديمة و ادخل فيكي سجن الحكومه هيبقي أرحم من أبويا و من سجنك أنتي و ابنك"..
قالتها "سلسبيل" بصراخ و هي تجذب يد خشبية من إحدي المقاعد بعدما قامت بتحطيمها، و ركضت بها نحو "بخيتة" و همت بضربها بالعصا على رأسها بكل قوتها، و لكن يد قوية قبضت على معصم يدها فجأة، و صوت يصيح بحدة،و هو يتطلع فيها مدهوشًا ..
" أنتي يومك أسود.. دي حياتك كلها هتبجي سودة"..
قالها "عبد الجبار" بغضب عارم، و تقابلت عينيه بعينيها للمرة الأولى ثم قال بصوتٍ أجش..
"أمي عندها حج أنتي صحيح حرمة جليلة الرباية، و أني هعلمك الأدب على يدي
رواية جبر السلسبيل الفصل الثاني 2 - بقلم نسمة مالك
أيقنت "سلسبيل" أنها ستلقي حتفها اليوم لا محالة، بعدما شعرت بألم مبرح بسبب قبضة "عبد الجبار" على معصمها حتي وصل لسمعها صوت تكسير عظامها من قوة ضغطه على يدها الصغيرة جدًا بين قبضته الفولاذية..
استرخت عضلات جسدها المتشنجة أثر غضبها العارم، و انقطعت أنفاسها وهي ترفع رأسها ببطء
كانت مضطرة أن تتطلع لأعلى حتى تصل لوجهه، فقد كان طويل القامة و ضخمًا بصورة مخيفة،
أرتعد بدنها من نظرته التي تصعقها، و صوته الغليظ الجاف جعل الدماء تنسحب من عروقها حتي بهتت ملامحها من شدة خوفها،
الخوف كان دومًا رفيقًا لها طيلة حياتها، أما في تلك اللحظة، و هي واقفة أمامه مباشرةً شعرت بخوف جديد عليها كليًا، خائفة من هيبته، ضخامة بنيته التي تفوقها أضعاف مضاعفة جعلتها كعصفور مبتل وقع بين أنياب فك مفترس سيلتهمها حية بعظامها، لكنها استجمعت شتات نفسها، و رسمت قوة زائفة على محياها المرتعدة..
"أنا مش قليلة الرباية.. أنا طول عمري محترمة و شايلة أمك و أخوك رغم معاملتهم ليه اللي مترضيش ربنا"..
همست بها "سلسبيل" بصوت تحشرج بالبكاء، ارتجفت شفتيها بل ارتعش جسدها بأكمله و أطلقت آهة خافتة و هي تحاول جذب يدها من بين كفه الضخم مكملة بضعف..
"أنا شربت المُر في بيتكم و عرفت معنى الذل، و لما قولت أخيراً هترحم من العذاب اللي أنا فيه القي أمك تقولي إنك طلبت أيدي من أبويا علشان أبقى خدامة ليها!!!"..
ساد صمتٍ آخر، بقى"عبد الجبار" خلاله يرمقها بنظراته الثاقبة.. إلى أن قال مادًا عنقه للأمام قليلًا يحذرها و يرهبها في آنٍ واحد..
"جولك ده ميعطكيش الحج تتهچمي على ست كبيرة في مجام والدتك!!"..
"مش جولتلك على عمايلها السودة.. شوفتها بعينيك بتشندل أمك شنديل.. أضرُبها على خشمها يا "عبد الچبار"
غمغمت بها "بخيتة" ببكاء مصطنع، و هي تهجم على "سلسبيل" فجأة و تصفعها بقوة على وجهها دون سابق إنظار مكملة بقسوة..
"اتفرعنت من قلة ضرب المركوب بنت الفرطوس"..
لم تتفاجئ "سلسبيل" بضرب "بخيتة" لها بل كانت أخذه وضع الأستعداد،رفعت ذراعها الأخر بحركة دفاعية تحمي به وجهها أمام أعين "عبد الجبار" المنذهلة من رد فعلها، و ملامح وجهها الجامدة التي تجاهد بصعوبة حتي لا تبكي،
كانت نظرتها ذائغة و هي تتنقل بعينيها بينه و بين والدته و قد ظنت أنه سيهجم عليها و يلقنها علقة ساخنة كما كان يفعل معاها شقيقة حتي يطفئ غضب والدته، و بعدما ينتهي من ضربها يحملها على كتفه، و يسير بها نحو غرفتهما و ينهال عليها بنوع أخر من العقاب المميت لروحها، و أنوثتها،
شحبت ملامحها كشحوب الموتي، بدأت ترتجف بشكل ملحوظ، و تصطك على أسنانها بقوة،
هنا خفف قبضة يده حول معصمها، و جذبها برفق أصبحت واقفة خلفه ظهره،كم كانت ضئيلة للغاية بالنسبة له حتي أنه اخفاها تمامًا عن والدته التي ثارت بجنون و بدأت تدفعه بشراسة حتي تتمكن من الوصول لتلك الصغيرة المختبئة خلف ظهره..
" كفياكِ عاد يا أمه"..قالها و هو يسيطر على حركتها الهستيرية بأحتضانه لها مقبلًا جبهتها قبلة مطولة..
"همليها لحالها خليها تغور من أهنة.. أني معيزهاش بعد اللي حُصل"..
تراقص قلب "سلسبيل" فرحًا و ظهرت شبه إبتسامة على قسماتها حين استمعت لجملته هذه، و لكن تلاشت ابتسامتها حتي اختفت و حل مكانها الفزع حين تحدثت "بخيتة" وفهمت هي مخزي حديثها هذا..
"صُح حديتك يا والدي..خليها ترجع لأبوها و مرته"..
نطقت بها "بخيتة" بخبث فهي تعلم جيدًا أن والدها سوف يعود إليها بها مكبلة اليدين و القدمين بعدما ينتهي من ضربها كعادته، ابتسمت بصطناع و هي تمد يدها و تدفعها بكتفها دفعة سقطت على أثرها أرضًا..
"غوري من أهنة.. جبر يلم العفش"..
أسرعت" خضرا" التي كانت تقف بعيدًا عنهم تتابع ما يحدث بنظرات حزينة على ما تفعله حماتها بتلك الصغيرة، هرولت نحوها و مالت عليها تأخذ بيدها لتساعدها على النهوض مرددة بنبرة حانية..
"جومي يا خيتي"..
تحملت "سلسبيل" على نفسها، و وقفت ثانيةً بمساعدة "خضرا"، تنفست الصعداء و هي تسير بخطي غير متوازنة نحو الخارج، و قد حسمت قرارها أنها ستفر هاربة من البلد بأكملها، و تبحث عن عائلة والدتها بمحافظة المنصورة، كادت أن تصل لباب المنزل إلا أن صوت بخيتة أوقفها مكانها بأمر ..
"أستنى أهنة"..نظرت لابنها و تابعت..
"سلمها بيدك لأبوها يا عبد الچبار لتُهرب على البندر زي ما عملت جبل سابق و تچبلنا وچع الدماغ"..
تهاوي جسد "سلسبيل"بعدما أغلقت بوجهها كل طرق النجاة، و شعرت أن أقدامها لم تعد تحملها و هي تتخيل ما سيفعله بها والدها و زوجته، ، سقطت أرضًا على ركبتيها و بدأت تبكي بصوت أشبه بالصراخ مرددة..
"حرام عليكي.. أنتي بتعملي فيا كل ده ليه.. أنا عملتلك اييييه.. منك لله.. حسب الله ونعمة الوكيل فيكي أنتي وابنك"..
جن جنون "بخيتة" و همت بالهجوم عليها لولا يد "عبد الجبار" التي تمنعها..
"عملنا فيكي أية علشان تدعي عليا أنا و ابني اللي بجي بين ايدين اللي خلقه يا وكلة ناسك"..
بينما"خضرا" تجلس جوارها، تربت على ظهرها بحنان بالغ، و انفجرت باكية من شدة تأثرها حين رأت" سلسبيل" تنظر لزوجها نظرة متوسلة و تهمس بصعوبة من بين شهقاتها..
"متودنيش لأبويا هيرميني في الزريبة و يقلعني هدومي ويضربني بالكرباك و أمك عارفة كده كويس"..
جحظت أعين "عبد الجبار" على أخرها، و شلته الصدمة عندما زحفت "سلسبيل" راكضة حتي وصلت أسفل قدميه و تمسكت بكلتا يديها بثيابه، و رفعت رأسها تنظر له بعينيها التي تذرف عبراتها بغزارة مكملة بجملة أعتصرت قلبة على حين غرة..
"أدفني مع أمي حية بس متودنيش لأبويا أبوس رجلك
رواية جبر السلسبيل الفصل الثالث 3 - بقلم نسمة مالك
انقضى النهار سريعًا، وأسدل الليل ستائره السوداء. كانت سلسبيل عادت مجددًا لغرفتها التي تبغضها، وتشعر بالاختناق فور دخولها.
عادت لها بعدما توسلت لعبد الجبار حتى لا تعود لوالدها، والآن هي في انتظار قراره الذي تأخر لساعات طويلة، وهي حبيسة دون طعام أو شراب. انتهزت بخيتة انشغال ابنها بالحديث مع الغفر، ودفعتها بعنف وأغلقت عليها الباب بالمفتاح مثل العادة.
تركتها وحيدة تدور حول نفسها كالمهرة الحبيسة، كم تتمنى لو تتاح لها الفرصة وتستطيع الهروب من هذا المنزل، بل من البلد بأكملها، حينها لن تعود مطلقًا مهما حدث.
"يارب ساعدني أنا مليش غيرك."
ترددها بقلب ملتاع بلا توقف، كان التعب ظاهرًا على ملامحها المجهدة، خاصة معصم يدها التي كانت بين قبضته، بدأ الألم يزداد ويتدافع بها، جعل العبرات تغزو عينيها، لكنها كعادتها تكبح دموعها، تعلمت تتأقلم مع آلامها.
بالرغم من كل ما تمر به، إلا أن الابتسامة وجدت طريقًا نحو شفتيها حين تذكرت أن ذلك العملاق أبى أن يمد يده عليها، بل أدهشها دفاعه عنها عندما أخفاها خلف ظهره، وقتها تمنت لو تظل هكذا طيلة عمرها، تحتمي برجل يكن لها بعد الأهل أهل.
أطلقت زفرة نزقة من صدرها، حتمًا سيزول كل هذا الألم يومًا، تثق في قدرة الله، وتنتظر العوض الجميل بعد الصبر الطويل.
لم تجد أمامها سوى النوم، السبيل الوحيد الذي يفصلها عن واقعها المرير ولو قليلًا، جذبت إحدى الأغطية وقامت بوضعها على الأرض وارتمت عليه رغم وجود سرير، إلا أنه يذكرها بما عانته مع زوجها السابق، منذ رحيله وهي لا تقربه.
احتضنت جسدها بيدها بوضع الجنين، وأغلقت عينيها غارقة في نوم متعب لا يخلو من كوابيسها المفزعة.
عبد الجبار.
بعدما تناول الغداء الذي أعدته سلسبيل بيدها قبل حضوره، دلف برفقة زوجته داخل غرفتهما التي قامت سلسبيل أيضًا بتنظيفها لهما بنفسها بأمر من بخيتة.
"البنت وجعت جلبي جوي يا أخوي. أقف جنبها يا عبد الجبار دي ولية وأحنا حدانا ولاية."
أردفت بها خضرا بصوتها الحنون، وهي تساعده على ارتداء جلبابه.
مد عبد الجبار يده وأخذ عباءته من على كتفها، وضعها حول كتفيه مغمغمًا:
"إني شيعت لأبوها مع الغفير يجيني أهنة، هتحدد معاه لول وأنهى موال الجواز، وبعد أكده ياخد بنته في يده."
شهقت خضرا وضربت على صدرها بكف يدها وهي تقول:
"يا مري يا عبد الجبار، هترجعها لأبوها اللي بيضربها بالكرباج؟!"
نفخ بضيق، ورمقها بنظرة غاضبة مردفًا:
"خضرا وبعدهالك عاد، قعدتها أهنة مالهاش عازة. أني ما هتجوزش عليكي، تبقي ترجع بيت أهلها مع أبوها اللي عمره ما هيضر بنته."
لمح لمعة عينيها تدل على فرحتها التي غمرت قلبها، وإضاءة وجهها ذو الملامح الرقيقة، واللون الخمري.
"بس أمه بخيتة هتزعل منك يا أخوي، هي ريداك تتجوزها."
"مالكيش صالح بأم عبد الجبار، أني هتحدد معاها هي كمان."
غمغم بها وهو يقترب منها ويتوق خصرها بذراعيه، ومال عليها قاصدًا وجنتيها لثمها بقبلة عميقة مكملًا:
"مافيش حُرمة تملي عيني غيرك يا خضرا."
"إلهي يخليك ليا ولا يحرمنيش منك واصل."
همست بها باستحياء وهي تندس بين حنايا صدره غالقة عينيها تنعم بالراحة لبرهة، ولكن قلبها يملؤه الخوف، والقلق من رد فعل حماتها بعد معرفتها بقرار زوجها.
كل هذا الحديث استمعت له بخيتة الواقفة أمام غرفتهم، واضعة أذنها على الباب تستمع بتركيز لكل حرف يقال.
"سحراله، ساحرة لوالدي يا خضرا يا بنت نفيسة، وإني هجوزه عليكي وأفك سحرك يا وش الشوم."
"يارب يا ساتر، يا أهل الله يلي أهنة."
كان هذا صوت محمد القناوي والد سلسبيل الذي وصل للتو ودلف لداخل المنزل برفقة أحد الغفر عبر الباب الذي يكن دومًا مفتوحًا.
هرولت بخيتة بخطوات مسرعة تجاه مصدر الصوت، وقد التمعت برأسها إحدى أفكارها الخبيثة، وعزمت على تنفيذها.
"يا مرحب يا قناوي."
قالتها بخيتة بصوتها الصارم، بعدما دلفت بهيبتها مستندة على عصاها الخشبية، فهي تمتلك قامة طويلة وجسد ممتلئ بعض الشيء، لتستطرد دون أن تمنحه فرصة للرد:
"والدي جابك انهارده علشان تاخد بنتك في يدك من أهنة، خلاص جوازة بنتك من ابني الكبير مبقاش ليها عازة عندنا."
