الفصل 9 | من 53 فصل

رواية جبران العشق الفصل التاسع 9 - بقلم دينا جمال

المشاهدات
18
كلمة
3,783
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

"عايز اتجوزك" جملة سمعتها أذناها ولم يصدقها عقلها. من الذي يريد الزواج ممن؟ خاطفها يريد أن يتزوجها. خاطفها الذي حماها من أن تكن سلعة رخيصة تُباع لمجنون والدها. كانت على وشك بيعها. عقلها لا يزال يرفض استيعاب ما سمع وتأكد. والآن يأتي هو يريد الزواج منها. ارتسمت ابتسامة ألم تعتصر شفتيها. تحرك رأسها بالنفي بعنف. خرجت من بين شفتيها ضحكة ساخرة مشبعة بالألم لتصيح بحرقة قلبها: "عايز تتجوزني!

أنت خاطفني هنا وحابسني. أنا ما بحبكش. البني آدم الوحيد اللي حبيته مات." ما إن نطقت كلمتها الأخيرة ارتجفت شفتيها بعنف. سكبت عينيها الدمع بحوراً. جملة واحدة تتردد في صدع كيانها الممزق: "بيجاد مات". أخفت وجهها بين كفيها تنهمر الدموع منها. جسدها يرتجف بعنف من شدة بكائها. تجمعت الدموع في مقلتيه هو تنزلق إلى وجهه الشاحب تبلل لحيته المبعثرة. حمحم يحاول إقناعها بالموافقة:

"أنا ما آذيتكيش يا رُسل لأني اتأكدت أن مستحيل يكون ليكي ذنب في اللي أهلك عملوه. مجدي حاول يبيعك مرة عشان مصلحته ومش بعيد يكررها تاني وتالت وعاشر. اللي باع قلبه للشيطان ما يعرفش لا ضمير ولا رحمة." عند تلك الجملة رفعت وجهها فجأة عن كفيها تتسع حدقتاها في دهشة تملكت كيانها مما قال توا.

"أنا لو أضمن أنك هتبقي في أمان لو رجعتك ليه صدقيني أقسم لك مستعد أرجعك دلوقتي حالا. رسل جوازنا مش هيبقى أكتر من حبر على ورق. ورقة تمنع مجدي من أنه يحاول يلعب بيكي." اضطربت حدقتاها تهتز بعنف تنفي برأسها مرة بعد أخرى. "فكري يا رسل. أنا هسيب لك مهلة لحد بليل واللي أنتِ عايزاه أنا هعمله." قام من مكانه متجهاً ناحية باب الغرفة ليسمع صوتها تسأله قلقة: "هي نجلاء فين؟ مش سامعة صوتها."

"نجلاء ليست هنا ولن تأتي. أرسلها إلى منزل بعيد بصحبة أطفالها حتى تكن في مأمن من شر مجدي ورجاله." "سافرت تشوف ولادها وهترجع قريب. عن إذنك." فتح باب الغرفة وخرج بهدوء يجذب الباب خلفه. رفعت يديها تضعها فوق رأسها. لا تفهم لما يحدث لها كل ذلك. بأي ذنب تُعاقب. استيقظت صباحاً على صوت الباعة الجائلين. متى سينتهي ذلك العذاب؟

تأففت بعنف تضع الوسادة على رأسها علها تحجب عنها لحن أصواتهم الشاذ المنفر البغيض دون فائدة. قامت بعنف تفرك عينيها بعنف تتثاءب ناعسة. ألا ينام أهل ذلك الحي؟ وقعت عينيها على ساعة الحائط لا تزال التاسعة. لما كل تلك الضوضاء؟ مدت يدها تلتقط هاتفها تتصفح سجل المكالمات، الرسائل، جميع صفحات التواصل الاجتماعي التي تملكها. لا شيء. لم ترسل لها أي من صديقاتها ولو رسالة واحدة. ابتسمت ساخرة. ذلك ما كانت تتوقعه حقاً.

قامت تلملم خصلات شعرها بيديها، توجهت إلى المرحاض بالخارج. اغتسلت رغماً عنها بالدلو والكوب الصغير. خرجت من المرحاض إلى غرفتها تبدل ثيابها إلى أخرى لتذهب لجامعتها. تبتعد عن ذلك الحي المقزز ولو ساعات.

