الفصل 8 | من 53 فصل

رواية جبران العشق الفصل الثامن 8 - بقلم دينا جمال

المشاهدات
21
كلمة
4,523
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

ارتمت تبكي قسوة ما حدث لها قبل سويعات قليلة من غدر صديقة لم تؤذها يومًا، من همسات بشعة لن تنساها أبدًا. لولا وجود حسن في تلك اللحظة لكانت قد اغتيلت بأبشع شكل. كان لا تشكره ولا تمتن له، حتى هو السبب من البداية، هو من اضطرها للخروج من ذلك الباب الخلفي حتى لا تراه، حتى لا يلتصق بها كالعلكة في طريق عودتهم. يكفي ما فعله بعد أن خرجا من قسم الشرطة. **Flash back**

تم إخلاء سبيلهما بعد أن أخذ الضابط اعتراف سمير. وانهارت يمنى تصرخ بحقد منها أنها كانت فقط تريد إيذاءها. خرجت من القسم وهو يسير جوارها، تنظر أرضًا، عيناها شاردة، قسمات وجهها مجهدة، حزينة، لا تصدق ما حدث قبل قليل، كان كصفعة مدوية على وجهها. ألا تثق في أي أحد كان أبدًا.

أُجلفت على يد حسن تمسك بكف يدها. حاولت جذب يدها من يده بعنف، ليحكم قبضته على رسغها. أوقف سيارة أجرة، يدفعها لتدخل إليها وجلس جوارها يخبر السائق بوجهتهم. جلست جواره صامتة، متجهمة، غاضبة منه، تكاد تنفجر في أي لحظة، خاصة حين سمعته يهمس لها محتدًا: "اصبري لما نروح، أنتِ إيه اللي خلاكِ تخرجي معاها من الباب اللي ورا؟ لو ما كنتش دخلت أدور عليكِ في المدرسة بعد ما البنات كلها خرجوا، يا عالم كان هيحصل فيكِ إيه."

احتقنت عيناها بالدماء، الغضب يأكل خلاياها. لا ينقصها سوى أن يرمي باللوم عليها الآن. التفتت له برأسها، لم تهتم أين هم، لم تهتم بالسائق الذي يجلس أمامها. صرخت فيه محتدة، غاضبة: "أنت مالكش أي حق أنك تجيب اللوم عليا وأنت السبب. أنا آه خرجت معاها من باب المدرسة اللي ورا بس عشان أخلص منك ومن لزقتك فيا، أنت السبب ولو كان حصلي أي حاجة هتبقى بسببك أنت." وهنا فاض الكيل به هو الآخر ليصدح صوته عنيفًا، غاضبًا: "أنا السبب؟

أنا اللي قولتك اعرفي واحدة شمال كانت هتوديكي في ستين مصيبة؟ لزقة إيه يا بت؟ هو أنا بتحرش بيكِ؟ دا أنا عايز أتزوجك على سنة الله ورسوله." دفعته في صدره بعنف، تصرخ فيه بشراسة: "وأنا مش عيزاك يا أخي، افهم بقى! هفضل أقولك كام مرة أنا مش عيزاك، ما بحبكش، ما بطقش أشوف وشك. أنت إيه ما بتحسش؟ ما عندكش دم؟

تنفس بعنف، هاجت دماؤه غضبًا، كور قبضته يشد عليها، يمنع نفسه بصعوبة من أن يصفعها بعنف على ما قالت. احمرت عيناه غضبًا، لمح بطرف عينيه السائق ينظر لهما من مرآة السيارة الأمامية، يتابع باهتمام شديد ما يحدث وكأنه يشاهد عروض الأفلام مثلًا. كبح غضبه، يهسهس متوعدًا: "صبرك عليا لما نروح! **Back** أُجلفت على يد والدتها تهزها برفق، وصوتها الملتاع تسألها بحرقة: "مالك يا أمل؟ حصلك إيه يا قلب أمك؟ الواد حسن دا عملك حاجة؟

حركت رأسها بالنفي، تنهدت متعبة، منهكة، تقص على والدتها سريعًا ما حدث. شهقة فزعة خرجت من بين شفتي سيدة، توسعت عيناها فزعًا قبل أن تجذب ابنتها لأحضانها، تصيح بحرقة: "حسبي الله ونعم الوكيل فيها، منها لله ربنا ينتقم منها. الحمد لله يا بنتي أنك بخير، دا أنا كنت هجنن لما أغمي عليكِ في وسط الحتة." اقتربت فتحية منها، جلست جوارهم، تربت على كتف سيدة بخفة تخفف عنها: "الحمد لله يا سيدة، هي بخير أهي، اهدي يا أختي...

