الفصل 12 | من 53 فصل

رواية جبران العشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دينا جمال

المشاهدات
20
كلمة
4,014
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

تضاربت دقات قلبها، تموء داخل كفه بعنف. تحاول دفعه بعيدًا ولكنه لا يتزحزح، وكأنه أقسم ألا يتركها. تحركت حدقتاها هلعًا هنا وهناك، لا مفر. هنا هو أمامها، وباب الدولاب المغلق يسند جسدها الذي يحاول الفرار، وكفه يكمم فمها. حين مل من دفعاتها، قبض على رسغيها في كفه الأخرى ببساطة. تنهد ساخرًا يردف متهكمًا: -ممكن أعرف يا بنت الذوات إيه اللي مدخلك أوضتي وبتفتشي في أي؟ أنتِ مخبر يا بت ولا إيه؟

رفعت حاجبيها تنظر له ساخرة من تحليله الجهنمي الخارق لحدود تفكير الإنسان الغبي من الأساس. حركت رأسها بالنفي، تحاول جذب كفيها منه بعنف. إلى أن ترك يديها وأبعد كفه عن فمها، لتأخذ نفسًا قويًا. لهثت بعنف تحادثه حانقة: -نفسي كان هيتكتّم كل ده كف إيد. وبعدين هكون بعمل إيه في أوضتك يعني؟ ااا... ااا.

تلعثمت لعدة لحظات تحاول إيجاد كذبة مقنعة، في حين وضع هو يديه على خاصرته يراقبها بابتسامة ساخرة وهي تحاول أن تكذب. لتغمغم سريعًا: -أيوه، أنا كنت بنضف الأوضة. ماما قالتلي روحي نضيفها وأنا كنت بعلق هدوم مرمية في الدولاب. وأنا هعمل إيه يعني في أوضتك؟ ضحك بخفة، يومأ برأسه في صمت، يرميها بنظرات متهكمة. عينيه صوب ذلك الكتاب الملقي جوارها أرضًا. مال في لحظة يختطفه من جوارها، رفعه أمام عينيه يغمغم ساخرًا:

-والكتاب دا كنتي بتعلقيه بردوا ولا بتكمريه عشان تاخديه؟ توسعت عينيها غضبًا من ألفاظه السوقية المقززة، لتشهر سبابتها أمام تهمس محتدة: -ما اسمحلكش تتكلم لا معايا ولا عني بالطريقة دي. الكتاب وقع من دولابك. المفروض أنا أسألك، كتاب "من السجن إلى الحرية" بتاع بيير داكو، طبعة أصلية مش مترجمة، بيعمل إيه في دولابك؟ ما تلك الأسماء الغريبة التي قالتها؟

ذلك الكتاب اشتراه من بائع الخردة. فتح صفحات الكتاب، يحركه بخفة، ليسقط من بين ورقه أبيض صغير غريب الشكل. ولكنه تعرفه، تلك الأوراق التي يضعون فيها المخدرات كالسجائر. توسعت عينيها وتدلى فمها، خاصة حين غمغم ساخرًا: -حاطط فيه ورق البفرة يا بنت الذوات. رأت كنز نادر مغروس بين الوحل، لم تشعر بنفسها سوى وهي تنتزعه من بين يديه بعنف، تصرخ فيه: -كتاب من أحسن كتب علم النفس عامله قرف للقرف. أنت إيه؟

أنا عمري ما تخيلت إن فيه نوعية زيك كدا من البشر. فخور أوي إنك مخبي فيه ورا بتاع ده. أنت فعلًا عايش في سجن عمرك ما هتخرج منه للحرية. اختفت ابتسامته الساخرة شيئًا فشئ، إلى أن تماهت تمامًا. قبض كفه ونفرت عروقه، وهسهس غاضبًا: -أنت ليه مصرة تخرجيني عن شعوري يا بنت الناس؟ أنتِ اللي ناجدك من إيدي إنك واحدة ست، وأنا عمري ما امد إيدي على ست.

بالطبع، صوت صياحهم الغاضب جذب انتباه فتحية التي خرجت تركض من المطبخ تبحث عن ابنتها. إلى أن وجدتها. دخلت إلى الغرفة لتتسع عينيها قلقًا حين رأت جبران يقف عاري الصدر في غرفة نومه مع ابنتها. ارتابت قلقًا، لتتقدم منه سريعا تنظر لوتر محتدة: -تعالي يا وتر، عيزاكي عشان نحط الأكل. عن إذنك يا معلم.