ما إن خرجت من غرفتها رأت والدتها تدخل من باب المنزل. ابتسمت فتحية ما أن رأتها. في حين أعطتها وتر نظرة واجمة. كانت تحلم أن ترى والدتها ولكن بعد ما حدث منها لا تحلم سوى أن تعود لبيتها بين أحضان والدها. والدها وحده يكفي. حملت حقيبة يدها تتوجه إلى الخارج دون أن توجه لوالدتها ولو كلمة واحدة. لتزفر فتحية أنفاسها حزينة تناديها سريعا: "وتر استني يا بنتي مش هتفطري؟ لم تلتفت لها حتى فقط غمغمت بجفاء:

"لأ شكراً. هبقى آكل في الجامعة. عن إذنك." تحركت من جديد لتغادر لتسمع صوت والدتها تحادثها من جديد بنبرة أكثر حزماً وقلقاً: "ابعدي من طريق جبران خالص يا وتر."

ابتسمت في سخرية دون إجابة. تحركت للخارج تسرع خطاها إلى خارج العمارة السكنية. توجهت تتحرك سريعا ناحية الشارع الرئيسي. لا ترغب في أن ترى طيفه من بعيد حتى. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. وقفت حين ظهر أمامها فجأة من العدم وكأنه شبح. تجنبت النظر إليه في حين كان يتفرس هو النظرات إليها. ارتسمت ابتسامة كبيرة على ثغره يتشدق بسماجة: "يا صباح الفل. إيه الزبادي رايح فين الصبح كدة؟

تنفست بعنف تكور قبضتها تشد عليها تُخرس لسانها قصراً عليها أن تتجنبه حتى يمل من مضايقتها ويتركها. ظلت تنظر بعيداً فقط قالت بلامبالاة: "رايحة جامعتي. ممكن تعديني لو سمحت؟ رفع حاجبيه في دهشة يبتسم ساخراً. باتت القطة وديعة وأخفت أظافرها الآن. تلك القطة لا تعلم أنها جاءت له في الوقت المناسب ليعقد مع اسم والدها أكبر صفقة في تاريخ حياته. سيفوز عاجلاً أم آجلاً. أفسح لها الطريق لتتحرك. يبتسم كرجل نبيل. ما أن مرت من جواره

سمعته يهمس لها بمكر خبيث: "فاضل على الحلو تكة." ابتلعت لعابها مرتبكة لتسرع في خطاها إلى الشارع الرئيسي. استقلت سيارة أجرة تخبر السائق بعنوان جامعتها. فتحت دفتر صغير تنظر لما كتبت فوق صفحاته. تحديات قديمة خاضتها مع ذاتها وأصرت على النجاح فيها. استلت قلماً رقيقاً من حقيبتها تفتح صفحة بيضاء تكتب فوق سطحها: "التحدي الجديد جبران".

كطالبة في قسم يهتم بعلم النفس ودواخل الذات البشرية. قسم اختارته رغم أن أباها كان على أتم استعداد أن يرسلها لجامعة في الفضاء إن أرادت. ولكن شغفها بعلم النفس وخاصة علم الجريمة جعلها ترغب وتصر على الالتحاق بقسم علم النفس لتصبح فيما بعد طبيبة نفسية. رسمت دائرة كبيرة حول اسم جبران يتفرع منها عدة خطوط تحاول أن تفهم لغز شخصيته. شكله الخارجي لا يليق تماماً مع شخصيته. هل هو مصاب بانفصام في الشخصية ربما؟

لا يجب أن تستبق الأحداث. عليها أن تصبح أقرب من شخصية جبران بحذر تخترق دواخله.

