شخصت عينيها ذعراً حين سمعت صوته. نزل على أذنيها وكأنه صوت الرصاص. "ذاك ليس جبران، ليس جبران الذي عرفت وأحبّت." ابتعدت خطوتين للخلف، وضعت كفيها على فمها، وحركت رأسها بالنفي بعنف. تنساب دموعها بلا توقف. تعود قدماها للخلف إلى أن التصقت بالحائط خلفها. حينها خرجت من بين شفتيها شهقة بكاء عنيفة، تخرج مع بقايا روحها المهشمة تماماً.
تحرك هو صوبها قلقاً مما أصابها. ربما كان عليه أن ينتظر أكثر قبل أن تعلم الحقيقة، ولكن إلى متى ستظل مخفية؟ يجب أن تعرف. وقف على بعد خطوتين منها، ينظر لها نادماً حزيناً. همس باسمها بذلك الصوت الذي لا تعرفه: "وتر، أنا آسف!
لتهز رأسها بالنفي بعنف. ذلك ليس جبران، ليس صوته، ليس هو من حكم على حياتها بالإعدام. جبران أخذها بين أحضانه حين علم ما أصابها. لم يلومها، لم يعاتب، لم يشمئز. دوماً ما كان يخبرها بأنها أجمل امرأة رآتها عيناه. ليكن في النهاية هو السبب في مأساتها. منذ البداية، وضعت يديها على أذنيها ترفض اعتذاره، لتصرخ بحرقة: "أنت مين؟ أنت مين جبران اللي أنا حبيته؟
سلمته قلبي وروحي وحياتي، ولا شخص تاني مجرم مريض هو السبب في اللي حصلي. أنت مين؟ توترت حدقتاه، ينظر لها قلقاً. اقترب خطوة واحدة يحاول أن يمسك بيديها. لتنتفض بعنف، تصرخ فيه: "ما تلمسنيش! أنت مين؟ انطق! صرخت بها بشراسة. ليبتسم متألماً. وشريط طويل يمر أمام عينيه. إلى أن وجد مقعداً بعيداً من الخشب في أحد أرجاء الغرفة. تحرك يحمله، عاد به إليها. وضعه أمامها، يغمغم: "ممكن تقعدي وتهدي؟
وأنا هحكيلك على كل حاجة. أرجوكِ يا وتر اسمعيني لأول وآخر مرة." نظرت له غاضبة، كارهة. نظراتها بها من النفور ما أخافه. تحركت إلى المقعد، جلست هناك. ليجلس على طرف الفراش القريب منها، يستند بمرفقيه إلى فخذيه. تنهد، ابتسم، يغمغم شارداً: "أنا اسمي الحقيقي مراد ظفار نور الدين...
ابني أخو حضرة الظابط زياد. أنا أخوه الكبير على فكرة. والدي الله يرحمه كان ظابط شرطة وكان عايزني أبقى ظابط زيه، بس أنا خيبت أمله زي ما قال. ودخلت اقتصاد وعلوم سياسية وسقطت فيها. أنا ما بحبش التعليم أصلاً. في أول سنة كلية اتعرفت على بيجاد ووليد بالصدفة في الكافتيريا واتعرفت عليهم. ومقابلة في التانية بقينا أصحاب... أنا بقى خدت سنة أولى في سنتين وخدت سنة تانية بردوا في سنتين وسقطت في تالتة فاتفصلت من الكلية."
نظر لها ليراها تنظر ناحية مدهوشة. عيناها متسعتان على آخرهما. تبدلت نظراتها ما أن نظر لها، لتتحول لأخرى غاضبة، حانقة، لا مبالية لما يقول من الأساس. ابتسم، تنهد بعمق، يكمل: "زياد ساعتها كان في أولى كلية شرطة وناجح بامتياز.
روحت لوالدي وقولتله: 'رفدوني'. تحسس وجنته بأصابعه. رأت الدموع في عينيه وهو يكمل ساخراً: 'ضربني بالقلم قدام أخويا الصغير وطردني من البيت وقالي إني شخص فاشل عمري ما هنجح وهعيش وهنموت فاشل، وزياد أحسن مني ألف مرة'." كور قبضته، يبتسم في ألم، يتذكر ذاك الموقف الذي مر به قبل سنوات. *** وقف أمام باب منزلهم يلتقط أنفاسه بعمق، يحاول أن يهدئ. دس مفتاحه في قفل الباب. فتحه ليجد زياد يندفع نحوه، عانقه، يصرخ سعيداً: "مراد!
