الفصل 49 | من 53 فصل

رواية جبران العشق الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم دينا جمال

المشاهدات
21
كلمة
4,096
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

هدأت حياة ونامت بعد ساعات. كلما يتذكر ما حدث لها، يلهبه قلبه ليذهب ويمزق جسد وليد. ولكن شقيقه الأحمق زاد الحراسة اضعافا على غرفة وليد حتى لا يصل له قبل المحاكمة. يجلس هو الآن على مقعد أمام غرفة، وتر يفصله عنها باب. على بعد خطوات منه، يتذكر جملتها التي لا تزال تدوي في أذنيه: "تدوق من نفس الوجع يا مراد". ألتلك الدرجة باتت تكرهه؟ ألم تخبره أنها لن تتركه؟ بأنها تحبه؟ لما لا تتجوز فقط وتبقى مع جبران الذي عشقت وعشقها هو؟

تنهد بحرقة، يتذكر ما حدث قبل ظهور روزا بعدة أيام. *** في إيطاليا، في القصر الخاص بهم، على إحدى الأرائك يجلس كل من مراد وبيجاد يلعبون ألعاب البلاي ستيشن. أصوات صياحهم في حماس تملأ المكان. قاطع تلك الصرخات صوت باب القصر وهو يفتح. نظرا للداخل، لترتسم ابتسامة كبيرة على شفتي كل منهم. قام مراد يعانق صديقه، يغمغم ضاحكاً: "حمد لله على سلامتك يا عم وليد. ها طمني، الفرح تم؟ ما شوفتش صور نازلة خالص."

زفر وليد حانقاً ليبتعد عن مراد. ارتمى بجسده إلى الأريكة. التقط زجاجة النبيذ الموضوعة على الطاولة، يلقي غطائها بعنف بعيداً. رفع الزجاجة إلى فمه، يتجرع نصفها على جرعة واحدة. نظر بيجاد لمراد. كل منهم لا يفهم ما سر غضب وليد. اقترب مراد، جلس جواره يسأله: "مالك يا ابني عامل كدة ليه؟ هي العروسة دبحتلك القطة ولا إيه؟

رفع وليد الزجاجة إلى فمه من جديد، يرتشف الكثير. أبعدها، يمسح فمه بعنف. ألقى الزجاجة بعيداً لتتهشم بعنف. وقف يصيح غاضباً: "بقي حتة بت زي دي تهزقني أنا... جت قدام المعازيم والمأذون والكل وتقولي لاء، أنا مش موافقة، مش هتجوزك! توسعت حدقتي بيجاد في ذهول، في حين لم يستطع مراد السيطرة على سيل ضحكاته. انفجر يضحك ساخراً. صدم وليد على كتفه، يغمغم ضاحكاً:

"يا نهار أبيض على الكسفة اللي أنت فيها يا حازم. حازم دا أنت اتعلم عليك حتة تعليمية." في تلك اللحظة، دلف كل من مجدي وسفيان ليتوقف مراد عن الضحك. يراقب ما يحدث. جلس سفيان مقابلاً لوليد، يغمغم محتداً: "أنت عارف من الأول أني ضغطت عليها عشان توافق، وما كنتش متخيل أنها هتعمل اللي عملته ده في الفرح." هنا تحدث مجدي يوجه حديثه لسفيان غاضباً:

"اللي عملته بنتك دا إهانة لينا كلنا يا سفيان. لولا إننا سكتنا الصحافة كان زمنا اتفضحنا في كل حتة." تحركت عيني مراد يراقب رد فعل سفيان الذي بدا غاضباً للغاية. زفر، يغمغم محتداً: "أعمل إيه يعني؟ كنت فاكر أنها سمعت كلامي لما قولتلها إني هخليها تشوف والدتها لو وافقت على جوازها من ابنك. ما كنتش أعرف أنها هتعمل كدة. وتر عاملة زيي، ذكية، بتعرف تضرب إمتى...

