تجاوزه ودخل وكأنه لا يقف من الأساس. بخطى مختالة كالطاووس، تحرك سفيان داخل صالة شقة سفيان. ينظر لأثاث الشقة نظرات تملؤها الازدراء والاحتقار. توجه ناحية أحد المقاعد وجلس فوقه، يضع ساقاً فوق أخرى. نظر صوب جبران، ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغره، يغمغم ساخراً: -أنت بقي المعلم جبران السواح اللي ضحكت على بنتي واتجوزتها؟ طيب بهدوء وبشيك بالمبلغ اللي تحبه طلقها، والا أنا ما بحبش أستخدم الطرق التانية.
ظل جبران صامتاً للحظات قبل أن ينفجر في الضحك. دفع الباب بيده بعنف ليرتد يُغلق محدثاً صوتاً عالياً. تحرك صوب مجلس حماه العزيز، جلس على المقعد المقابل له. ابتسم يغمغم ببساطة: -منور والله يا سفيان باشا. البيت بيتك يا حمايا. استنى أنده لك وتر هتلاقيها نايمة عروسة جديدة بقي، أنت فاهم. وغمزه بطرف عينيه ليوصل له إيحاء معين، مما جعل وجه سفيان يشتعل غضباً. في حين علا جبران بصوته يصيح باسم زوجته:
-وتر، وتر يا عروسة اخرجي ما تتكسفيش. دا أبوكي جاي يبارك لنا. في اللحظة التالية، انفتح باب الغرفة بلهفة. خرجت وتر تبحث بعينيها عن والدها. هرولت إليه ما أن رأته، ليضمها بين أحضانه. وقف يحتويها بين ذراعيه، يمسح على رأسها بخفة، يغمغم مشتاقاً: -وحشتيني يا حبيبتي. خلاص أنا رجعت وكل العك اللي حصل دا أنا هصلحه، حتى لو اضطريت إني أخلص منه خالص.
وجه جملته الأخيرة إلى جبران يتوعده بنظرة قاسية، فابتسم جبران ساخراً من وعيده. تلاقت عينا سفيان بعيني جبران للحظات، كل منهما ينظر للآخر متحدياً، قبل أن يبعد سفيان ابنته عن أحضانه. أمسك ذراعيها بين كفيه يحدثها مبتسماً: -يلا يا حبيبتي غيري هدومك. مش لازم حتى تجهزي أي شنط ليكِ. توجست عينا وتر قلقاً. نظرت لطرف عينيها لجبران، لا تعرف ماذا تقول. قبل أن تنبت بحرف واحد. وقف جبران من مكانه، تحرك إليهم يوجه حديثه لسفيان:
-أنت راجل كبير وأنا محترمك عشان أنت حمايا وفي بيتي. إنما مراتي مش هتخرج من بيتي. أزاح سفيان ابنته من المنتصف، اقترب خطوة من جبران. ابتسم يغمغم متهكماً: -مراتك! أنت فاكر أن وتر هانم الدالي ممكن تتجوز واحد زيك أنت؟ أحسن لك تاخد الشيك وتسيب بنتي تيجي معايا. أنا لحد دلوقتي بتكلم بالحسنة، شوية كمان مش هتسمع صوتي من صوت الرصاص.
