توسعت عينيها هلعا تنظر له مذهولة كيف بات أمامها بتلك السرعة. كان يقف هناك مع الرجل الآخر لم تحرك عينيها عنه سوى لحظات. كيف إذا! ابتلعت لعابًا جافًا كالصحراء تحاول أن تبدو متماسكة حتى لا يشك في أمرها، وكأنه لم يفعل وانتهى الأمر. حمحمت تردف بلامبالاة: عادي يعني ما كانش جايلي نوم فنزلت أتمشى شوية. أنا متعودة على كده. رفع حاجبيه ساخرًا: القطة الوردية تظن أنه أبله ليصدق كذبتها البلهاء.
ابتسم متهكمًا يدس يديه في جيبي سرواله يتشدق ضاحكًا: نازلة تتمشي بلبس البيت الساعة 2 بليل ليه؟ نازلة تقولي اغتصبي شكراً. احتدت عينيها غضبًا: الهمجي صاحب اللسان السليط كلماته سامة مثل سم الأفعى. قبضت على هاتفها في يسراها بعنف، أشهرت سبابة يُمناها في وجهه. احتدت نبرتها تهمس له غاضبة: أنا ما اسمحلكش تتكلم عني بالشكل دا للمرة الألف. وبعدين أنا حرة، أنت مش ولي أمري. أيوه أنا نازلة أقول اغتصبني شكراً، عندك مانع بقي.
حرك رأسه بالنفي ببطء، تلذذت ابتسامته بلمحة مكر أخافتها. اقترب منها خطوتين لتعود للخلف تلقائيًا، خاصة حين مد يده لأحد أزرار قميصه يغمغم في خبث مخيف: وهيكون عندي مانع ليه يا بنت الذوات؟ دا عز الطلب! توسعت عينيها هلعًا فيما يفكر ذلك المجنون. عادت للخلف تلقائيًا، ارتجفت شفتيها تلعثمت الأحرف تخرج من بين شفتيها ترتجف: اانت لو قربت مني هصرخ، أنت فاهم.
لم تتغير معالم وجهه، فقط يقترب يبتسم يبث فيها الرعب. إلى أن وقف فجأة، تحركت عينيه بعيدًا عنها لتري قسمات وجهه تتوتر للحظات. نظرت إلى ما ينظر، لكنها لم تر شيئًا. المكان فارغ لا أحد هنا، ويا ليته كان. التفتت لجبران من جديد لتراه اختصر المسافة بينهما. قبل أن تعي ما يحدث، كان يحتضن وجهها بين كفيه ليرتعش جسدها من حركته المباغتة. وعلى حين غرة، كان رأسه يرتطم بجمجمتها بعنف يُفقدها الوعي. ***
رائحة الطعام الذي تحبه نجلاء عادت. جملة رددها عقلها جعلتها تهب من فراشها. ترتسم ابتسامة كبيرة فوق ثغرها. نجلاء هنا. تخبطت في مشيتها من فرحتها إلى أن وصلت إلى مقبض الباب، تلمسته بلهفة تفتحه. وقفت عند باب الغرفة، ذلك المكان غريب عليها لا تعرف حتى أين تذهب. ولا يمكنها أن تحاول أتباع مصدر الرائحة لأن رائحة الطعام تأتي من كل مكان تقريبًا. لذلك قررت أن تنادي عليها: نجلاء.. نجلاء أنتِ هنا. أنتِ رجعتي... نجلاء ردي عليا.
لحظات طويلة من الصمت لم تجد منها إجابة فانتبأها الخوف عليها. تحركت بحذر تمد يديها أمامها حتى لا ترتطم بشيء حتى تعتاد المكان. فقط المكان إلى الآن فارغ لا شيء تتملسه في طريقها. تشجعت ربما الطريق فارغ أمامها. تحركت عدة خطوات بشكل أسرع قبل أن تصرخ من الألم حين ارتطمت قدميها في ساق طاولة قصيرة. جلست أرضًا من الألم تمسد ساقها المكدومة برفق.
سمعت صوت خطوات تركض ناحيتها. تلك ليست خطوات نجلاء. شعرت به يجلس جوارها. مد يديه يمسد ساقها المكدومة. من حركة يديه شعرت به قلقًا. سمعت صوته يحادثها مذعورًا: أنتِ اتخبطتي إزاي وليه خرجت من أوضتك؟ انتي ما تعرفيش حاجة هنا يا رسل. توترت للغاية من حركة يديه لتمد يدها تدفع يده بخفة ليترك ساقها. أصفر وجهها حرجا همست تردف متوترة: أنا شميت ريحة الأكل اللي بتعمله نجلاء فأفتكرتها رجعت فخرجت على طول عشان أشوفها.