الحمد لله أنك بخير يا أمل يا بنتي." ارتسمت ابتسامة شاحبة على شفتي أمل، تحرك رأسها بالإيجاب.

أما وتر، فكانت تجلس في جانب الغرفة على أحد المقاعد، زفرت أنفاسها غاضبة منذ ساعة ويزيد وهي تجلس هكذا منذ أن فقدت تلك الفتاة الوعي. هرولت والدتها تساعد سيدة، تلك السيدة التي كانت تعمل خادمة في فيلا والدها. حملا الفتاة معًا، يدخلان بها إلى منزل سيدة، رأت رجلًا قعيدًا يجلس على مقعد متحرك، ما أن دخلت، ملامح الفزع التي رأته على وجهه أخبرتها أنه أبوها، ولكن الغريب أنه لا شبه بينه وبين أمل.

قامت من مكانها، اقتربت منهم، شئ ما بداخلها يريد أن يواسي تلك الفتاة. توجهت إلى الجانب الآخر من الفراش بعيدًا عن سيدة ووالدتها، حمحمت بخفوت لتنظر أمل. ابتسمت بخفة، تمد يدها لها لتصافحها، تغمغم مبتسمة: "أنا وتر، وأنتِ أمل صح؟ ارتسمت ابتسامة بسيطة على شفتي أمل، صافحتها، تجذبها بخفة لتجلس جوارها، تغمغم مبتسمة: "أيوه طبعًا عرفاكِ، ماما يا أما حكتلي عنك كتير أوي، قالتلي قد إيه أنتِ جميلة ومرحة وروحك حلوة."

ابتسمت وتر مجاملة لما قالت، تومئ بالإيجاب في صمت. في حين في الأسفل، جلس حسن على المقعد على المقهى الشعبي أمام جبران، يقص عليه ما حدث سريعًا. ليربت جبران على كتفه بخفة، يغمغم متفاخرًا: "جدع والله يا واد يا حسن، بس بردوا غشيم ما بتعرفش تتعامل مع جنس حوا. هقولهالك للمرة الألف يا ابني، دول ما بيجوش غير بالحنية." تأفف حسن حانقًا، يرتشف ما تبقى من كوب الشاي الموضوع أمامه، يغمغم حانقًا:

"جبران إنت عارف أنا لا ليا ولا في جو التلزيق دا، أنا عايز أتزوجها وبس كده. أنا لو عليا اطلع أطلب إيدها دلوقتي." ضحك جبران عاليًا، ليقف من مقعده، اقترب منه يجذب ذراعه ليقف هو الآخر، ليردف ضاحكًا: "طب والله ما أنا مزعلك، تعالا نطلع نطلب لك إيدها، نجيب بس كيلو حلويات ندخل على الناس."

ابتسم حسن مبتهجًا كأنه طفل صغير، يومأ بالإيجاب سريعًا. تحركا معًا لمحل صغير لبيع الحلويات الشرقية، ابتاع صحنًا كبيرًا من الحلويات، يتحرك بصحبة حسن إلى منزل أمل. وقف حسن في مدخل العمارة السكنية أمام جبران. أخرج مشطًا صغيرًا من جيب سرواله يمشط خصلات شعره المبعثرة. في حين ابتسم جبران ساخرًا. قميص حسن مجعد، عليه آثار بعض الدماء، سرواله الجينز قديم، يرتديه فقط في الورشة، وحسن يهتم فقط بخصلات شعره المبعثرة!

دفع في كتفه، يغمغم ضاحكًا: "اطلع يا نحنوح قدامي، خلينا نطلب لك البت ونخلص من هبلك." _** على صعيد آخر، جلست على فراشها متجمدة، عيناها تزرف الدموع بلا توقف. بيجاد مات، من أحبت عمرًا وتمنت أن يبقى، مات هكذا فجأة دون مقدمات، دون أن يحبها، دون أن تراه مرة أخرى. لم تكن تريد شيئًا في هذه الدنيا بقدر أن تراه، أن يحبها كما أحبته.

