تظن أنها أوقعت به في فخ أسود لتودي بمستقبله إلى الهلاك. تمت حدقتاه وهو يتقرب منها. حملها عنوة بين ذراعيه. كم أرادت أن تصرخ، تستغيث بمن حولها، ولكنه همس لها بصوت خفيض يتوعدها: "لو سمعت صوتك، هخليكي تقضي اللي باقي من عمرك ورا القضبان في السجن." ابتلعت صوتها وصراخها داخل جوفها المرتجف خوفًا. ارتعش جسدها بعنف وهو يحملها، يخرج بها من الغرفة إلى ردهات المستشفى.
يتحرك بها إلى حيث سيارته، فتح الباب المجاور للسائق، يلقيها داخل السيارة حرفيًا. أغلق عليها الباب ليأخذ مقعد السائق، يدير محرك السيارة دون أن ينطق بكلمة. فسألته هي بصوت مرتعش خائف: "إحنا رايحين فين؟ التفت لها، يغطي ثغره ابتسامة مظلمة قاتمة، يهمس لها متوعدًا: "على بيتنا يا زوجتي العزيزة." وانطلق بالسيارة، يدعس الدواسات تحت قدميه بعنف، يشق الطريق إلى منزله الصغير. ليرى تلك البلهاء مع من فكرت أن تعبث.
أما هي، فلم تتوقف عن البكاء للحظة. جسدها يرتعش، تحتضن نفسها بذراعيها. كفاها ما لاقت، ليأت هو بسهمه الأخير، يقضي على ما بقي منها. تري أي عذاب ستلقاه الآن؟ أجفلت حين وقفت السيارة، ونزل هو. فتح الباب المجاور لها بعنف، قبض على رسغ يدها، يجذبها بقسوة من السيارة. يجذبها خلفه إلى الطابق الثاني حيث يسكن وحيدًا. فتح باب الشقة، يدفعها للداخل بعنف، لتسقط أرضًا من عنف دفعته. رفعت وجهها سريعا، تنظر له مرتعبة.
في حين ألقى هو المفاتيح من يده بعيدًا بعنف. اقترب منها، في لحظة قبض على خصلات شعرها، يجذبها لتقف، يصرخ فيها: "بقي أنا ضربتك وعذبتك واغتصبتك، ما طفتش سجاير فيكي بالمرة؟ أنتي بترمي بلاكي عليا، انطقي يا بت مين قالك تقولي القرف دا." غصت في شهقات بكائها العنيفة، تحاول أن تخفف قبضة يده عن خصلات شعرها. شهقت بعنف، تتوسله باكية:
"أبوس إيدك ارحمني، ما اعرفهمش، هما خطفوني وغموا عينيا وعذبوني أيام وأسابيع، وفي الآخر وروني صورتك وقالولي لو قولت عليك كدة هيسيبوني، هيرحموني. ارحمني أنا تعبت والله العظيم تعبت، أنا بس نفسي أرتاح، نفسي في الرحمة. أقولك موتني، الموت رحمة ليا عن كل اللي شوفته." لا تكذب حرقة صوتها، دموع عينيها، جسدها الذي يرتعش في ألم. كضابط شرطة منذ سنوات، بات من السهل عليه أن يميز بين الحقيقة والكذب. وتلك الفتاة تكذب ولا تكذب.