تحركت خلف والدتها، التقت عينيها بعينيه وهي تغادر. نظراتها تملؤها الكره والنفور، ونظراته يحتلها الغضب والغيظ منها. ما إن خرجت من الغرفة، قبضت فتحية على رسغ يدها بعنف تجرها خلفها إلى المطبخ. أغلقت الباب عليهم، وقفت أمام ابنتها تهمس لها في حدة: -أنت إيه اللي دخلك أوضة نومه؟ وازاي توقفي معاه وهو قالع كده؟ أنتِ مجنونة؟

تنهدت بملل. والدتها لا تعرف أنها مرت بأشياء أسوأ بمئات المرات في فترة تدريبها في إحدى المستشفيات. تنهدت بعنف تُنهي ذلك النقاش العقيم قبل أن يبدأ من الأساس: -لما نروح يا ماما هبقى أقولك. يلا نوديله الأكل عشان نمشي. رمت فتحية ابنتها بنظرة حادة، لترتسم ابتسامة ساخرة على شفتي وتر. تلك هي والدتها التي كانت لا تتمنى شيئًا بقدر رؤيتها ولو لمرة.

على طاولة صغيرة في الصالة، وُضعت الأطباق الساخنة يتطاير منها الدخان. خرج جبران من غرفته متوجهًا إلى الصالة. نظر لفتحية حين قالت: -بالهنا والشفا على قلبك يا معلم. يلا بالإذن إحنا بقى. امسكت فتحية يد ابنتها لتجذبها معها للخارج. ليتدخل جبران يردف سريعًا: -يعني تبقوا في بيت المعلم والأكل محطوط وتنزلوا من غير أكل؟ والله ما تيجي. اقعدي يا ست فتحية، اقعدي يا أستاذة.

نظرت وتر له محتدة، خاصة حين لاحظت نبرة التهكم الواضحة في صوته حين نطق اسمها. لتبتسم في اصفرار تحادثه: -لأ متشكرة جدًا، إحنا مش جعانين. عن إذنك. ولكنه رفض. أردف في حدة منفعلًا: -طب على الطلاق بالتلاتة منك لانتوا قاعدين واكلين. الجملة أدهشتها هي ووالدتها معًا. من تزوج من ليطلقها؟ ما الذي يهذي به ذلك البربري؟

جلست مرغمة حين جذبتها والدتها تجلسها جوارها. زاد غيظ وتر حين لم تعقب والدتها على جملته الغريبة. أمسكت الملعقة تتظاهر بأنها تأكل، تختلس النظرات له لتراه يشمر عن ساعديه، يمسك بدجاجة ليست بصغيرة الحجم تتوسط الطاولة. ذلك البربري يتناول الدجاج واللحم في وجبة واحدة. انكمشت ملامحها متقززة، تنظر له مشمئزة وهو يمزق أعضاء الدجاجة بمنتهى العنف. لتجد جزء كبير منها يوضع أمامها. يوجه حديثه لها بابتسامة كبيرة مستفزة:

-كلي يا بنت الذوات، شكلك ضعفان خالص. لاء أحسن توقعي مننا واحنا محتاجينك. غمزها بطرف عينيه في نهاية كلامه، دون أن يهتم بأن والدتها تجلس معهم على نفس الطاولة. ومنذ متى وذلك الوقح يهتم؟ كافحت رغبتها العارمة من أن تتقيأ حين تنظر له وهو يأكل بيديه المغطاة بدهون الدجاجة. قطعة اللحم تدخل كاملة إلى فمه. أشفقت حقًا على من ستكون زوجة له. لن تهنئ لها وجبة طعام واحدة معه.

أخرجها من شرودها الطويل صوت رنين هاتفها. انتزعته من جيب سترتها لتري رقم زياد ينير الشاشة. قامت سريعًا من مكانها تبتعد عنهم قدر الإمكان، تراقبها أعين جبران بحذر. أبعدت هي لأقصى الصالة بعيدًا، فتحت الخط تضع يدها بالقرب من فمها تهمس بصوتها: -أهلاً يا زياد، حضرتك قربت ولا إيه؟ صمت لبعض اللحظات. لما ذلك الرجل كثير الصمت هكذا؟ كأنه كان يريد أن يقول شيئًا ولكنه تراجع عنه. سمعته زفرته الحائرة من خلال الهاتف ليغمغم في هدوء:

-قدامي ساعة بإذن الله. أنا كنت متصل أقولك أنك لازم تيجي بكرة عشان نقفل التحقيق في قضية والدك. صدقيني أنا حاولت أأجل التحقيق لأطول وقت ممكن بس ما بقاش ينفع أكتر من كده. ارتسمت ابتسامة حزينة يائسة على شفتيها. أومأت برأسها بالإيجاب. ابتلعت غصتها المريرة تتمتم: -ماشي يا زياد باشا، بكرة هكون عندك. في انتظارك النهاردة، مع السلامة.

