-أنا عاوزك تشتغل معايا يا جبران أنت جوز بنتي وأكتر واحد اامنله دلوقتي وعلي العموم شغلانتك بسيطة وأنت شاطر فيها اوووي كلمات تبدو في الظاهر بسيطة عادية خرجت من بين شفتي والد زوجته ولكن خلف المعني البسيط معني آخر خبيث مبطن. التف برأسه له يسأله بابتسامة بسيطة: -شغلانة ايه يا سفيان باشا بالظبط؟ ضحك سفيان بخفة، نظر لجبران بجانب عينيه ليعاود النظر للطريق أمامه يغمغم:
-أنا عندي مصنع بيعمل كراسي وصالونات موبيلا زي ما بتقولوا عنها وأنا عارف أنك نجار شاطر وأنا بصراحة ما عنديش وقت للمصنع دا فايه رأيك لو توليت أنت إدارته؟ صمت للحظات قبل أن يلتفت برأسه إلي جبران، ابتسم في تهكم يغمغم ساخرا: -ولا أنت كنت فاكرني عايزك في حاجة تانية؟ بادله جبران بابتسامة متهكمة، كل منهم ينظر للآخر والحرب الباردة قائمة. غمغم جبران من بين ابتسامته الواسعة: -هفكر!
فقط كلمة واحدة ليدهس سفيان الدعاسات أسفل قدميه بعنف لتنطلق السيارة بهم بعنف، دقائق ووصلت إلي الشارع الرئيسي المجاور للحي. نزل جبران من السيارة، انحني بجذعه ينظر لسفيان الجالس بداخلها، ارتسمت ابتسامة صفراء علي ثغره يغمغم: -ما تتفضل يا عمي ولا الوقت أتأخر بقي وأنت أكيد مشغول مش فاضي؟ ابتسم سفيان متهكما يردف ضاحكا: -بتمشيني بالذوق يا جوز بنتي بس معلش أنا هبقي ضيف رخم... هركن العربية واحصلك أصلي عايزك في موضوع مهم.
خبت ابتسامة جبران، يومأ علي مضض، تحرك يتجه للحي يزفر أنفاسه حانقا، كان يمني نفسه بليلة خاصة والآن. دخل الحي ليري وتر تقف في الشرفة، عينيها تخترز الطريق بتلهف، الخوف يأكل قسمات وجهها بشراسة. رفع يده يلوح لها، يبتسم ليمطأنها أنه هنا، رأي كيف هدأت قسمات وجهها وشقت ابتسامة واسعة شفتيها، هرولت للداخل لتفتح باب المنزل.
مرت في طريقها علي مرآة صغيرة في الصالة لتشهق مذعورة من منظرها، شعرها مبعثر، عينيها حمراء، خطين من الكحل الأسود يحفران وجهها، وضعت يدها علي فمها، رآها وهي تشبه نداهة الحقول، هرولت إلي المرحاض تصفع وجهها بالماء لتسرع إلي غرفتهم تعدل من زينة وجهها قبل أن يصعد. لم تكن هي وحدها من تنتظره في الشقة الصغيرة في الطابق الثالث، هناك من تنتظر علي أحر من الجمر هي الأخري.
ولكن الفرق أنها بكامل زينتها، وقفت خلف باب شقتها تستمع إلي خطواته وهو يصعد إلي أن وصل إلى الطابق. فتحت باب شقتها سريعا، اندفعت ناحيته دون مقدمات، وقفت أمامه دون أن تلامسه تغمغم مذعورة: -معلم جبران أنت بخير؟ أنا شوفت البوليس بياخدوك.. حرام عليهم بجد أنت عملت ايه عشان ياخدوك من بيتك في نص الليل؟
كم هي لطيفة تلك الصفا التي تقف أمامه، لطيفة وجميلة، جميلة بشكل مخيف حقا تجعلك تقف حائرا أمام براءة ملامحها المبالغ فيها وخبث عينيها المخيف، خليط غريب غير مفهوم. رسم ابتسامة مجاملة يغمغم: -أنا كويس يا آنسة صفا، كان سوء تفاهم. أراد أن يتحرك ليصعد، لتتحرك هي الأخري تقف أمامه تغمغم مرتبكة: -الحمد لله يارب أنك بخير، أنا عارفة أن الوقت مش مناسب بس أنا كنت عايزة اشكرك علي اللي عملته عشاني في الشارع.