ضحك جبران من جديد. مد يده يمسك برسغ يد وتر، جذبها ناحيته بخفة، يلف ذراعه حول خصرها، ألصق خدها بثغره، يبصم عليه قبلة عميقة متسلية. ابتسم يوجه أنظاره لسفيان، يغمغم ساخراً: -أنا بحب صوت الرصاص أوي. إنما مراتي مش هتخرج من بيتي إلا لو هي بنفسها قالت أنها مش عايزة تعيش معايا. نظر سفيان له محتداً غاضباً. انتقل بعينيه إلى ابنته، يوجه حديثه إليها:
-قولي له أنك مش هتعيشي. خلينا نمشي من المكان دا. أنتي مكانك مش هنا يا وتر، يلا بينا. اضطربت حدقتاها حائرة. أتوافق وتعود لحياتها السابقة؟ وتر هانم ابنة رجل الأعمال، الفتاة المدللة التي تأمر تُطاع، تعيش في قصر تستقل سيارات فارهة، يأتي ما تحلم به برمشة عين. ولكن جبران، هل ستتركه هكذا ببساطة؟ ما فعله معها جعل هناك بذرة مشاعر صغيرة نمت داخلها له. هل ستُنتزع تلك البذرة قبل أن تُروى؟
حتى والدها يبدو غاضباً وجبران أيضاً يبدو غاضباً. والحرب إن اشتغلت بينهما سيخسر الجميع. والدها لا يتحرك دون حراسته، وجبران ورجاله. الوضع سيء. قاطع تلك الدوامة صوت دقات على باب المنزل. هرولت من ذراع جبران إلى الباب، علّ الطارق يساعد في حسم ذلك الموقف أو حتى تهدئته. فتحت الباب لتجد والدتها! لم يكن ينقصها سوى أن يكن الطارق قرب الثالثة فجراً، هي والدتها ووالدها هنا يتشاجر مع زوجها.
اندفعت روحية إلى داخل شقة جبران. وقفت بالقرب منهم تنظر لسفيان وكأنها تنظر للموت الذي حضر دون سابق إنذار. وكأن شريط عرض طويل يمر أمام عينيها. سفيان الدالي، رجل الأعمال الذي أغوى الخادمة المسكينة حتى سقطت في شباكه بعلاقة محرمة نتجت عنها أنها باتت تحمل بطفلة. ها هو سفيان، ها هو الشيطان. ارتجفت حدقتا روحية حين رأت ابتسامته الساخرة، عينيه التي لا تتوقف عن فحصها. دس يديه في جيبي سرواله يحادثها ساخراً: -أزيك يا فتحية؟
عاش من شافك. شوفتي بقي أنا أطيب منك إزاي؟ جبت لك بنتك اللي أنتِ سبتيها وهربتي لحد عندك. بس ما توصلش إنك تجوزيها في غيابي. أنا سفيان الدالي، بإشارة من صباعي أحرق لك المكان دا عاليه وواطيه. هنا بدأ جسد فتحية يرتجف بعنف والدموع تغزو مقلتيها والألم ينهش قسمات وجهها، قبل أن تصرخ بحرقة: -أنت شيطان! لاء، دا الشيطان مستحيل يبقى بنفس شرك وقسوتك. التفتت برأسها تنظر ناحية ابنتها، احترقت عينيها بالدموع التي هطلت تجري على وجهها،
تصيح بحرقة: -أنا كنت بشتغل خدامة في فيلا الباشا. حاول مرة واتنين وتلاتة أنه يغويني عشان أكون له في الحرام وأنا رفضت. عارفة لما رفضت عمل إيه؟ خلي واحدة من الخدمين، منها لله، تحط لي مخدر في الأكل. Flash back
على طاولة المطبخ في فيلا فخمة يمكن أن تراها فقط على شاشات السينما، تجلس فتاة شابة في بداية ربيع عمرها، ربما هي في العشرين من عمرها. تنظر للفراغ تفكر شاردة. عليها أن تجد حلاً، تبحث عن عمل آخر. المصيبة أنت شبه يحتجزها هنا. أدمعت عينيها، ألن يتوقف عن محاولة جرها لفخه؟ أخفت وجهها بين كفيها تبكي بحرقة. إلى متى ستظل تدافع عن شرفها؟ حقها، لما يصر على سلبها منها؟
أجفلت خائفة حين غزت رائحة عطره المخيفة المكان. رفعت وجهها إليه، ارتجفت حدقتاها ذعراً حين رأته يقف داخل المطبخ تحديداً أمام الطاولة مباشرة يتفحصها بنظراته الجريئة، الفجة، المخيفة. عينيه السوداء تلمع بلهيب أسود مخيف. طوله الفارع، صدره العريض، يبعثان فيها إحساساً مخيفاً بالرهبة. قسمت وجهه وكأن شيطاناً نحتها. العاملات هنا تراه وسيماً وهي تراه شيطاناً يعثو في الأرض فساداً.