أغلقت معه الخط، تزيح الهاتف من على أذنيها. شردت عينيها في الفراغ، تنظر بعيدًا ترى طيف والدها يضحك لها. طفقت دموع خفيفة على سطح مقلتيها. رفعت يدها سريعًا تمسحها. والدها سيعود. كل شيء سيعود كما كان عليه الحال. لتعتبرها فقط تجربة جديدة، وهي خير من يعشق التجارب. الآن الأهم فالمهم، ستذهب لأمل لتخبرها أن زياد على وشك الوصول. نظرت لوالدتها التي بالكاد أكلت بضع لقيمات من طبقها، تحادثها:

-يلا يا ماما كدة كفاية. عن إذنك يا معلم جبران. ابتسم متوعدًا حين استشف سخريتها. ابنة الذوات تتهكم منه. سيرى من يضع القوانين هنا. توجهت وتر مع والدتها إلى منزل سيدة. دخلت وتر سريعًا إلى غرفة أمل تهمس لها متلهفة: -قومي بسرعة اجهزي، زياد قدامه ساعة. بسرعة يلا. توترت قسمات وجه أمل، تومأ برأسها. شئ قلبها خائف وعقلها يوافق، يثور. وهي بين ذلك وذاك، تلتف في دائرة من الحيرة.

في حين على جانب آخر، نزل جبران على سلم البيت بخطوات ثقيلة ناعسة بعد تلك الوجبة الدسمة. كان يخطط للنوم لعدة ساعات، ولكن تلك الداهية المسماة وتر تخطط لشيء ما. ترى ما هي؟ ارتَمى على مقعد أمام ورشته، يصيح في صبي المقهي: -واد يا مصطفى، كوباية شاي تقيلة أحسن الواحد كل لما اتنفخ وعايز يحبس!

أخرج سيجارة تبغ من علبته الخاصة، أشعلها ينفث دخانها الأبيض الملوث. ليرى من بعيد حسن يقترب منه. جذب مقعدًا من المقهي يضعه أمامه، يغمغم سريعًا: -جايبلك حتة شغلانة سقع. بص يا سيدي، المعلم عويض من أسيوط دا بتاع مقابر وآثار وتماثيل. عايزاك في شغل معاه. أبعد جبران السيجارة عن شفتيه، ابتسم ساخرًا ينفث دخانها قبل أن يضحك في تهكم: -آه، مش دول بتوع "انزل يا محمد عمك لقي تماثيل دهب" وعايزين حد يصرفهم؟

قديم أوي الحوار دا يا حسن. دا زمان محمد هرب بالتماثيل. ضحك حسن في سخرية، يغمغم سريعًا: -ما تبطل هزار يا جبران، دول تجار آثار وسلاح وحشيش. -ياللهول، ما بيؤدوش بنات بالمرة. قالها جبران ضاحكًا، لينفجر في الضحك بعدها مباشرة. في حين ابتسم حسن متهكمًا: -هزر هزر، مش وقت خفة دم يا جبران. الحوار أكبر من كده. الناس دي ما بتتفاهمش غير بالسلاح. اختفت ابتسامة حسن الساخرة، قبيل أن ينخفض بصوته يهمس في حذر: -طرف خيط لصاحب الظل!

اختفت ابتسامة جبران في لحظة. اعتدل، يقترب من حسن. ألقى السيجارة من يده، يهمس له بحذر: -أنت متأكد؟ أومأ حسن له يؤكد له ما قال. لتشرد عيني جبران يفكر في ذلك الاسم وصاحبه. صاحب الظل حاكم السوق السوداء. الجميع يمشي بأمره، حتى سفيان ومن معه. لا أحد يعرف لا شكله ولا اسمه ولا حتى صوته. صاحب الظل لقب أطلقه هو على نفسه. الجميع يسعى لمعرفة من صاحب الظل هذا؟!