تختلق بعض الحكايا وتصرخ بألم حدث لها. دفعها إلى أقرب أريكة، ارتمت فوقها، تنظر له ترتعش خوفًا. في حين حمل هو مقعدًا من الخشب، وضعه أمامه، جلس فوقه، ينظر لها يتفحصها بنظراته. سألها محتداً: "انتي عندك كام سنة؟ "22." بالكاد خرج الرقم من بين شفتيها، تنظر له مذعورة، خائفة. ما لاقته من الشيطان لم يكن هينًا من الأساس. زفر هو أنفاسه حانقًا منها ومن الموقف بأكمله. يُحاِدثها غاضبًا:
"أنا واثق إن وراكي مصيبة وإنك بتألفي أي كلام، بس هخليني ورا الكداب. أنا ممكن أرميكي في السجن مع اللي شبهك، بس مش قبل ما أعرف إيه حكايتك كاملة ومين اللي وراكي." قام من جديد، يقبض على رسغ يدها، يجذبها خلفه إلى ممر جانبي. تذكرت وقتها ذاك الشيطان وهو يجذبها للغرفة التي بها صندوق الأفاعي. ضرب جسدها برد قارص، يعتصر أوصالها خوفًا. فتح باب الغرفة، يضيء أنارتها، يحادثها ساخرًا:
"اعتبريها أوضتك، سجنك لحد ما تشرفي في السجن اللي بجد." وتركها وغادر، يصفع الباب خلفه. وقفت مكانها، تنظر للغرفة حولها. جرت قدميها للفراش، جسدها يرتجف من الألم والخوف. تمددت تضم ركبتيها لصدرها، تنساب دموعها تغرق روحها. بالكاد جذبت الغطاء تختبئ تحته من صقيع الذعر. في لحظات قليلة، بدأت تشعر بالدوار يأخذها لبئر النوم. تستريح ولو لدقائق من وحش نهشت روحها. *** مرت الساعات سريعًا، وسطعت الشمس تُضيء المكان.
تأففت، تفتح عينيها رغماً عنها. تشعر بشيء غريب، رائحة المكان مختلفة، ليست رائحة اعتادت عليها. حتى ملمس الفراش مختلف. تستمع إلى أنفاس تجاورها. قطبت جبينها، تبلع لعابها خائفة. مدت يدها بحذر، تحاول أن تلمس ذلك الراقد بجوارها. حطت أصابعها على وجهه لتطمئن. هو النائم بجوارها، ولكن أين هم؟ وصلت لذراعه لتكزه بكفها، تحاول إيقاظه: "إنت اصحي، قوم، إحنا فين؟ إنت جبتني فين؟ سمعت صوته يتثاءب ناعسًا.
الفراش يهتز، ذلك يعني أنه يصحو، يتحرك. انتصف بيجاد يجلس بجوارها، يفرك عينيه ناعسًا. لم ينم سوى ساعتين على أكثر تقدير. لما تصيح تلك الصغيرة باكرًا؟ ابتسم، يعطيها ابتسامة ناعسة، يحادثها: "صباح الفل يا حبيبتي، صاحية بدري يعني مش عوايدك، تحبي أناديلك ممرضة؟ "ممرضة؟! ارتدت تلك الكلمة في عقلها بعنف، لتلفت برأسها ناحيته، تصيح مذهولة غاضبة: "ممرضة، هو إحنا فين وبنعمل إيه؟ تنهد متعبًا، تلك الصغيرة لا أمل من الكلام معها أبدًا.
بات تغضب لأقل شيء. مد يده يريد أن يربت على كتفها، لتدفع يده بعنف ما أن لامستها أصابعه. يرى في عينيها نظرة غيظ امتزجت بكره واشمئزاز. لذلك انسحب من جوارها على الفراش. التف يقف بالقرب منها، يخبرها بما حدث: "إحنا هنا في مستشفى، في جراح كبير موجود هيبقي مسؤول عن حالتك. أنا عارف إني لو قولتلك هترفضى تيجي معايا. فحطتلك منوم في الأكل امبارح." توسعت حدقتاها غيظًا مما قال. حاولت أن تقوم، يبدو أنها نسيت أن ساقها في جبيرة.
دفعت بجسدها من فوق الفراش، لتصرخ من الألم. وقعت على وجهها أرضًا. صلح باسمها مفزوعًا، ليهرع إليها يحاول حملها بحذر، وهي تصرخ من ألم ساقها. وضعها على الفراش، وركض خارج الغرفة يبحث عن أي طبيب يُغيثه. عاد بعد دقائق ومعه طبيبة عظام. اقترب منها يحاول تهدئتها، يحادثها متلهفًا: "اهدي يا رسل، الدكتورة أهي، اهدي يا حبيبتي." صرخت فيه، دفعت يديه بعيدًا عنها: "ابعد عني، اخرج برة، إنت السبب، إنت شيطان، إنت ووليد كلكوا شياطين."