انتظرت رده على ما قالت فلم تسمع منه شيئًا. رائحته ابتعدت تسمع صوت خطواته. أين سيذهب؟ عاد بعد لحظات في يده حافظة مربعة من الجلد بها قطع الثلج وضعها فوق الكدمة على قدمها لترتعش من برودة الثلج. مدت يدها تلتقط تلك الحافظة من يده ليسحب يده للخلف. جلس أمامها أرضًا تنهد يردف: وقعتي قلبي افتكرت حصلك حاجة. نجلاء لسه ما جاتش ولا حاجة. لما تعوزي تروحي في حتة قوليلي لحد ما تحفظي المكان.
أومأت بخفة تقطب ما بين حاجبيها في عجب. نجلاء لم تأتِ إذا، فمن رائحة الطعام الشهية تلك؟ رائحة العكعك التي تحب لا يمكن أن تنساها ببساطة. لذلك رفعت وجهها تسأله مدهوشة: أومال مين اللي عمل الأكل؟ أنا عارفة ريحة أكل نجلاء كويس. من الجيد أنها لم تنظر لوجهه الوسيم الذي ارتبك. رفع يده يخلل بها خصلات شعره يضعها خلف رقبته. حمحم يغمغم بنبرة هادئة لامبالية: أنا! توسعت عينيها اندهاشا تنظر ناحيته مذهولة. ليحمحم مرتبكًا يردف:
نجلاء قالتلي أنك بتحبي البان كيك وأنا كدة كدة بعرف أطبخ فقولت أعملهولك. هاتي ايدك يلا أنا حطيت الأكل على ترابيزة قصاد البحر. ذلك الرجل الغريب من يكون؟ خاطفها أم زوجها أم نجدة بُعثت لها لينتشلها من غياهب أحزانها التي تبتلعها بعنف يومًا بعد يوم. شعرت بأصابع يده تتماسك بكفها برفق تجذبها لتقف. تحركت معه خطوتين باستسلام شديد ليقفا فجأة يسألها قلقًا: قادرة تدوسي على رجلك ولا أشيلك؟ تورّدت وجنتاها خجلًا تنفي برأسها سريعًا
تهمش بصوت مرتبك خجول: لا... أنا كويسة. ابتسم سعيدًا حين رأى احمرار وجنتيها خجلًا منه. ظل محتفظًا بكفها يسير بها إلى الخارج حيث ضرب جسد كل منهما تيار الهواء وهو يتراقص مع قطرات البحر المالحة. جلست على مقعدها ليجلس جوارها وسمعت جملته التي دائمًا ما تقولها نجلاء لها: أنا عملتلك أربعة بس عشان عارف أنك بتحبي تاكليهم سخنين. لو عوزتي تاني قوليلي أعملك! ***
ألم بشع يدور بها مع عقلها في دوامة من الأشواك. رفعت يدها تتحسس مقدمة رأسها لتنكمش ملامحها تتأوه متألمة. بالكاد فتحت عينيها انتصفت جالسة تحاول تذكر ما حدث. الليل. جبران. الحقيبة. الهاتف. مقطع الفيديو. البربري الهمجي صدمها برأسه ففقدت الوعي.
مدت يدها سريعًا تلتقط هاتفها تفتحه ببصمة إصبعها تبحث بلهفة عن مقطع الفيديو. لا أثر له بالطبع سيحذفه حتى لا تحمل دليلًا ضده. قامت من فراشها تترنح قليلًا، لا تزال تشعر بالألم العنيف يغزو رأسها. توجهت إلى مقعد صغير ارتمت بجسدها عليه تتساءل حائرة. هل هو من أتى بها إلى المنزل؟ ولكن والدتها ماذا قال لها؟ هي حقًا لا تفهم ما الذي يجري في مستشفى المجانين هذه.