لازم شوكتها تتكسر قبل ما تتمرد عليا أكتر من كدة. واهو يبقى عقاب على اللي هببته. بس لازم أفضل أنا بعيد عن الصورة." هنا تحدث مجدي حانقاً: "أيوه يعني نعمل إيه بردوا؟ حمحم مراد يتدخل في الحديث يسأل سفيان: "هي في كلية علم نفس مش كدة؟ وليد كان قالي أنها في سنة أولى على ما أعتقد." همهم سفيان يحرك رأسه بالإيجاب. ليردف مراد من جديد: "طب يا جماعة، ما هي لسه صغيرة جداً. ودا طيش شباب مش أكتر. لما تكبر شوية، أكيد الموضوع هيتغير."

نفى سفيان برأسه بعنف، يغمغم ساخراً: "وتر زيها زيي مش هتهدى. هتزيد عناد وقوة وفضول. أنا واثق إن كلها سنة ولا اتنين مش هتهدى غير لما تعرف حقيقة شغلي. هي من دلوقتي دايماً بتسأل عليه. لازم ألاقي لها حل." لا يعرف لما، ولكن شيطان نفسه كان حاضراً وبقوة بفعل شياطين الإنس التي حضرت حوله، فنطق ما سيندم عليه دهراً قادماً: "خلاص سهلة. اكسروا شوكتها، شوهوا عنجهيتها، وهي هتبقى تحت إيديكوا غصب عنها...

خلوا مريض نفسي من اللي هي بتعالجهم يحاول يعتدي عليها. ويا سلام لو يسيب لها علامة تفتكر الحادثة دي كل ما تشوفها، وهي شوكتها هتتكسر... بس بردوا حاولوا تخلوا دا آخر حل، دي بنتك بردوا، وأكيد مش هترضي إنها تتعذب العذاب دا كله." *** عاد من ذكراه. أخفى وجهه بين كفيه يبكي. يا ليته لم يقل تلك الكلمات يوماً. ها هي تعاني الأمرين بسببه. ها هو قد خسرها.

قام يمسح دموعه. توجه إلى غرفتها. فتح بابها بخفة، يبحث عنها. ليراها تجلس على أريكة بعيدة، ترفع ساقيها تضمهم لصدرها، تحاوطهم بذراعيها، تستند إلى ذراع الأريكة السميك. تغمض عينيها. دخل بهدوء، يغلق الباب برفق. يتحرك بخفة إلى أن وصل إليها. جلس جواره. فتحت عينيها حين شعرت بأن هناك من يجلس جوارها. أشاحت بوجهها بعيداً عنه حين أبصرته. مد يده يزيح خصلات شعرها من فوق غرتها، يهمس لها قلقاً: "أنتِ بتكرهيني يا وتر؟

لم تنظر ناحيته، فقط حركت رأسها بالإيجاب. ارتعشت نبرته يسألها من جديد: "بتكرهي مين؟ مراد ولا جبران؟ هنا التفتت إليه، ابتسمت في سخرية تردف متهكمة: "وهي تفرق؟ حرك رأسه بالإيجاب سريعاً. أحاط وجهها بين كفيه، ينظر لعيها، يهمس: "طبعاً. مراد دا كان عيل تافه وفاشل، فرحان بذكائه. شيطان ضيع نفسه بغبائه. إنما جبران لأ...

جبران بيحبك أوي يا بنت الذوات. صدقيني يا وتر، أنا من أول مرة شوفتك فيها لما جيتي الحارة، وأنا بدعي ربنا إنهم ما يكونوش عملوا فيكِ حاجة. قلبي دق ليكِ وكأنه كان مستنيكِ بس تيجي. لسه فاكر كل موقف جمعنا سوا في الحارة يا وتر... انسي مراد، واعرفي إن جبران بيحبك أوي. اعتبري مراد مات."

تعلق عينيها به، تحاول ألا تبكي. تنظر لوجهه. يمر أمام عينيها شريط سريع منذ رأته أول مرة في الحي حين اصطدمت به، مروراً بكل مرة ارتمت فيها بين ذراعيه، مشاكساته، غضبها منه، مواقفه المضحكة، كلمة "بنت الذوات" التي لا يتوقف عن قولها لها... أبعدت وجهها عنه، وقفت أمامه. ضحكت في سخرية تردف: "لأ، حقيقي. برافو. تصدق، كنت هصدقك. أنت وأخوك تستاهلوا الأوسكار، حقيقي...