بارك لي! أنا جبت امتياز، طلعت الأول على الدفعة." ابتسم مراد سعيداً متوتراً؛ سعيداً لأخيه وقلقاً من رد فعل والدهم على الخبر الذي يحمله في جعبته. عانق شقيقه يهنئه سعيداً: "مبروك يا زياد، عقبال ما تبقى لوا." "والبيه نتيجته فين؟ أنت مش قلت رايح تجيبها بردوا؟ ارتعش جسد مراد حين وصل صوت والده الحاد القاسي من خلفه. ابتلع لعابه مرتبكاً. التفت ببطء ناحية أبيه، ينظر أرضاً. تلعثمت نبرته، يغمغم متوتراً:
"بصراحة يا بابا أنا سقطت واتفصلت من الكلية." غمغم بها دفعة واحدة. ليسود الصمت المكان لمدة لا بأس بها. رفع مراد وجهه بحذر، ينظر للغضب المشتعل بعيني والده الخضراوين كعيني زياد. فتح فمه ليقول شيئاً، ولكن بدلاً من ذلك تأوه متألماً من صفعة قاسية على وجهه من يد والده. لم يكد يعي ما فعل أبيه إلا ووجد صفعة أخرى تهبط على وجهه. توسعت عيناه ألماً، يشعر بخط دماء يسيل من أنفه. كرامته تهشمت أمام أخيه الصغير.
اقترب ظافر من ابنه، قبض على مقدمة ثيابه، يصرخ فيه غاضباً: "أنت فاشل! هتفضل طول عمرك فاشل، هتعيش وتموت فاشل وعمرك ما هتحقق حاجة أبداً. أخوك الصغير أحسن منك ألف مرة. يا ريتني ما خلفتلك! أنت عار علينا. امشي! اطلع برة! مش عايز أشوفك تاني، يلا برة!
صرخ بها ظافر غاضباً، ليدفع مراد بعنف ناحية باب الشقة. ارتطم به بعنف. التفت برأسه صوب والده، ينظر له مدهوشاً، لا يصدق أن ذلك يحدث فعلاً. زياد دوماً ما كان يخاف من أبيهم. لم يجرؤ على النطق بحرف واحد، فقط شاهد في صمت.
فتح مراد باب المنزل، يهرول للخارج، يركض في الشارع. قدماه لا تتوقف. صفعات والده وكلماته المهينة لا تنفك تضرب رأسه بعنف. لم يشعر بنفسه سوى وهو في أحد المناطق البعيدة النائية، يجلس على درجات سلم محل مغلق، يبكي كطفل صغير تائه. استمر على ذاك الوضع لساعات، إلى أن وقف مقرراً الانتحار. النهاية له وللجميع.
شردت عيناه، تحركت قدماه نحو كورنيش النيل. عقله يدفعه بعنف لأن ينهي ذلك العذاب الذي يشعر به. وصل عند النيل. وقف للحظات. ابتسم ساخراً. يغمض. فمرت صورة أبيه وهو يصرخ فيه. قبل أن يرفع قدميه ليقف على سطح السور. وقفت سيارة بيجاد، نزل منها يركض بصحبة وليد، يجذبانه بعيداً عن السور بعنف. وبيجاد يصرخ فيه: "فوق يا مراد! أنت اتجننت؟ هتموت نفسك!
جذبه بيجاد ووليد إلى السيارة. ارتمى بجسده على الأريكة الخلفية، يميل برأسه للخلف، يضحك. تتدافع دموعه، يصيح ساخراً: "أنا فاشل... أنا فاشل وعار عليهم... ده ضربني وطردني. أنا عار على حضرة اللوا وابنه الظابط المتفوق." ظل يهذي ما يقارب نصف ساعة. ليمد وليد يده في جيب سرواله، يخرج له عقار أبيض. مد يده له به، يغمغم متوتراً: "خد دي، هتهديك شوية."