جلست هكذا لساعات، رغم محاولات نجلاء المستميتة للتخفيف عنها، حتى صرخت فيها تطردها من الغرفة، وهي لأول مرة تفعل ذلك. ارتمت بجسدها على الفراش، تضم ركبتيها لصدرها، تغمض عينيها، تشهق في البكاء بحرقة، قلبها يرتجف بعنف.

في حين في الخارج، جلس هو على مقعد بالقرب من غرفتها، يقبض على يدي المقعد بعنف. صوت بكائها المتواصل لم ينقطع منذ أن أخبرها بموت زوجها المدمن. لا يعرف كيف أحبت ذلك الرجل بكل ما به من شر وسوء. الحمقاء أحبت شيطانًا دون أن تدري! قام من مكانه يود الدخول إليها، حين تناهى إلى أسمعه صوت سيارة تقترب. نظر من النافذة الكبيرة، لتلمح عينيه سيارة دفع رباعي كبيرة تقترب. في مقدمتها يجلس طارق! "مجدي التهامي إذا بعث برجاله...

اندفع تجاه غرفة رسل، أغلق بابها بالمفتاح من الخارج، ليندفع إلى أعلى، غطى وجهه بقناع أسود يخفي ملامحه. لا يجب أن يعرفوا من هو الآن على أقل تقدير. حمل بندقية حديثة للغاية، خرج إلى شرفة غرفته، يصوب ناحية عجلات السيارة باحترافية شديدة. قبل أن تخطو السيارة إلى داخل منزله، كانت رصاصته قد أصابت إحدى العجلات، وبعدها الأخرى، لتنحرف السيارة عن مسارها، تقف بعد مجهود. ولكن رصاصته لم تمنع من في الداخل من أن يخرجوا له.

نزل طارق أولًا، وخلفه عدة رجال ضخام الجثة مسلحين. صوب بندقيته ناحية أحد الرجال، يطلق رصاصة اخترقت ساقه ليسقط الرجل أرضًا يصرخ من الألم. ليتأهب البقية، يلتفون حول طارق من جميع الجوانب، يشهرون أسلحتهم في وضع الاستعداد، يطلقون النيران في كل حدب وصوب. علّ إحدى الرصاصات تصيب ذلك الذي يحاول إبعادهم قبل أن يخطو حتى إلى الداخل. صوت الباب الخلفي؟!

أحدهم يقتحم منزله من الاتجاه الآخر، ذلك ما لم يحسب له حسبان. ركض يحمل سلاحه إلى الجانب الآخر، ليجد سيارة أجرة تلتف حول البيت تحاول اقتحامه. وجه بندقيته إلى رأس السائق، رصاصة واحدة وتنقلب السيارة بمن فيها. ليصدح في عقله صوت صرخات مقهورة تصرخ فيه: "حرام عليك قتلته ليه؟ منك لله ربنا يحرق قلبك زي ما حرقت قلبي عليها."

احمرت عيناه تكاد تنفجر منها الدماء. اخفض بندقيته إلى إطارات السيارة، يطلق عليها الرصاص. في تلك اللحظة، سمع صرخة نجلاء المذعورة. يبدو أنه تأخر كثيرًا واقتحم طارق المنزل وانتهى الأمر. إذا حان وقت المواجهة!! نزل إلى أسفل في هدوء، ليجد أحد الرجال يمسك بنجلاء، وطارق يشهر مسدسه إلى رأسها، يصرخ فيها: "رسل فيها قبل ما أفجر دماغك." "اتكلم معايا أنا يا طارق يا تهامي!

صاح بها بصوت حاد، جهوري، واثق، ليلتفت طارق إليه، يقبض على مسدسه، يشهره في وجهه. ابتسم في سخرية، يغمغم ضاحكًا: "أنت بقى اللي عامل فيها جوبا وعمال تضرب رصاص علينا من فوق... طب يا عم القناص... أنا هسيبك عايش وارجعلي اختي. شوفت بقى أنا كريم وطيب إزاي." صدرت ضحكة عالية، مجلجلة بين شفتي عز، يحرك البندقية في يده بخفة، وكأنه معتاد على ذلك منذ وقت طووويل. لم ينساه عقله، حرك رأسه بالإيجاب يتشدق ساخرًا:

"أيوه طبعًا، هو في زي طيبة قلب مجدي التهامي ولا حنية شيرين هانم، ولا كرم طارق ابنهم، ولا قذارة وليد اللي مات دا." توهجت عينا طارق بنيران الغضب، أشهر مسدسه في لحظة في وجه طارق، يصيح فيه محتدا: "ما تبقاش إلا كلب زيك ملوش دية يتريق على عيلة التهامي. أنا بجادل معاك ليه أصلًا؟ كبيرك رصاصة وتترمي زي الكلب."