ابتعد عنها، لا يجد ما يقوله، وهي لا تسمع، لا تتفهم. تحرك بخطى ثقيلة ناحية باب الغرفة، خرج منها ليستند على الباب المغلق. يغمض عينيه، نادمًا. عرض سريع من حياته. فتح عينيه، ينظر ليده، يبتسم ساخرًا. كان السلاح جزء لا يتجزأ من يده، كانا لا ينفصلان. أحب القتل وعشق الدماء لسنوات، وهو يسفكها بضغط زناد رصاصته. أبدًا لم تخيب. تنهد بعمق، يحرك رأسه بالإيجاب، وكأنه يحادث نفسه. سيصل لقلب الصغيرة حتى وإن شق الأرض لأجلها. ***
أنه اليوم التالي لزفافهم. ماذا يسمونه في تلك الحارة الشعبية؟ لا تعرف، ربما هي "الصباحية". كلمة غريبة استمعت إليها مصادفة من إحدى السيدات في الحي. فتحت عينيها فجأة، تنظر للنائم بجوارها في سكون. تتأمل النظر لقسمات وجهه. من هو؟ باتت لا تعرف. أهو ذلك الوقح البلطجي تاجر الممنوعات؟ أم رجل نبيل لين المعاملة، يحب الضحك، يعشق مشاكستها؟ ابتسمت يائسة، تقسم أنها باتت تحب كلمة "ابنة الذوات" التي يقولها لها بين حين وآخر.
زوجة جبران السواح. من كان يصدق أنها ستفعل؟ كانت تظن أن زواجها سيكون من أحد رجال الأعمال من شركاء والدها. ولكن ها هي ترقد بجوار معلم حواري يفتخر بماديته (المطوة) وضعت يدها على فمها، تكتم صوت ضحكاتها حين تذكرت ما حدث بالأمس. **Flash back** انتهت من طعامها لتجده يلتقط قطعة قماش ملقاة جوارهم، يمسح بها كفيه. لتعترض، تحادثه حانقة: "جبران لو سمحت قوم اغسل إيدك، مش هتنام وإيدك ريحتها أكل."
ألقى قطعة القماش بعيدًا، قام واقفًا، ابتسم، يحادثها ساخرًا: "يا بنت الذوات أنا متعود أمسح كف يدي من شغلي في الورشة، إنما أكيد هغسلها." وتحرك للمرحاض. قامت خلفه، لا تعرف أين المرحاض، وبالطبع هو سيذهب إليه. ما أن اقتربت من باب المرحاض، هو كان فقط يقف عند الحوض يغسل كفيه بالصابون. توسعت عيناه، يصفع الباب في وجهها، يصيح فيها ساخرًا: "يلا يا قليلة الأدب، جاية ورايا الحمام."
توسعت حدقتاها، تدلي فمها مدهوشًا بما يهذي ذلك الوقح. لحظات وفتح الباب، يمسك بمنشفة، وضعها على كتفها. نظر لها، يغمغم ساخرًا: "تؤتؤ، شوف وأنا اللي كنت فاكرك مؤدبة يا بنت الذوات، اخس." وتركها ورحل. لتشد على كفيها، انتزعت المنشفة من فوق كتفها، تكورها في يديها، ترميه بها بعنف. اصطدمت بظهره، ليلتفت لها، يلاعب حاجبيه عابثًا، يضحك عاليًا. تأففت حانقة. إلى المرحاض ذهبت، اغتسلت، وعادت لغرفة النوم لتجده يجلس فوق الفراش.