صاحت باسم والدتها مرة واثنتين وكما توقعت والدتها ليست هنا. توجهت إلى المرحاض نظرت لوجهها لتري بقعة حمراء مؤلمة تغطي جبهتها. شدت قبضتها حانقة تتوعد له. اغتسلت وبدلت ثيابها. حاولت إخفاء تلك البقعة عن جبهتها قليلًا بمستحضرات التجميل. نزلت لأسفل قاصدة ورشة النجارة الخاصة بجبران بخطى غاضبة. توجهت إليه رأته يمسك بورقة (سنفرة) يحرك يده بخفة على لوح خشب ضخم يرقد أمامه كجثة. دون مقدمات صاحت تحادثه محتدة:
طبعًا أنت اللي مسحت الفيديو من على الموبايل عشان ما يبقاش في أي دليل على قذارتكم. من الجيد أنها تعلمت من أخطائها السابقة ولم يكن صوت صياحها عالٍ. فقط خفيض هو فقط من سمعه. فابتسم ساخرًا ترك السنفرة من يده يكتف ذراعيه أمام صدره يغمغم ساخرًا: إيه اللي أنتي بتقوليه دا يا بنت الذوات. أنتي سخنة ولا حاجة. فيديو إيه اللي بتتكلمي عنه؟ أنا ماليش في الفيديوهات دي. حرام يا بنت الذوات لو بتشوفيها توبي وامسحيها.
توسعت عينيها اندهاشا من الذي يتحدث وكيف قلب الطاولة في لحظات بشكل مخيف. لاحظت نظرات العمال المشنئزة نحوها لترمي جبران بنظرة حادة غاضبة. تحركت ناحية فرشة الخضروات الخاصة بوالدتها ارتمت على المقعد القصير جوارها تحادثها حانقة: ماما أنتِ مش ملاحظة إني من ساعة ما جيتلك ما قعدناش نتكلم ساعة واحدة مع بعض؟ على طول حضرتك على الفرشة دي. بابا ما كانش بيعدي يوم غير لما أحكيله ونتكلم مع بعض فترة طويلة. تنهدت فتحية حزينة يائسة:
وتر لا تفهم قدر المعاناة والمشقة التي تتلقاها لتحصل على بضع قروش من تلك الفرشة الصغيرة. تنهدت تردف حزينة: والنبي يا وتر سيبي اللي مكفيني ما تزوديش على همي. ما بعتش من الصبح ولا رابطة جرجير حتى. ابتسمت وتر ساخرة أخرجت هاتفها تعبث فيه. لم تمر سوى دقيقتين ورأت جمع غفير من الرجال والسيدات يقفون أمامهم. في أقل من عشر دقائق كان جميع ما على الفرشة البسيطة قد اختفى. آخر (حزمة)
جرجير كانت في يد أحد رجال جبران. أخرج من جيب سرواله الجينز النقود يعطيها لفتحية يغمغم مبتسمًا في سماجة سخيفة: المعلم جبران بيمسي يا ست فتحية وبيقولك في أي حال يزنق بلغيه والفرشة هتتنسف زي ما حصل من شوية. توسعت حدقتا وتر تنظر لوالدتها مذهولة. هو من فعل ذلك؟ ولكن كيف علم من الأساس؟ قامت والدتها تنفض الغبار عن ملابسها تغمغم سريعًا:
لأ أنا رايحة أشكر المعلم جبران. الراجل يشكر دا أنا قولت البضاعة هتبوظ من الركنة. تعالي معايا يا وتر. ابتسمت تؤمئ بالإيجاب لتذهب علها تكتشف جانبًا آخر من شخصيته الغريبة. تحركت بصحبة والدتها إلى ورشته. وقفت خلف والدتها بخطوتين حتى يصبح المشهد كاملًا أمامها وكأنها تراقبه من الخارج. تسمع والدتها وهي تشكره بامتنان شديد: متشكرة يا معلم جبران ألف شكر ليك. الواحد مش عارف والله يرد جمايلك إزاي.
ابتسم منتشيًا بانتصاره كما توقعت. يغمغم مزهوًا: ما تقوليش كدة يا ست فتحية. انتوا كلكوا مسؤولين مني. هو مش أنا كبير المكان ولا إيه. نرجسي بدرجة امتياز. بدأت والدتها تشكره بحرارة من جديد ليغمغم جبران ضاحكًا: ما خلاص يا ست فتحية لو عايزة تشكريني بجد، اطلعي عندي الشقة واعملي لي طبق فتة باللحمة. هتلاقي كل حاجة فوق مستنية حد يعملهالي.