جذب انتباههما معًا وقوف سيارة دفع رباعي سوداء أمام منزل أمل. لينزل منها ذلك الضابط زياد يحمل في يده باقة من الأزهار وعلبة حلوي تبدو فاخرة. نظر كل من حسن وجبران إلى بعضهما البعض في حيرة. لمن جاء هو؟

في الأعلي، في غرفة أمل، وقفت أمام مرآة الزينة الصغيرة في غرفتها تتنفس بعنف. لا تنظر لما ترتدي. الحكاية ليست سوى لعبة لتتخلص من قيود حسن. فقط تحاول أن تهدئ وتر جوارها، تشجعها بأن تثبت بأن ما سيفعلانه هو الصحيح لتتخلص من تحكم حسن المفرط فيها، لتعيش حياتها كما تريد.

بعد أن هدأت قليلًا، تبخر ذلك الهدوء في لحظة. دق جرس الباب. انتفضت لتهرول وتر سريعًا تفتح جزء صغير من باب غرفة أمل تنظر منه للخارج. لتري زياد يدخل يبتسم في لباقة وتهذيب. يصافح زوج والدة أمل، ذلك الرجل الطيب. لا تذكر اسمه الآن. نظرت له تبتسم ممتنة. تمنت حقًا أن يكن هو عريس لأمل. فتاة في مثل طموحها تستحق زوج كزياد. بالطبع سيدعمها لتصل إلى ما تحلم. ليس حسن ذلك البلطجي الذي يريد خادمة له لا أكثر، يفرض نفسه عليها بالقوة غصبًا.

توجه زياد إلى أحد المقاعد يجلس على مقعده المتحرك. بالقرب منه زوج السيدة، سيدة التي تجلس على الأريكة جوار والدتها يتطلعان للضابط الوسيم صاحب الأعين الخضراء يتسألون عن سر زيارته المفاجئة. حمحم زياد بهدوء، يحادث الرجل الجالس أمامه: -بص يا عم صابر، من غير مقدمات مالهاش لازمة. أنا راجل بيحب يدخل في الموضوع على طول. أنا جاي طالب إيد بنتك أمل على سنة الله ورسوله. -جاي تخطب خطيبتي يا باشا.

صاح بها حسن محتدًا وهو يدخل من باب المنزل المفتوح. لما نسوا إغلاق الباب. دخل حسن بعنف كعاصفة هوجاء مليئة بالأتربة. وقف ينظر لزياد يتحداه بنظراته. دماءه حرفيًا كانت تغلي من الغضب. ذلك الرجل هنا ليأخذ محبوبته منه. لن يسمح له أبدًا. توترت الأجواء من جميع الأطراف عدا زياد الذي ابتسم في سخرية ينظر لحسن متهكمًا يحادثه: -خطيبتك إزاي؟ المعلومات اللي عندي أن آنسة مش مخطوبة.

في تلك اللحظة تحديدًا، دخل جبران يبتسم في هدوء ورزانة لا يعرفها من الأساس. يحادث زياد مرحبًا: -نرحب بالباشا الأول، منورنا والله يا باشا. بس معلش يا باشا، امسحها فيا أنا. معلومات جنابك، لمؤخذة يعني في اللفظ، ناقصة. حسن قارئ فتحته على أمل. والفتحة عند ولاد البلد مش خطوبة بس لاء، دي كأنها كتب كتاب بالظبط. يعني أنت دلوقتي جاي تطلب إيد واحدة متجوزة يا باشا.

توسعت عيني وتر في دهشة من تلك الكلمات التي قالها ذلك البربري الذي بات حكيم قومه فجأة! التفتت لأمل تدفعها للخارج تهمس لها محتدة: -اخرجي قولي لاء، ما حصلش. دافعي عن مستقبلك اللي بيضعه البلطجي ده. أومأت أمل سريعًا لتندفع للخارج. نظرت لزياد تبتسم وكأنها تعرفه منذ سنوات طوال، تحادثه برقة: -إزيك يا زياد؟ الورد ده جميل أوي!

توسعت عيني حسن مما حدث توا. في حين ابتسم جبران ساخرًا. تلك إذا هي الداهية التي كانت تخطط لها وتر. كان عليه أن يعرف أن تلك الداهية صاحبة عقل شيطان. وما جديد؟ أليست ابنة سفيان؟ ابتسم ساخرًا دون تعقيب. في حين صاح حسن بصوته كله يصرخ فيها غاضبًا: -الورد ده أنا هحطه بإيدي على تربتك. خشي أوضتك وما تطلعيش براها، لهكسر دماغك.