في الأيام الماضية اكتشفت عنه عدة جوانب في شخصيته. أولهم أنه شخصية سريعة الغضب. ردود أفعاله لا تتناسب مع شدة انفعاله. حين أخذها قصراً إلى شقته توقعت الكثير من رد فعله الغاضب. ولكن التهديد فقط كان حليفه. وكأن جزءاً يصارع آخر بداخله. ثانياً أنه شخص نرجسي يحب التحدث عن نفسه والتفاخر بما أنجز. وأخيراً شخص متناقض. يبيع المخدرات ويرفض بيعها لأبناء حيه. معادلة لا تفهمها مما يزيد شكها أنه فعلاً مصاب بانفصام في الشخصية. أجفلت

على صوت السائق يخبرها: "وصلنا يا أستاذة."

رفعت وجهها تنظر بدهشة إلى باب جامعتها. كم مر من الوقت وهي تحاول تحليل شخصية جبران حتى سرقها الوقت ولم تشعر بالطريق. أعطت السائق نقوده لتنزل من السيارة. تضع نظاراتها الشمسية السوداء فوق عينيها تمشي بثقة. ما حدث معها هي ووالدها لم يُكتب عنه ولو خبر واحد. لذلك لا أحد يعلم. دخلت إلى جامعتها تتوجه إلى قاعة المحاضرات. رآها طارق من بعيد لترتسم ابتسامة ماكرة على ثغره. يبحث عن ماهي لغاية خبيثة في نفسه.

"ما حدث بالأمس لن يتم أبداً. ما قاله جبران لن يحدث. لن أصبحت زوجة ذلك البلطجي الجاهل الأحمق. يريد منها أن تصدق أن حسن لا يعاونه في بيع المخدرات. نعم نعم ستصدق لأنها بلهاء ساذجة كما يظنها." يكفي أن والدتها رفضت نزولها إلى (عربة الكبدة)

حتى لا يتعرض لها حسن من جديد. ارتمت بجسدها على الأريكة في منزلها تمسك بمذكرات المادة القادمة تنظر للأحرف شاردة. حين دُق الباب ألقت الأوراق من يدها. ذهبت إليه تفتح النافذة الصغيرة في الباب القديم العتيق ليظهر طفل صغير من أطفال الحي يمسك في يده حقيبة هدايا. قطبت جبينها تفتح له الباب تسأله: "عايز إيه يا حمادة؟ مد الطفل يده لها بالحقيبة يغمغم مبتسماً في براءة: "طنط أمل. عمو حسن بيقولك أنه بيرمي التماسي وباعت لك دي."

ترك الحقيبة أمام باب منزلها وركض ينزل لأسفل. صاحت باسمه عدة مرات ولكنه لم يلتفت لها حتى. أخذت الحقيبة تعد للداخل. أغلقت الباب تنظر إلى ما تحوي لتجد ما يلي: بضع قطع من الشوكولاتة الذائبة، ولعبة صغيرة على دب، وبضع من أكياس التسالي. ابتسمت ساخرة. هل يظن أن بهداياه السخيفة تلك يستطيع شراء موافقتها؟ ألقت الحقيبة بعيداً تعود إلى الأريكة من جديد. ما أن جلست سمعت صوت الباب يدق مرة أخرى لتتأفف حانقة. قامت

من مكانها تغمغم مغتاظة: "مش هنخلص بقي. باعت إيه المرة دي لب وسوداني؟ توجهت تفتح النافذة الصغيرة من جديد لتتوسع عينيها في دهشة حين رأت حسن تلك المرة هو من يقف أمامها. كم أرادت أن تغلق وجهه على النافذة. تدق عنقه في الباب. أحلام تمنتها خاصة مع ابتسامته الواسعة التي تعلو شفتيه وصوته وهو يتشدق يستفزها: "صباح الفل يا فل. أنا قولت اطلع أطمن على خطيبتي. وبعدين ما تفتحي هتسيبي خطيبك واقف برة. دي الأصول بردوا يا بنت الأصول."