نظر لها بصدمة وهو يقول مستفسرًا:
"إيه اللي حصل بس يا حاجة، عملت إيه بنت المركوب زعلك مننا أكده، قوليلي وأنا أقطعلك من لحمها، وأخليها تحب على يدك ويد عبد الجبار بيه كمان."
شعرت بخيتة بانتصار وقد نالت مرادها، فازدادت من إشعال نيران غضبه تجاه ابنته حين قالت:
"بنتك ناقصة رباية، وغلطت في حقي غلط كبير تستاهل عليه قطع رقبتها يا قناوي."
برزت عروق قناوي بخطورة، وقد وصل غضبه لذروته، وتحدث بهدوء ما قبل العاصفة:
"هعيد تربيتها من أول وجديد وأرجعلك بيها تحب على رجلك قبل إيديكي يا ست الناس."
"لو أكده ممكن أرضى عنها، ورضا والدي من رضايا. وقتها أني هقنعه يتم جوازه من بنتك."
أردفت بها وهي تشير له تجاه غرفة ابنته، وتابعت بأمر:
"هم جوام خدها ومشي قبل ما والدي ينزل. لو اتحدد معاك دلوجيت يبقى مافيش رجعة في حديثه، حقي يرجع لول بعدها تتحدد وياه."
"اللي تؤمري بيه يا حاجة."
قالها قناوي وهو يسير نحو غرفة ابنته وقام بفتح الباب عبر المفتاح الموضوع به، دلف للداخل بخطوات غاضبة، ودون سابق إنذار كان مال على تلك النائمة تصارع إحدى كوابيسها التي لم تخلو من تعذيبه لها، وقبض على عنقها، وبدأ يكيل لها لكمات متتالية دون رحمة.
هكذا أيقظها جاحظة العينين وقد تحقق أبشع كوابيسها برؤيتها له الآن.
"الرحمة يا أبوي، هموت في يدك."
همست بها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بسبب ضغط يده على عنقها.
"اكتمي يا واكلة ناسك."
نطق بها وهو ينتصب واقفًا ساحبًا إياها معه، وسار بها للخارج وهي تبكي بحرقة وتدور بعينيها تبحث عن هذا الظهر الذي أخفاها خلفه من قبل، حتى استمعت لصوت حمحمته تقترب، كادت أن تصرخ باسمه إلا أن كف والدها كمم فمها بعنف، وهمس بأذنها بتهديد جاد:
"أكتمي لشق قلبك دلوجيت يا هاملة."
رمقته بنظرة تخبره بها أن قلبها مملوء بطعناته القاتلة، توقفت عن مقاومته وقد استسلمت لقدرها، وسارت معه بخطوات مهرولة حافية القدمين وكم تمنت أن تلقى حتفها على يده هذه المرة.
"هو قناوي كان أهنة يا أمه؟"
قالها عبد الجبار بتساؤل، لتجيبه بخيتة بإيماءة من رأسها وهي تقول:
"خد بنته وتو ماشي."
اعتلت الدهشة ملامحه وتحدث بغضب قائلًا:
"وه كيف ياخدها، ويمشي لحاله أكده؟!"
بخيتة: "أباي عليك يا عبد الجبار مش أبوها يا والدي، هو راجل غريب، وأنت قولت ما ريدهاش يبقى تغور من أهنة."
رسمت الحزن على ملامحها الماكرة مكملة:
"فرقاها صعبان عليا ولا أكنها بهيمة من بهايمي بعد كل عمايلها المقندلة معايا."
ارتفع حاجبان عبد الجبار بتعجب مرددًا:
"بهيمة إيه بس يا أمه؟!"
بخيتة بعبوس:
"أيوه قولت هتبقى مننا وأني عرفتها وهي كمان عرفت طبعي وعوايد الدوار حدانا بدل ما تتجوز واحدة ما نعرفهاش وتبقى غريبة عليا. قصروا ما نعلمش النصيب مخبي إيه يا والدي، ولو على العرايس في ياما تنقي اللي تعجبك."
"أني مش هتجوز على خضرا يا أمه وده آخر القول."
قالها عبد الجبار بنفاذ صبر جعلها تصطك على أسنانها بغيظ شديد، وكادت أن تصاب بشلل حين تابع بصوته الصارم:
"وأرملة أخوي ليها حق عندنا في ورث جوزها أني هقدره وأشيعه لحد عندها."
أنهى جملته وسار من أمامها مغادرًا المنزل بأكمله، لا يعلم لما يشعر أنه خذل تلك السلسبيل، يتساءل بداخله لو كان حديثها صحيح عن عذاب والدها لها فلما سارت معه دون أن تستغيث به؟
كان الوقت فجرًا، لحظات ظلام الليل الأخيرة، الجميع نيام، والهدوء سيد الموقف.
استيقظت خضرا على صوت أنين زوجها، مدت يدها لمفتاح الإضاءة الخافتة بجوارها ضغطت عليه، واعتدلت جالسة تنظر تجاهه مردفة بلهفة:
"عبد الجبار اصحى يا أخوي."
"لااااااااا ابعد عنها!"
صرخ بها فجأة وهو يهب من مرقده مذعورًا.
"بسم الله الحفيظ، ده باينه كابوس واعر جوي."
أردفت بها خضرا وهي تسكب له كأسة مياه، وتساعده على تناولها، ويدها تربت على ظهره مرددة بسرها بعض الآيات القرآنية.
كان عبد الجبار ملامحه جامدة، ينظر للفراغ بشرود، فاق من شروده حين همست خضرا قائلة بابتسامة باهتة:
"شوفت سلسبيل مش أكده."
تطلع لها مدهوشًا وهم بالرد عليها إلا أنه استمع لصوت طرقات عنيفة متتالية على باب المنزل جعلته يغادر الفراش مهرولًا.
"مين هيجينا دلوجيت؟"
قالتها بخيتة التي قابلته فور خروجه من غرفته، رغم معرفتها الإجابة:
"مخبيرش يا أمه."
قالها عبد الجبار وهو يتخطاها ويندفع تجاه الباب، وفتحه مسرعًا ليصعق من هول ما رأى.
كان يقف قناوي أمامه بفخر، وكأنه حقق أكبر إنجازاته.
"أني مرضيتش أستنى لشروق الشمس، وقولت أجيب بتي تحب على رجل الحاجة الكبيرة."
بينما سلسبيل ملقاة أرضًا بحالة يرثى لها، تنزف الدماء من جميع جسدها، مكبلة يديها بقدميها بسوط غليظ، هيئتها كانت كما رآها في حلمه تمامًا.
رواية جبر السلسبيل الفصل الرابع 4 - بقلم نسمة مالك
صرخات متتالية لا تنقطع، توسلات حارة تابعها ندم شديد لا ولن يجدي نفعًا على الإطلاق مع هذا الثائر، الغاضب حد الجنون.
كاد غضبه أن يحرق الأخضر واليابس، ممسكًا بيده السوط الغارق بدماء تلك "سلسبيل" يعاقب به معذبها على فعلته الحمقاء بحق ابنته.
رغم أنه لم يعد يصدق أن هذا المجرم يكن والدها بعد ما فعله بها، كلما تذكر هيئتها الدامية وهو يقوم بفك قيدها بنفسه ليتمكن من حملها بين يديه، كان جسدها ممزق حرفيًا من قوة وعنف ضربات الكرباج على جلدها الرقيق.
آهاتها الخافتة التي تقطع نياط القلوب، وتبكي الحجر.
والأدهى من هذا همسها الضعيف باسمه الذي وصل لقلبه قبل أذنه.
حالتها كانت ومازالت صعبة للغاية، لها أكثر من أسبوع فاقدة الوعي تمامًا، تفيق للحظات معدودة، وتغرق ثانيةً بإغماء أشبه بالغيبوبة.
تحيا على المحاليل الطبية فقط، وبين الوعي واللاوعي تردد دائمًا حروف اسمه.
أطبق عينيه التي تتأجج منها نيران الغضب حين شعر أنه مدان لخاطرها بألف اعتذار، لكن ماذا عساه أن يفعل لها؟
هو رجل مكتفٍ بزوجته الخلوقة، يكن لها مقدار كبير من الحب والاحترام ولن يكون سبب جرح قلبها مهما حدث.
بينما هناك في مكان ما بقاع قلبه جمرات صغيرة تزدهر سريعًا، ويزداد لهيبها، لهيب يسمى العشق.
"أعطيني بتي يا عبد الجبار بيه وهملنا لحالنا."
قالها "قناوي" بأنفاس متهدجة، وصوت مبحوح أثر صرخاته المتواصلة.
"دلوقتي افتكرت أنها بتك يا عديم الرجولة."
أردف بها وهو يقترب منه حتى توقف أمامه مباشرة ليظهر فرق الطول الشاسع بينهما.
انكمش "قناوي" بخوف من هيبته، وضخامة جسده القوي، وذراعيه المعضلة.
"أنت هتغور لوحدك من هنا، ملكش بنات عندنا، ولو عُدت مرة تانية هطخك بالنار، وأنت خابر زين حديد عبد الجبار المنياوي."
أردف بها بصوت جوهري حاد، وهو يقبض على عنقه بكف يده كاد أن يزهق روحه.
جاهد "قناوي" وتحدث بصعوبة بصوت مرتجف متقطع:
"يا بيه أهمل بتي ليك كيف وأنت قلت مريدش جوازك منها. أكده الناس تاكل وشي، وأبقى مسخرة وسط الخلق."
دفعه "عبد الجبار" بعنف، وأخذ يفكر في حديثه للحظات.
ثم أجابه بتعقل، ونبرة لا تحمل الجدال:
"بتك ليها حق في ورث جوزها اللي هو أخوي الله يرحمه، وهتقعد في حقها معززة مكرمة، محدش يقدر يمسها بكلمة واحدة طول ما هي في حمايتي."
جحظت أعين "قناوي" بذهول مرددًا:
"أفهم من أكده إن سعادتك هتعطي بتي حقها في أرض جوزها وماله، والدوار، وشغله اللي في مصر وياك كمان!!!"
"وه كنت فاكرني هاكل حق الولاية ولا إيه يا واكل ناسك أنت."
غمغم بها وهو يجذبه من ياقة جلابيبه، وسحبه خلفه.
دفعه لخارج أسطبل الخيل الذي كان يحتجزه داخله.
دفعة أطاحت به أرضًا مكملاً بأمر:
"غور من قدامي.. ما يعزش أشوف خلقتك مرة تانية هنا."
"الله يعمر بيتك يا عبد الجبار بيه.. يا أصيل يا ولد الأصول.. يلي هتقعد بتي في ورثها."
ظل يرددها "قناوي" بصوت مرتفع، وفرحة غامرة ظاهرة على وجهه الملطخ بالدماء بسبب الضرب المبرح الذي تعرض له.
يريد أن يستمع لحديثه كل أهل البلد ليكون هذا مبرره بترك ابنته بمنزل أهل زوجها المتوفي.
بينما ظل "عبد الجبار" يقف مكانه يتابعه بشرود، وقد أدرك خطورة الوضع الذي أصبح فيه.
فوجودها هنا بمثابة سكب الزيت فوق الجمرات المشتعلة بقاع قلبه.
"سلسبيل".. كلما استعادت وعيها تجد "خضرا" تجلس بجوارها، تربت على شعرها تارة، تبكي على حالها تارة، تقرأ لها بعض الآيات القرآنية تارة أخرى.
ظلت ترعاها بنفسها بكل طيب خاطر تحت نظرات "بخيتة" المغتاظة، وكلماتها المسمومة التي تلقيها على سمعها.
لكنها لم تتركها بمفردها بإذن من زوجها.
أظهرت معدنها الأصيل، ورونق قلبها الصافي، عاملتها كما لو كانت بنت من بناتها.
وأخيرًا بدأت تستعيد عافيتها، ورمشت بأهدابها الكثيفة قبل أن تفتح عينيها الذابلة.
تنظر حولها بنظرات مرتعدة، تسارعت نبضات قلبها، تلاحقت أنفاسها وقد ظنت لوهلة أنها مازالت بمنزل والدها.
تنفست الصعداء حين لمحت "خضرا" تجلس بجوارها على الفراش مستندة برأسها على يدها، وقد غلبها النعاس.
"أبلة خضرا.."
همست بها "سلسبيل" بصوتها الضعيف، لكنه وصل لسمع تلك الحنونة، فنتفضت مسرعة تتفحصها بلهفة وهي تقول بفرحة:
"أنتي فوقتي يا خيتي."
أرغمت "سلسبيل" نفسها على الابتسامة لها، ورسمت قوة زائفة على ملامحها الحزينة، وحاولت تعتدل جالسة.
لتسرع "خضرا" وتساعدها برفق، وتضع لها الوسائد خلف ظهرها بوضع أكثر راحة مدمدمة:
"أيوه أكده شدي حيلك وفوقي يا خيتي، وإني هجيبلك أحلى وكل من عمايل يدي يرم جتتك."
جاهدت "سلسبيل" حتى تتحكم بعبراتها التي تغزو عينيها وهي تقول بامتنان:
"متتعبيش نفسك أكتر من كده يا أبلة خضرا.. كفاية كل ما أفتح عيني بلاقيكي جنبي."
صمتت لبرهة تلتقط أنفاسها، وتابعت بتنهيدة متعبة:
"أنتي أول واحدة تعاملني بحنية كده بعد أمي الله يرحمها مع إنك المفروض تكرهيني عشان كنت هبقى دورتك."
هنا بكت "خضرا" وضمتها لصدرها بحنان بالغ، يدها ترتب خصلات شعرها الحريرية المشعثة:
"جلبي عليكي يا بتي.. لساتك أصغيرة على المرار والغلب ده كله."
أستكانت "سلسبيل" بحضنها، عينيها تذرف العبرات دون بكاء، وابتسامة باهته تزين شفتيها المزمومة، وقد تذكرت حضن والدتها التي حرمت منه إلى الأبد منذ سنوات، ومن حينها لم يحنو عليها مخلوق بعدها.
"أنا مش عايزة آخد منك جوزك يا أبلة خضرا والله.. وفي نفس الوقت مش عايزة أرجع لأبويا، ومش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين."