كاد أن يقول شيئًا يقنعها به أن تنام بجواره ولا تقلق. لكنه وجدها توجهت إلى الفراش بملء إرادتها، أخذت الجانب الآخر من الفراش، تجذب الغطاء، تتدثر به. ابتسمت ناعسة، تتمتم: "تصبح على خير." ضرب كفًا فوق آخر، يغمغم مدهوشًا: "وأنا اللي كنت لسه بقول يا ترى أقولها إيه عشان أخليها تنام وما تقلقش. وانتي من أهل الخير يا وتر، نامي يا حبيبتي." ضحكت بخفة، توليه ظهرها، تجذب الغطاء حتى رأسها. ما أن كادت تنغمس في النوم،
سمعته يهمس باسمها: "وتر، قومي دخلي باقي الأكل التلاجة عشان ما يحمضش، الجو حر." تأففت حانقة، تختفي تحت الغطاء، تهمس بنزق: "ماليش دعوة، قوم دخله أنت." اعتدل جالسًا، أمسك طرف الغطاء، يجذبه من فوق رأسها، يردف يحادثها ببعض الحدة: "قومي يا بنت الذوات، هو مال حرام؟ فتحت عينيها في تلك اللحظة، رفعت وجهها له، ترتسم ابتسامة كبيرة على ثغرها، تحادثه ساخرًا: "آآه، مال حرام، ولا عامل مش واخد بالك؟
ابتسم في سخرية هو الآخر، كتف ذراعيه أمام صدره، يحادثها متهكمًا: "ولا لما هو مال حرام، أكليتي منه ليه؟ قبلتي من الأول تتجوزيني ليه؟ ولا فلوس بابا هي اللي حلال؟ قطبت ما بين حاجبيها متعجبة من جملته الأخيرة. هبت جالسة فوق الفراش، أشهرت سبابتها أمام وجهه، تحادثه محتدة: "مالكش دعوة ببابا، وأيوة فلوسه هو حلال، بابا رجل أعمال كبير ومعروف." "دجال يعني." أردف بها ساخرًا، لينفجر في الضحك على مزحته السخيفة.
في حين انتفخت أوداجه غضباً من سخريته. ابتعدت عن الفراش، تصرخ فيه غاضبة: "جبران، كله إلا بابا، ما اسمحلكش بأي شكل من الأشكال إنك تقلل منه أو تهينه، حتى لو بتهزر، إنت فاهم؟ رأت في عينيه نظرة سخرية غريبة. أومأ لها، يغمغم ساخرًا: "من عيوني يا ست البنات، بكرة الزمن يوريكي الحقيقة. دخلي بقي الأكل بما إنك قومتي من على السرير." سبته في نفسه، تغمغم حانقة بصوت خفيض، تعبر عن غضبها منه، وهي طريقها تبحث عن ذلك المبرد.
وصلت للمطبخ، لتجده يقبع هناك. وضعت الصينية في يدها، على الأرض تأخذ منها الأطباق، حتى الفارغة تضعها في الثلاجة. تتثاءب ناعسة. وضعت الصينية في أحد الأركان جانبًا، لتعود للفراش، تتثاءب ناعسة. ارتمت فوقه، تنام، تجذب الغطاء عليها. في لحظات نامت دون مقدمات. **Back** أجفلت على صوت رنين هاتفه بصوت أغنية شعبية صاخبة، لتغمض عينيها وكأنها نائمة. سمعت صوته يتثاءب ناعسًا بشكل عنيف أخافها. مد يده يلتقط هاتفه.
نظر للمتصل، ليسبه بكلمة ليست جيدة على الإطلاق. فتح الخط، يحادثه محتداً: "على الله يا فتحي تكون متصل عشان حاجة تافهة." صمت للحظات، يستمع للطرف الآخر، قبل أن يصيح فيه غاضبًا: "ولاا أنا لو نزلت هعجنك في بعضك، غور افتح الورشة." ويبدو أنه أغلق الخط في وجهه. سمعته يغمغم حانقًا، يحادث نفسه: "شوية متخلفين على الصبح، قال مش لاقي مفاتيح الورشة، مش كفاية أن البيه لسه هيفتح بعد كل ده." فتحت عينيها في تلك اللحظة، تتثاءب برقة.