اهتزت شفتيها مذعورة، خاصة حين اقترب، جذب المقعد الملاصق لها يجلس فوقه. مد يده يحاول أن يلمس وجنتها، لترتد للخلف مذعورة. ضحك مستمتعاً. اقترب برأسه منها، يغمغم ساخراً: -مش ناوية تسلمي بقي يا توحة؟ صدقيني دا أنتِ هتشوفي معايا النعيم. أنا لو عايز آخدك بالغصب هعمل كدة، بس أنا بحب الرضا. ها، قولتي إيه؟ انهمرت الدموع تغطي وجهها، تحرك رأسها بالنفي بعنف، تحاول الابتعاد عنه، لتكتم قسمات وجهه. يغمغم متوعداً:
-بس افتكري أنك أنتِ اللي رفضتي. وقام من مكانه وخرج من المطبخ. لتنهمر دموعها قهراً. شعرت بأحد ما يربت على كتفها برفق. نظرت للفاعل لتجد ميادة زميلتها في قصر الشيطان. شهقت بعنف، ترمي بين أحضان ميادة، تنهار في البكاء. والأخيرة تواسيها قدر استطاعتها: -اهدي يا فتحية، ما تعمليش في نفسك كدة. هو أكيد مش هيعمل لك حاجة. هو بس عايزك تسلمي له وأنتي رفضتي خلاص، أكيد مش هيعمل لك حاجة.
لم تقتنع بكلمات ميادة، ولكنها حاولت تطمئن نفسها بها. أومأت لها بقهر، لتبعدها ميادة عنها، تربت على كتفها برفق، تحادثها مبتسمة: -أنا هجيب لك تاكلي. من الصبح ما حطتيش لقمة في بوقك. ابتعدت عنها، تحضر طبق طعام فاخر! وضعت داخله ما لم تره أعين فتحية. تقدمت منها، تضع الطبق أمامها على الطاولة، تحادثها مبتسمة: -كلي يا حبيبتي وما تشيليش هم. ربنا هيعدلها. يلا كلي.
جائعة كانت حقاً جائعة. أمسكت الملعقة بيديها ترتجف. على الرغم من أنها لم تذق للطعام طعماً منذ مدة طويلة، إلا أنها كانت تدفع الطعام إلى حلقها وكأنه يرفض ابتلاعه. عدة معالق وبدأت تشعر بشيء غريب يحدث لها. هي واعية، عقلها يعمل، عينيها تتحرك، ولكن جسدها يخمل وكأنه ينفصل عن عقلها. ارتمت على ظهر المقعد تنظر لميادة. حركت لسانها تهمس لها: -ميادة الحقيني، أنا مش عارفة مالي. حاسة كأن جسمي اتشل.
لحظة تبدلت ابتسامة ميادة اللطيفة لأخرى خبيثة. اقتربت من فتحية تربت على رأسها، تغمغم ساخرة: -سامحيني يا توحة، بس أنتِ مش أحسن مني. وزي ما أنا سلمت للشيطان، أنتي كمان لازم تسلمي. جحظت حدقتا فتحية ذعراً، خاصة حين توجهت ميادة إلى باب المطبخ تفتحه، تستدعي الواقف خارجاً: -اتفضل يا سفيان باشا، هي في انتظارك.
فقط رأسها هي ما تحركها بالنفي بعنف، تبكي بقهر. ها هو يدخل إلى المطبخ بابتسامته المخيفة، اقترب منها، مال برأسه يهمس لها مهسهساً: -مش قولت لك افتكري أن أنتِ اللي رفضتي يا توحة. كان ممكن أخليها تحط لك مخدر وتنامي خالص، بس أنا عايزك واعية لكل اللي هيحصل وتشوفي عقاب اللي يرفض سفيان باشا إيه.