قالتها "سلسبيل" بصوتها المجهد، وابتلعت ريقها وتابعت بجملة جعلت شهقات "خضرا" تزداد:
"أنا كنت بتمنى أموت في إيد أبويا المرة دي.. كنت هروح عند ربنا وأرتاح من عذابي ده."
"بعيد الشر عليكي يا خيتي.. متقوليش أكده مرة تانية."
قالتها "خضرا" وهي تربت على صدرها بكف يدها، وتابعت بنبرة مطمئنة:
"متشليش هم واصل.. إني اتحدتت مع عبد الجبار وقال لي إنك هتقعدي حدانا في حقك."
"حقي!!!"
غمغمت بها وهي تبتعد عن حضنها، وتنظر لها بعدم فهم.
فتابعت "خضرا" بابتسامة وهي تزيل عبراتها:
"أنتي ليكي حق في ورث جوزك الله يرحمه.. وعبد الجبار قال لي أقولك لو ليكي غرض تنزلي معانا مصر تقعدي حدانا في ورث جوزك يا مرحب بيكي.. ولو رايدة تاخدي حقك مال هو هيقدره ويدفعلك حقك وزيادة كمان."
تهللت أسارير "سلسبيل" عندما علمت أنهم سيأخذونها معهم إلى مصر، هذا كل ما تريده، لا تريد الورث، ولا المال.. تريد حريتها فقط حتى تستطيع البحث عن عائلة والدتها.
"بجد يا أبلة خضرا هتاخدوني معاكم مصر؟!"
فرحت "خضرا" لفرحتها، واحتضنت وجهها بين كفيها مردفة:
"إحنا كنا ناوين نقعد يومين أهنه ونعاود عشان مشاغل أبو فاطمة ياما.. وقعدنا كل الوقت ده لخاطرك يا ست البنات.. قولنا نستنى نطمن عليكي وتبقي زينة ونعاود طوالي."
تحاملت "سلسبيل" على نفسها وغادرت الفراش بخطى مترنحة وهي تقول بفرحة غامرة:
"أنا بقيت زينة أهو يا أبلة خضرا.. خدوني معاكم وخلونا نمشي من هنا قبل ما أبويا يجي ياخدني تاني الله يخليكي."
اقتربت منها "خضرا" بخطوات مهرولة، وساندتها قبل أن تسقط أرضًا بسبب عدم اتزان جسدها الهزيل:
"على مهلك عاد يا بتي.. خليني أوكلك لقمة تقويكي لول، وبعد أكده هتحددي مع عبد الجبار وأقوله إنك بقيتي زينة."
حديثهم هذا بأكمله استمعت له "بخيتة" الواقفة على باب الغرفة تتجسس كعادتها الحمقاء.
تصك على أسنانها بغيظ، وقد ازدادت غضبها منهما أضعاف مضاعفة.
"فاكرة نفسها ست الدار خضرا بنت نفيسة وبتتحدد على هواها.. الله في سماه لطين عيشتك يا خضرا وما هيرتاح ليا بال إلا وإني مجوزة ولدي عليكي."
انتفضت راكضة حين استمعت لصوت حمحمة "عبد الجبار" يعلن بها وصوله، وسارت متجهة نحوه بخطوات غاضبة وهي تقول:
"معقول الحديث اللي جاني ده يا عبد الجبار.. أنت صح هتاخد اللي ما تتسمي سلسبيل معاك على مصر؟!"
أجابها "عبد الجبار" بهدوء أغضبها أكثر:
"أيوه يا أمه.. وأنتي كمان هتيجي معانا.. أنا مههملكش لحالك أهنه بعد أكده واصل."
"بخيتة" بغضب، وصوت عال وصل لسمع "سلسبيل" جعل قلبها يسقط أرضًا من شدة خوفها:
"تيجي معانا بصفتها إيه العقربة دي.. لا هي مراتك، ولا أنت رايد تعقد عليها.. تبقي تسافر معانا ليه يا ولدي.. ارميها لأبوها وغورها من هنا ملناش صالح بيها عاد."
نظر لها "عبد الجبار" قليلاً نظرة جامدة، بينما "سلسبيل" تنتظر رده عليها بنفاذ صبر، وأنفاس متهدجة، وقد بدأ جسدها يرتجف بقوة بعدما انسحبت الدماء من عروقها تاركة وجهها شاحب من شدة فزعها.
"أنتي خابرة زين إني لو رجعتها لأبوها هيقتلها من قسوته عليها."
"ما يقتلها وإحنا إيه خاصنا بيهم."
قالتها "بخيتة" بجحود جعلت "عبد الجبار" يحرك رأسه بيأس من طباعها مردفًا بأسف:
"طول عمري بقول عليكي قوية يا أمه.. بس قوتك المرة دي بقت جبروت."
سار من أمامها متجها نحو زوجته التي خرجت للتو من غرفة "سلسبيل"، تاركة بابها موارب قليلاً، وتابع بصرامة قائلاً:
"نهاية القول أرملة أخوي في حمايتي من انهارده يا أمه من غير ما أتچوزها.. لأني متچوزش ست الحريم كلياتهم.. وسلسبيل هترجع معانا على مصر وقت ما تقوم على حيلها وتبقي زينة."
أنهى جملته واقترب من "خضرا" الواقفة تنتظره بابتسامة هائمة تزين ملامحها الطيبة التي أضاءتها الفرحة بحديث زوجها.
لف يده حول كتفيها وسار بها تجاه غرفتهما المقابلة لغرفة ابنتيهما التي أصبحت تمكث بها "سلسبيل" مؤخرًا.
فتح الباب ودلف بها للداخل، وهو يميل عليها يحاوط خصرها بكلتا يديه ضمها له بعناق محموم ظهرها مقابل صدره غالقًا الباب خلفهما بقدمه.
كانت "سلسبيل" تتابعهما بأعين منذهلة، لم تر بعمرها الذي لم يتعد العشرون عام رجل يحتضن زوجته، رغم أنها كانت زوجة لخمسة أعوام لكنها لم تجرب هذا العناق خلالهم ولا مرة.
اعتلت ملامحها ابتسامة خجولة حين رن بأذنها اسمها بصوته الذي لمس شيء بداخلها شديد الحساسية، فاغمضت عينيها ببطء وهي تهمس باسمه هذه المرة وهي بكامل وعيها ببوادر إعجاب:
"عبد الجبار."
رواية جبر السلسبيل الفصل الخامس 5 - بقلم نسمة مالك
أشرقت شمس نهار يوم جديد، استيقظ الجميع منذ بكرة الصباح يجمعون أغراضهم استعدادًا للسفر برفقة "عبد الجبار" إلى مصر.
بينما "سلسبيل" لم تأخذ شيئًا معها مطلقًا، حتى إنها قامت بخلع ثيابها البيتية بأكملها، وألقتهم بالقمامة، وارتدت عباية سوداء كبيرة للغاية على جسدها الصغير وحجاب من نفس اللون أخذتهم من "خضرا".
لا تريد أخذ شيء من هذا المنزل يذكرها بما عانته، وقد حسمت قرارها فور خروجها منه لن تعود إليه مرة أخرى، بل لن تعود إلى البلد ثانيةً.
كان قلبها يرفرف بفرحة غامرة بين ضلوعها، كالطير الحبيس لسنوات داخل غرفة مظلمة، وأخيرًا رأت شعاع نور الحرية عندما صعدت برفقتهم سيارة "عبد الجبار" المجهزة لسفر المسافات الطويلة.
لسوء حظها جلست بجوارها "بخيتة"، بينما جلست "خضرا" خلفهما بجانب ابنتيها، وجلس "عبد الجبار" كعادته بجانب السائق، يتابعهم عبر المرآة بأعين كعيون الصقر.
لم تبالي "سلسبيل" لنظرات "بخيتة" الحارقة وكلماتها السامة التي تلقيها على أذنها من حين لآخر، حتى وصل بها الأمر أن تلكمها بعنف بكوعها مرات متتالية ببطنها من شدة غيظها منها.
ولكن بنفس الوقت كانت سعيدة بقدومها معهم، وبداخلها تنوي أن تزوجها لابنها رغمًا عن أنف "خضرا".
كانت "سلسبيل" مستندة برأسها على نافذة السيارة التي تحركت بهم للتو، نظرت للطريق بشرود تتذكر عندما أخذها والدها من عائلة والدتها بعد وفاتها وهي لم تتم عامها السابع بعد، وأتى بها إلى زوجته التي أذاقتها معه كل أنواع العذاب، وكانت وراء زيجتها السيئة وهي طفلة بعمر الرابعة عشر.
وبالرغم لكل ما حدث لها على يد والدها، إلا أنها تريد أن تودعه قبل أن تغادر البلد.
أطلقت زفرة نزقة من صدرها، ونظرت تجاه "عبد الجبار" وتنحنحت بحرج وهي تقول:
"لو سمحت يا أبو فاطمة!!"
زمجرت "بخيتة" بشراسة، ولكمتها بكوعها بقوة مرددة:
"كك خابط اسمه سيدك عبد الچبار"
"وبعدهالك عاد يا أمه.. مش أكده أمال"
قالها "عبد الجبار" وهو ينظر لهما من فوق كتفه، وتابع موجهًا حديثه لـ "سلسبيل" التي ترقرق بعينيها العبرات:
"كملي حديتك"
ابتلعت لعابها بصعوبة، وقد ظهر الخوف على ملامحها الحزينة، وهمست بصوت مرتجف:
"عايزة أسلم على أبوي قبل ما نطلع من البلد"
"أصيلة يا خيتي"
نطقت بها "خضرا" وهي تمد يدها وتربت على كتفها بحنو، لتشهق "بخيتة" بقوة وترمقها بنظرة حادة مدمدمة:
"اممم أصيلة.. دي كهينة و مية من تحت تبن يا عبد الچبار أسألني أني"
ساد الصمت لدقائق قطعه عبد الجبار بصوته الصارم قائلاً:
"قناوي بيكون فى غيطه دلوجيت مش أكده؟"
حركت "سلسبيل" رأسها له بالإيجاب سريعًا رغم أنه لم يكن ينظر لها.
لمحها في المرآة وقد رسمت ابتسامة باهتة على محياها المرتعدة، وعينيها تنظر له بامتنان وانبهار بشخصيته القوية.
"فوت على أرض قناوي فى طرقنا يا حسان"
"حسان" بطاعة:
"أمرك يا كَبير"
مرت دقائق قليلة وتوقفت السيارة على جانب الطريق الخارجي المؤدي للأراضي الزراعية.
"سلمي عليه و ترچعي طوالي.. متعوجيش"
قالها "عبد الجبار" دون أن ينظر لها.
"حاضر.. أنا مش هتأخر والله.. بس متسبونيش و تمشوا ونبي"
أردفت بها "سلسبيل" بصوت تحشرج بالبكاء، وهي تتنقل بنظرها بين "خضرا" وزوجها.
"خضرا" بابتسامة حنونة:
"اطمني يا بتي هترچعي تلاقينا مستنيك أهنة"
فتحت "سلسبيل" الباب بيد مرتعشة، وخرجت من السيارة على مضض، وهي تستجديهم بنظرتها المذعورة أن لا يتركوها.
نظرتها هذه جعلت "عبد الجبار" ينفخ بضيق، وتحدث بنفاذ صبر قائلاً:
"روح معاها يا حسان و عاود بيها، و أوعاك قناوي يمسها بسوء.. هو خابر زين أنها في حمايتي"
انصاع "حسان" لحديثه على الفور، وغادر السيارة، وسار برفقة "سلسبيل" التي تخطو بخطي غير ثابتة بسبب ارتجاف بدنها الملحوظ أثر خوفها.
ساروا مسافة ليست بقليلة حتى رأت والدها ممسكًا بالفأس ومنشغلًا بعمله في الزراعة.
أخذت نفسًا عميقًا تملأ رئتيها بالهواء بعدما شعرت بأنفاسها تتلاشى، ونبضات قلبها تتباطأ.
"أبوي"
قالتها وهي تقترب منه بحذر، وتفرك يديها ببعضهما بتوتر.
توقف "قناوي" عما يفعله عندما وصل صوتها لأذنه، استدار ينظر تجاه مصدر الصوت بوجهه مكفهرًا اشتعل بالغضب فور رؤيتها برفقة الغفير الخاص بـ "عبد الجبار"، وقد ظن أنها أخطأت بحقهم فأرسلها له مرة أخرى.
"هببتي أيه تاني يا بت المركوب"
نطق بها وهو يهجم عليها دون سابق إنذار، وأمسكها من حجابها وبدأ يكيل لها الصفعات مرددًا:
"غلطتي في الحاچة المرادي و لا في البيه الكبير نفسه.. انطقي لأدفنك مكانك"
هرول تجاهه "حسان" وحاول دفعه عنها وهو يقول بذهول:
"وه وه وه أيه اللي بتهاببه ده يا راچل يا مخبول أنت.. بعد عنِها دي في حماية عبد الچبار بيه"
كان "قناوي" قابضًا على شعرها من فوق الحجاب بقبضة من حديد جعلت "حسان" يفشل في إبعاده عنها، ويده الأخرى تهبط على وجنتيها الناعمة بصفعات أدمت شفتيها وأنفها.
ومع كل هذا كانت "سلسبيل" لا تبكي، ولا حتى تدافع عن نفسها، تركته يصب جم غضبه عليها كعادته.
ركض "حسان" عائدًا تجاه سيارة رب عمله، وهو يصرخ بصوت جوهري:
"ألحق يا عبد الچبار بيه.. قناوي هيموت بته في يده"
"يا مُري.. الحقها يا أخوي من يد الراچل المفتري دهأحب على يدك"
صرخت بها "خضرا" وهي تضرب على صدرها حين وصل سمعها صرخات "حسان" المستغيثة من بعيد.
صك "عبد الجبار" على أسنانه بقوة كاد أن يهشمه، وغادر السيارة بثبات وهدوء رغم الضجيج الثائر بداخله، رفع عباءته على كتفه وسار بخطوات واسعة، وملامح غاضبة لا تبشر بالخير أبدًا.
"بعد يدك عنِها!!!"