توسعت عينا بيجاد غضباً. يقبض على القرص قبل أن يأخذه مراد. ألقاه من نافذة السيارة. نظر لوليد، يهمس غاضباً: "أنت اتجننت؟ عايز تديله مخدرات؟ ولا الزفت الصنف الجديد اللي كان تحت ايدك بتعمل بيه إيه؟ أنت مش المفروض وزعته كله على التجار هنا؟ بدأ ينتبه لهم، اعتدل في جلسته، ينظر لهما في حذر، يغمغم بشك: "تجار وتحت ايده... أنتوا بتتاجروا في المخدرات؟ ضحك بيجاد سريعاً، يردف ساخراً: "مخدرات إيه يا عم بطل هبل!
دي شحنة أدوية تبع شركة أبوه." لم يقتنع مراد، وبدأ بيجاد حقاً متوتراً. فقرر وليد أن يحسم ذلك الموقف. حين غمغم فجأة: "بقولك إيه؟ ما هو صاحبنا بقاله سنين ومش هيروح يقول لأبوه بعد اللي عمله فيه. يعني... أيوه يا عم، عيلة التهامي من أكبر تجار المخدرات وبنشتغل في حاجات كتير ممنوعة. من الآخر، إحنا عيلة ****، وأنا وبيجاد مسافرين الصبح إيطاليا عشان هنشتغل من هناك. قال يعني بندير أملاك العيلة من الخارج. تحب تيجي معانا؟
توسعت عينا مراد في دهشة. في حين صدم بيجاد جبينه بكف يده. وليد ما هو إلا أحمق، كشف سرهم ببساطة. كانت تلك فرصة مراد المناسبة ليبتعد عن أبيه وليثبت له ولنفسه أنه ليس بفاشل. نظر لوليد يسأله: "هو أنا ينفع فعلاً أسافر معاكوا؟ أنا عايز أسافر. ينفع يا بيجاد؟ نظر صوب صديقه الآخر. ظل بيجاد صامتاً للحظات، ينظر له حزيناً، وكأنه يرفض انغماسه معهم في الوحل. تنهد حائراً، يومأ برأسه:
"ولو إني مش موافق، إحنا مغروسين في الوحل غصب عنا يا وليد عشان من العيلة. بس طالما أنت عايز كده." ابتسم مراد، يشعر بنشوة الانتصار لأول مرة. *** نظر لها، ابتسم، يغمغم في سخرية: "طبعاً مجدي وسفيان رفضوا في البداية وجودي. بس تحت إصرار وليد وبيجاد وافقوا وقالوا إني لازم أثبت نفسي وإلا هيصفوني....
وده اللي عملته على مدار سنين. كنا مثلث؛ وليد الوجهة، هو اللي بيظهر في الاجتماعات وبيتفق على الصفقات، وأنا اللي بخطط لدخول وخروج كل صفقة من ورا الستار، وبيجاد القناص اللي بيخلص على أي شريك بيفكر يغدر." نظر وتر له باشمئزاز. لا تصدق ذلك القدر المقزز من الشر والحقد الذي يحكيه لها. لتغمغم نافرة: "انتوا مقرفين." ابتسم، يومأ برأسه، يصدق على كلامها، مردفاً:
"عندك حق. ما كانش في دماغي أي حاجة وقتها غير إني أنتقم من أبويا وزياد. مش هما لابسين الأسود والأبيض، أنا بقى شغال في الأزرق. كنت ببقى في قمة سعادتي وأنا بسمع أخبار دخول شحنة للبلد تحت عينيهم وهما مش عارفين. أنا أهو مش فاشل... انتوا اللي فشلة، ما عرفتوش تمسكوا المخدرات اللي أنا بدخلها."
أنا اللي نجحت. للحظة فقط، شعرت بالشفقة عليه من نبرة صوته المنفعل الحزين. دموعه التي تحتل مقلتيه بين الحين والآخر. مراد كان يريد أن يثبت لوالده بأي شكل كان أنه ليس بشخص فاشل كما كان يدعوه. ولكنه للأسف اختار أسوأ الطرق ليثبت ذلك. قام فجأة من مكانه، توجه إليها ليجلس على ركبتيه أمامها. أمسك ذراعيها، لتنظر لوجهه، ترى دموعه تهبط بغزارة. ليصيح بحرقة:
"في يوم قررت أتصل بيهم من رقم مشفر عشان ما حدش يعرف يوصل لي. كنت عايز أتباهى بانتصاري عليهم. كنت عايز أكلمه، كنت عايز أقول له: 'أنا نجحت! أنا انتصرت! حتى عليك! ' بس اللي رد كان زياد. قالي إن والدي مات... والدي مات يا وتر... مات قبل ما أقول له إني ناجح... مات قبل ما أشوف في عينيه نظرة فخر واحدة... مات ما ياخدني في حضنه تاني. ما كنتش عايز منه اعتذار. أنا والله مسامحه...