صوت زمجرة ليث عالية جعلت الجميع يلتفون إليها، حتى طارق. استغل عز ما حدث ليجذب المسدس من يد طارق في لحظة، يشهره في وجهه، ويده الأخرى تكبس على زر في جهاز تحكم صغير، ليصدر صوت فتح بوابة من الحديد. صوت عالٍ تبعه صوت زمجرة أسد عالية من الباب المفتوح، وبخطوات راكضة يركض ليث ضخم ناحيتهم. صرخوا مذعورين، حتى طارق قفز بعيدًا مذعورًا. في حين ابتسم عز في سخرية، وقف الليث جوار عز متأهبًا، ينظر لهم، يكشر عن أنيابه الحادة المخيفة. ضحك عز عاليًا، مد يده يمسح على شعر الليث كما لو كان كلبًا أليفًا. نظر لطارق، يغمغم ساخرًا:

"أنا بصراحة ما بحبش الكلاب، كائنات مملة، كل واحد بيربي اللي شبهه. يعني أنت مثلًا يا طارق لو قررت تربي حيوان هتربي تعبان، وفي الأغلب أنت اللي هتلدغه بسمك. فانتوا دلوقتي قدامكم حل من اتنين، يا تمشوا على رجليكم، يا تعشوا أرسلان جعان، الراجل ما حطتلوش أكل النهاردة." ابتلع طارق لعابه مذعورًا، يحاول ألا يبدو خائفًا، ولكنه حقًا كان مذعورًا. زمجر من جديد ليقفز طارق للخلف، ارتجفت الأحرف من بين شفتيه، يغمغم:

"ماشي، بس افتكر إن مجدي التهامي مش هيسيبك. يلا يا رجالة." انسحبوا، بل فروا من أمامه ركضًا إلى سياراتهم، تفر بهم بعيدًا. ليرفع عز يده، ينزع القناع عن وجهه، ألقاه بعيدًا. احتدت مقلتيه، اسودت ملامحه غضبًا، ليجذب الهاتف من جيب سرواله بعنف، يطلب رقمًا ما. انتظر للحظات قبل أن يجيب الطرف الآخر، ليصرخ فيه:

"مجدي التهامي لسه ***، الكلب بعت ابنه ياخد رسل عشان يبيعها لمروان. ما يعرفش إن أنا اللي بعتله مروان يعرض عليه العرض ده. لأ، أنا هختفي بيها خالص. أنا اللي كنت عايزاه يعرف مكاني عشان أعرف هيعمل إيه مع عرض مروان. ده ما اترددش لحظة، أنت متخيل... طيب طيب اقفل سلام."

أغلق الخط، يتنفس بعنف، رفع يديه يكاد يقتلع خصلات شعره من جذورها غضبًا. أعاد الليث إلى مكانه. ليتوجه إلى غرفتها، فتح الباب بالمفتاح الذي معه، ليجدها تغط في نوم عميق. المخدر الذي أرغم نجلاء على وضعه لها في كوب العصير، أبعدها عن كل ما حدث قبل قليل. ارتسمت ابتسامة عذبة، حزينة على شفتيه، مال يقبل قمة رأسها، لينحني بجذعه العلوي، يحملها بين ذراعيه بخفة، يهمس لها بشغف: "مش هسمحلهم يلوثوا ملاك زيك! _**

منذ دقائق وهم يجلسون في غرفة المعيشة للمنزل الصغير. جبران يجاور حسن، أمامهم صابر، زوج والدة أمل، على مقعده المتحرك، ينظر لهم متوترًا، ما سر زيارتهم المفاجئة والمتأخرة أيضًا. حمحم صابر للمرة الألف تقريبًا، يغمغم بنفس الجملة: "منورين والله." رفع جبران يمناه، يربت على صدره بخفة، ابتسم يردف: "بنورك يا عم صابر. بص بقى يا عم صابر...