انتصفت جالسة، تفرك عينيها. رسمت ابتسامة طفيفة على شفتيها، تردف بخفوت: "صباح الخير، في إي متعصب ليه كدة على الصبح؟ التفت برأسها إليها، وابتسم. يبدو أن أولاد الذوات كما يظهرون في التلفاز حقًا يستيقظون بشكل مهندم، نظيف، غريب. تعلقت عيناه بخصلة شعر تدلت على وجهها. شعر بها تناديه، ليلامسها بيده. مد يده بخفة، يزيح خصلة الشعر خلف أذنيها.
ارتبكت مما فعل، تنظر له متوترة، تنقل أنظارها بينه وبين كف يده الذي لم يبتعد عن خدها بعد. ناقوس خطر يدق في رأسها، وهو يقترب منها رويدًا رويدًا بخفة. تهدجت أنفاسها خوفًا. مر أمام عينيها ما حدث قدميًا، لتهب سريعا تبتعد عنه. ابتسمت متوترة، تردف: "أنا هروح أغسل وشي وآخد شاور." التقطت أول ما قابلها من الثياب سريعًا من دولاب الملابس، تهرب من الغرفة تحت أنظاره المتعجبة. ما أن خرجت من الغرفة إلى الصالة.
وجدت هاتفها يدق، يبدو أنه يدق منذ مدة طويلة. توجهت إليه، رقم غريب اتصل بها ما يزيد عن مئة مرة. فتحت الخط، لتسمع صوت والدها يصيح فيها غاضبًا: "بقالي ساعات بحاول أتصل بيكي، إيه الهباب اللي طارق قالي أنك هببتيه دا؟ تتجوزي وأنا مش موجود؟ إنتي ناسيه أنك متجوزة أصلاً؟ غضبها مما قال والدها أنساها تمامًا أنها كانت حقًا في أشد حالاتها شوقًا له. لولا وجود جبران على مقربة منهم لكانت صرخت من شدة غضبها. أخفضت صوتها،
تهمس له حانقة غاضبة: "قصدك وليد أخو طارق اللي حاول يعتدي عليا في غيابك؟ كانت خطوبة لواحد عمري ما شوفته، إنت اللي أصرت إني أخطبله وجيت قدام المأذون قولت مش موافقة. إنهي جواز دا اللي بتتكلم عنه؟ صاح سفيان فيها مصعوقًا: "طارق حاول يعتدي عليكي؟ دا أنا هفصل رقبته عن جسمه، صبرك عليا يا طارق يا تهامي." صمت للحظات، استعاد فيها موج غضبه من جديد، ليصيح فيها محتداً:
"كلمتي عهد وأنا وعدت مجدي أنك هتبقي لواحد من ولاده. إن كان وليد مات، فهتبقي لطارق." ما به والدها يتصرف وكأنه شخص لا تعرفه؟ لما ذلك الغضب والإصرار على أن تكون زوجة لأحد أبناء صديقه؟ انهارت دموعها ألمًا على فراقه، وعلى ما يقول. حين سمعت صوته أخيرًا، لتهمس له بحرقة: "أنا مش عروسة لعبة يا بابا عشان أتنقل من إيد دا لأيد دا، أنا بنتك إنت، عمرك ما كلمتني كدة في إيه يا بابا." خرجت شهقات بكائها، تشعر بالضعف والانهيار.
لتلين نبرة صوت سفيان، يحادثها معاتبًا: "عايزاني أعمل إيه يعني لما أعرف أن بنتي الوحيدة اتجوزت من ورايا لحد بلطجي صايع بيتاجر في المخدرات؟ كان فين عقلك يا وتر وإنتي بتوافقي على الجوازة دي؟ حبيبتي، دا ما ينفعكيش بأي شكل، إنتي وتر هانم الدالي." صمت للحظات، قبل أن يعاود حديثه: "لازم تخليه يطلقك، لو ما رضيش، يبقى يموت ونخلص منه. وبعدين إنتي قولتي له الحقيقة؟ قولتي له الحادثة اللي حصلتلك؟
أنا واثق أنك لو كنتي قولتي له، كان فضحتك وبهدلك. أنا راجع كمان كام يوم ومش هسيبك على ذمته لحظة واحدة. سلام يا وتر، خلي بالك من نفسك." وأغلق معها الخط. وقفت للحظات تسترجع كلمات والدها، لتنهار على الأريكة جوارها. أخفت وجهها بين كفيها، تجهش في البكاء. خرج جبران من الغرفة على صوت بكائها العنيف. تحرك إليها سريعا، جلس جوارها يسألها قلقًا: "مالك يا وتر، دي تاني مرة أشوفك بتعيطي، في إيه؟ فهميني."