قولي يا جبران، لو أنا سامحتك ورجعنا وخلفنا ابننا ولا بنتنا، هيبقي اسم الأب إيه؟ مراد ولا جبران؟ البطاقة اللي معاك اسمك فيها إيه؟ مراد ولا جبران... أنت ومراد واحد. مراد اللي دمر حياتي، اللي بسببه عشت أسوأ لحظات عمري، لحظات عمري ما نسيتها. أنا بسببك اتدمرت شهور وأنا بتعالج عشان بس أعرف أتعايش."

لم تكبح دموعها حين وصلت لتلك النقطة. انهمرت دموع عينيها. فوقف سريعاً رافضاً رفضها له، لن يخسرها ببساطة. دس يده في جيب سرواله، يخرج مديته. فتحها، يعطيها لها. نزع قميصه، وقف أمامها عاري الصدر. لا حيلة له، لا يجد ما يفعله لتغفر خطئه. وقف أمامها يصيح منفعلاً:

"أنا ما أقدرش أرجع اللي فات، ويا ريتني أقدر. بس اللي أنا واثق منه، إنهم كانوا هيلاقوا بدل الطريقة ألف عشان يأذوكي بيها، ويمكن أبشع. سفيان دا مريض مش طبيعي. عمره ما حبك. معاملته الحنينة ليكِ كانت ستار. أنتِ كنتي بالنسبة ليه كارت هيبيعه للي هيدفع أكتر. أنتي عارفة مجدي كان هيدفعله مهر 50 مليون لو الجوازة تمت. عشان كدة كان هيتجنن لما رفضتي قدام الكل واحرجتيهم...

الست فتحية ما كذبتش في حرف واحد من اللي قالته، وهي مش مجنونة زي ما هو قال. أبوكِ كان بيتحرش حتى برُسل بنت مجدي صاحبه. ما تفهميش بقي هو بيدوفيلي ولا إيه نظامه. قال أكتر مما يجب أن تعرف." رمت المادية من يدها، تضع يديها على أذنيها، تحرك رأسها بالنفي بعنف، تصرخ فيه تبكي بحرقة: "بسسس! كفاية! مش عايزة أسمع حاجة! كفاااية!

هرول يحتضنها. صرخت تحاول إبعاده. خدشت كتفيه بأظافراها، تحاول دفعه بعيداً دون فائدة. دس رأسها داخل صدره، يسب نفسه. كان يحاول الدفاع عن نفسه، فدمر ثقتها بأبيها تماماً، وهي في حالتها النفسية الشبه مدمرة تلك. انهارت مقاومتها، تشعر محتجزة داخل غرفة من ألواح الزجاج. انفجر الجميع مرة واحدة، لينغرز فيها دون رحمة، ليمزقها دون رحمة. ابتعد جبران عنها قليلاً، يمسك بذراعيها. ابتلع لعابه الجاف، يهمس نادماً:

"أنا غبي. ما كانش ينفع أقول اللي قولته دا. أنا آسف. أنا بس كنت عايزك تسامحيني بأي شكل. الكلام اللي أنا قولته دا مش حقيقي. باباكِ بيحبك أوي، أوي." ابتسمت ساخرة. يظن أنها حمقاء ستصدق ما يقول الآن. لم يعد لشئ معنى الآن. تشعر بأن قلبها بات فارغاً من أي شعور نحوه. ربما باتت تكرهه. انحنى هو يلتقط المادية، مد يده لها به، يغمغم يائساً:

"صدقيني، أنا مش عارف أعمل إيه عشان تسامحيني. بس أنا قدامك أهو. اعملي فيا نفس اللي حصلك بسببي. خدي حقك مني." ابتسمت في سخرية. مدت يدها، التقطت المادية، تقبض عليها بعنف. اقتربت منه، تضع نصل المادية على عنقه، تغمغم ساخرة: "تعرف إن أنا لو قتلتك دلوقتي، ماخدش فيك ساعة سجن. أنا مدمنة وفي حالة هياج عصبي. قتلتك." ابتسم، ينظر لها، يومئ برأسه موافقاً. مد رأسه ناحيتها، يهمس لها بصوت خفيض عميق:

"وأنتِ عايزة تقتليني يا بنت الذوات؟ ارتكبت. تنظر له محتدة، لتحرك نصل المادية ببعض الحدة أسفل ذقنه لتسبب له جرحاً طولياً سطحياً. ابتسم في حين اهتزت حدقتاها قلقاً حين رأت الدماء تنساب من جرحه. حاولت أن تبدو ثابتة. أغلقت المادية، أمسكت كف يده، تضعها فيه، تغمغم في حدة: "أنا مش زيك. أنت تقدر تأذي. أنا لأ... أمشي يا مراد، أنا تعبانة، عايزة أخلص من السم دا بقي عشان أبعد عنك نهائياً."

التقط قميصه، يرتديه. اقترب منها إلى أن صار خلفها، فضمها. ظهرها إليه. تململت بين يديه محتدة، تحاول إبعاده، تهمس له حانقة: "أنت بتكلبش فيا كدة ليييه؟ وأنت شبه الحيطة، أنا ما بعرفش أزقك." ضحك عالياً، يدس رأسه بين خصلات شعره، يهمس لها بشغف عاشق مشتاق:

"وحشتيني يا وتر. وحشني حضنك. وحشني بنت الذوات اللي ما بتبطلش شقاوة ودلع. يوم الحفلة حضتنيني وقولتيلي أنا عمري ما هبعد عنك يا جبران. أنا عمري ما كسرت وعد. وعدته ليكِ وأنتِ وعدك الوحيد بتكسريه أهو... والله بحبك. أنا ماليش غيرك في الدنيا. بالله عليكِ سامحيني بقي." سكنت للحظات، تستمع إلى ما يقول. تتغلل كلماته داخل كيانها بالكامل. صمت أعقبه ابتعادها عنه فجأة. وقفت أمامه، تكتف ذراعيها أمام صدرها، تغمغم ساخرة:

"أعتقد أنك حبيت كارمن أكتر مني أضعاف. وفسحتها في إيطاليا، وودتها مطاعم كبيرة. وأنا أول يوم شوفتك فيه كنت عايز تخليني أنضف كرشة مع الستات. هي كنت بتخاف عليها من الهوا الطاير، وأنا بترمي في الوحل. مش كدة؟ هسألك سؤال وعايزة إجابته بصراحة. لما شوفت كارمن تاني، لما جت الحارة على أنها صفا، حسيت ناحيتها بإيه؟ بحاجة؟ أومأ لها بالإيجاب. لتتسع عينيها غضباً. في حين اقترب هو منها خطوة واحدة، يكمل حانقاً:

"حسيت بالغيظ والكره. كان نفسي أخنقها، أطلع روحها في إيدي... وفي نفس الوقت كنت خايف، خايف الحية دي تأذيكِ وأنا مش موجود. غبية. كانت بتحاول بكل الطرق تغريني، ما تعرفش إني فاهمها كويس أوي... تعرفي لما شوفتها تاني حسيت إني مغفل إزاي حبيت شيطانة زي دي في يوم... يوم ظهور كارمن في الحارة، وقتها بس اتأكدت بجد إني حبيتك أوي."

شعرت بالحيرة. كلما انتفض قلبها يطلب بالسماح. تتذكر العذاب الذي عاشته لحظة بلحظة. تحركت قدميها تأخذها إلى الفراش. جلست على فراشها تتذكر مشهداً قريباً:

"شعرت بجسدها يحط على صدره العريض ويديه تطوقها. رأسه فوق رأسها يثبتها داخل أحضانه. لا تصدق أنها بين ذراعيه. يحتضنها. لم ينفر منها. يديه تمسح على ظهرها وكأنه يعتذر لها عن بشاعة ما لاقت. بكت بحرقة، تغرق وجهها داخل صدره. علا صوت بكائها، تتابعت شهقاتها. لتسمع صوت يخبرها مترفقاً: 'اصرخي يا وتر، طلعي النار اللي في قلبك جوا حضني، اصرخي'."