لما تأخر لتلك الدرجة، حركت ساقها اليسري بسرعة متوترة، توجهت إلي الباب تفتحه لتسمع صوته يأتي من أسفل. قطبت ما بين حاجبيها، ارتدت حذائها تنزل الدرجات بحذر، تنظر لأسفل لتتوسع عينيها غضبا حين رأته يقف أمام تلك الملونة يبتسم يحادثها. -ما حصلش حاجة يا آنسة صفا، دا واجبي وأنا ما اسمحش إن حد يضايق واحدة في منطقتي أبدا. -طول عمرك شهم يا معلم.
صاحت بها وتر غاضبة وهي تطوي الخطي ناحيتهم سريعا، نزلت إليهم، وقفت أمامه تنظر لعينيه، وافقت علي شرط لا تعرف ماهيته لصالح أبيه فقط لأجل أن يخرجه، وهو هنا يتغزل في تلك الصفراء. -بقالي ساعة فاتحة الباب مستنياك تطلع وأنت واقف تضحك مع الآنسة صفا، اقولك بات عندها يا جبران؟ ودون حرف آخر هرولت لأعلي، ليصعد يهرول خلفها يصيح سريعا: -وتر استني يا وتر... استني والله أنتي فاهمة غلط. في حين وقفت هي تبتسم متلذذة بانتصار.
توسعت عينيها حين رأت سفيان يقف أمامها يبتسم هو الآخر، يطفقها بنظرات ساخرة من أعلي لأسفل، رفع يديه يصفق لها ببطئ يغمغم متفاخرا: -لاء تربية صاحب الظل بصحيح... روزا الجميلة ولا أنا غلطان؟ توترت نظراتها للحظات لتنفي برأسها سريعا تغمغم محتدة: -روزا مين يا أستاذ أنت، أنا اسمي صفا وبعدين مين الظل دا... أنت غلطان في واحدة تانية. ضحك سفيان بخفوت، ضحكة خبيثة مشبعة بالسخرية، التف حولها ببطئ يهمس لها:
-روزا الجميلة وجه نحتته الملائكة وقلب أودعته الشياطين، مش دي الجملة اللي محفورة علي باب أوضتك في قصر صاحب الظل باللاتيني، خليفة سونيا جرهام ولا ايه يا روزا؟ في لحظة تبدلت نظراتها المرتبكة إلي أخري ثابتة واثقة فارغة من اي مشاعر، واستقامت وقفتها وارتفع رأسها في غرور وابتسامة جنية. من أعماق النيران ارتسمت علي شفتيها، جذبت يده سريعا تدخله إلي شقتها، أغلقت الباب لتقترب منه، تحرك اصبعها السبابة علي كتفيه
تلتف حوله تغمغم ساخرة: -سفيان الدالي هنا ليه... روزا هنا عشان صاحب الظل عايز يضم جبران لينا، أنت بقي عايز ايه؟ روزا حقا محترفة، كم يحب تلك الشيطانة. قبض على رسغها الذي يتحرك على ذراعه يقربها منه بعنف لترتطم بصدره، قرب فمه من اذنها يهمس ساخرا: -هو عايز يجنده وأنا عايز اقتله، we are not the same. وضحك، رفع كفه يمسح على وجنتها بخفة، ثقلت أنفاسه يهمس لها بنبرة خبيثة بلكنة روسية ممتازة: -أنتِ حقا إبنة الشيطان.
توسعت عينيها فزعا تنظر له مذهولة، ليفتح هو الباب، آخر ما سمعته كان صوته العالي وهو يصعد درجات السلم لمنزل ابنته: -يا وتر يا حبيبة بابا ما تبقيش عصبية كدة. أغلقت باب منزلها تستند عليه تتنفس بعنف تنظر للفراغ مذعورة، كيف عرف سفيان ذلك اللقب! *** في شقة جبران، اندفعت ناحية وتر ناحية غرفة نومهم تفتح دولاب الثياب بعنف تخرج حقيبتها القتها على الفراش تفتحها على مصرعيه تنزع الملابس تلقيها داخلها بعنف.
هرع جبران خلفها، وقف أمامها يمنعها من أن تكمل ما تفعل يغمغم سريعا: -يا وتر بطلي جنان بالعقل كدا، لو حبيت اخونك هخونك على السلم يا بنتي والله هي اللي وقفتني. احتدت نظراتها لتكمش قطعة الثياب في يدها تلقيها عليه تصيح غاضبة: -مش مبرر، كان ممكن تسيبها وتمشي، مش واقف تضحك وتهزر معاها ولا كأن في نجفة هتموت من القلق عليك، كدا.
داعبت ثغره ابتسامة خبيثة مشاكسة، يقبض على قطعة الثياب التي القتها عليه يتحرك صوبها يسحق المسافة الفاصلة بينهما. لتتوتر حدقتاها للحظات، تحاول أن تحافظ على ثباتها، لن تضعف أمامه، هي غاضبة وجدا. عادت خطوتين للخلف لتشهق حين تعثرت بطرف البساط أسفلها وارتطم جسدها بسطح الفراش الوثير لتتسع ابتسامة جبران يغمغم ضاحكا: -السجادة دي جدعة بفلوس حلال.