قالها بصوت جوهري قبل أن يصل لهما، ولكن لم ينتبه له "قناوي" بعد، مما دفع هذا الغاضب لمد يده داخل جيب جلبابه، وأشهر سلاحه المرخص، وأطلق عيارًا بالهواء يصم الأذان.
انتفض "قناوي" قفزًا بمكانه حين رأى "عبد الجبار" يقترب عليه مهرولاً، كان القلق واضحًا عليه لمرأى تعابير وجهه الغضوب، وتحول القلق إلى خوف حين وجده يستعد للهجوم عليه فدفع ابنته من يده بعنف أسقطها على الأرض الغارقة بمياه الري.
هنا صرخت "سلسبيل" عندما انحصرت العباية وكشفت عن ساقيها أمام أعين "عبد الجبار" الذي لجمته الصدمة وتقطعت نياط قلبه حين لمح آثار حروق متناثرة بطول قدميها منهم القديم، ومنهم الحديث، وأيضًا أصبح مذهولاً لعدم ارتدائها شيئًا أسفل ملابسها، لكنه انتبه حين أسرعت هي بستر نفسها أن هذه العباية تكن لزوجته، وأدرك حينها بعقله الواعي أنها بالتأكيد تركت جميع ثيابها عن قصد.
حينها قام بخلع عباءته من حول كتفيه، وألقاها عليها بغمضة عين كساها بها.
"يا مُرحب يا كبير"
قالها "قناوي" وهو يبتعد عنه للخلف بخوف ظاهر على ملامحه القاسية مكملاً:
"خير يا كبير عملت أيه تاني بت الفرطوس!!"
قطع حديثه حين قبض "عبد الجبار" على عنقه بعنف، وتحدث بغضب عارم قائلاً:
"أنت صنفك اييييه يا ابن ال *** علشان تعمل في بتك اللي من لحمك ودمك أكده!!!!!"
أنتهى جملته وسدد له ضربة عنيفة بجبهته جعلت "قناوي" يصرخ متألمًا.
"أبوي"
صرخت بها "سلسبيل" وهي تنهض من مكانها بصعوبة، وهرولت تجاه "عبد الجبار" تمسكت بذراعه بكلتا يديها تحاول إبعاده عن "قناوي" وهي تقول بتوسل:
"خلاص يا سي عبد الجبار سيبه الله يخليك"
لم تتزحزح يد "عبد الجبار" عنه، وظل قابضًا على عنقه، ومن ثم مال على وجهه ونظر بعينيه وهو يقول بصوت أجش:
"بتك چاية لحد عندِك تسلم عليك قبل ما تسافر بعد كل عمايلك المقندلة فيها.. تقوم تُضربها تاني حتي بعد ما قولتلك أنها بقت في حمايتي!!!!"
فور انتهاء حديثه سدد له ضربة أقوى جعلت أنفه تنفجر منها الدماء.
"أبوس أيدك سيبه يا عبد الجبار"
همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، وهي تقف على أطراف أصابعها وتمسك كف يده الضخمة بيدها الصغيرة، وتبعد أصابعه عن عنق والدها حتى خلصته من بين قبضته الفولاذية.
"يله مشي قدامي من أهنة قبل ما أرتكب چناية انهاردة"
قالها "عبد الجبار" وهو يلقي عباءته على كتفه مرة ثانية بعدما سقطت من "سلسبيل" فلقطها "حسان".
أعطاها له.
أنصاعت "سلسبيل" لحديثه على الفور وسارت أمامه بخطوات متعبه، وعينيها تطلع لوالدها بنظرات وداع، فهي على يقين أنها لن تعود له ثانيةً مهما حدث.
"مع السلامة يا أبوي"
قالتها بغصة يملؤها الأسى، وكم تمنت أن تستمع منه ولو كلمة واحدة تطيب خاطرها بها إلا أنه خيب ظنها به كالعادة حين قال بنبرة محذرة:
"إياكِ يوصلني شكوة واحدة منِك.. يوصلني خبرك و لا يقولولي كلمة بتك قليلة الترباية دي مرة تانية يا سلسبيل.. فاهمة يا واكلة ناسك"
"أتمنى يا أبوي.. أتمنى يجيلك خبري ساعتها أنا اللي هرتاح"
غمغمت بها وهي تسير بجوار "عبد الجبار" الذي أطبق عينيه بقوة بعد جملتها هذه الذي اعتصرت قلبه.
"جبر يلم العفش"
قالها "عبد الجبار" وهو يلقي نظرة اشمئزاز أخيرة على "قناوي".
بينما "سلسبيل" شهقت بصوت خافت حين شعرت بيد "عبد الجبار" تضع حولها عباءته، ويتحدث بصوته الصلب بنبرة أمره:
"متقلعهاش واصل"
أمسكت طرفيها تضمهم عليها بيدها بصمت، فعباءتها كانت ملطخة بالوحل والمياه التي جعلتها لاصقة بجسدها.
ظلت خافضة رأسها لم تستطع النظر له من شدة خجلها، حتى وصلوا للسيارة مرة أخرى وهمت هي بالصعود لكنه أوقفها حين قال:
"فاطمة هاتي خيتك و اقعدي چار چدتك"
عملت من جملته هذه أنه كان يرى ما تفعله والدته بها منذ صعودهم السيارة.
ضيقت "بخيتة" عينيها ورمقته بنظرة مغتاظة، بينما تراقص قلب "سلسبيل" بفرحة غامرة من اهتمامه هذا الجديد عليها كليًا، والأكثر من عبق رائحته التي تملأ عباءته، حاوطتها وداعبت حواسها.
"تعالي يا خيتي جلبي عليكي"
قالتها "خضرا" وهي تفتح ذراعيها لها.
ارتمت "سلسبيل" داخل حضنها عالقة عينيها بتعب، فهي والنوم على وفاق حينما يأتي توقيت الهرب.
لأول مرة منذ سنوات طويلة تغرق بنوم آمن بعدما انطلقت بهم السيارة أخيرًا مغادرة البلد.
مرت ساعات ظلت "سلسبيل" نائمة خلالهم تصارع كوابيسها الدائمة التي جعلتها تصرخ بفزع فجأة أكثر من مرة، حتى شعرت بيد حنونة تربت على وجنتيها الظاهر عليهما آثار صفعات والدها.
"أصحى يا حبيبتي"
رمشت بأهدابها أكثر من مرة، ونظرت حولها لم تجد سوى "خضرا"، والسيارة فارغة، بينما "عبد الجبار" يقف خارج السيارة ينتظر خروجهما.
"إحنا وصلنا مصر يا أبلة خضرا!!!"
ابتسمت لها "خضرا" مغمغمة:
"أيوه الحمد على السلامة.. نورتي مصر يا ست البنته"
"الله يسلمك يارب"
نطقت بها "سلسبيل" بسعادة بالغة وهي تستند عليها وتغادر السيارة بخطي مترنحة قليلاً أثر انفعالاتها المتضاربة.
"ما تهمي يا حُرمة منك ليها علشان تچهزولنا الوكل"
كان هذا صوت "بخيتة" الغاضب الواقفة بالشرفة التي تطل على حديقة المنزل الواسعة.
"همليهم يرتاحوا لول، و الوكل چاي في الطريق يا أمة.. متشليش هم واصل"
قالها "عبد الجبار" وهو يتجه لسيارة أخرى كانت مغطاة بحديقة المنزل، ويقوم برفع الغطاء من عليها، واستقل مقعد السائق مكملاً:
"هوّصل للشركة اطمن على الشغل"
"متتأخرش علينا يا أخوي.. هنستناك على الوكل"
أردفت بها "خضرا" بنبرة راجية، وهي تتنقل بنظرها بينه وبين والدته التي ترمقهم بنظرات ثاقبة.
"متقلقيش هعاود طوالي"
قالها وهو يتحرك بالسيارة لخارج المنزل.
هنا ابتسمت "بخيتة" ابتسامة خبيثة، وتحدثت بأمر قائلة:
"خضرا شهلي و نضفي البيت الا التراب ياما.. حركي جتتك اللي شايلة لحم دي"
صمتت لوهلة وتابعت بجحود قائلة:
"عارفة تتخني و تشيلي لحم زي البهيمة اللي بنعلفوها للضحية، و منتيش عارفة تشيلي حته عيل يشيل أسم ولدي"
جملة أصابت "خضرا" بمقتل، جعلتها تسمرت محلها تحدق فيها بأعين تحجرت بها العبرات، وقد شعرت أن الدنيا تدور من حولها، وسقطت فجأة مرتطمة بالأرض الصلبة مغشيًا عليها.
"أبلة خضراااااا"
رواية جبر السلسبيل الفصل السادس 6 - بقلم نسمة مالك
تطاير الغبار عقب انطلاق سيارة "عبد الجبار" عاكسًا غضبه عليها، بعدما هاتفته ابنته الكبري لتخبره ببكاء أن والدتها فقدت وعيها ولم يستطع أحد إفاقتها. كان قد وصل للتو لمقر شركته، وقبل أن يخطو لمكتبه الزجاجي الفخم، أتاه هذا الاتصال الذي أسقط قلبه أرضًا، فهرول عائدًا لسيارته وقاد بها بأقصى سرعة.
نجا من حادث سير بأعجوبة بعدما تمكن من السيطرة على المقود، وأخيرًا صف السيارة أمام باب منزله وقفز منها حين لمح "سلسبيل" جاثية على ركبتيها بجوار "خضرا" الملقاة أرضًا تحاول إفاقتها.
"خضراااا" قالها وهو يقطع المسافة الفاصلة بينهما راكضًا، ومال على زوجته يتفحصها بلهفة مرددًا بفزع:
"أيه اللي حصل!!!"
زمجر بشراسة مكملاً وهو يتنقل بنظره بين "سلسبيل" و"بخيتة" التي هبطت الدرج وتقترب عليهم مستندة على عصاها الخشبية:
"مالها مرتي يا أمه"
"مخبرش يا ولدي.. هي وقعت لحالها أكده" نطقت بها "بخيتة" ببراءة مصطنعة، ومن ثم تابعت بشهقة وهي تراه يستعد لحملها:
"يا مُري أنت هتلفحها كيف بچيتها المفشولة دي.. تقطم ضهرك يا ولدي"
"وبعدهلك عاد يا أمه" قالها بغضب، وهو يضع يد حول خصر زوجته، ويده الأخرى أسفل ركبتيها وحملها على ذراعيه بمنتهى الخفة، كأنها لم تزن شيئًا.
أمام نظرات "سلسبيل" المنذهلة، فتحت فمها ببلاهة عندما رأته يستقيم بها واقفًا، وسار بخطوات ثابتة لداخل المنزل. لم يضعها على أقرب أريكة كما ظنوا، بل اتجه لغرفتهما الخاصة بالطابق الثاني.
"عيني عليك يا ولدي وعلى حمولتك التقيلة" أردفت بها "بخيتة" وهي تصعد خلفهما، وخلفها "سلسبيل" التي تعض على شفتيها بغيظ منها مرددة بصوت خفيض:
"حرام عليكي يا وليه بقي.. بطلي كلامك اللي زي السم دا يا شيخة"
"شخشخت ركبك يا عفشة يا بت المركوب" قالتها وهي تلتفت لها، وترفع عكازها تنوي ضربها به كعادتها، إلا أن "سلسبيل" فرت راكضة حتى تخطتها واحتلت بـ "عبد الجبار" صارخة:
"حوشها عني ونبي يا سي عبد الجبار"
"كفياكِ يا ااااااامه" قالها وهو يضع زوجته على الفراش بتمهلٍ، وجلس بجوارها محتضن وجهها بين كفيه، يربت على وجنتيها برفق مغمغمًا:
"خضرا.. فوقي يا غالية.. أني سيبك زينة.. أيه اللي چرالك"
كانت "سلسبيل" تطلع لهما بابتسامة حالمة، معاملته لزوجته راقتها كثيرًا. أطبقت جفنيها بعنف حين داهمتها إحدى ذكرياتها البشعة برفقة زوجها القاسي الذي كان إذا رآها متعبة زاد تعبها وآلامها بقسوته، ويده التي لم تر منها سوى الصفعات.
"أمه مالها يا بوي!!" كان هذا صوت "فاطمة" ابنته التي تحتضن شقيقتها الصغرى، ويبكيان بنحيب. فقربت منهما "سلسبيل" وضمتهما لها، وبدأت تبكي هي الأخرى.
انتصب "عبد الجبار" واقفًا وأسرع نحو طاولة الزينة، أخذ زجاجة عطر من عليها، نثر منها على باطن يده بغزارة وعاد مرة أخرى بجوار زوجته وهو يقول:
"متبكيش يا فاطمة.. بطلي بُكي يا حياة.. خدي خيتك يا فاطمة وروحوا على أوضتكم، وأمكم هتفوق وهتبقي زينة دلوجيت"
انصاعت الفتاة لحديث والدها في الحال، وظلت "سلسبيل" واقفة مكانها تتابع هذا الرجل الذي لم تر في حياتها مثل رجولته من قبل.
"عبد الچبار" همست بها "خضرا" وهي تجاهد لفتح عينيها.
"أني أهنه يا غالية.. فوقي متخلعيش جلبي عليكي" قالها وهو يميل على جبهتها، ويلثمها بقبلة مطولة مكملاً:
"فتحي عيونك يا خضرا خلي الروح ترد فيا عاد"
انبلجت ابتسامة على ملامح "سلسبيل" الباكية، رغم شعور الحسرة الذي ينهش قلبها على حالها، وما مرت وما زالت تمر به. بينما "خضرا" استعادت وعيها بعدما شعرت بلهفة، ولمسات زوجها الحانية، وعبقه الذي يغمرها، وذراعيه التي تحوطها بحماية.
"عبد الچبار" قالتها هذه المرة بتقطع من بين شهقاتها بعدما انفجرت باكية ببكاء مرير وهي تتذكر كلمات "بخيتة" التي جرحت قلبها بسكين بارد.
لم يفكر "عبد الجبار" مرتين وهو يخطفها داخل صدره بعناق محموم أمام الجميع، خاصة "بخيتة" التي جحظت عيناها، ولوت فمها للجانبين أكثر من مرة مرددة بغضب:
"اتحشم في وچودي يا ولد"
"وه.. اتحشم ليه يا أمه.. أني في أوضة نومي، ودي مراتي!!!!" أردف بها ببرود، وهو يربت على ظهر زوجته صعودًا وهبوطًا.