وفعلت. تمسكت، تصرخ بحرقة. ومشاهد ما حدث تُعاد أمام عينيها. أغمضت عينيها بعنف، تصرخ داخل صدره. صرخات يمتصها جسده لتهشم روحه. يشد بذراعيه على جسدها حتى هدأت شيئاً فشئ. بدأت صرخاتها تخبو وصوت بكائها يخف. رفعت عينيها تنظر له. ابتسمت ساخرة، تسأله: "قولي يا مراد، وأنت بتاخدني في حضنك وبتطبطب عليا لما حكيتلك على اللي حصلي، ما حستش بالذنب ناحيتي؟ أنك دمرت حياة واحدة ما تعرفهاش عشان بس تثبت لهم أنك ذكي وعندك عقل خارق؟

جلس جوارها على الفراش، يتحاشى النظر لعينيها. ابتلع لعابه، يهمس نادماً:

"حسيت إني أحقر إنسان خلقه ربنا. حسيت أن ربنا بيعاقبني بيكِ. مش أنت السبب في أذيتها. عيش معاها نفس العذاب. كنت بتكويني وأنا شايفك بتنهاري. صدقيني مهما وصفتلك بشاعة اللي كنت بحس بيه. كنت لما بشوف سفيان ببقى هموت وأقتله لأنه وافق أن يحصل فيكِ. وطال الصمت. لم تنطق بحرف بعد تلك المصارحة الطويلة وهو يجلس يترقب صمتها. يشعر بقدر ضخم من الوهن والضعف ورغبة ملحة في النوم. تثائب رغماً عنه." لتنظر ناحيته محتدة، تغمغم في غيظ:

"أنت جاي هنا تنام؟ ابتسم في عبث، عل قلبها يلين قليلاً. ارتمى برأسه على كتفها، تثائب، يغمغم ناعساً: "والله يا بنت الذوات، أنتِ أصعب من كيميا تالتة ثانوي. وأنا أصلاً كنت أدبي. وكل معلوماتي عن محمد علي أن المماليك كانوا خانقينه. قام مجمعهم في القلعة وعمل معاهم الجلاشة. الله يرحمه كان راجل برنس." ضمت شفتيها بعنف حتى لا تضحك على ما يقول. لتسمعه يردف عابثاً:

"سامعك وأنت بتضحكِ من جواكِ. بصي، أنا هنام ساعتين ونقوم نكمل خناق جامد جداً." ***

تأخر ربما. متمدداً، قضى ما يزيد عن ثلاث ساعات بالخارج. لما لا يعرف، ولكنه فقط لم يكن مستعداً للقادم. لا يعرف لما فعل ذلك. كان يريد إبعادها عن حياته بأي شكل كان. ولكن فكرة وجود ذلك الفتى جوارها جعلته يجن. صدم يده في المقود بعنف. لم يكن يريد أن يعيدها لعصمته هكذا فجأة دون موافقتها. لم يكن يريد أن يكرر خطأ الماضي من جديد. ولكن ما حدث قد حدث، وهو حقاً يشعر بالغضب منها ومن نفسه.

نزل من سيارته، فتح الصندوق الخلفي، يخرج حقيبة ثيابها. فتح الباب الخلفي، يلتقط عدة أكياس بلاستيكية للطعام. تحرك للداخل، يطلب من زوجة حارس العمارة أن تصعد معه لتساعد زوجته في تنظيف منزلهم. فوافقت الأخيرة مرحبة.

استقل معها المصعد إلى أن وصلا إلى الطابق. وضع حقيبة ثيابها أرضاً. أخرج المفتاح من جيب سرواله، فتح الباب. لتتسع عينه في دهشة. المكان يكاد يبرق حرفياً. نظر للسيدة جواره، يدس يده في جيب سرواله، أخرج بعض النقود، أعطاها لها، يغمغم مبتسماً: "معلش يا أم علي، عطلتك. المدام شكلها قامت بالواجب. اتفضلي أنتِ."