المثل بيقولك إن كبر ابنك جوزه. أمل وأنا مش هلاقي لحسن. حسن ده مش بس صاحبي، ده ابني وأخويا الصغير، أحسن من بنتكم الآنسة أمل." ابتسم حسن في توسع، يحرك رأسه بالإيجاب. في حين توترت قسمات وجه صابر. لا هو ولا سيدة ولا حتى أمل سيوافقون على تلك الزيجة. ابتلع لعابه، يغمغم متوترًا:

"ده شرف لينا طبعًا يا معلم جبران، مجيتك هنا لوحدها شرف لينا. بس يا معلم البت أمل عايزة تكمل علامها وما بتفكرش في الجواز دلوقتي. معلش ربنا يرزق المعلم حسن بالأحسن منها." تجهم وجه حسن غضبًا، كاد أن يقول شيئًا، يصرخ فيه، حين قبض جبران على يده يمنعه من فعل ذلك. نظر لصابر، يغمغم في ضيق: "أنت كده بتصغرني يا عم صابر وأنا مكبرك وجايلك بنفسي. وبعدين حسن مش معارض إنها تكمل تعليمها وهي في بيت جوزها. يعني كده ما عندكش حجة."

وجه حسن انظاره إلى وجه صابر، ليراه مترددًا، حائرًا. رأى في عينيه الرفض، يبدو أن أمل ليست الوحيدة التي ترفض الزيجة. حاول صابر أن يجد كذبة أخرى، لعله ينجد ابنته من تلك الزيجة المشؤومة. ارتجفت شفتيه حين فتح فمه يبحث عن شيء ما ليقوله، ليبادر حسن، ينهي الحديث بنبرة حادة، أردف: "بصي يا عم صابر من الآخر عشان أجبهالك من أبوها. أنا جاي طالب إيد الآنسة أمل على سنة الله ورسوله، وبإذن الله الدخلة الخميس الجاي، نقرا الفاتحة."

من خلف باب غرفتها الشبه مفتوح، تطل برأسها تختلس النظرات لما يحدث في الخارج، تستمع مذهولة هي ووُتر الواقفة خلفها. ما سر هذه الجرأة بأن يحددوا كل شيء بتلك الطريقة؟ وقفت أمل تكبح جماح غضبها لدقائق طويلة للغاية، إلى أن نطق حسن جملته الأخيرة، فانفجرت، انطلقت إلى الخارج. وقفت أمامهم تصرخ في حسن بشراسة: "الفاتحة دي تقراها على روحك! أنا وأنت مش هنتجوز لا النهاردة ولا بكرة ولا بعد ميت سنة. أنت إيه يا أخي؟

بدل المرة مليون أقولك مش بحبك، مش عيزاك، مش هتجوزك. كان هيحصلي مصيبة النهاردة بسببك وأنت جاي بكل برود تحدد ميعاد الفرح. ده أنا أموت نفسي قبل ما أبقى مرات واحد زيك." "أمل! صرخ بها جبران محتدا، يوقف سيل كلماتها المتدافعة من فمها كالحجارة. هب واقفًا، يوجه انظاره لصابر، يصيح فيه: "جري إيه يا عم صابر؟ ده إحنا حتى ضيوف في بيتك." انتقل بانظاره إلى أمل، يوجه إليها حديثه الغاضب:

"وأنتِ يا ست أمل، حسن ما قالكيش امشي مع صاحبتك الشمال من باب المدرسة اللي ورا؟ إحنا دخلنا البيت من بابه نطلب إيدك على سنة الله ورسوله. لو على تعليمك قالك هتكلميه، رافضة ليه بقى ولا هو عند وخلاص؟ هنا تدخلت وُتر، ذلك الوقح يفرض رأيه على الجميع. هنا كادت أن تخرج، حين جذبت والدتها ذراعها بعنف تمنعها من ذلك، همست لها محتدة: "اتهدّي بقى! جبران أصلًا مستحلف لك على غلطة. مالكيش دعوة بحاجة يا وُتر أنتِ فاهمة؟

زفرت أنفاسها حانقة من خوف وسلبية والدتها المبالغ فيها. أومأت بالإيجاب على مضض، لتطل بوجهها من شق الباب الصغير من جديد، تختلس النظر لما يحدث في الخارج. رأت سيدة تتقدم منهم تحاول الدفاع عن ابنتها. بنبرة أكثر لينا قالت: "يا معلم جبران، الجواز قسمة ونصيب. والبنت مش رايدة حسن، هنغصبها عليه. دي بنتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا." لم يهتم جبران بما قالته سيدة تمامًا. ظلت عيناه مثبتة على أمل، يديه في جيبي سرواله.