شهقت مذعورة حين رفعها بين ذراعيه يحملها كالعروس، يتحرك بها إلى الخارج تحت نظرات ميادة المتشفية. لم يخرج منها سوى صرخات مذعورة حاولت بها مقاومته مع جسدها المخدر المشلول، لتتعالى ضحكاته المخيفة، يردف ساخراً: -اصرخي زي ما أنتِ عايزة، ما حدش هيسمع أو هيسمعوا ويعملوا طرش. توجه بها إلى إحدى الغرف، ها هي النهاية تقترب. حين مد جسدها على الفراش، جلس جوارها ينزع الحجاب عن رأسها، يتحسس خصلات شعرها. تحاول أن تبعده عنها برأسها.
همست تترجاه: -أبوس إيدك ورجلك يا باشا ارحمني. مد يده يتخلص من سترته، يفتح أزرار قميصه ببطء، يتلذذ بنظرات الذعر البادية في عينيها، يغمغم متلذذاً: -ما قولتلك يا توحة، قولتلك تعالي بمزاجك. أنتِ اللي اخترتي العذاب.
وكلمة النهاية كانت بداية العذاب كما يجب أن يكون. سلخ روحها وترك الجسد ينزف. وتلك كانت فقط البداية. سفيان لم يتركها، اتخذها أسيرة لرغباته المريضة، محتجزة في غرفة صغيرة بها مرحاض، يدخل لها بالطعام في أطباق من الكرتون الرقيق حتى لا تحاول الانتحار كما حاولت قبلاً. مر شهر عليها وهي حبيسة تلك الغرفة، تصرخ النهار كله، تدق الباب المغلق علّ أحدهم يشفق عليها ويفتح لها. وتصرخ الليل كله وهو ينتزع روحها بلا رحمة.
لا تعرف ما حدث، فقط شعرت فجأة بدوار حاد وكأن الأرض تميد من تحتها. لم تشعر سوى بوخز مؤلم ضرب ذراعها. فتحت عينيها بالكاد، حركت جفنيها لتري سفيان ومعه رجل آخر يتحدثان. لم يكن عقلها واعياً تماماً بما يقول. جملة واحدة فقط هي من فهمتها جيداً: -ألف مبروك، المدام حامل! حامل، الكلمة كانت كصفعة أيقظت عقلها من ثباته. لم تنسِ ابتسامة سفيان أبداً، وكأنه حقق نصراً عظيماً بجعلها تحمل منه. قصره، كلماتها التي قالها لها قبلاً:
-مبروك، أنا مستني على نار وريث سفيان الدالي! Back صدمة، صمت، لا صوت سوى صوت شهقات فتحية المتتابعة وهي تقص ما حدث لها. وجهت كلماتها الأخيرة لابنتها تصرخ بحرقة: -استني لما ولدت وخدك من حضني جوا المستشفى وسبني مرمية هناك. حاولت كذا مرة أشوفك بس كان بيخلي الحراس بتوعه يطردوني كل مرة. أبوكي سفيان باشا الدالي أقذر من الشيطان لدرجة أنه كان بيعمل علاقات بالغصب مع الشغالات الصغيرين اللي بيخدموا عنده.
وتر تقف هناك عند باب المنزل المغلق، عينيها على وشك أن تخرج من مكانها من هول ما سمعت. كانت تعيش سنوات في كنف والدها، تراه أعظم الرجال، وهو ليس إلا مغتصب دنئ به كل صفات الشر والخبث. حتى هي جاءت من علاقة محرمة. ثقلت قدماها تجرها جراً حيث يقف والدها. وقفت أمامه، عينيها تغشاها الدموع، حركت حدقتيها المرتعشة على قسمات وجهه، تشهق في البكاء، تحادثه بحرقة: -مش صح؟
قولي أن اللي بتقوله دا مش صح، قولي أنه كذب، قولي أنك ما تعملش كدة. ارتسمت ابتسامة بسيطة على شفتي سفيان، مد يده يضعها على كتفها برفق، يحادثها: -وتر حبيبتي، اهدي. دفعت يده بعيداً بعنف، تصرخ فيه بحرقة: -ابعد إيدك عني، إياك تفكر تلمسني. أنت مش بابا. أنت مين؟ انهارت في البكاء. ليقترب جبران منها سريعاً، فارتمت بين أحضانه تتعلق به، تصرخ بحرقة: -امشي من هنا، امشي اطلع برة. أنا مش هروح معاك في حتة. أنا مش عايزة أشوفك تاني.