رمقته "بخيتة" بنظرة حارقة، وغادرت الغرفة بأكملها وهي تسب وتلعن بسرها. شعرت "سلسبيل" بالحرج، فتنحنحت وهي تسير بخطي مسرعة نحو باب الغرفة، أمسكته تسحبه خلفها وهي تقول:
"احححم.. سلامتك يا أبلة خضرا"
"تسلمي من كل رضي يا خيتي" قالتها "خضرا" وهي تبتعد بخجل عن أحضان زوجها الذي أبى تركها، بل أنه جذبها عليه، ورفعها قليلاً أجلسها على قدميه، وقام بلف ذراعيها حول عنقه مستندًا بجبهته على جبهتها وهو يقول:
"قوليلي مين زعل ست الناس"
قبل أرنبة أنفها، ووجنتيها قبلات متفرقة جعلت أنفاسها تتلاحق، وتابع مستفسرًا:
"أنتي متغميش أكده إلا لو حاجة واعرة زعلتك"
كان هذا المشهد الحميمي تراه "سلسبيل" التي لم تغلق باب الغرفة بالكامل، تيبست محلها كمن فقدت الحركة تتابعهما بدهشة وعدم تصديق لما تراه، وكأنها أمام إحدى أجمل، وأروع الأفلام الرومانسية على الإطلاق.
"هزعل كيف وأنا مرتك يا عبد الچبار.. يكفيني شوفتك يا أخوي اللي بتشفي جلبي حتى لو فيه ميت شق" همست بها "خضرا" وهي تطلع لعينيه بنظرة يملؤها الحب، والعبرات معًا.
أهداها "عبد الجبار" ابتسامته النادرة قبل أن يميل عليها بوجهه ويلتقط شفتيها بين شفتيه بقبلة شغوفة وهو يميل بها على الفراش ليعالج جروحات قلبها بطريقته الخاصة.
كتمت "سلسبيل" شهقة قوية، وأغلقت الباب بمنتهى الحرص وفرت راكضة من أمام الغرفة، دلفت لداخل حمام كان بابه مفتوح، أغلقته خلفها مستندة عليه بظهرها، ووضعت يدها على قلبها لعلها تهدأ من عنف دقاته محدثة نفسها بذهول:
"معقول دا يبقي أخوك يا عبد الرحيم!!!!"
***
بعد حوالي ساعتين، جلس الجميع حول مائدة الطعام بأمر من الذي يرأسها "عبد الجبار" بعدما كانت "بخيتة" تعترض على جلوس "سلسبيل" معهم. كانت ملامحه عابسة بشدة، نظره مصوب تجاه والدته التي تأكل بشراهة غير مبالية لنظراته.
انتظر حتى فرغت من طعامها، وهمت بالقيام، إلا أنه أجلسها ثانيةً حين قال بصوت أجش:
"أمه.. يفرقلك زعلي يا أمه؟"
تطلعت له "بخيتة" بلهفة وهي تقول:
"ولا زعل حد واصل يفرقلي غيرك يا ولدي"
"يبقي متزعليش مراتي" قالها بنبرة راجية، وصمت لبرهةٍ وتابع بهدوء:
"اللي يزعل خضرا.. كأنه زعلني تمام، وأنتي خابرة زين أن زعلي واعر قوي يا أمه"
كانت "سلسبيل" تتابع حديثهم بقلب يتمزق، دون إرادتها تقارن أفعال زوجها الحمقاء معها، كان لا يشغله زعلها وقهرة قلبها من أفعال والدته، بل كان يشجعها على إهانتها، ويضربها سويًا، لم يدافع عنها ولو لمرة واحدة طيلة فترة زواجهما.
"حاضر يا ولدي.. اللي رايده هو اللي هيُحصل" نطقت بها "بخيتة" من أسفل أسنانها، وهي ترمق "خضرا" بنظرات كالسهام القاتلة.
تنهد "عبد الجبار" براحة مغمغمًا:
"و سلسبيل يا أمه؟!"
هنا تهللت أسارير تلك الحزينة بفرحة غامرة، ورفعت رأسها تنظر له بابتسامة ممتنة، لكنها تلاشت سريعًا حين ثارت "بخيتة" بصوت غاضب قائلة:
"ملكش صالح بهبابة.. لما تبجي مرتك تبجي تتحدد، وتدافع عنِها.. غير أكده ملكش صالح بيناتنا"
هب "عبد الجبار" واقفًا، وتحدث بنفاذ صبر قبل أن يسير من أمامهم:
"أني مشاغلي ياما يعني معوزش وچع دماغ، ولا فاضي لحديت الحريم الماسخ ده يا أمه"
"خليك بمشاغلك يا ولدي.. ومتشيلش هم من چهتنا واصل" أردفت بها "بخيتة" بابتسامة مصطنعة، وهي تتنقل بنظرها بين "خضرا، سلسبيل".. كانت نظرتها الخبيثة كفيلة بسحب الدماء من عروقهما.
***
مر أسبوع على وجود "سلسبيل" بمنزل "عبد الجبار" شعرت خلاله بالأمان الذي غاب عنها له سنوات، عرفت معنى الراحة والسكينة التي حرمت منها، أصبحت مقبلة على الحياة بعدما كانت تبغضها، وتتمنى الموت لعله يكون رحيم بها عن ما تعيشه من عذاب على يد والدها، وحماتها شديدة الطباع.
كانت "بخيتة" هادئة تلك الفترة حتى لا تغضب ابنها منها بعد ما فعلته بزوجته، هدوءها هذا تحفظه "سلسبيل" عن ظهر قلب، تعلم جيدًا أنها الآن كالنيران أسفل الرماد، ولن يدوم صمتها هذا طويلاً، وستعود كما كانت وأكثر.
لم يشغلها ما تنوي عليه "بخيتة" معها، كل ما يشغلها حاليًا هذا العملاق، صاحب الملامح الغاضبة دومًا، صوته الأجش، هيبته التي ترتجف منها الأبدان، عينيه الثاقبة، نبرته الحادة، ومع كل هذا يمتلك قلب طفل حنون يغمر زوجته حب صادق لم تر مثله بحياتها من قبل.
كل ثانية تلمح طيفه بها يزداد عشقها بقلبها المتيم به أضعاف مضاعفة فوق عمرها، تلجم نفسها بصعوبة بالغة عنه، عينيها التي ترمقه بنظرات هائمة بين حين وآخر، وهو حتى لم يرمقها بنظرة خاطفة، يتجاهلها عن قصد، وإن أراد أن يصل لها أي شيء يكون عن طريق زوجته "خضرا".
"قومي قامت قيامتك" هكذا استيقظت "سلسبيل" على صوت "بخيتة" التي تنغزها بعكازها بعدما سحبت من عليها الغطاء وألقته أرضًا، وتابعت بأمر:
"قومي نضفي الدوار، وجهزي الوكل قبل ما سيد الدار يقوم"
تأوهت "سلسبيل" بألم وهي تنظر تجاه النافذة فوجدت الليل مازال يخيم، ولم تشرق الشمس بعد.
"بتصحيني والشمس لسه مطلعتش حتى!!!!"
لكمتها "بخيتة" لكمة قوية مدمدمة:
"ليكي سبوع واكله.. شاربة.. نايمة.. أيه نسيتي أصلك ولا فاكرها وكل ومرعي وقلة صانعة.. قومي همي وراكِ شغل ياما"
تحاملت "سلسبيل" على نفسها، وغادرت الفراش بتكاسل، لتدفعها "بخيتة" خارج الغرفة بعكازها. شهقت "سلسبيل" حين وقعت عينيها على المنزل الذي انقلب أثاثه رأسًا على عقب، والمياه تغرق السجاد الموضوع فوق بعضه.
قامت "بخيتة" بمسك زجاجة من سائل التنظيف، وسكبتها فوق السجاد، وألقت لها فرشاة وتمتمت بجحود:
"همي اشتغلي بالقمتك"
رواية جبر السلسبيل الفصل السابع 7 - بقلم نسمة مالك
في تمام الساعة السابعة صدح صوت رنين الهاتف أزعج "عبد الجبار" الذي لم يُنعم بالنوم ولو للحظات قليلة. طيلة الليل يجلس على فراشه بجوار زوجته التي تغرق بنومٍ عميق، شارد الذهن لم يتوقف عقله عن التفكير بتلك "السلسبيل".
هو رجل تزوج زواجًا تقليديًا منذ ما يقرب الاثني عشر عامًا، كان وقتها شابًا صغيرًا ببداية العشرينات، منهمكًا بالعمل مع والده، ولا يشغله شيئًا آخر سواه، حتى تزوج "خضرا" التي كانت فتاة بعمر الزهور، صاحبة الخامسة عشر عامًا.
لكنها كانت وما زالت نعمة الزوجة الصالحة رغم صغر سنها. يعترف لها ولنفسه أن قلبه يكن لها كل حب، تقدير، واحترام. ولكن للأسف الشديد هو مثل باقي جنسه، يمكن أن يتسع قلبه لأكثر من اثنتين في وقت واحد. أما المرأة فلا ولن يمتلك قلبها إلا رجل وحيد، يكن هو الحياة بالنسبة لها.
ولهذا يمكن أن نقول صُرح للرجال بتعدد الزوجات. وبعدما استطاعت تلك الصغيرة بنظرتها الحزينة التسلل لداخله حتى لمست أوتارًا شديدة الحساسية بأعماق قلبه، كل نظرة ترمقه بها كان يراها جيدًا برغم عدم اللامبالاة التي تحتل قسماته الصارمة. فهو بارع في إخفاء مشاعره إلى حد كبير.
شروده بها وبأدق تفاصيلها جعله غير منتبه لتلك الضوضاء التي فعلتها "بخيتة" منذ بكرة الصباح. فاق من شروده على صوت هاتفه الذي صدح صوته مرارًا وتكرارًا. تأفف بضيق عندما لمح اسم المتصل، وضغط زر الفتح مغمغمًا:
"رايد إيه يا قناوي على الصبح؟!"
ضحك الآخر بسماجة وهو يجيبه قائلًا بفرحة ملأت صوته:
"كل خير يا كبير.. إني بستأذنك أجي بكرة آخد بتي وأعاود على الصعيد."
ارتجف هذا الخفاق بين ضلوعه فور سماعه جملته، وقد توقع السبب وراء فرحته هذه. لكنه تحدث بهدوء رغم الضجيج الذي بداخله:
"في حاجة حصلت ولا إيه؟"
"أيوه.. سلسبيل متقدم ليها أبو شاهين بيه، وأني وافقت، وهاجي آخدها لأجل ما تجهز لكتب كتابها."
هكذا أجابه بمنتهى البساطة غير عابئ لذلك الغاضب الذي أوشك على الانفجار فيه وسبه بأفظع الألفاظ. كور قبضة يده بقوة، وكم تمنى لو يكون أمامه الآن لكان لقنه درسًا قاسيًا لن ينساه بحياته.
ولكن عوضًا عن ذلك رسم ابتسامة زائفة على محياه الغاضبة مدمدمًا:
"اممم.. أبو شاهين اللي أكبر منك رايد يتجوز بتك، وأنت اللي وافقت عليه! وماله يا قناوي.. إني مستنيك بكرة إن شاء المولى."
قالها وأغلق الهاتف بوجهه دون انتظار رد منه. اصطك على أسنانه بغيظ محدثًا نفسه بصوت خفيض:
"شكل موتك هيكون على يدي يا قناوي يا وش الخراب أنت."
"إني سمعت صح.. أبو شاهين تاجر السلاح اللي في بلدنا طلب يد سلسبيل يا عبد الجبار؟!"
أردفت بها "خضرا" بذهول وهي ترمش بأهدابها، واعتدلت جالسة بجواره.
"أيوه يا خضرا.. سمعتي صح."
قالها ببرود يُحسد عليه، وغادر الفراش متجهًا نحو الخزانة جلب منها ثيابًا له، وتابع بهدوء أدهش زوجته:
"أكده مبقاش ليها قعاد هنا."
شهقت "خضرا" بخفوت وضربت على صدرها بكف يدها متمتمة:
"هتكرشها من بيتك بعد ما قولت إنها بقت في حمايتك؟!"
"جري إيه يا خضرا.. لساكِ غريبة عن رجلك ولا إيه.. من مِتي وعبد الجبار المنياوي يدير ظهره لمخلوق طلب حمايته."
هدر بها بصوت هادئ لكنه لم يخفِ غضبه المشحون.
هرولت "خضرا" تجاهه حتى اقتربت منه ووقفت أمامه مباشرةً، ومالت على صدره قبلته بحب متمتمة بنبرة راجية:
"حقك عليا يا خوي.. مقصدتش أظن فيك ظن عفش والله.. إني قصدي استفهم منك."
أخذ "عبد الجبار" نفسًا عميقًا زفره على مهلٍ وهو يقول:
"هفهمك قصدي يا أم فاطمة.. مش قولتلك إني وصلت لعنوان أهل أمها؟"
"صح يا خوي قولتلي.. بس إني مجبتش سيرة لسلسبيل واصل لتظن إني بقولها أكده عشان ما تمشي من عندنا.. قولت أسيبها لما تسألني لحالها مرة تانية."
أردفت بها بطيبة تشع من عينيها. تطلع "عبد الجبار" لها مدهوشًا، امرأة غيرها كانت لم تسمح لمكوث غريمتها ليلة واحدة بمنزلها، لكن حبها له والذي يفوق حبه لأضعاف جعلها تفضله هو على نفسها.
لتبهره هي بطيبتها أكثر حين تابعت بصوت تحشرج بالبكاء قائلة:
"البنتة وجعة قلبي عليها قوي.. لساتها عود أخضر على الغلب ده كله."
صمتت لبرهةٍ وأكملت بنبرة مرتجفة:
"إني خابرة زين إن ربنا مريدش لي الخلفة مرة تانية.. وبقولك بنفس راضية اعقد على سلسبيل يا عبد الجبار وربنا يرزقك منها بالولد اللي بيتمناه جلبك يا خوي."