أنا بس كنت نفسي يفتخر بيا ولو لمرة واحدة. يبص لي، ما بيبص لزياد. بس حتى دي استكترتها عليا ومات." مدت يديها إليه، تحتضن رأسه إلى صدرها. ليتمسك بها، يبكي بحرقة. نزلت دموعه معه، تمسح على رأسه برفق. ظل هكذا لدقائق طويلة، إلى أن بدأ يستكين. فابتعد عنها فجأة، ارتد للخلف، وقف يمسح دموعه بعنف. حمحم مرة بعد أخرى، يردف: "كنت مقرر إني هبعد حتى قبل ظهور كارمن ولا روزا دي. ومع وجودها كانت حافز أكبر ليا إني أبعد عن الطريق ده كله."
عاد يجلس مكانه على طرف الفراش، يقص عليها ما حدث منذ أن ظهرت كارمن في حياتهم، نهاية بإطلاق الرصاص عليه من وليد. ضحك، يردف ساخراً: "وليد عشان شخص نرجسي جداً ضرب عليا رصاصة واحدة وافتكر إنه جاب خلاص كده. الرصاصة كانت تحت الكتف بشوية." *** "لا تخف من صوت الرصاص، فالرصاصة التي ستقتلك لن تسمع صوتها من الأساس." مقولة قالها أحد الحكماء. إذاً، لما سمع هو صوت الرصاصة وشعر بألمها البشع يخترق لحمه؟
أغمض عينيه منتظراً النهاية. ينتظر أن تصيب جسده أخرى وأخرى حتى النهاية. ولكن ذلك لم يحدث. سمع صوت مجدي وهو يأمر رجاله بأن يشوهوا وجهه. حتى القلادة التي بها صورة كارمن. غاب عن الوعي من شدة الألم والدماء تنزف من جرحه بلا توقف. بين الوعي واللاوعي، كان يشعر بألم بشع ينهش وجهه. استمع إلى صوت أحد الحراس يحادث صديقه: "أنا حاسس إنه عايش وبيتنفس. اضربه رصاصة تانية."
لم يكن لديه القدرة على حركة ولو إصبع واحد وهم يشرحون وجهه. والألم يرتفع بجسده إلى أعلى السحاب ليعاود رميه ليرتطم بالأرض بعنف. فقط صرخ عقله بكلمة واحدة: "يارب، يارب، يارب." فجاء صوت الحارس الآخر يغمغم سريعاً: "بقولك إيه يا عم؟ مالناش دعوة، إحنا نعمل اللي اتقالنا عليه بالظبط. هتلاقيها حلاوة روح ولا حاجة. شيلوه يلا معايا نرميه في العربية."
حاول جاهداً كتم أنفاسه حتى لا يشعروا به يتنفس. وهم يحملوه إلى الخارج. فتح أحد الحارسين صندوق السيارة الخلفي، ألقاه داخله وكأنه خرقة بالية. من خارج الصندوق، سمع صوتها! جاهد ليفتح عينيه ولو قليلاً، فراى صورة مشوشة تملؤها الدماء لكارمن حبيبته تقف تعانق وليد تخبره سعيدة: "أخيراً خلصنا منهم وبقيت أنت الملك يا حبيبي!!
كارمن كانت تخدعه. ما مر به كان فقط خدعة سيدفع ثمنها حياته. فقد الوعي من الألم من جديد. تحركت به السيارة إلى منطقة نائية. أخرجه الحارسان من السيارة، يلقيانه على جانب الطريق ينازع الموت. يرى وجه أبيه أمامه، الدماء تغطيه بالكامل. يشعر بالموت حوله يقترب منه. من بعيد، وصل إليه صوت أذان الفجر. قبل أن يستسلم إلى النفق الطويل المظلم. يري الضوء في نهايته. يقترب الضوء منه سريعاً، إلى أن صدمه بعنف.