-وتررر. أردف بها سفيان بحدة، ليمد يده في جيب سترته، يخرج عدة أوراق تبدو قديمة. اقترب منها يفتح الورقة أمام عينيها، يصيح فيها غاضباً: -أنا سكت وما رضتش أتكلم عشان ما تعرفيش الحقيقة، بس طالما بتتهمني بالقرف دا كله، يبقى لازم تعرفي الحقيقة. امسكي افتحي دول وشوفي.
رميتها بنظرة عتاب كارهة. ابتعدت عن جبران قليلاً، تلتقط الأوراق من يده، تفتحهم. ما أن وقعت عينيها على أول ورقة، شهقت بعنف، جرت عينيها على الكلام من ورقة لأخرى. رفعت وجهها تنظر لوالدتها بأعين حادة مذهولة، تحركت بمقلتيها لوالدها تسأله بحذر: -الكلام ده حقيقي؟ ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي سفيان، دس يديه في جيبي سرواله الفاخر، يغمغم ببساطة:
-الورق قدامك أهو، وديه لأكبر محامين في البلد لو طلعت ورقة واحدة مزورة، يبقى أنا شيطان زي ما كانت بتقول عني. عندك قسيمة جوازنا أنا ومامتك وشهادة ميلادك وصورة ليا أنا وهي في الفرح، وتقرير من الدكتور النفسي اللي كانت بتتعالج عنده أنها بيجيلها هلوسة وبتشوف حاجات ما بتحصلش. ولما طلبت منها نروح مستشفى كانت عايزة تاخدك وتهرب وضربتني بالسكينة، دا أنا خدت منها بالعافية. كانت عايزة تموتك.
أخرج سفيان كفيه من جيبي سرواله، يفتح أزرار قميصه الأولى، كشف عن أعلى كتفه ليريهم جرح السكين الذي لا يزال أثره حتى الآن. جحظت عينا وتر مدهوشة تنظر ناحية والدتها. في أسف، مسكينة، والدتها تعاني من الهلاوس! ما قاله كله لم يحدث من الأساس. هنا صرخت فتحية بحرقة: -كذاب، والله العظيم كذاب. ما تصدقيهوش يا وتر. والله هو اللي عمل كدة. هو يقدر يشتري أي حد عشان مصلحته.
احتدمت عينا سفيان غاضباً. تلك الحمقاء لن يسمح لها بتدمير علاقته بابنته. وتر، بطاقته الرابحة في الخطوة القادمة تحديداً. نظر لابنته يحادثها معاتباً: -أنا مش مصدق فعلاً أنك مصدقاها يا وتر. أنتي عايشة معايا بقالك كااام سنة؟ عمرك شوفتيني حتى بصيت لواحدة من الخادمات عشان أعمل حتى اللي هي بتقول عليه دا؟
محق، لن تنكر. والدها لم يفعل ذلك أبداً. دائماً ما كانت تستمع إلى أحاديث الخادمات أن والدها شخص حازم، صارم، قاسٍ، ودائماً ما يرفق كلهم كلمة، لكنه شخص محترم، لا ينظر لأي منهن نظرة واحدة خبيثة أو سيئة.
وقفت في المنتصف بين والدها الذي ينظر لها معاتباً على تصديق تلك الكلمات المشينة عنه، ووالدتها التي تبكي بحرقة تنفي برأسها ما يقول سفيان. حركت رأسها للجانبين. نظرت ناحية جبران الذي يقف صامتاً، صمت غريب، لم يعلق حتى، وتلك ليست من عادات جبران. تدخل جبران وقتها يوجه حديثه لفتحية: -يا ست فتحية، اللي بتقوليه دا يجي في الأفلام بس، إنما ما يحصلش. معلش يا ست فتحية، بس أنا مش مصدق الحكاية اللي أنتِ بتقوليها دي.