حاوطها "عبد الجبار" بذراعه مقربًا له، ومال على جبهتها لثمها بقبلة مطولة وهو يقول:
"قولتها كلمة ومش هعيدها يا خضرا.. إني مش هتجوز عليكي.. أنتي متستاهليش مني أكده أبدًا يا غالية."
"خضرا" بابتسامة دافئة رغم عينيها التي ترقرقت بها العبرات:
"يجبر خاطرك ربنا، ولا يحرمنيش منك يا سيد الرجالة كلياتهم."
" هتسبح إني على ما تجهزي الفطور."
قالها، وهو يدلف لداخل حمام الغرفة، وتابع قبل أن يغلق الباب:
"خبريها إن أبوها جاي بكرة من البلد.. لو سألتك عن سبب مجيته قوليلها مخبراش.. إني هخبرها ولو لقيتها رافضة الروحة معاه وقتها هعطيها حقها في ورث أخوي وهوصلها لأهل أمها تفضل عندهم."
"خضرا" بأسف:
"ولو إنها هتقطع بيا.. بس أكده أفضل ليها من أبوها القاسي اللي رايد يچوزها لتاجر سلاح أكبر من جدها."
أغلق "عبد الجبار" الباب، وبدأ يدور حول نفسه كالأسد الحبيس، يشعر بنيران تلتهم قلبه وروحه كلما تخيل أنها من الممكن أن تكون زوجة لرجل غيره، هذا هو العشق تخشى عليه عندما تشعر أنه سيذهب بعدما عثرت عليه أخيرًا. تتمنى أن يظل نوره مشرقًا وأنت برضا تغرب. فما العشق إلا سرًا متى اعترفنا به يُعذب.
خلع ملابسه بعنف كاد أن يمزقها، وهمس باسمها بصوته الحارق ذات الحنين المتأوه:
"سلسبيل!!"
"بخيتة" تلك القاسية، عديمة الرحمة والإنسانية تجلس على مقعد بمنتصف المنزل مستندة بكلتا يديها على عصاها الخشبية تتابع "سلسبيل" التي تلتقط أنفاسها المتهدجة بصعوبة بالغة أثر المجهود الشاق التي تقوم به. تناثرت حبيبات العرق على وجهها الشاحب، وقد أغرقت المياه ثيابها بأكملها. بدأ التعب يتمكن من جسدها الهزيل، حتى أصبحت تترنح بوضوح رغم أنها لم تكن واقفة بل جاثية أرضًا فوق السجاد المبتل.
"يا مري عليكي يا خيتي."
قالتها "خضرا" التي رأتها وهي تهبط الدرج، فشهدت بقوة وأسرعت بخطواتها نحو "سلسبيل"، مالت عليها تجذبها برفق مكملة:
"ليه يابتي تتعبي حالك أكده."
قطعتها "بخيتة" بخفوت قاسٍ:
"همليها.. ملكيش صالح بيها يا خضرا."
رمقت "سلسبيل" نظرة محذرة وتابعت بأمر:
"خفي يدك شوي وكفياكِ مرقعة.. لساتك هتجهزي الوكل."
قالتها "بخيتة" بحدة وهي تضربها بالعصا بعنف على آخر ظهرها، ضربة قوية تحملتها "سلسبيل" كعادتها، ولم تبدأ أي رد فعل، بل ظلت جاثية تتابع ما تفعله بصمت وهدوء مريب.
"إيه اللي بيحصل ده؟!"
كان هذا صوت "عبد الجبار" الذي صُدم من هول المنظر، وقطع المسافة بينه وبينهم في عدة خطوات حتى توقف بهيبته، وطوله الفاره أمام تلك الجاثية التي رفعت رأسها ونظرت له بلهفة فشلت في إخفائها تستجديه كعادتها أن يجبر تلك الكسور التي هشمت ضلوعها.
"ارمِ المحروق اللي في يدك ده وجومي يا سلسبيل."
قالها بنبرة صارمة لا تحمل الجدال، ومن ثم نظر لـ "بخيتة" وتابع بصوت أجش:
"من مِتي وإحنا بنبهدل بنات الناس عندنا أكده يا أمه؟!"
ضحكت "بخيتة" ضحكة ساخرة وتحدثت بجحود قائلة:
"بنات ناس؟!"
رفعت عكازها، وهمت بضربها به للمرة التي لا تعلم عددها، لكن يد "عبد الجبار" كانت أسرع، وبعده عن "سلسبيل" التي تستمع لحديثها بملامح جامدة:
"وهي دي بت ناس.. اللي أبوها جابها لحدنا متربطة يد في رجل زي الكلب الجرب تبقي بت ناس؟!"
كلماتها كانت مؤلمة أكثر من ضربات العصا، نحرت قلبها كالخنجر المسموم على حين غرة، فلم تعد تتحمل أكثر من هذا، صرخت بألم حاد وهي تلقي الفرشاة من يدها بغضب، وتطلعت لها وقد فاض بها الكيل، فتوهجت الجمرتان بعينيها ودون وعي منها انفجرت بنوبة صراخ مقهور مرددة:
"بتعملي فيا كده ليييه.. عملت فيكي اييييه.. أنتي اييييييييييييه مبتخفيش ربنا.. حرام عليكي... حرررررررررام عليكي.. يارب أموت وأرتاح منك.. ربنا ياخدني ويريحني منك."
صرخاتها كانت مفزعة، تقطع نياط القلوب، فأسرعت "خضرا" بضمها لصدرها لكنها لم تستطع السيطرة على حركاتها الهستيرية، خاصةً حين بدأت ترتجف بشكل ظاهر، تحول إلى انتفاضات أشبه بالذعر سريعًا ما ارتمت أرضًا وأصبحت تتشنج وتنهش جسدها بأظافرها تاركة عليه جروحات ليست بهينة.
هنا هرول عليها "عبد الجبار"، وبلمح البصر كان حملها بمنتهى الخفة من خصرها أجلسها ثانيةً وجثى خلفها على ركبتيه، وحاصرها بين ذراعيه، ظهرها مقابل صدره، يد تمسك يديها بإحكام، ويده الأخرى ضاغطة على قدميها ببعض القوة حتى شلت حركاتها تمامًا. ارتخى جسدها بين يديه، وسقطت رأسها على صدره تبكي وتئن بضعف أدمى قلبه عليها جعله دون إرادته يزيد من ضمها ولصقها به بشدة حتى اختفت بين ضلوعه، وها قد دق ناقوس الخطر.
رواية جبر السلسبيل الفصل الثامن 8 - بقلم نسمة مالك
رواية جبر السلسبيل الفصل الثامن بقلم نسمة مالك
رواية جبر السلسبيل الفصل الثامن
حابة أقولكم حاجة قبل ما تقروا الحلقة، كل كومنت أو ايموشن بتتفاعلوا بيه أنا بقراه حتي لو مش بقدر أرد عليكم كلكم،،شكراً جداً يا حبايبي على كومنتاتكم الجميله و ريفيوهاتكم اللي بتلمس قلبي و بتحمسني انزلكم الحلقة يوميًا..
اسيبكم مع البارت..
الإعتراف بكسر قلب في هذا الزمان قوة لا يستهان بها.. بالعادة نجد المبررات الكافية لنتبرأ من تلك الحواف الحادة للذنب، خاصةً إذا صادفنا من بستطاعته جبر هذا القلب، و إنقاذه من الغرق بشتات العالم..
تجمّدت "سلسبيل " بين يديه الضخمة التي تحتويها بحماية و أمان لم تشعر به طيلة حياتها، رغم أنه كان ضغطًا على جسدها الصغير بقوة زادت من ألم عظامها التي لم تشفي بعد من أثار الضرب المبرح الذي تعرضت له على يد والدها،
بَدت هادئة بالنسبة لهم عندما رؤها ساكنة بين ذراعية بلا حراك هكذا، لكنه و للعجب لم يبتعد عنها، لم يفك قيده من حولها، ظل على وضعه هذا محتضنها داخل صدره بشدة غير عابئ لنظرات الدهشة على ملامح زوجته التي تتابعه بأعين تحجرت بها العبرات بعدما رأت لهفته عليها، لمعة عينيه و هو يتطلع لتلك المكومة داخل صدره العريض،
هنا أيقنت أنه يريد "سلسبيل" قلبًا و قالبًا، لكنه يلجم نفسه عنها لخاطرها هي، الأمر لم يظل هادئ هكذا إلا دقائق معدودة، و فجأة جحظت أعين "خضرا" على أخرهم و هي تري مدي تطور حالة "سلسبيل" حتي أصبحت يرثي لها بعدما قطعت "بخيتة" الصمت مردفة بقسوة..
"بعد عنِها يا عبد الچبار بت المحروق دي لتوسخ خلاجتك بخلجتها المطينة.. خليها تخلص تنضيف الدار و بعد أكده تغور في داهيه بلا راجعة"..
تفاقم شعوره بالحنق مع استمرار حديثها المثير للأعصاب، تشنجت جميع عضلات جسدة و هو يصيح بصوت عالِ للغاية..
"كفااااايكِ يا أمه!!!!"..
" ليكي حق تعملي فيا أكتر من كده.. ما أنا مليش ضهر و لا سند يجبلي حقي منك"..
همست بها" سلسبيل " و هي تجاهد لألتقاط أنفاسها المتلاحقة، كسر قلبها كان ألمه لا يحتمل هذه المرة، جعل نبضاتها تتباطئ، عيناها تشخصان، أزرقت شفتيها،انخفضت درجة حرارة جسدها حتي أصبحت باردة كقطعة الثلج، بينما جسد ذلك العملاق متوهج بنيران بركان قوي أنفجر للتو من داخل قلبه..
" يا مري الحق يا عبد الچبار.. دي بينها قطعت النفس"..
صرخت بها "خضرا" و هي تري شحوب "سلسبيل" الذي يزيد و يتدافع،رغم أنها لم تفقد وعيها، إلا أن وضعها ساء لدرجة صدمتهم جميعًا معادا تلك القاسية، و قد ظنو أنها تحتضر..
"لو تهملني عليها يا ولدي.. أنزل علي نفوخها بعكازي أفوقها بيه وقتها هتقوم زي القرد تتنطط تنطيط"..
قالتها" بخيتة " وهي ترفع عصاها، و همت بإنزاله على رأس "سلسبيل" إلا أن يد "عبد الجبار" قبضت عليه و جذبه منها لكمه بعنف في الأرض الصلبة حتي هشمه، و من ثم حمل "سلسبيل " بين يديه، واضعًا يد حول خصرها، و الأخرى أسفل ركبتيها، و أنتصب واقفًا بها..
مرت لحظات من الصمت.. إلى أن قال بتجهم بث فيها الكثير من الريبة.. "عبد الجبار المنياوي مهيسمحش لمخلوق يهين حد بداره !! "..
أوقفته "خضرا" عن إكمال حديثه، قائلة بشجاعة..
"و خصوصًا اللي هتبجي مَراته!!!!"..
ساد الصمت ثانيةً، تطلع لها "عبد الجبار" بصدمة، لتهرول هي تجاهه و تمد يدها أمسكت يد "سلسبيل" التي لم تبدي أي رد فعل، تنظر للفراغ بأعين شبه مغلقة، و كأن روحها غادرت جسدها،..
ربتت عليها بحنو، و رسمت ابتسامة دافئة تخفي بها دموع عينيها مكملة..
"أني دلوقتي اللي بترچاك تتچوز" سلسبيل " يا عبدالچبار"..
في وقت الضعف نقدم تنازلات تحت تأثير العاطفة، نتخذ قرارات مصيرية بلحظة اندافع، لا نعلم ما يمكن أن يترتب على عواقبها فيما بعد..
..................................... لا حول ولا قوة الا بالله 💐......
بغرفة" سلسبيل "
تجلس" خضرا " بجوارها على الفراش، محتضنه رأسها و تبكي على حالها بنحيب بعدما رأت جسدها المشوة من عنف الضربات الدامية التي تعرضت لها،
كانت "سلسبيل" مسطحة لا حول لها ولا قوة أثناء الكشف عليها من قبل طاقم طبي أحضره "عبد الجبار" عبر الهاتف،
"جلبي عليكي يا خيتي"..
قالتها و هي تقبل جبهتها، و تمسح على شعرها برفق مكملة..
"متخفيش.. هتبجي زينة يا حبيبتي"..
"أبلة خضرا"..
همست بها "سلسبيل" بصوت مرتجف، لتجيبها "خضرا" على الفور بلهفة.. "أؤمريني يا بتي"..
ظهرت شبة ابتسامة على ملامح" سلسبيل"، و نظرت لها نظرة امتنان بعينيها الذابلة مدمدمة بهمس مُتعب..
"أنا مستحيل أتجوز جوزك و أوجع قلبك.. دا أنتي الوحيدة في الدنيا دي اللي حنيتي عليا و ختيني في حضنك.. مستحيل أقل بأصلي معاكي"..
إزداد نشيج "خضرا" و أجهشت ببكاء مرير، لتكمل "سلسبيل" ببوادر بكاء..
" أنا بشكرك من جوة قلبي على طيبتك اللي ملقتش زيها في الدنيا القاسية دي بعد موت أمي"..
أبتلعت لعابها بصعوبة و تابعت بتنهيدة، و هي تغلق عينيها هاربة من واقعها كالعادة بالنوم..
" أنا هدور على أهل أمي، و همشي من هنا في أقرب وقت"..
أمام باب الغرفة..
يسير" عبد الجبار "ذهابًا و إيابًا ينتظر خروج الأطباء من عندها بنفاذ صبر، كاد أن يفقد عقله من شدة قلقه عليها، غافلاً عن أعين بخيته التي تتابعه من بعيد بفرحة غامرة محدثة نفسها بإنتصار..
" جولت هچوزك على خضرا بت نفيسة،و صدقت في جولي يا أبن المنياوي"..
بدأت تصفق و تدندن قائلة..
"أتمشي ليه ورايا.. وإيه قصدك معايا
إن كنت عايز تخطبني .. شيّع لي أمك تخطبني
أبويا واعر يضرُبني .. لو عرف الحكاية»
يتبع الفصل التالي
رواية جبر السلسبيل الفصل التاسع 9 - بقلم نسمة مالك
صباحكم رضا ورضوان و نسائم من جنة الرحمن 💐..