استفزتها كلماته الوقحة. الأحمق عديم الأخلاق لا يملك خلية عصبية واحدة تُرسل إشارات لمخه اليابس أنها لا تطيقه. كتفت ذراعيها أمام صدرها تغمغم محتدة: "كُخ خبطة في نفوخك يمكن تحس يا بعيد. بقولك ما بطيقكش. تقولي خطيبي؟ أنت فاكر بهداياك الرخيصة إني هوافق على الجواز منك؟ ألقى ما تبقي من السيجارة في يده أرضاً يدعسها بحذائه بعنف. اعتدل واقفاً يقترب من حديد الشرفة. التهبت عيناه غضباً يحادثها محتداً:

"تعرفي أن أنا أقدر دلوقتي أكسر الباب اللي أنتي مستخبية وراه دا وأجيبك من شعرك وأكتب عليكِ سواء برضاكِ أو غصب عنك وأقصلك لسانك يا مراتي يا حلوة. فابلعيه أحسن ما أبلعهولك أنا." خافت من نبرة التهديد المخيفة في صوته. ولكنها ظلت واقفة ثابتة تحاول ألا تظهر أنها ترتجف حرفياً. رغم عنها ارتجف صوتها حين أردفت تحادثه بهدوء عله يقتنع محاولة يائسة للمرة الأخيرة:

"يا حسن أرجوك افهمني. أنا حاولت أتكلم معاك كتير بالعقل وأنت رافض حتى تسمعني. أنا مش عايزة أتجاوز. على الأقل مش دلوقتي. أنا أكمل تعليمي وأشتغل وأعيش حياتي برة الحارة. عايزة أحقق أحلامي. صدقني فيه بنات كتير يتمنوا أنك تشارولهم حتى. أنا لأ. ارجوك افهمني بقي!

انتهت تنظر إليه لتري الصمت والسكون يحتل قسمات وجهه. للحظات طويلة ظل صامتاً هادئاً بشكل مخيف. ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغره ليدب الأمل قلبها. ربما هناك بصيص نور في قلبه تأثر بما قالت. إلا أن سقف أحلامها سقط فوقها حين ابتسم يغمغم ساخراً: "آخر الشهر يا أمل. ما تنسيش تجيبي لي بيجامة الفرح على ذوقك. سلام يا حبيبتي."

تحرك ونزل تاركاً إياها تقف كلوح جليد. لم يتأثر كالعادة وكأنه حائط من فولاذ ترتد الكلمات كالرصاصات دون أن تحدث ولو خدشاً واحداً فيه. ***

انتهت من محاضراتها إلى مقهى الجامعة المعتاد. جلست على إحدى الطاولات تضع سماعتي أذنيها تنظر للأوراق أمامها عن كثب. يجب أن تنتهي من البحث قبل موعده. أجفلت على حركة جوارها لتنزع إحدى سماعتيها بحركة تلقائية. نظرت للفاعل لتجدها ماهي تقف أمامها تبتسم كعجوز شمطاء حاولت إجراء عملية تجميل ففشلت. تكتف ذراعيها أمام صدرها تنظر لوتر من أعلى لأسفل تبتسم ساخرة:

"أهلاً أهلاً بوتر هانم الدالي. بنت سفيان الدالي النصاب الحرامي اللي خد من البنك مليارات وهرب برة البلد ورماكِ هنا يا حرام. يا ترى بقى يا وتر بتمسحي سلالم ولا بتغسلي عربيات عشان تصرفي على نفسك زي الأفلام؟ حية لا ترغب في شيء سوى أن تضايقها. ابتسمت في هدوء ترمقها بنظرات مشمئزة من أعلى لأسفل تغمغم ساخرة:

"ماهي بليز شغل التعابين دا قديم أوي. أنا عارفة إنك بتكرهيني و Guess what أنا كمان مش بطيقك. كل اللي بتعمليه دا عشان تحاولي ترضي غرورك المريض أنك انتصرتي عليا لأنك عارفة من جواكِ إني أحسن منك في كل حاجة. ولو زي ما بتقولي بابا حرامي ونصاب كانت الصحافة والسوشيال ميديا اتقلبت. بطلي فبركة أخبار يا حبيبتي تلمي بيها لايكات." وقامت التقطت نظاراتها الشمسية تضعها فوق عينيها تتحرك إلى الخارج حين سمعت صوت يصيح باسمها بلهفة:

"وتر استني يا وتر." توقفت مكانها عن الحراك تنظر هناك لتجد طارق يأتي مهرولاً إليها. وقف بالقرب منها يلتقط أنفاسه يغمغم مبتهجاً: "كويس إني لحقتك. أنا عامل حفلة بإذن الله بعد ما أرجع من السفر وأنتِ لازم تكوني أول الحضور. أنتِ لازم تيجي يا وتر صدقيني مش هقبل أي أعذار مهما كانت." ابتسمت له. طارق شخص لطيف ربما تهوره إلا أنه شخص لطيف. أومأت بالإيجاب تتمتم مبتسمة:

"أكيد هاجي. ابعت لي رسالة باليوم والمكان وأنا هاجي طبعاً. عن إذنك عشان متأخرة." ودعها بحرارة صاحبتها ابتسامة كبيرة إلى أن اختفت من أمام عينيه. اقتربت ماهي منه. وقف أمامه وجهها يشتعل غيظاً وغضباً تهمس لها حاقدة: "طارق أنت لازم تاخد لي حقي من البت دي. أنا ماهي هانم حتة بتاعة زي دي تهزقني." ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتي طارق يدس يديه في جيبي سرواله الجينز يغمغم متوعداً:

"ما تقلقيش يا بيبي. الحفلة قربت. هي يا دوب نقطتين في أي كوباية عصير ومش هتدري بالدنيا وكاميرا حلوة في أوضة النوم توثق اللحظة الجميلة وسفيان وبنته وفلوسهم هيبقوا بين إيديا." ***

عادت إلى الحارة بعد ساعة تقريباً. تمشت بين طرقاتها إلى أن وصلت للفرشة الصغيرة التي يترص فوقها الخضار. ابتسمت والدتها ما أن رأتها تدفع إليها بمقعد عالي قليلاً عن الأرض لتجلس عليه. الأخيرة تنهدت متعبة تنظر للناس حولها تشعر بأنها غريبة في بلد لا مكان للغرباء فيها. تنهدت مرة أخرى. أجفلت على صوت والدتها تسألها: "عملتي إيه في كليتك؟ أعطتها ما يشبه ابتسامة جافة تومئ لها دون كلام. تنهدت تتمتم تعبة:

"هاتي المفتاح لو مش هتطلعي عشان أنا تعبانة وعايزة أنام." أعطتها فتحية المفتاح. كادت وتر أن تقوم لتبادر والدتها تردف سريعا بتلهف: "وتر خليكِ معلش يا حبيبتي قاعدة جنب الفرشة خمس دقايق. ما تبيعيش حاجة. أنا هتفق بس مع الواد برعي اللي بيجيب من التجار يجيب لي معاه بكرة ملوخية عشان خلصت."

لم تفهم حرفاً مما قالت والدتها ولكنها فقط أومأت لها بالإيجاب. ظلت مكانها تنظر لحزم الخضراوات الصغيرة تتساءل في نفسها حزينة كيف استطاعت أن تعيش والدتها ببضع قروش من تلك الفرشة! أجفلت على صوت امرأة حاد مزعج تتشدق بعلكة ضخمة تسألها: "أومال فين الست فتحية. بقولك يا حبيبي عايزة ربطة شبت ورابطة بقدونس ورابطة كزبرة عشان المحشي بس استنضفي ما تجيبيش حاجة ورقها أصفر."

نظرت للسيدة ليتوقف عقلها عن العمل للحظات. كيف تستطيع تحمل ذلك الكم الضخم من مساحيق التجميل على وجهها دون أن يتآكل؟ ما العبث الذي تريده هي حتى لا تعرف ما الفرق بينهم؟ كادت أن تخبرها أن تنتظر والدتها حين ظهر هو أمامها من جديد. زفرت أنفاسها تلعنه بكل ما تعرف من لغات داخل نفسها. توجه بانظاره إليها يتشدق مبتسماً: "إيه دا معقولة بنت الذوات بقت بتبيع بنفسها. دا أنا أشتري الفرشة كلها عشان عيون الست فتحية." "أزيك يا معلم."