قبل أن تتحرك لتقوم، اقترب هو سريعا، ارتكز بركبته على سطح الفراش يقبض على رسغيها بخفة داخل كفيه لتصيح فيه حانقة تتلوي غاضبة تصرخ فيه أن يتركها: -سيبني يا جبران روح لست صفا بتاعتك خليها تقف تضحكلك تاني، أنا هموت من القلق عليك وأنت واقف تضحك وتهزر ولا علي بالك اصلا، أنا بكرهك. نزل برأسه بالقرب منها يغمزها بطرف يسراه يغمغم مشاكسا: -افتكر أن اللي بيكره حد ما بيغيرش عليه ولا ايه، وبعدين في حد يكره جوزو حبيبه أبو عياله؟
توقفت عن التحرك، هدأ غضبها قليلا فقط، كادت أن تستسلم حين دق باب منزلهم وصدح صوت والدها من الخارج: -وتر يا حبيبة بابا انتوا لحقتوا نمتوا ولا ايه؟ ابتسمت متشفية حين احتقن وجهه غضبا، تحركت شفتيه يتمتم بشئ ما لم تسمعه، ابتعد عنها يتحرك للخارج يفتح الباب لوالدها الذي ابتسم في سماجة ينظر لجبران ساخرا، توجه ناحية أحد المقاعد جلس يضع ساقا فوق أخري يوجه حديثه لجبران:
-واقف ليه يا جبران ما تقعد يا جوز بنتي دا البيت بيتك حتي، وتر حبيبتي اعملي لي فنجان قهوة. سبه جبران في سره ينظر له حانقا والأخير يبتسم له باستفزاز يثير الأعصاب غضبا!! *** منذ ساعات وهي ترتمي بين أحضانه ترتجف تبكي بلا توقف تقبض على قميصه ترفض الابتعاد عنه ولو للحظة وهو يلف ذراعيه حولها يحاول طمئنتها ينظر للفراغ نظراته تحمل مزيحا حزينا من الألم والكسر، كادوا ان يغتصبوا زوجته أمام عينيه. Flash back
وجه كمال انظاره ناحية حسن الذي أصفر وجهه ذعرا يصرخ يحاول بعزم ما فيه أن يحرر نفسه من قبضة الحراس وهو يري ذلك الرجل يجر زوجته من شعرها إلى الفراش، ألقاها فوقه يجثم فوقها، يقبض على رسغيها، يمزق ثيابها، يعري جسد زوجته. وهي تصرخ باسمه لينقذها وهو يقف عاجزاً بين ايدي الرجال يقاوم يصرخ دون إجابة، وكان حله الأخير أنه ارتمي بجسده أرضاً أسفل قدمي والده يتوسله بنبرة ذليلة منكسرة:
-أبوس ايدك يا بابا سيبوها وأنا هعمل اللي أنت عاوزه... والله هعمل كل اللي تؤمر بيه بس سيبوها. ابتسم كمال في غرور وهو يرى حسن أخيرا يعود لذلك الطفل الذليل الذي يتوسله ليأخذ. أشار بيده للحارس ليبتعد عن أمل، مد كمال يده يربت على رأس حسن يغمغم متشفيا: -هو دا حسن ابني اللي أنا اعرفه اللي ما يخرجش عن طوع أبوه أبدا... هسيبك ترتاح يا حبيبي خد مراتك في حضنك احسن شكلها مرعوب أوي وهنكمل كلامنا بعدين.
أشار لحراسه لينسحبوا جميعاً من الغرفة وهو خلفهم، نظر لحسن يبتسم ساخراً قبل أن يجذب باب الغرفة يغلقه بالمفتاح من الخارج. لم يستطع رفع رأسها، لم يجرؤ على فعلها، لن يستطيع أن يراها بعد ما حدث لها بسببه، إلا أنها هي من هرولت إليه ارتمت بين أحضانه تشهق في البكاء، فما كان منه إلا أنه طوقها بذراعيه يبكي في صمت. Back نزلت دموعه دون صوت يشدد على احتضانها خوفا عليها من القادم. سمع صوتها تهمس مرتعدة من بين شهقاتها المتتابعة:
-أنا عايزة أمشي من هنا يا حسن. عليهم أن يفعلوا ذلك ولكن كيف، والده يحتجزهم، بحث في ثيابه عله يعثر على هاتفه، لا شيء بالطبع، أخذوا هاتفه وهاتف أمل، توقف عقله عن العمل للحظات قبل أن يتذكر، هو هنا في غرفته القديمة، كان يخبئ هاتف أسفل ثيابه في الدولاب، يتمني فقط أن يجده. التف برأسه في أنحاء الغرفة يتأكد إلا كاميرات مراقبة هنا.