انقبض قلب "عبد الجبار" حين رأي ملامح الطبيب المتأثرة فور خروجه من غرفة "سلسبيل" برفقة الطاقم الطبي الخاص به، يبدو أن حالتها تُبشر بخطر قادم، يخشي حتي أن يتوقعه فأوهم نفسه أنها لربما تزيد من دلالها حتي ينتبه لها، و يكف عن التظاهر بتبلد مشاعره تجاهها..
غير مدرك أنها لا تفقه أي شيءٍ عن الغنچ، كانت القسوة تحاوطها من كل جانب أنساتها أنوثتها..
تتغلل بداخلها أمور موجعة، تراكمت بأعماق قلبها يومًا بعد يوم حتي أصبحت قاتله..
وقف أمام الطبيب بملامح صلبه، جامدة و قد تفنن في إخفاء فزعه، و ارتعاد قلبه عليها، حل الصمت للحظات قبل أن يتحدث الطبيب قائلاً بأسف..
"مخبيش عليك يا عبد الجبار بيه الهانم الصغيرة حالتها مطمنش أبدًا!!!"..
ساد الصمت ثانيةً، فقال "عبد الجبار" بنفاذ صبر..
"اتحدد طوالي يا دكتُور الله يرضى عنِك"..
"واضح أنها اتعرضت لعنف شديد لفترات طويلة أدى لشروخ في معظم ضلوعها، و جروح في جسمها كله تقريبًا، و متعلجتش بطريقة صحيحة منهم و دا مسبب لها ألم شديد جدًا حاليًا خصوصًا شرخ الضلع دا لو متعلجش صح بيكون ألمه أقوي من ألم الكسر"..
صمت لبرهةٍ يلتقط أنفاسه و من ثم تابع..
" كمان لون شفايفها أزرق، بتغيب عن الوعي رغم المحاليل اللي في ايديها، نبضات قلبها بطيئة بدرجة تقلق و دي علامة غير مبشرة على الإطلاق.. علشان كده الأفضل أنها تتنقل المستشفى حالاً يا عبد الجبار بيه"..
حديثه هبط على سمعه كالصاعقة زلزلت كيانه كله دفعه واحدة،أنعقد لسانه و بخاطره يدور ألاف الأسئلة لم يحصل لهم على أي إجابة،
رغم الضجيج و الصراع القوي الذي بداخله، إلا أن ملامحه هادئة، تنحنح بصوتٍ عالٍ كمحاوله منه لإيجاد صوته و هو يقول مستفسرًا..
" هي حالتها خطرة قوي أكده !!!"..
أومأ له الطبيب مردفًا بتحذير..
"و أي تأخير مش هيكون في صالحها.. فاسمحلي أكلم المستشفى تبعتلنا عربية أسعاف"..
كانت "بخيتة" تستمع لحديثهما بترقب، و حين وصل لسمعها الجملة الأخيرة اقتربت منهما و تحدثت بغضب قائلة..
"أسعاف أيه، و مستشفى أيه يا عبد الچبار.. قولتلك هي بقالها فترة على أكده.. تتنيها نعسانه يومين و بعدها بتفوق و بتبقي زي القردة"..
" يعني كمان الحالة دي مش أول مرة تحصلها!!"..
أردف بها الطبيب مدهوشًا.. لتجيبه "بخيتة" بلا مبالاه..
"أِيوة.. حُصلت ياما قبل سابق و كنا بنهملها تفوق لحالها"..
نظر الطبيب ل" عبد الجبار " الذي ينظر لوالدته بأعين منذهلة، عقله غير قادر على استيعاب أفعالها، و جحود قلبها، تقف بكل بجاحة و تخبرهم أن حالتها الخطيرة تكررت مرات متعددة، و هي على علم أنها سبب أساسي فيما يحدث مع تلك الصغيرة!!!
رباه!!!!..
لقد وصل غضبه لزروته من قسوتها الجبارة فنفجر فجأة صائحًا..
"الرررحمة يا أمه أحب على يدك"..
نظر للطبيب، و تابع بأمر..
"أعمل اللي هيكون صالح ليها يا دكتور"..
الطبيب بتوتر من غضبه العارم.. "أمرك يا عبد الجبار بيه.. هكلم المستشفى يبعتوا الإسعاف حالاً"..
بينما هرول "عبد الجبار" تجاه غرفة "سلسبيل" تحت نظرات "بخيتة" المغتاظة، و طرق على الباب المغلق مرددًا بلهجة هادئة لم تخفي غضبه، و قلقه الظاهر بنبرته الحادة..
" چهزي سلسبيل يا خضرا"..
جملته وصلت لسمع" خضرا " الجالسة بجوار تلك الغائبة عن الدنيا تبكي بصمت على حالها، أسرعت نحو الباب و فتحته بحذر، طلت له برأسها و أردفت مستفسرة..
"أچهزها لأيه يا خوي؟!"..
قبض على كفه بقوة عل قلبه يفهم إشارته و لا يفلت منه أي تأثرًا أو خوفًا و هو يجيبها..
" الإسعاف چاية في الطريق.. هننقلها المستشفي"..
أجهشت "خضرا" بالبكاء و هي تقول..
"تبجي حالتها خطرة.. يا جلبي يا خيتي..قولتلك البنتة قاطعة النفس يا عبد الچبار، و ماعوزاش تفوق واصل"..
"همي يا خضرا چهزيها على ما أغير خلجاتي و أعَود"..
قالها و هو يسير بخطوات واسعة نحو الدرج، كان سيره حثيثًا أقرب إلى الهرولة، لا يري أمامه من شدة إنفعالاته المتضاربة، صعد كل ثلاث درجات معًا حتي وصل لباب غرفته و دفعه بقوة، و دلف للداخل بأنفاس متهدجة..
رفع كلتا يديه و مسح على وجهه و شعره بعصبية مفرطة، و هو يدور حول نفسه مرددًا أسمها بلهفة..
"سلسبيل.. أيه اللي صابك يا حبة الجلب!!!"..
صدح صوت سيارة الإسعاف معلنة عن أقترابها، فقفز تجاه الخزانه، و جلب أول شيء وقعت عليه يده، و خلع جلبابه بلمح البصر، و ارتدي سروال أسود، و قميص أبيض، و حذاء كلاسيكي أسود،اندفع لخارج الغرفه راكضًا و هو يغلق أزرار قميصه ، و يرتدي حزامه الأسود الجلدي..
" چهزتيها يا خضرا".. قالها قبل أن يخطو لداخل الغرفة المفتوحة، حركت رأسها له بالايجاب، فحبس أنفاسه قبل أن يدلف للداخل،
أقبل عليهما بخطواته الواسعة ، كان القلق واضحًا على مرآي تعابير وجهه الغضوب، عينيه لم تنظر تجاه تلك الراقدة و لو بنظرة خاطفة رغم أنه أصبح واقفًا بجوار فراشها.. كان يثني أكمام قميصه لمرفقيه، خلع ساعته و أعطها ل "خضرا" فعلمت حينها أنه لن يدع أحد غيره يحملها..
أبتلعت غصه مريرة بحلقها، و أخذت منه الساعة وضعتها على طاولة صغيرة جوارها، و همست بتقطع من بين شهقاتها..
" أني مههملهاش.. هچي معاها يا عبد الچبار"..
تكلف "عبد الجبار" الابتسامة و هو يرفع رأسه و ينظر لها مغمغمًا..
"طول عمرك أصيلة يا ست الناس"..
"جاهزين يا عبد الجبار بيه؟"..
كان هذا صوت الطبيب صدح من خارج الغرفة.. لم يأتيه رد من "عبد الجبار" الذي كان يتطلع لزوجته بنظرة تفاهمتها هي جيدًا .. ينتظر موافقتها ليحمل" سلسبيل" بنفسه..
"هم يا خوي خلينا نطمن عليها"..
قالتها و هي تعدل من وضع" سلسبيل " ليتمكن من حملها، و أخيراً استدار تجاهها، و هبط بعينيه حتي وقع نظره عليها، حينها تمزق قلبه لأشلاء عندما رأي مدي تطور حالتها للأعياء الشديد..
أخذ نفس عميق قبل أن يميل عليها ويحتويها بين ذراعيه، و يحملها بمنتهي الخفة كريشة يتخطفها الهواء، ارتخي جسدها البارد على عضلات صدره التي تنبعث منها دفئ صارد من نيران تتأجج داخل قلبه،رغم جمود و صلابة قسمات وجهه..
سار بها بخطي واثقه لخارج الغرفة، و من ثم لخارج المنزل بأكمله بجواره تسير "خضرا" متعمدة رفع رأسها بشموخ أمام نظرات "بخيتة" الساخطة.. فالمرأه بطبيعتها أكثر من الرجل استمساكاً بالقيم الأخلاقية،
كالغصن الرطب تميل إلى كل جانب مع الرياح، ولكنها لا تنكسر في العاصفة..
.............................................صلِ على الحبيب 💐....
مرت ساعات طويلة بالمستشفى بين الكثير من الفحوصات الدقيقة، الأشاعات، التحاليل،
فريق طبي كامل متكامل مشرف على حالتها بأمر من "عبد الجبار" الواقف أمام غرفتها مستند بظهره على الحائط عينيه تطلع للباب المغلق ينتظر على مضض خروج أي شخص يطمئن قلبه عليها و لو قليلاً،
بينما "خضرا" تجلس على مقعد أمامه تتابع ما يحدث بقلب مرتعد، و نظرات مذعورة، تضرب على صدرها تاره، و على ركبتيها تاره، و تبكي تاره أخرى مرددة..
"يارب سلم.. يارب أقلبها مقلب سلامة"..
كان الجميع يعمل على قدم وساق، و قد صدح صوت الإنذار معلنًا عن حالة طوارئ حرجة، و تدافع طاقم أخر من الأطباء نحو غرفتها بحالة من التوتر و الأرتباك ..
لهنا ولم يعد قادرًا على التحكم بأعصابة أكثر من ذلك، و انفجر صائحًا و هو يقبض على إحدي الأطباء أمسكه من تلابيبه..
"حد يرد على يقولي أيه اللي بيُحصل!!!"..
أجابه الطبيب على الفور بخوفٍ ظاهر.. "للأسف الحالة حرجة جدًا عضلة القلب متضخمة، و النبض ضعيف جدًا و لازم تدخل العناية حالاً"..
"يا مري..يا مري. يا مري"..صرخت بها "خضرا" و هي تطلم خديها، بينما وقف "عبد الجبار" بملامح جامدة، لم يبدي أي رد فعل سوي الصمت، الصمت التام،
لينفتح باب غرفتها و خرجت "سلسبيل " الممددة على سرير يدفعوه الأطباء بهرولة راكضين من أمام عينيه المتحجرة التي تتابعها بهدوء مريب، لتزداد صرخات "خضرا" أكثر جعلته يخطفها داخل حضنه دون أن ينطق بحرف واحد، يستمع لنواحها تردد بقلب يعتصر على تلك الصغيرة..
"اسم الله عليكِ ياللي الوچع كادك..مالك تشيل عينك تكب دموع ياريتني حكيم ومعايا دوا الموچوع"..
تطلعت لزوجها بقلب ملتاع على حالته، انهمرت العبرات من عينيها، و هي تشد أزره قائلة..
"هطيب بإذن المولي .. سلسبيل هتبقي زينة يا عبد الچبار و هتعقد عليها و تچيب منِها بدل الواد عشرة يا خوي"..
نظر لها كالتائهه فرفعت يدها و مسحت على جبينه بكفها مسحة حنان حين همس لها بخفوت بصوت يملؤه الألم..
"سلسبيل.. سلسبيل يا خضرا"..
رواية جبر السلسبيل الفصل العاشر 10 - بقلم نسمة مالك
مر الوقت بثقل وبطء شديد.
استعاد "عبد الجبار" رباطة جأشه سريعًا، وعاد وجهه لصرامته، وقسماته الهادئة بعدما تحكم في إخفاء مشاعره ببراعة يُحسد عليها.
رغم أنه يحيا ليلة من أصعب الليالي التي مرت عليه في حياته بأكملها، يتمزق قلبه وجعًا على تلك الصغيرة التي تصارع الموت داخل غرفة العناية المركزة.
منذ أول مرة رآها بها والتقطت عيناه عينيها، طار اللب من عقله.
انتفض قلبه انتفاضة جديدة عليه كليًا، لأول مرة يشعر بها.
كأنها ألقت تعويذة سحرية عليه، فخشي من تأثيرها الشديد الذي غمره أن يجعله يظلم "خضرا" صديقة دربه، رفيقة أيامه، صاحبة عمره.
فقرر عدم الزواج منها، فما يربطه بزوجته أقوى من الحب، ولن يجازف بخسارتها حتى لو كلفه الأمر أن يفقد قلبه الذي عشق رغمًا عنه تلك "سلسبيل".
"الحمد لله حالتها بقت مستقرة يا عبد الجبار بيه."
قالها الطبيب الذي خرج للتو من غرفة العناية.
تنفس "عبد الجبار" الصعداء، بينما تهللت أسارير "خضرا" مرددة بفرحة حقيقية:
"ونبي صح يا دكتور.. يعني أقدر أعدي عندها؟"
"لا للأسف الزيارة دلوقتي ممنوعة، وكمان هي لسه مفقتش."
عقد "عبد الجبار" ما بين حاجبيه، وتحدث بتساؤل قائلاً:
"لساتها غميانه لحد دلوجت؟!"
"لا هي تحت تأثير العلاج اللي خدته. أنا هكون صريح مع حضرتك.. مدام سلسبيل هتحتاج جراحة عاجلة في قلب."
"يا جلبي عليكي يا خيتي."
قالتها "خضرا" وهي تنفجر في نوبة بكاء أخرى.
ساد الصمت للحظات، قطعه الطبيب ثانيةً بعدما حثه "عبد الجبار" بنظرته على استكمال حديثه.
"تضخم قلبها نتيجة مشكلة في أحد صمامات القلب، وكده هتحتاج لجراحة ترميم الصمام المعيب أو استبداله."