أردفت بها تلك السيدة بنبرة بها خلاعة لم تعجبها. شعرت بأنها تحاول تقليد صوت جرس إنذار مزعج. ابتعد برأسه عن وتر ينظر للسيدة الواقفة أمامه. تتشح بعباءتها السوداء التي التصقت بها كجلد ثانٍ على رأسها حجاب أسود يأتي هدية مع العباءة. ولكن لم تكن من طريقة استخدامه أبداً أن يخرج نصف شعرها المصبوغ بتلك الصفرة الزاهية خارج الحجاب. تشدقت بابتسامة واسعة تنظر للواقف لتهتف بقلق:

"الا صحيح يا معلم سمعت عن المرض الجديد دا اللي ظهر في الصين بيقولوا اسمه كورونا. كورونا. الواد محمود قالي اسمها بس نسيته." ارتفع جانب فمه بابتسامة ساخرة يرمق تلك الجالسة أرضاً بنظرة جانبية متهكمة. نفض يديه يدسها فيها جيبي بنطاله الجينز يهتف: "كورونا إيه يا ولية دي كلها إشاعات. أنتي بتصدقي ولا إيه؟ انفعلت تلك الواقفة لتحرك يدها بانفعال ليدوي صوت أساورها الذهبية العريضة تهتف سريعا محتدة:

"لأ يا معلم الخبر حقيقي. أصل بعيد عنا وعن السامعين الصين دول عالم معفنة. دول بياكلوا فيران وخفافيش. آه والله. بيقولك إيه بقى تاني قال إيه البتاع دهو اللي اسمه الفيروس بيقف على السطوح الصلبة. أنا سمعتها كدة في التلفزيون." ارتسمت ابتسامة واسعة عابثة على شفتي جبران ينظر للواقفة أمامه ليغمغم بصفاقة: "طب وانتي خايفة ليه من الكورونا دي؟ الكورونا هي اللي تخاف منك يا ولية!!!

تعالت ضحكات تلك السيدة بطلاقة كأنها أجراس مزعجة بينما اتسعت عيني الجالسة أرضاً تراقب ما يحدث بذهول. لا تصدق وقاحة ذلك الرجل الواقف أمامها وتلك السيدة. على ما تضحك تحديداً؟ ماذا يحدث في حي المجانين ذاك؟ رأت والدتها تأتي ناحيته. لتقم سريعا لم تنتظرها لتظل أسرعت الخطي إلى منزل أمل لتخبرها بخطتها التي فكرت فيها الليل بطوله!

وكما وعد أوفى. تركها النهار بالكامل تفكر بين أمواج البحر تصارع ذكريات الماضي وشعور الألم ومرارة الفقد وحرقة القلب الحزين. ستوافق لا خيار لها سوى ذلك. تتمنى ألا تكون فقط تستجير من النار بالرمضاء. تنهدت بعمق حين سمعت صوت دقات على باب الغرفة لترتسم على ثغرها ابتسامة ساخرة. خاطفها ذو خلق عالٍ يدق الباب قبل أن يدخل ولا يدخل قبل أن تسمح له. تنهدت بعمق تستعد للقادم. سمحت له بالدخول تستمع إلى خطواته تقترب من فراشها قبل أن ينطق بحرف

بادرت تقول هي بغصة مريرة: "أنا موافقة أتزوجك بس زي ما قولت لي جوازنا مش هيبقى أكتر من حبر على ورق." وافق سريعا دون تردد. اقترب منها يمسك بكف يدها لتسحب كفها سريعا. فحمحم يقول: "هاتي إيدك. أنتي لسه ما تعرفيش المكان. المأذون بره." توسعت عينيها في دهشة!!! كان يعلم أنها ستوافق. لم يكن لها خيار آخر على كل حال. ولكن كيف سيتم الأمر بتلك السرعة؟ ارتجف كفيها. رأى كيف اضطربت حدقتاها ليتنهد يردف في هدوء:

"أنا مش بغصب عليكِ صدقيني. لو مش عايزة ارفضي. اللي أنتي عايزاه أنا هعمله." تنهدت قلقة لتقم سريعا. الأفضل الطرق على الحديد وهو ساخن قبل أن تجن من التفكير!! وافقت. تحركت معه للخارج يمسك بكف يدها. تشتم رائحة يود البحر في كل مكان. توجه بها إلى أحد المقاعد جلست هناك في صمت في حين تحرك هو ليعقد قرانه بها. بعد قليل ستصبح زوجته!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...