عاد يسألها من جديد: "لسه ما جاوبتيش على سؤالي، إيه السبب اللي مخليكِ رافضة حسن؟ وما تقوليش ما بحبوش. لو كل اتنين ما اتجوزوش عشان ما بيحبوش بعض، ما كانش في حد اتجوز في البلد دي... شوفي لك سبب غيره." توسعت عينا أمل مدهوشة. ألا يكفي أنها لا تقبله، لا تحبه؟ ذلك السبب يكفي لها ويزيد. زفرت أنفاسها بحرقة، تردف محتدة: "عايز سبب تاني؟ تاجر حشيش فلوسه حرام، وأنا مش هحط في بوقي لقمة حرام من فلوسه. السبب ده كويس."

أومأ جبران برأسه في هدوء تام، ابتسم يهمهم متفهمًا: "كويس جدًا... بس الحقيقة حسن ما بيتاجرش في الحشيش. هو دراعي اليمين في كل حاجة صحيح، إلا موضوع الحشيش ده. رفض يدخل فيه من سنين. يعني فلوسه مش حرام ولا حاجة. كده ما بقاش ليكِ حجة." اصفر وجه أمل في ذهول ممتزج بفزع من القادم، خاصة حين توسعت ابتسامة جبران، يغمغم مبتسمًا:

"كده العروسة ما عندهاش حجة للرفض. آخر الشهر بإذن الله كتب الكتاب والفرح في ليلة واحدة. أنا سايب لك وقت كبير أهو تجهزي العروسة يا أم العروسة." تدخل حسن يردف سريعًا: "مش محتاجة جهاز، الشقة جاهزة من كله. أنا عايزها بشنطة هدومها. إن شاء الله تكون الشنطة فاضية وأنا هملأها بمعرفتي." يضحك جبران عاليًا، يصدم حسن في كتفه بخفة، يتشدق ساخرًا: "يا واد اتقل شوية، دا إيه العريس المدلوق ده...

بردوا الفرح آخر الشهر تكون العروسة خلصت امتحاناتها وبقت فاضية." تحركت عيناه ينظر لوُتر التي تتابع بذهول ما يحدث منذ البداية، ليتلوي ثغره بابتسامة خبيثة، يتمتم: "ومين عارف مش يمكن يبقى الفرح فرحين! توسعت عينا وُتر في ذهول، تضع يدها على فمها تمنع شهقتها، تراقبهم وهم يغادرون. ما أن أغلق جبران الباب تقريبًا!! فتحت هي باب الغرفة، اندفعت للخارج تصرخ فيهم محتدة: "انتوا إيه السلبية والجبن اللي انتوا فيه ده؟

أنت يا عمو صابر إنت اللي كان المفروض تقوله لأ يعني لأ... وأنتي يا أمل إزاي تستكتي كده... صرختي مرة واتنين وسكتي... هتتجوزي اللي اسمه حسن ده غصب عنك عشان البلطجي ده أمر! "الثالثة ثابتة يا بنت الذوات!! سمعت صوته يغمغم بها من خلفها بخبث، لتشخص عيناها ذعرًا. التفتت برأسها سريعًا، تدعو أن تكون فقط يُهيئ لها لتراه يقف عند باب المنزل، لم يغلقه بالكامل! لما عاد من جديد؟

اقترب يلتقط السجائر الخاصة به، يدسها في جيب سرواله، أعطاها ابتسامة ملتوية قبل أن يخرج من المنزل، يصفع الباب خلفه بعنف! _** صوت موج البحر وصوت عصافير مغردة، يبدو أنه الصباح. ولكن الصباح أين؟