نظرت فتحية لجبران مدهوشة، لتؤيد وتر الفكرة. تفسير والدها منطقي أكثر. اقتربت من والدتها تمسك بذراعيها بخفة، تحادثها بترفق: -ماما، المرض النفسي أبداً مش عيب يا حبيبتي. توسعت عينا فتحية في ذهول، انفرجت قسمات وجهها مدهوشة في ألم. لا تصدق ما تقوله. مرض نفسي! باتت هي المريضة هنا وسفيان هو المحق. الجميع صدقه وباتت هي المجنونة.
اندفعت تركض لخارج المنزل. صاحت وتر باسمها، تركض خلفها. وخلفهم جبران يصيح فيهم محتداً، في حين التوى ثغر سفيان بابتسامة خبيثة قاسية. رفع هاتفه، أذنه يتمتم بكلمتين فقط: -فتحية نازلة دلوقتي. اقتلوها وافتحوا الرصاص على الكل، ما عدا وتر. لو اتصابت بشظية هغرب لكوا كلكم.
نزلت وتر تركض خلف والدتها وخلفها جبران يصيح باسمها. ما أن خرجت للحي، تعالت أصوات الطلقات من كل مكان. فجأة تحول الحي الهادئ لساحة حرب. الصدمة جمدتها مكانها، ليصرخ جبران باسمها. ركض صوبها ينتزعها من هناك. نزل بها وراء صندوق قمامة كبير. حاول تثبيتها بين ذراعيه وهي تصرخ فيه مذعورة: -ماما، يا جبران! ماما برة هيموتوها. حاول أن تنتفض ليعيدها مكانه، يهمس لها بحدة: -ما تتحركيش من هنا. أنا هخرج أشوفها. أو عي تتحركي يا وتر.
أومأت سريعاً. تحرك ليغادر، لتمسك بذراعه. التفت لها ليري عينيها الدامعة، تهمس له خائفة: -خلي بالك من نفسك. ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغره، يومأ برأسه بالإيجاب. تاهت عينيه في قسمات وجهها للحظات وصوت الرصاص كالرعد حولهم. ربت على يدها بخفة قبل أن يتركها.
_قبل تلك الأحداث بنصف ساعة فقط، كانت تقف في غرفة نومهم تنظر له وهو ممدد أمامها على الفراش، يلتف شاش أبيض حول كتفه الأيسر. حسن عاش حياة بشعة كما قال جبران، ولكن ما ذنبها هي؟ أيجب أن تحب؟ لم يحب القلب فقط لأنه أحبها؟ عانى وتعذب، وهي أيضاً عانت ولاقت من العذاب أشواطاً.
تحركت عينيها إلى كتبها، تعقد في نفسها أمراً. ستعيش، سترضى، ستخضع، بل ستخدعهم جميعاً. ستمثل الرضا إلى أن تصل إلى غايتها، ثم تلقيه خارج حياتها. لن تدع يمس ولو شعرة واحدة منها. ستمثل ببراعة دور الزوجة المحبة الراضية إلى أن تجد حلاً لتنتهي منه للأبد. أجفلت حين سمعت صوته يأن متألماً. أولي دروس خداعها. نظرت له كارهة. أجبرت ساقيها على أن تهرول إليه. اقتربت منه تحادثه قلقة: -أنت كويس؟ تحب أطلب الدكتور؟
فتح عينيه قليلاً ينظر صوبها ليعقد جبينه مندهشاً. لما تبدو قلقة عليه؟ يشعر بألم ليس هين في كتفه الأيسر. ابتلع لعابه الجاف، يهمس بنبرة خافتة متعبة: -أنا آسف على رد فعلي. أنا وعدتك إني مش هلمسك غير برضاكِ. أرجوكِ ما تكرريش اللي أنتِ عملتيه دا تاني. مش هستحمل تموتي أنتِ كمان. أنا عارف أنك... قاطعته قبل أن يكمل بنبرة هادئة متمهلة قالت: -أنا موافقة أديك فرصة يا حسن. موافقة نفتح صفحة جديدة أنا وأنت مع الدنيا.