لم تتردد والدتها لحظة بل أقسمت أنها ستقوم بذلك وأخذت منه مفتاح شقته. ابتسمت وتر ساخرة ترفع كتفيها لأعلى. ولما لا؟ ربما ستجد ذلك شقته شيئًا ما يساعدها لتحليل شخصية ذلك المجرم النرجسي. التفتت فتحية لها تحادثها سريعًا: اطلعي أنتي يا وتر وأنا هحصلك على طول. نفت برأسها في هدوء تام. عيناها هناك معلقة عند جبران. تغمغم مبتسمة: لأ يا ماما أنا مش هسيبك لوحدك. هطلع معاكِ أساعدك.
ابتسمت تتحداه بنظراتها في حين ضحك هو متهكمًا يحرك إصبعيه السبابة والابهام على طول ذقنه بحركة مخيفة وكأنه يتوعدها. ولكنها لم تخف. أقسمت أن تفك طلاسمه كما فعلت قبلًا مع حالات كثيرة وهو لا يختلف عنهم شيئًا. حالة؟ مثلها مثل سابقيه. تحركت بصحبة والدتها إلى شقته في عمارة سكنية قريبة. دخلت إلى شقته قبلًا ولكنها هنا الآن لتحلل كل جزء فيها. وخاصة غرفة نومه. أوراقه. ذوقه في الثياب. أجفلت على يد والدتها تحادثها:
وتر خليكي قاعدة هنا مش هتأخر. على طول وهنمشي. ابتسمت في وداعة قطة وردية كما يراها. تؤمئ بالإيجاب. ففي خبث وقفت مكانها هادئة صامتة إلى أن اختفت والدتها داخل المطبخ لتبتسم في خبث تتسلل على أطراف أصابعها بخفة. تلتفت هنا وهناك. أين غرفة نومه؟ فتحت باب أول غرفة. غرفة مظلمة مليئة بالكراكيب القديمة لا فائدة منها. وربما فيها الفائدة بأجمعها. ربما هنا شيئًا يتعلق بطفولته وسبب ما هو عليه الآن. ستتركها فيما بعد.
من الجيد أن الغرفة المجاورة لها كانت غرفة نوم. ذلك القميص الملقي أرضًا هو ذاك الذي كان يرتديه وهو يعطي حقيبة المخدرات للرجل في الزقاق. دخلت إلى الغرفة تتطلع إلى كل جزء فيها. فراش ليس بكبير كما ظنت. غرفة بسيطة بشكل جعلتها تتردد في احتمال كونه نرجسي يحب الزهو بما يملك. تقدمت إلى (الكومود)
الصغير جوار الفراش تفتحه بخفة. فارغ لا شيء سوى بضع وصلات للغاز وأخرى للمياه وحجارة قديمة وقلم شبه فارغ. أزاحت الوسادات تبحث خلفها. لا شيء تمامًا. زفرت أنفاسها حانقة تتوجه إلى دولاب ثيابه. مكتز بالملابس بشكل يعيد تشكيل فرضيتها الأولى من جديد. ملابسه موضوعة بعناية لا علاقة لها بالغرفة المبعثرة. بدأت تبحث بتروٍ وحذر بين طيات ثيابه علها تجد ولو ورقة. استمرت في البحث فيما يزيد عن ربع ساعة كاملة.
في تلك الأثناء دخل إلى شقته ليرى ماذا فعلت القطة الوردية. تركها نصف ساعة تعثو في منزله فسادًا. ارتسمت ابتسامة عابثة على شفتيه. في الأغلب ستكون في غرفة نومه كما اعتاد. مد يده ينزع قميصه. عادة لا دخل للقطة بها. ألقى القميص أرضًا بإهمال. يتحرك إلى غرفته. الباب شبه مفتوح. دفعه برفق شديد ليجدها تقف أمام دولاب ثيابه تخرج أحد القمصان تفتش بين جيوبه.
منع ضحكته بصعوبة. تبدو كزوجة تبحث بين ملابس زوجها الخائن عن شعرة شقراء. دفع الباب يدخل لتري بطرف عينيها شيئًا ما يقف هناك بعيدًا. التفتت لتراه أمامها عاري الصدر إلا من قلادة من الفضة تأخذ شكل (موس) مخيف. ذلك المشهد تعرضت له قبلًا وكادت أن تصاب بخسائر فادحة. لذلك فتحت فمها لتصرخ تستنجد بوالدتها. ليتحرك هو سريعًا يكمم فمها بكف يده. ابتسم يهمس في خبث: هش أمك برة هتسمعنا. ولو دخلت وشافتنا كدة هتطب ساكتة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!