حاولت "خضرا" السيطرة على شهقاتها وهي تقول:
"خطرة العملية دي يا دكتور؟"
أجابها الطبيب قائلاً:
"هي هتبقى في نسبة خطورة طبعًا.. بالذات لو الصمام مستجبش للترميم أو قلبها مقبلش صمام بديل وعجزت الأدوية عن التحكم في أعراض تعبها. كده هتبقى محتاجة زراعة قلب.. ادعولها أن قلبها يستجيب للعلاج، وأول ما نهيئها نفسيًا وجسديًا للعملية هنعملها على طول بإذن الله.. بس هتبقى مكلفة شوية يا عبد الجبار بيه."
رمقه "عبد الجبار" بنظرة غاضبة مغمغمًا:
"الفلوس حاضرة بعون الله يا دكتور.. الصالح ليها أعمله المهم هي تبقى زينة."
تنحنح الطبيب، وسار من أمامهما وهو يقول بحرج:
"طيب عن أذنكم، ولو في أي جديد هبلغ حضرتك بيه."
بينما "خضرا" الحنون التي لم تكف عن البكاء، والدعاء لـ "سلسبيل" من صميم قلبها، جلست بجواره على المقاعد المخصصة للانتظار.
أمسك هو بيدها بين كفيه، يربت عليها برفق ويتحدث بنبرة راجية قائلاً:
"كفايكي بكي عاد يا خضرا.. صلي على الحبيب في جلبك، وادعيها تقوم بالسلامة."
أجهشت "خضرا" ببكاء مرير، وتمسكت بيده بقوة مرددة:
"البنتة صعبانة عليا قوي يا عبد الجبار.. جلبي بيقطع كل ما أفتكر حديثها وياي قبل ما نيجي على المستشفى."
أطلقت آهة حارقة، وتابعت بنواح كان كالقلم المسنون يطعنه في عمق قلبه:
"ساعة تكلمني وساعة تميل، وساعة تقولي قلبي عليا تقيل.. ساعة تكلمني وساعة تقع، وساعة تقولي أني اتمليت وجع."
يا الله!!!
كادت دموعه أن تخونه وتتجمع بعينيه شديدة الاحمرار، لكنه كعادته دفن شعوره بين طيات قلبه الملتاع.
رفع ذراعه وضمها لصدره بعناق قوي، كان هو أحوج منها لهذا العناق.
ظل محتضنها لوقت طويل حتى توقفت عن البكاء، ثقلت رأسها على صدره، وانتظمت أنفاسها فعلم أنها قد غلبها النعاس.
مال بوجهه قليلاً، ولثم جبهتها بعمق وهو يقول:
"خضرا.. جومي يا غالية خليني أرجعك الدار."
"ونهملها لحالها؟!"
همست بها "خضرا" وهي تبتعد عنه، وتعتدل بجلستها مكملة:
"دي ملهاش حد واصل دلوجيت غيرنا.. لا عندها أب زي بقيت الخلق يراعيها ولا قريب يسأل عنها."
"قعدتنا هنا ملهاش عازة يا أم فاطمة."
أردف بها بتعقل، وهو ينتصب واقفًا أمامها مكملاً:
"الدكتور قال الزيارة ممنوعة عنها دلوجيت، ولو جد جديد هيحددني على المحمول، وكمان البنتة الصغار لحالهم في الدار.. طلِ عليهم وأني هشوف مصالح الشركة وأعاود آخدك ونيجيلها طوالي."
قال الأخيرة وهو يجذبها من معصمها برفق حتى وقفت بجواره، وضع ذراعه على كتفيها، وسار بها بخطوات متثاقلة، عينيه معلقة على باب الغرفة المتواجدة بها معشوقة روحه.
ذهب من المستشفى تاركًا قلبه بحوزتها.
***
كانت "بخيتة" تجلس بأريحية تشاهد التلفاز، بيدها طبق مملوء بأنواع مختلفة من الطعام تتناول منه بشهية، وتضحك بملء فمها غير عابئة لأي شيء.
ضحكاتها وصلت لسمع "خضرا" التي وصلت للتو بأعين منتفخة من شدة البكاء.
حركت رأسها بيأس من قساوة قلبها، وسارت ببطء من أمامها متجهة نحو غرفة صغارها وهي تقول بصوت حزين:
"سالنور عليكِ يا أمه."
رمقتها "بخيتة" بنظرة ساخرة، وتابعت تناول طعامها بتلذذ مدمدمة:
"امممم.. مالك حزينة أكده ليه.. هي المحروقة لساتها عايشة ولا إيه؟"
"خضرا" بعتاب:
"وه.. ليه بس أكده يا أمه.. الشر برة وبعيد عنها.. ربنا يقومها بالسلامة.. دي لساتها شابة صغيرة."
"ووالدي كان زينة الشباب.. ومات في غمضة عين من دعوة بنت المركوب عليها.. طب ساكت محطش منطق."
نطقت بها "بخيتة" بغضب عارم، وصمتت لبرهة وتابعت بحقد دفين:
"أني مستنية اليوم اللي يجي خبرها فيه.. وقتها هعمل ليلة كبيرة كلها مغني ووكل ياما."
تطلعت لها "خضرا" بنظرات منذهلة، وأردفت بتساؤل قائلة:
"ولما أنتي بتكرهيها أكده، وبتتمني لها الموت رايدة تجوزيها لوالدك ليه؟!"
ابتسمت لها "بخيتة" ابتسامة مصطنعة وهي تضع طبق الطعام على الطاولة أمامها، لعقت أصابعها بصوت مقزز، نظرت لها مدمدمة بجحود:
"جولت أضرب جنزورتين بحجر واحد.. أكسر شوكتك اللي قوية لحد ما فكرتي حالك ست الدار، وتبقي سلسبيل معونة تجيب الواد لـ"عبد الجبار"، وقصاد عيني أخلص منيها حق ولدي."
هبت واقفة واقتربت من "خضرا" التي تستمع لها بملامح جامدة بدت جديدة عليها، أثارت الريبة في نفس "بخيتة" التي تابعت حديثها المثير للأعصاب قائلة:
"متكيدي الحرمة إلا حرمة زيها.. وسلسبيل صغيرة ونغشة خطفت جلب عبد الجبار منكِ من وقت ما وقع عينه عليها.. وأنتي جلبك هتقيد في النار يا بت نفسية."
ضحكت ضحكة شريرة مكملة:
"رايدة أشوفكم انتو الاتنين بتقطعوا بعض من الغيرة على رجلكم.. لحد ما ولدي يزهق منكم ويجلعكم من هنا بلا راجعة."
حديثها كان صادم لـ "خضرا" التي ذُهلت من كم السواد الذي يغلف قلبها، تطلعت لها قليلاً بأعين جاحظة تحاول استيعاب كلماتها السامة التي ألقتها على سمعها، ومن ثم أخذت نفس عميق زفرته على مهلٍ وهي تقول بأسف:
"أنتي جلبك ده حجر.. رايدة تخربي دار ولدك بيدك.. واحدة غيرك شافت بعينها دعوة سلسبيل اللي ظلمتيها أنتي وولدك ربنا استجابها، وانقصف عمر ولدك قصاد عينك.. ده مش كافي لاجل ما يكون عظة ليكي!!!.. جلبك منشقش بعد موت ولدك!!!.. ظهرك منكسرش من بعده؟!"
"أني مرة صعبة شديدة يا بت نفيسة.. مافيش حاجة تقدر تكسرني واصل."
أردفت بها "بخيتة" بجبروت أشعل غضب "خضرا" وأيقظت الأنثى الشرسة بداخلها جعلت ملامحها تبدو مخيفة خاصةً حين نظرت لعين "بخيتة" بتحدي وهي تقول:
"لتكوني فاكرة إن طيبة جَلبي دي ضعف مني.. لع إني كمان مرة صعبة شديدة.. بس شديدة في الحق.. واللي أنتي ريداه مهيحصلش يا بخيتة."
حملقت بها "بخيتة" بصدمة من طريقتها الجديدة معاها، لتتابع "خضرا" بابتسامة هادئة:
"أني خابرة زين أن عبد الجبار جلبه مال للبنتة، ومانع نفسه عنها لاجل خاطري.. وعشان كده إيه جولك أني هجوز عبد الجبار لسلسبيل بنفسي.. وهبقى أني وهي سند وعزوة لولدك.. وإن شاء المولى وخلفت منه الواد هيبجي ابني قبل منها.. ابني اللي مخلفتهوش.. كفاية عندي أنه ولد عبد الجبار."
أشارت على المنزل من حولها بيدها مكملة بصوت عالِ دب الذعر بأوصال "بخيتة":
"وربنا يقدرني وأجعل الدار ده عمران بحس راجلي وضحكته وفرحة جلبه طول ما في نفس."
صمتت لوهلة وتابعت بأنف مرفوعة بشموخ:
"جهزي حالك يا أم العريس.. كتب كتاب ولدك هيتم بكرة أول ما يوصل قناوي."
***
انقضت ساعات النهار، وخيم الليل بستائره.
أنهى "عبد الجبار" عمله على أكمل وجه رغم قلقه وارتعاش قلبه الشديد، كان يحدث الطبيب المشرف على حالة "سلسبيل" طيلة الوقت، يتابع تطور حالتها أول بأول.
وأخيرًا أخبره الطبيب أنها بدأت تستعيد وعيها.
ترك كل شيء، وهرول نحو منزله لكنه لم يدلف للداخل، لا يريد رؤية والدته وسماع حديثها الذي يثير غضبه حد الجنون الآن، يكفيه ما هو فيه.
ظل جالس بسيارته ينتظر زوجته "خضرا" لتذهب معه.
لتخرج "خضرا" حاملة بيدها حقيبة جهزتها بنفسها بها ثياب وطعام وكل شيء يمكن أن تحتاج إليه هي و"سلسبيل"، فقد أصرت على المبيت معها.
فقام زوجها بدفع مبلغ ليس بقليل حتى يتمكن من حجز غرفة خاصة لها بالمستشفى.
أسرع "عبد الجبار" بمغادرة السيارة، وهرول نحوها يحمل عنها الحقيبة ويضعها داخل السيارة مغمغمًا:
"إيه الشيلة التقيلة دي كلها يا بت الناس!!!.. قولتلك لو احتاجوا حاجة أني هجبهلكم لحد عندكم."
"متشليش هم يا خوي.. الحمد لله ربنا قدرني وجهزت كل حاجة.. يلا قوام خلينا نطمن على البنتة."
قالتها وهي تجلس على المقعد المجاور له، لينطلق "عبد الجبار" بسيارته أمام أنظار "بخيتة" التي تتابعهم من شرفة المنزل بملامح تستشيط غضبًا وغيظًا.
دقائق معدودة، وكانت "خضرا" تسير برفقة زوجها بخطوات شبه راكضة داخل الممر المؤدي لغرفة "سلسبيل".
"طمنا يا دكتور الله لا يسيئك.. كيفها خيتي دلوجيت."
قالتها "خضرا" فور رؤيتها للطبيب.
أجابها الطبيب بابتسامة قائلاً:
"اطمنوا الحمد لله هي بدأت تفوق وعمالة تنادي على اسم حضرتك أنتي وعبد الجبار بيه."
تزلزل كيان ذلك العاشق وقد وصل ندائها لقلبه المتيم، رغم جمود ملامح وجهه إلا أن أنفاسه كانت مهتاجة تعبر عن النيران التي تتأجج بأعماقه.
"خليهم يخلوني أشوفها يا عبد الجبار أحب على يدك."
قالتها "خضرا" بنبرة متوسلة وهي تضرب على صدرها بكف يدها بحركة استعطافية.
نظر "عبد الجبار" للطبيب مغمغمًا:
"هطلع عليها وتخرج طوالي يا دكتور."
أومأ له الطبيب وهو يشير على غرفة بجوار العناية:
"مافيش مشكلة بس خلي الممرضة تعقمها الأول، وبلاش تخليها تتكلم كتير عشان متتعبش."
هرولت "خضرا" نحو غرفة التعقيم، ارتدت الثياب الخاصة لدخول غرفة العناية، وسارت بخطى مرتجفة لداخل غرفة "سلسبيل" حتى وقعت عينيها عليها ممددة على الفراش لا حول لها ولا قوة، والكثير من الأسلاك الطبية موصلة بجسدها الصغير.
كبحت عبراتها بصعوبة، وقد اعتصر قلبها من هيئتها حين خُيل لها أنها ترى إحدى ابنتيها مكانها، رسمت ابتسامة حانية على ملامحها البشوشة، واقتربت منها وقفت بجوارها مباشرةً، مدت يدها تمسح على وجهها مسحة حنان مدمدمة:
"سلسبيل.. كيفك دلوجيت يا خيتي."
رمشت "سلسبيل" بأهدابها الكثيفة، تجاهد لفتح عينيها، وبه همس متقطع متعب قالت:
"أبلة خضرا."
"يا نن عيني يا بتي.. سلامة جلبك يا ضناي."
قالتها وهي تميل على جبهتها وتطبع قبلة عميقة بشفتيها المرتعشتين.
تطلعت لها "سلسبيل" بامتنان، وهمست بخفوت:
"عايزة أطلب منك طلب."
"اؤمريني أمر يا ست البنتة."
قالتها "خضرا" بلهفة وهي تنظر لها باهتمام.
ابتلعت "سلسبيل" لعابها بصعوبة، وهمست بغصة مريرة:
"لو مت ادفنوني جنب أمي في المنصورة."
لم تستطع "خضرا" السيطرة على عبراتها التي انهمرت بغزارة على وجنتيها، وتحدثت بغضب مصطنع قائلة:
"متقوليش أكده مرة تانية.. أزعل منك وأني زعلي واعر.. أنتي هطيبي يا خيتي وهتبقي زينة العرايس."
صمتت لبرهةً ونظرت لها نظرة راجية مكملة:
"جومي يا خيتي.. أني محتاجالك جاري.. متهملنيش لحالي ويه بخيتة.. جومي حطي يدك بيدي ونقف في وشها ندافع عن رجلنا."
"رجلنا؟!"
همست بها "سلسبيل" بتعجب، لتحرك "خضرا" رأسها لها بالإيجاب مرددة بابتسامة وعبراتها تهبط على وجنتيها ببطء:
"أيوه يا سلسبيل.. عبد الجبار هيتجوزك وأني موافقة."