فتحت عينيها، تكمش ما بين حاجبيها، تشعر بألم بشع يفتت رأسها. انتصفت جالسة، لتتلمس الفراش أسفلها، ملمسه مختلف عما كان قبلًا. رائحة الهواء نفسه مختلفة، وكأن بها ملح البحر، رائحة اليود ظاهرة. الهواء نفسه ملمسه مختلف. نزلت عن الفراش، بساط آخر غير الذي استشعرته قبلًا، حتى علو الفراش عن الأرض مختلف. ذلك لا يعني سوى شيء واحد، أنها في مكان آخر. ولكن كيف ومتى؟

لا تتذكر سوى الفاجعة التي سمعتها بالأمس. كانت تبكي بحرقة وفجأة نامت دون مقدمات. انفجر قلبها حزنًا من جديد، انزلقت دموعها تغطي وجنتيها. أُجلفت على صوت الباب يُفتح، رائحة عطره تعني أنه هنا. سمعت خطواته تقترب منها، جلس أمامها لينخفض الفراش قليلًا. تنهيدة طويلة خرجت من بين شفتيه قبل أن يهمس لها في هدوء: "امبارح جه أخوكِ طارق عشان ياخدك."

رأت قسمات وجهها تشرق في لهفة، تحرك رأسها في جميع الاتجاهات كأنها تبحث عنه. لهفتها والأمل التي ارتسمت على وجهها جعلته يتردد في إخبارها ما حدث بعد ذلك: "أبوكِ كان عارف مكانك من أول يوم خطفتك فيه...

حسيت إنك مختلفة عنهم وإنك مالكيش ذنب في حاجة، فقولت إني هرجعك له. بس قبلها قررت أعمل حاجة كده. مروان السروجي ده رجل أعمال معروف بميوله المريضة. اتفقت مع مروان أنه يعرض على أبوكِ نص حصته بربع التمن والمقابل يكون أنت. كان نفسي حتى يتردد، ولكن كل ما أدا ومادا وبيثبت مجدي أنه أسوأ من الشيطان نفسه. امبارح حاول طارق ياخدك عشان مجدي يديكِ لمروان... المرة دي مستحيل يعرفوا يوصلوا لنا."

ملامح الصدمة التي ارتسمت على وجهها جراء ما قال كانت كشظايا ارتدت في روحه. هو، عينيها احمرت، تنهمر منها الدموع بعنف. بدأت تحرك رأسها بالنفي، تصيح فيه: "أنت كذاب! أنت بتقول كده عشان تخليني أكره بابا. هو بيحبني، هو بيحبني، أنت كذاب." وصمتت، صمت حين سمعت صوت آخر صوت يخرج من هاتف أو مسجل صوت لحديث دائر. ميزت صوت والدها مع شخص آخر، صفقة بيع وشراء وهي الثمن.

-مجدي، أنا بعرض عليك نص حصتي في الشركة وبربع التمن اللي ممكن أي خبير اقتصادي يتمنها، بس بشرط." -وإيه شرط مروان باشا؟ -رسل، بصراحة أنا شفتها صدفة مرة، بنتك حلوة أوي يا مجدي، لا حقيقي أحلى من كده ما شوفتش." -أيوه بس دي عامية هتعمل بيها إيه؟ -مش فارقة معايا، أنا كده كده مش هحتاج عينيها في حاجة. ها موافق ولا لسه عايز تفكر؟ -موافق طبعًا، حدد الوقت والمكان وأنا هجيبهالك!

لم يتردد والدها، لم يتردد لحظة واحدة وهو يبيعها كسلعة. لا تصدق ما تسمع أذنيها لما! مروان تعرفه بالطبع، كانت تجمع أخباره الفاسدة قبل أن يحدث لها ما حدث. ارتجفت بعنف، احتضنت جسدها بذراعيها، تتحرك للأمام وللخلف، تهذي من الألم: "كل حاجة هتبقى كويسة، كل حاجة هتبقى كويسة. أكيد ده مش صوت بابا، ده صوت متفبرك. بابا ما بيبيعنيش كده، مش كده صح يا عز؟ حاولت أن يمسك كف يدها برفق، لتدفعه بعنف، تصرخ فيه: "ابعد عني!

انتوا السبب، انتوا اللي عملتوا فيا كده. أنا كان عندي أصحاب، كان عندي حياة، كل ده راح ورضيت. اتجوزت الإنسان الوحيد اللي حبيته في عمري كله ومات. وبابا... بابا باعني بأرخص تمن ممكن، ودلوقتي أنت خاطفني، أنت عايز مني إيه؟! -عايز أتزوجك!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...