ارتجفت نابضها خوفًا. تثبت قدميها في الأرض بعنف. لن تهرب. هي ليست بجبانة أو ضعيفة. لن تدعه ينتصر هنا. جاء دور زياد الذي اندفع ناحية حسن يمسك بتلابيب ثيابه بشكل مهين له، يصيح فيه: -ولااا! اقف عوج واتكلم عدل، بدل ما أشدك من قفاك وأعلمك الأدب. من النهاردة لاء، من دلوقتي حالا لو لمحت ضلك بس جنب ضل خطيبتي، ها سامع؟ خطيبة زياد باشا. هسففك تراب الأرض.

تسارعت أنفاس حسن بعنف شديد. أحمر وجهه وقتمت حدقتا عينيه. عينيه مثبتة على تلك التي تقف هناك تنظر له تبتسم متشفية. تشمت به! رفع يده يبعد يد زياد عنه. ابتسم في هدوء، يومأ بالإيجاب في هدوء يسبق عاصفة الصحراء. رفع يده يربت على كتف زياد بخفة يتمتم مبتسمًا: -ألف مبروك يا باشا، ربنا يتمم لك على خير. عن إذنكم.

غادر في هدوء مخيف. هدوء بث في قلبها الرعب. توترت حدقتاها تنظر ناحية جبران لتري ابتسامة لا تقل رعبًا عن هدوء حسن ترتسم على ثغره. صافح زياد يغمغم مبتسمًا: -عقبال البكاري يا باشا، وابقى اعزمنا بقى. عن إذنك. ولحق بصديقه. وساد صمت غريب من جميع الجهات. لم تخرج وتر حتى لا تشك والدتها أن لها يد في الموضوع وتسمعها محاضرة طويلة عن مدى خطورة جبران وأنها لا يجب أن تتحدّاه أبدًا. حمحم زياد يوجه حديثه لصابر، يحاول طمأنتهم:

-يا عم صابر، أنا جاي وعايز بنتك في الحلال. وما تخافش من حسن، أنا هعرف كويس أوقفه عند حده. نقرا الفاتحة. اضطربت عيني الرجل العجوز خوفًا. ينظر لسيدة التي لا تقل عنه رعبًا. ابتلع لعابه، تنهد قلقًا يغمغم متوترًا: -يا زياد، إنت عريس ما تترفضش طبعًا. وأنا أكيد مش هحب أجوز بنتي لبلطجي. أكيد هطمن عليها مع حضرتك. بس حسن مش هيسيبنا، لاء هو ولا المعلم جبران.

هنا شعرت زياد بالإهانة حقًا. زياد لا يقل نرجسية عن جبران. لا يحب أن يقلل أي من كان من قدره. ثارت ثورته يغمغم منفعلًا: -طب يبقى يفكر يتعرض لها بحرف، مش بكلمة. وشوف أنا هعمل فيه إيه! أنا، أنا، أنا. ها هو مغرور آخر يعتز بالأنا. يقدسها حد الموت. ابتسمت وتر ساخرة تراقب ما يحدث. الرجل المسكين خاف من حدة زياد ليومأ برأسه سريعًا يوافقه. فابتسم زياد يغمغم:

-بإذن الله هيكون لينا قاعدة تانية نحدد فيها ميعاد الخطوبة. عن اذنكوا ونتكلم أكتر بسبب اللي حصل ده. أعتقد ما فيش مجال لأي كلام دلوقتي. عن اذنكوا. صافح الجميع. اختطف نظرة سريعة حوله يبحث عنها، لعله يراها. ليرى طيفها من خلف باب غرفة شبه مغلق. ابتسم لها. كم كان يتمنى أن تكون وتر هي العروس بدلًا من أمل. هل تُرى أحبها بتلك السرعة؟!

واد يا سلكة، تروح للواد عاطف نابطشي الأفراح وتقوله المعلم جبران عايزك. وبعدين تعدي على عمك طه بتاع الفراشة تقوله المعلم جبران عايزك بردوا. بلا غور. انتهى جبران من دفع الأوامر لصبيه. ليلتفت برأسه إلى حسن الذي يكاد يحرق خشب المقعد من نيرانه المستعرة غضبًا. تنهد بعمق يغمغم ببساطة:

-اهدي يا حسن، اللي أنت عاوزه أنا هعمله. اديني بعت أجيب النباطشي وبتاع الفراشة أهو وهعملك ليلة يحكي ويتحاكى بيها الحتة كلها لشهر واتنين وتلاتة وهجوزهالك. اهدي بقى.