فتحت عينيه لقدر بسيط للغاية. يستمع إلى صوت صافرات الشرطة تملأ المكان حوله. ووجه قريب منه للغاية. وجه يعرف صاحبه. ها هو زياد شقيقه هنا. بصعوبة استجمع ما تبقى لديه من حياة لم تُستنزف. ليخرج صوته بالكاد: "زياد... أنا مراد." وأغمض عينيه متمنياً أن يكون قد استمع لما قال. كم مر من الوقت لا يعرف. يوم، أسبوع، شهر؟
لا يعرف. جل ما يعرفه أنه بدأ يفتح عينيه من جديد. كان في غرفة. نظر حوله للحظات قبل أن يعي أنه في غرفته القديمة. يشعر بوهن شديد. الكثير من الأجهزة الطبية حوله. رأى زياد ينام على مقعد مجاور لفراشه. زياد الصغير كبر كثيراً. ابتلع لعابه الجاف، يهمس باسمه عدة مرات، إلى أن بدأ الأخير يستيقظ. فتح زياد عينيه، انتفض، اعتدل في جلسته، يغمغم متلهفاً: "مراد! أنت كويس؟ حمد الله على سلامتك." بالكاد ابتسم. خرج صوته ضعيفاً، وهِناً
للغاية: "كبرت يا زياد... وحشتني. وحشني البيت أوي." قام زياد من مكانه، جلس على طرف الفراش، ينظر لوجه شقيقه الذي لا يظهر من كم الرباط الذي يغطيه بالكامل. لولا تحليل الحمض النووي (DNA) الذي تطابق مع حمضه، ما كان ليصدق أن ذاك هو شقيقه أبداً. تردد قبل أن يتكلم، خائفاً من أن تسوء حالته. ولكن لا وقت، يجب أن يعلم كل شيء. "مراد، أنا لازم أفهم...
مراد، أنا آخر معلومة وصلت لي عنك إنك بتتاجر في المخدرات بره مصر. ودلوقتي ألاقيك مضروب بالرصاص ووشك متشوه. كنت بين الحياة والموت. ربنا نجاك بمعجزة. وكل الأوراق اللي معاك تثبت إنك وليد التهامي. وفجأة من غير ما يحصل لا كشف ولا نيلة، يطلع تقرير الطب الشرعي إن المتوفي هو فعلاً ابن مجدي التهامي. أنا بحمد ربنا إن كنت أنا اللي موجود، وإلا كانوا دفنوك بالحيا. أنا اتصرفت وحطيت جثة تانية كانت جاية في حريقة مكانك، وأمرت بتغسيلها وتكفينها قبل ما يستلموها. وما حدش ركز أصلاً واتعمل العزا وطلعت شهادة الوفاة. ممكن تفهمني في أي حاجة؟
أنا حرفياً هربتك من المستشفى على مسؤوليتي." وكان رد فعل مراد على كل ذلك الكلام الذي قاله زياد جملة واحدة فقط: "أنا عايز مراية. عايز أشوف وشي." تنهد زياد حانقاً. هذا هو مراد حقاً. شقيقه المستفز. ولكن حقاً لا وقت لما يفعل. لم يشعر سوى وهو يصرخ فيه: "بعد كل اللي قولته لك دا تقولي عايز مراية؟ أنت ما عندكش دم؟ أنت بتتاجر في المخدرات صح يا مراد؟ اصفر وجه زياد، يشعر وكأن حجر ضخم سقط فوق رأسه. لما يفعل شقيقه هذا؟
سنوات طوال ابتعد فيهم ليعود شبه جثة. يعود وهو يتاجر في تلك السموم. نفي برأسه بعنف، يصيح فيه غاضباً: "ليه يا مراد؟ ليه؟ كنت بتنتقم من مين؟ من بابا ولا من نفسك؟ أنا عارف إن اللي عمله فيك صعب، بس أنت ما تعرفش اللي حصل بعد كده. ده ما سابش مكان ما دورتش فيه عليك. كنت بسمعه كل ليلة بيبكي في أوضته بيكلمك. نفسه ترجع. كان نفسه يشوفك تاني. انتقمت من مين؟ آذيت ودمرت كام حد بالقرف ده؟
اندفعت الدموع إلى عيني مراد. ينظر لشقيقه مصعوقاً. طرفت عيناه، الدموع تنزل على الشاش الذي يغطي وجهه. صرخ رغم ما به من ألم: "لا! ما تقولش كده... ما تقولش إنه بيحبني. عمره ما قالهالي. كان دايماً بيقولي إني فاشل وإنه ندمان إن خلف ابن زيك... كان دايماً بيقولي إني هعيش وهنموت فاشل. هو بيكرهني؟ شايف إني فاشل؟