رحلت السيدة تدعو له بصلاح الحال. في حين خطى هو للداخل، يغلق الباب خلفه بخفة. تحرك في أرجاء المكان متعجباً. لم يكن يظن أبداً أن أمل ستفعل ذلك. توجه إلى المطبخ، وضع الحقائب على الطاولة الصغيرة فيه. ليتحرك لغرفة النوم، فتح بابها، دخل يضع حقيبة ثيابها على الفراش. ليجدها تخرج من المرحاض، تلف شعرها بمنشفة، ترتدي فستان بيتي. كان ملك لوالدته. والده أراد التخلص من ثياب والدته، فأخذهم هو حتى يبقى لديه شيء بسيط من ذكراها.

نظرت أمل متفاجئة لحقيبة ثيابها التي تتوسط الفراش، تسأله مدهوشة: "أنت جبت هدومي إزاي؟ ابتسم في سخرية، يشيح بوجهه بعيداً بقدر الإمكان، يغمغم: "روحت عندكوا البيت، وقولت للست سيدة إني رديتك. طبعاً انبسطت جداً لأن جوز بنتها دلوقتي ظابط مش حتة بلطجي، وجوز أمك قعد ساعة يوصيني عليكِ. بيحبك أوي عم صابر." أومأت برأسها، تبتسم. ذلك الرجل هو أبوها الذي تعرف بحنانه وقلبه الطيب. عوضها عن أبيها التي لم تراه يوماً. نظرت له. حين حمحم،

يشكرها: "ما كانش في داعي إنك تتعبي نفسك. أنا كنت جايب معايا حد ينضفها كدة كدة. على العموم شكراً... أنا جبت أكل جاهز في المطبخ وكذا حاجة للتلاجة. لو عاوزتي حاجة قوليلي وأنا هجبها وأنا جاي من الشغل بكرة."

أومأت برأسها، تنفض المنشفة عن رأسها. تحرك خصلات شعرها الندية برفق، لتعلق عينه بها وهي تنظر للمرآة، تبتسم. تمسك بمشط صغير، تمشط خصلات شعرها. حمحم سريعاً، يشيح بوجهه. ذهب إلى دولاب ثيابه، يلتقط بعض الثياب له. اتجه إلى المرحاض. ابتسمت حين أغلق باب المرحاض. تلملم خصلات شعرها. توجهت للخارج إلى المطبخ، تفرغ محتويات الأكياس كاملة. وضعت الطعام على طاولة المطبخ، والباقي في المبرد. وقفت عند حوض الغسيل تغسل بعض الخضراوات. حين

دخل هو إلى المطبخ، رآها تقف. ليتذكر ذلك المشهد الذي يحدث في جميع الأفلام، حين يقترب البطل من البطلة يحتضنها وهي منهمكة في تحضير الطعام. ابتسم ساخراً على تفكيره المراهق. حمحم يجذب انتباهها. توجه إلى الطاولة، جذب مقعد، يجلس. لتجلس أمامه. كل منهم يأكل في صمت. كل منهم يتهرب من الحديث مع الآخر بأي شكل كان.

إلى أن قررت أمل المبادرة. رفعت وجهها إليه: "أنت ردتني ليه يا حسن؟ أنت مش قولتلي قبل كدة أن حكايتنا خلاص خلصت؟ تجمّدت يديه التي تمسك بقطعة الدجاج، ليتركها مكانها قبل أن يضعها في فمه. لا يجد حقاً، لا يجد إجابة سوى أن يصرخ، يخبرها أنه لا يزال يحبها، ولكنه لن يفعل أبداً، على الأقل الآن. تنهد، يحاول ألا يكون مرتبكاً: "أنا شبعت. عن إذنك. أنا قايم أنام. أوضة النوم تحت أمرك. أنا هنام في الأوضة التانية."