توسعت حدقتاه ذهولاً. وافقت؟ لا يصدق. هل تمزح؟ لا، لا تمزح. وافقت حقاً؟ انفرج ثغره عن ابتسامة واسعة. تحركت حدقتاه سريعاً على قسمات وجهها، لا يصدق عقله، لا يصدق وقلبه يرقص فرحاً. استند على ذراعه الأيمن لينتصف جالساً، نظر لأمل يتمتم مدهوشاً: -بجد يا أمل؟ بجد موافقة؟ أنتِ قولتي موافقة؟ بصعوبة بالغة رسمت ابتسامة لطيفة على شفتيها، تومئ له بالإيجاب. تقدمت تجلس جواره على حافة الفراش، مدت يدها تربت على كفه بخفة، تردف:
-أيوه يا حسن، أنا موافقة. في لحظة كان يجذبها لأحضانه، يدخلها إلى صدره، يطوقها بذراعه السليم. وتنهيدة حارة طويلة خرجت من بين شفتيه. ودقات قلبه تقيم احتفالاً صاخباً سمعته أذنيها الساكنة على صدره. أغمضت عينيها قهراً، تمنع دموعها بأعجوبة. رفعت كف يدها المرتجفة تربت على صدره لينفجر عشقه أنهاراً ويفور قلبه يصرخ باسمها.
قاطع تلك اللحظات صوت صرخات وصوت الرصاص. انتفضت أمل مذعورة، ليهب حسن سريعاً، فتح باب الشرفة الصغيرة في غرفة أمل، ليجد الشارع وكأنه استحال في لحظة لساحة معركة مخيفة. رأى بينهم وهو يخرج من خلف صندوق قمامة كبير، يركض سريعاً بين تلك الطلقات. ليصرخ باسمه خائفاً عليه. اندفع يركض للداخل يلتقط قميصه الممزق من السكين. صرخت فيه أمل: -رايح فين يا حسن؟ -جبراااان تحت.
صرخ بها حسن وهو يركض للخارج. جبران كان محقاً حين أخبره أن عليهم حيازة أسلحة نارية تحسباً لأي موقف. توجه إلى مخزن صغير يجاور السلم، يخرج بندقيتين قنص. ركض من هنا لهنا، يختبئ خلف الحوائط. ينزل أسفل صناديق القمامة إلى أن بات بالقرب من جبران. دفع إليه بالبندقية، يختبئ جواره خلف عربة الكبدة الخاصة بأمل. صرخ حسن في جبران: -هو إيه اللي بيحصل ده؟ -سفيان الدالي هنا، أكيد دول رجاله. دا راجل مجنون فتح الرصاص على الكل.
صرخ بها جبران محتداً. نظر لحسن يغمغم متوعداً: -أنا بلغت البوليس. اضرب من غير ما تقتل. أنا هروح أشوف فتحية فين، أحمي ضهري. أومأ حسن ليكسر جزء صغير من زجاج العربة. يخرج منه مقدمة البندقية، يسند حافتها على الحامل الخشبي بدلاً من ذراعه الأيسر. أسقط ثلاثة رصاصة أصابت هدفها في الذراع مباشرة. عينيه تتحرك مع جبران ليجده يتوجه ناحية فتحية الملقاة أرضاً مصابة بأحد الرصاصات!
أطلت وتر برأسها، لم تعد تستطيع الصبر أكثر. أصوات الصرخات وطلقات النيران لا تتوقف. تحركت برأسها لتلمح جبران يركض هناك ناحية والدتها. توسعت عينيها ذعراً لتصرخ باسم والدتها. ركضت من خلف الصندوق تصرخ باسم والدتها بحرقة. لم تستمع إلى صوت جبران وهو يصرخ فيها بأن تتوقف.
أحد الخونة في رجال سفيان وجد الأميرة المدللة. ركز مؤشر القنص إليها. لاحظ جبران النقطة الحمراء التي استقرت على صدرها، موضع قلبها. صرخ مذعوراً لكي تبتعد، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان. في لحظة انطلقت الرصاصة من البداية صوبها مباشرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!