ابتسم زياد في سخرية، يشيح بوجهه بعيداً عن أخيه. ليحرك مراد رأسه نافياً بعنف. والده لم يحبه يوماً. هو من دفعه لفعل ذلك. انتصف، يتأوه متألماً، يغمغم سريعاً: "أنا عارف مين اللي بيتجاروا في المخدرات وبيدخلوها. سفيان الدالي ومجدي التهامي. هما دول. اقبض عليهم." ابتسم زياد في سخرية. التفت لأخيه، يزيح يده من فوق كفه، يغمغم متهكماً: "وأنت فاكر إننا مش عارفين؟ بس فين الدليل؟
الشحنات اللي كنت بتدخلها بفضل ذكائك الخارق ما خلتش دليل عليهم. كنت عامل حسابك كويس أوي. برافو يا مراد. أنا حتى لو سلمتك ما فيش دليل ضدك. كل اللي هيحصل إنهم هيعرفوا إنك لسه عايش وهيقتلوك. وأبوك الله يرحمه وصاني عليك قبل ما يموت." ظل كل منهم صامتاً، لا يجد ما يقوله. إلى أن التفت زياد لأخيه في النهاية. رأى في عينيه نظرة حسرة وألم كالتي كان يراها في عينيه أبيه. ليتمتم زياد متألماً: "ليه عملت كده؟ ليه؟ استفدت إيه؟
أنت خسرت كل حاجة، حتى وشك. التشوه اللي فيه الدكاترة قالوا مستحيل هيرجع زي ما كان. شكلك محتاج عملية في أسرع وقت وإلا هتفضل مسخ. أنت ما شفتش هما عملوا إيه في وشك." "عشان أنا قررت أتوب وأبعد. والله هما عملوا كده عشان أنا قررت أتوب وأبعد. أنا هحكيلك كل حاجة." غمغم بها مراد منفعلًا وهو يبكي بحرقة. ليقص على أخيه كل ما حدث. أنهى كلامه، ليمسك بيدي زياد، يتوسله:
"أنا أقدر أسلم لك رقابهم كلهم، صدقني. أنا الوحيد اللي أعرفهم. سيبني أكفر عن غلطتي. إن شاء الله أعيش طول عمري مشوه، أنا راضي بعقاب ربنا على اللي عملته. صدقني يا زياد." نزع زياد يده من يد مراد، ليخرج من الغرفة، تاركاً إياه وحده في غرفته القديمة. يتسطح على الفراش، لا حول له ولا قوة. تبكي عينيه بين حين وآخر ندماً على ما فعل، شوقاً لأبيه الراحل.
بعد مرور ساعتين تقريباً، دق زياد الباب ودخل ومعه رجل تقريباً في نهاية بداية الخمسينات تقريباً. شعره يغطي نصفه وأكثر الشيب. ابتلع لعابه مرتبكاً من حدة نظرات الداخل. جذب زياد له مقعداً، يضعه جوار فراش مراد. جلس الرجل هناك، يضع ساقاً فوق أخرى، يتفحص مراد بنظراته لعدة دقائق قبل أن يبتسم، يغمغم في هدوء: "إزيك يا معلم جبران؟
قطب مراد ما بين حاجبيه، مستنكراً ما يقول ذلك الرجل. نظر لزياد الذي يقف بعيداً لا ينطق بحرف. لما يبدو زياد خائفاً. عاد ينظر للرجل، حين ابتسم يردف: "قصدي يا مراد يا ابن سيادة اللوا الراحل ظافر نور الدين. أخوك حكالي على كل حاجة. وعشان خاطره، والدك الله يرحمه قررنا نديك فرصة تانية. أهو بالمرة نستفيد منك زي ما غيرنا استفاد." التفت برأسه ناحية زياد، يغمغم ببساطة:
"عملية الحشيش اللي اتمسكت الأسبوع اللي فات كان المعلم بتاعها اسمه جبران، مش كده؟ ده اتصاب وكان بين الحياة والموت على ما اتذكر." أومأ زياد سريعاً، يردف باحترام: "أيوه يا أفندم. المستشفى بلغتني بوفاته من ساعتين بس لسه الخبر ما اتعلن." "ولا يتعلن تماماً." أردف به الرجل بنبرة حادة. ليعاود النظر صوب مراد. ابتسم، يغمغم ببساطة: "المعلم جبران ما ماتش وقدر يهرب. ده الخبر اللي لازم يتعرف. ولا إيه يا معلم جبران؟ قصدي يا مراد."