حرك رأسه بالنفي مرة بعد أخرى بعنف. لا.. لا يكفي. لا يكفي أبدًا. لا يكفي نظرة الشماتة والانتصار التي رآها في عينيها. وذلك الزياد يهينه أمامها. كم كانت سعيدة وكم شعر بالذل والإهانة لأنه يحبها فقط. خرج من شروده حين رأى ذلك الزياد ينزل من منزلهم. رمى حسن بنظرة ساخرة متهكمة يملؤها الاحتقار والاشمئزاز. ومن ثم استقل سيارته وغادر. ليهب حسن واقفًا، يشعر برغبة ملحة في البكاء. عينيه احمرت تكاد تنفجر منها الدماء. التفت لجبران يهمس له محتدًا:

-الدخلة آخر الأسبوع ده، وبلدي!! أنا هجيب مناخيرها الأرض. صبرك عليا يا أمل!

عالم أسود وكر لشياطين من الجحيم. حفل أقيم في الجحيم. المكان مخيف. ملهى ليلي مخصص لهم هم فقط لأصحاب القلوب السوداء في منطقة راقية للغاية. يمكن أن تكون داخل مصر، ويمكن أن تكون خارجها. ولكنها في الأرجح خارجها. وقفت الكثير من سيارات الدفع الرباعي. نزل جيش كامل من الحراس. هنا السلاح أرخص من الطعام. توجه أحد الحراس إلى إحدى السيارات الضخمة فتح بابها، ينحني برأسه احترامًا وخوفًا. نزل من السيارة. وقف جوارها بمعطف أسود من الصوف وسروال حلة لمصمم شهير. قفازات من الجلد تغطي يديه. قناع أسود يغطي وجهه لا يظهر سوى عينيه اللامعة بلونها الأسود الحاد وشعره الطويل يتدلى منه غرة تغطي جبينه. هرول صاحب الملهى إليه. اقترب منه يحادثه مرتجفًا:

-سـ.. سـ.. سيدي صاحب الظل... جلالتك المزاد في انتظارك لتختار ما تريد قبل بيعهم.

لاحت ابتسامة شرسة مخيفة على ثغره لم يرها أحد غيره. تحرك للداخل بخطي واسعة يدس يديه في جيبي معطفه. ما أن دخل للملهى توقفت الأصوات خوفًا. ذلك الرجل لا يُفضل الاقتراب منه أبدًا. وكأن الشيطان تجسد على الأرض في جسده. اقتربت إحدى النادل تأخذ منه المعطف لتظهر حلته السوداء وقميصه الأبيض ورابطة عنقه السوداء. تحرك إلى طاولته الخاصة يضجع بظهره إلى ظهر أريكة سوداء من الجلد. أشار بيده ليبدأوا العرض. فُتح الستار أمام عينيه ليظهرن أمامه فتيات ربما أغلبهن عاهرات هنا للمزاد الخاص بهم. ذوق ذلك الملهى تدنى كثيرًا. لا شيء جديد ملفت. رأى مثلهم الكثير. مط شفتيه قليلًا بدأ يشعر بالاستياء. لف رأسه ناحية صاحب الملهى ابتسم يغمغم ساخرًا:

-بدأت أشعر بالملل. أين الجديد سام؟ أسرع، فوقتي كما تعلم يُقاس بجرامات الذهب. توسعت عيني الرجل مذعورًا. ألم يعجبه أي منهن؟ تلك المجموعة الأفضل التي سيقامر عليها في حفل الليلة. لا يوجد أحد. لا يوجد. لا يوجد غيرها!

لم يكن لديه حل آخر. هي آخر من تبقى. ربما تنقذه من تلك الورطة. غاب لبضع دقائق ليظهر من جديد يقبض على ذراع فتاة ربما هي في بداية العشرينيات تصرخ فيه تتلوي بين يديه أن يتركها وإلا قتلته. وقف بها أمامه يغمغم سريعًا: -جلالتك، ابنة أخي. أتمنى أن تنال إعجابك.

رفع يسراه يحرك سبابته وإبهامه تحت ذقنه ينظر لها يقيمها بنظراته. مختلفة، عنيدة، شرسة. ليست سيئة. ليست سيئة أطلاقًا. لا تذكره، ولكنه يعرفها جيدًا. وكم هو سعيد الحظ ليعثر عليها ببساطة دون حتى أن يبدأ في البحث عنها. أومأ برأسه في هدوء يشير لأحد حراسه: -خذوها إلى إحدى السيارات!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...