أزاحت كفيها عن وجهها، ستخبره وينتهي كل شيء. مسحت دموعها بعنف، تحاول أن تلملم القليل من رباطة جأشها المتبقي. غص صوتها، تهمس له: "جبران أنا، أنا مش... كادت أن تقولها، حين صدح صوت دقات عالية على باب منزلهم وصوت والدتها يطلق الزغاريد العالية: "افتحوا يا عرسان، كل دا نوم؟ دي الساعة داخلة على 3 العصر." تحركت وتر تجاه غرفة النوم سريعا، دخلت توصد الباب عليها بالمفتاح من الداخل. ليتنهد قلقًا من حالها، عليه أن يعرف ما بها.
تحرك يفتح باب المنزل لفتحية التي تحمل صينية عليها الإفطار. أخذها منها، لتدخل هي تطلق الزغاريد العالية، تحادثه مبتهجة: "صباح الفل يا معلم، صباحية مباركة يارب، اومال العروسة فينا؟ ابتسم، يربت بكفه على صدره، يردف: "تعيشي يا ست فتحية، الله يبارك فيكي. وتر نايمة، سيبيها مش قادرة تصحى دلوقتي." حمحمت فتحية محرجة، جبران يخبرها بشكل غير مباشر بأنها غير مسموح لها برؤية ابنتها الآن. ابتسمت متوترة، تردف:
"نوم الهنا يارب. أنا هخش أشوفها وأمشي على طول." تحركت خطوتين، لتجده يعترض طريقها. ينظر لها في حدة، يديه في جيبي سرواله القطن. تلك المرة كانت نبرته أكثر حدة وهو يخبرها: "هو أنا مش قوللتلك نايمة؟ مش هتقدر تصحى دلوقتي، وما تقلقيش، بنتك زي الفل، اطمني." جف لعابها حرجًا، تومئ له، حاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها، تحادثه: "طب استأذن أنا يا معلم، هبقي أكلم وتر لما تصحى وتفوق، ابقي أجليهالي." رحلت. ليغلق جبران الباب خلفها.
توجه إلى المرحاض، اغتسل في دقائق، عاد إلى غرفته. دق بابها يحاول الدخول، يحادثها مترفقًا: "وتر افتحيلي الباب، عايز أغير هدومي عشان أنزل." سمعت صوت المفتاح يتحرك في قفله. انفتح الباب، دخل ليجدها تجلس فوق الفراش، تمسح بقايا الدموع من على خديها. التفتت برأسها له، ترسم ابتسامة واسعة على ثغرها: "معلش، أنا ساعات بحس إني عايزة أعيط من غير سبب. هي ماما مشيت؟ أنا سمعتك بتقولها نايمة." أومأ لها، يشك في كل ما قالت.
صحيح أنه لا يعرفها سوى من وقت قريب، ولكنها تكذب، تلك الفتاة فاشلة في اختلاق الأكاذيب. اقترب منها، دني بجذعه قليلاً، يمسك بذراعيها بين كفيه. ابتسم، يحادثها: "وتر، حتى لو جوازنا مجرد تحدي من وجهة نظرك، فهو حياة وجواز عادي بالنسبة ليا. أنا لو في أي حاجة حصلت مضيقاكِ أو مزعلاكِ، احكي لي، صدقيني هتلاقيني دايماً في ضهرك يا بنت الذوات." نطق كلمته الأخيرة بشكل مرح، لترتسم ابتسامة طفيفة على ثغرها. أومأت له بإيجاب، كاذب، زائف.