ابتلع مراد لعابه مرتبكاً، يومأ برأسه بالإيجاب دون أن يفهم. هو فقط يشعر أنه يجب أن يوافق على ما يقول دون نقاش. فابتسم الرجل، يكمل بهدوء: "بص يا سيدي، أنت من دلوقتي المعلم جبران السواح. كل التفاصيل هيفهمها لك زياد. هتتفق على العمليات، هتسلم المخدرات، وبعد التسليم هنتعامل إحنا. لازم سمعتك تكبر يا معلم لحد ما يجي الوقت المناسب اللي هتسلمنا فيه كل الكبار. فاهم؟ قام ذلك الشخص من مكانه، توجه صوب زياد، يوجه حديثه له:
"أنت عارف أنت هتعمل إيه. مراد خلاص بقى من الماضي." نظر زياد لشقيقه للمرة الأخيرة، يومأ برأسه بالإيجاب. *** ضحك، يردف ساخراً:
"وزي ما بيحصل في كل الأفلام الأجنبي، بقيت المعلم جبران. وجابولي خبير أصوات عشان يدربني على طبقة صوته لحد ما اتعودت عليها وبقيت المعلم جبران السواح. أتفق مع تاجر الحشيش، آخد منهم البضاعة وأسلمها للحكومة، أو أسلمهم أنا البضاعة ويتقبض عليهم متلبسين وأنا برة الصورة. ده أنا حتى البطاقة بتاعتي خلصت ورحت جددتها. تخيلي، لما بصماتي اتحطت على البانر ظهرت صورة المعلم جبران، يعني أنا بقيت رسمياً المعلم جبران. خلال السنين اللي فاتت وأنا بتنقل من مكان لمكان لحد قبل سنتين. روحت الحتة اللي فيها فتحية والدتك طرف خيط لسفيان، وكان محطوط خطط كتير عشان أتعرف عليه. بس اللي حصل صدفة وجودك في الحارة واللي قطع نص المسافة تقريباً."
ابتسمت ساخرة. كانت طعم لاصطياد والدها. جبران أو مراد استخدمها كطعم. بدأت تشعر بأعراض انسحاب ذلك المخدر من جسدها منذ مدة طويلة لم تأخذ منه. تشعر بكل جزء منها يرتجف. اقتربت منه. ضحكت، تردف ساخرة: "يعني أنا كنت طعم؟ طعم بتصطاد بيه بابا؟ قد إيه أنت ذكي ومبدع وممثل شاطر. مثلت عليا الحب وأنا اللي كنت فاكرة نفسي ذكية."
انتفض سريعاً، يقترب منها. يرى رعشة جسدها التي تحاول السيطرة عليها. اقترب، يقف على بُعد خطوة واحدة منها، يردف سريعاً: "لا يا وتر... أنا فعلاً حبيتك. أنا نسيت مراد بكل قرفه وبدأت حياة جديدة من زمان. أنا حتى ما كنتش عايز أنتقم لنفسي. أنا بس كنت بنفذ وعدي اللي حلفت إني هكفر بيه عن كل القرف اللي أنا عملته. صدقيني وسامحيني... سامحيني يا بنت الذوات." ارتجافة جسدها زادت، وبدأ الألم يصفع جسدها بأسواط من نار. اضطربت حدقتاها،
تصرخ فيه بشراسة: "اطلع برة! أنا مش عايزة أشوف وشك تاني في حياتي! بررررة! حياتي! ياريتني ما قابلتك ولا حبيتك. أنا دلوقتي ما بكرهش حد قد ما بكرهك. طلقني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!