وهكذا رحل دون أن يعطيها إجابة. لتتنهد، تبتسم في سخرية. قامت تضع الطعام في المبرد، توجهت إلى غرفة النوم، ترتمي على الفراش، تنظر لسقف الحجرة تفكر. حين وجدت هاتفها يدق برقم إيهاب. تجاهلته مرة بعد أخرى، ولكنه لم يتوقف. فتحت الخط ترد، لتسمعه يغمغم غاضباً: "طبعاً اللي حصل دا بسطك جداً. حسن باشا الظابط ردك لعصمته. صدقيني هندمك أوي يا أمل. أنتِ والباشا بتاعك."

أغلق الخط دون كلمة أخرى، لتلقي الهاتف بعيداً. ذلك الأحمق لن يفعل شيئاً، أليس كذلك؟ *** قرب الثالثة فجراً، في ذلك المخزن المهجور. يجلس هو على مقعد ضخم فخم مبطن، يضع ساقاً فوق أخرى. يضجع بظهره إلى ظهر المقعد، يستند برأسه، يغمض عينيه. فتحت هي الباب. اقتربت منه، تجلس على قدميه. فتح هو عينيه، يبتسم في سخرية. مد يده يداعب خصلاتها الشقراء. لتلمع عينيه الرمادية في سخرية، يغمغم: "ليه هربتي من الحارة يا روزا؟

كان زمانك دلوقتي متجوزة ظابط. ما الواد اللي اسمه عمر دا طلع ظابط معاهم." وضعت رأسها على صدره، تختبئ بين أحضانه، وكأنها طفلة صغيرة. تغمغم بنبرة مرتعشة: "أنا ما أعرفش غيرك أنت. كل حاجة ليا في الدنيا من ساعة ما فتحت عينيّ على الدنيا." ابتسم في سخرية. يبدو أنه أجاد كما يقال "غسيل مخ". تلك التي تختبئ بين أحضانه، حتى تردي عذابها، مصدر أمانها الوحيد. طوقها بذراعيه، يمسح على خصلات شعرها. ابتسم ساخراً، يغمغم: "احكيلك حدوتة...

من سنين كتير. مجدي التهامي عرف أن مراته خانته مع أخوه، فقتل أخوه وخلى الموضوع يبان حادثة. مجدي الله يجحمه مش سهل بردوا. مع أنه كان عارف إن سراج وشيرين بيحبوا بعض، بس خدها منه عشان هو كان بيكره أخوه أوي... المهم يا ستي، مجدي عرف أن شيرين حملت. وعشان ينتقم منها، سابها تكمل حملها وخدت البنت ورماها في دار أيتام. وقال لشيرين إنه قتلها عشان يحرق قلبها. مين بقي كان معاه في كل الخطوات دي؟ أنا!!

لما ساب البنت، أنا روحت الملجأ ودفعت فلوس كتير وخدتها ودتها لملجأ تاني تبعي. لحد ما كبرت وبقي عندها عشر سنين، فروحت خدتها عشان اربيها في حضني عشان تكبر وتبقي الشيطانة الجميلة اللي نايمة جوا حضني دلوقتي. ماسكة فيا زي العيلة الصغيرة." شهقت روزا مذعورة. رفعت رأسها عن صدره، قامت تبتعد عنه. تجمعت الدموع في مقلتيها. تحرك رأسها بالنفي، تغمغم مذعورة: "يعني إيه؟ يعني أنت أبويا... إزاي؟ إزاي؟

ضحك ذلك الجالس عالياً، يضع ساقاً فوق أخرى، يغمغم ساخراً: "بابا مات. واللي قتله عمك اللي أنا قتلته في وسط ضرب النار. أنا بقي مين؟ لا تفهم شيئاً. ذلك الذي أمامها هو سراج بوجهه الذي تعرفه. تعالت ضحكاته بعنف. نزع القناع الذي يغطي وجهه. لتشهق روزا بعنف، تنفي برأسها، تعود للخلف. فالمشهد أمامها كان أفزع مما تصورت. سفيان!! بأعين حمراء تماماً وكأنها جمر ملتهب!!

ضحك عالياً. ليغمض عينيه. فتحها من جديد، لتظهر عينيه العادية تماماً. ليضحك هو، يغمغم ساخراً: "حلوة العدسات دي. بتطلعني عفريت!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...