بالطبع لن تخاطر وتخبره. ارتجف جسدها حين شعرت به يقبل قمة رأسها. أخذ ثيابه وخرج من الغرفة، تاركًا إياها تسبح في بحر من الحيرة، يغرقها رويدًا رويدًا. *** كانت تحلم بالطبع. كان حلمًا. كانت تركض في صحراء وخلفها ثعبان ضخم يحاول قتلها. ملابسها ممزقة، الدماء تغطي جسدها، تبكي بحرقة، تصرخ عل أحد ما ينقذها. شهقت بعنف، تصحو من ذلك الكابوس البشع على يد تربت على وجهها وصوته يصيح فيها: "إنتي يا بت إنتي بتموتي ولا إيه؟
بخربيتك. فوقي." انتفضت، تعود بجسدها للخلف تلقائيًا. دموعها تغرق وجهها منذ أن كانت تحلم. ارتجفت حدقتاها. عقلها وكأنه انفصل عن جسدها. لا ترى زياد، لا تستمع إلى ما يقول. ترى صاحب الظل، ها هو يقترب منها، في يده الثعبان، يبتسم لها ابتسامة الشيطانية المجنونة. صرخت مذعورة من وهم مخيف سكن روحها. انتفضت من مكانها، تهرع إلى الشرفة الموجودة في الغرفة. في لحظة فتحتها، تريد أن تلقي بنفسها منها.
انتفض زياد سريعا، لحق بها قبل أن تلقي بنفسها بثوانٍ معدودة. جذبها للداخل، يحتجزها بين ذراعيه. لتصرخ هي مذعورة، تتنفض بين ذراعيه، تصرخ بحرقة: "سيبني أموت، والنبي سيبني أموت. ما ترجعنيش ليه. مش عايزة أرجعله. أنا عايزة أموت." أحكم يديه حولها، ينتزعها من عند الشرفة. أخرجها من الغرفة بأكملها إلى الصالة. أجلسها على الأريكة. تحرك يبحث عن أي مهدئ كان يستخدمه، إلى أن وجد قرصًا واحدًا فقط تبقي في شريط.
وضعه في كوب عصير وعاد به إليها. وقف من بعيد يراقبها. جسدها يرتجف وكأنها تُصعق. عينيها تتحرك بهذيان في كل مكان. قسمات وجهها تنقبض خوفًا. كل حين وآخر، تلك المسكينة يبدو أنها عانت كثيرًا. اقترب منها، يعطيها كوب العصير. كاد أن يسقط من يدها عدة مرات من عنف ارتجافة كفها. سألها برفق، يكفي ما بها الآن: "إنتي اسمك إيه؟ أنا نسيت أسألك على اسمك." "حياة." بالكاد سمع اسمها، ليومئ لها، يتساءل في نفسه، يتحسر على حالها.
وهو حتى لا يعرفها. من الذي انتزع الحياة من حياة! بدأت ارتجافة جسدها تهدأ بفعل المهدئ. ثقلت جفونها، مال جسدها للخلف. أخذ منها كوب العصير، يضعه على الطاولة بعيدًا. مدد جسدها على الأريكة، يضع وسادة تحت رأسها. توجه إلى الغرفة، يجذب غطاء من الدولاب. لتسقط صورة قديمة من دولاب ثيابه. نظر، انحنى يلتقط الصورة. الصورة لترتسم ابتسامة حزينة على ثغره. صورة قديمة له هو ووالدته وخالته وحياة ابنته خالته.
توسعت عيناه، يقرب الصورة من عينيه. حياة الصغيرة لديها شامة على شكل سحابة على كتفها الأيمن. حياة سافرت مع والديها منذ سنوات. حياة تعيش بالخارج. تلك ليست حياة بأي شكل من الأشكال. تحرك سريعا، يحمل الغطاء في كفه والصورة في الكف الآخر. ارتجف كفه، يكشف كتفها الأيمن قليلاً. لتشخص عينيه ذعرًا. ارتد بجسده للخلف. نفس الشامة بنفس الشكل. نفس الاسم. لا يمكن أن تكون هي حياة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!