هرع إلى دولاب ثيابه يبحث أسفل الثياب إلى أن وجده، هاتف قديم بطاريته الصغيرة موضوعة جواره، يتمني فقط أن يعمل، وضع البطارية به. يحاول فتحه بعد عدة محاولات، أنارت الشاشة، البطارية ضعيفة، عليه أن يتذكر سريعا أي رقم ليساعده، صدم رأسه بقبضته يحاول التذكر قبل أن ينفذ شحن الهاتف. توسعت عينيه ليضغط على الأزرار سريعا، لا وقت للتردد، يتمني فقط أن يساعده من سيطلبه. رنين الهاتف مرة والثانية والثالثة إلى أن سمع صوته ليغمغم متلهفا:
-زياد ما فيش وقت أنا حسن، أنا محبوس أنا وأمل في فيلا كمال اللي على الصحراوي بسرعة بالله عليك الحقنا. صمت الأخير للحظات قبل أن يسمعه يغمغم ساخرا: -إيه حيلك حيلك، أنا إيه اللي يخليني أساعدك أصلاً أنا مالي ما تتخطف ولا تتقتل حتى ما تتصلش بيا تاني يا صديقي القديم سلام.
وأغلق الخط في وجهه، صاح حسن غاضباً باسمه ليسمع صوت صافرة قادمة من البطارية، انتهى الشحن، فقط مكالمة واحدة لم تؤتي ثمارها، نظر لأمل عاجزاً، خائفاً من أن يأخذ أي خطوة وهي بصحبته خوفاً عليها من أن يؤذوها. اقترب منها لتحتمي به تخبئ جسدها الظاهر من أسفل ملابسها الممزقة بين أحضانه تبكي بحرقة: -أنا عاوزة أمشي والنبي يا حسن أنا خايفة ليجوا تاني مشيني من هنا أبوس إيدك.
غص قلبه ألماً يومأ لها، سيخرجها من هنا بأي شكل، حتى لو أعطى حريته وربما حياته ثمناً لانقاذها. *** تثائب جبران للمرة العاشرة تقريباً ينظر لحماه العزيز بأعين شبه مغلقة وهو يشرح مميزات العمل عنده، تبقى أن يخبره أن العمل لديه في مصنع الأخشاب سيكسبه أجنحة وقوة خارقة ويجعله يطير.
خرجت وتر من المطبخ تحمل أكواب العصير للمرة الثانية، وضعتهم على الطاولة تجلس جوار جبران لتستيقظ حواسه الناعسة، التصق بها ينظر لسفيان باهتمام زائف، يلف ذراعه الأيمن حول كتف وتر التي نظرت له حانقة. تحاول إبعاد يده غاضبة ليبتسم هو متسلیاً بغضبها يلاعب حاجبيه مشاكساً ليضحك سفيان يغمغم: -خلاص بقي يا توتا ما تبقيش حمقية كدا، وبعدين يا ستي لو البت دي مضيقاكي أنا هخلص منها خالص، مبسوطة كدة يا ستي؟
انتقل بعينيه إلى جبران يسأله مبتسماً: -ها يا جبران قولت ايه موافق تيجي تشتغل معايا؟ قبل أن يرد علا صوت دقات باب منزلهم، الرحمة، الساعة تجاوزت الثالثة ليلاً، من سيأتي الآن؟ قام سريعاً يفتح الباب ليجد سيدة والدة أمل هرعت إلى الداخل تصيح مذعورة: -الحقني يا معلم جبران حسن وآمل خرجوا من الصبح بدري عشان امتحان أمل ولحد دلوقتي ما رجعوش وموبيلاتهم الاتنين مقفولة. أنا قلبي واكلني على بنتي حاسة أن في مصيبة حصلتلهم.
شخصت حدقتيه قلقاً، حسن اختفى، هرع يركض للخارج ليلحق به سفيان يغمغم سريعاً: -استني يا جبران يا ابني أنا أقدر أساعدك!! *** أتى الصباح في مكان بعيد تماماً، قصر فخم تحيط به حديقة كبيرة بها أرجوحة كبيرة على أحد الجوانب ومقاعد استراحات فخمة وطاولة كبيرة حولها مقاعد من الخشب تتراص.
جلست هي على أحد المقاعد تنظر للاشجار حولها تغمض عينيها يلامس خديها نسيم الهواء، لا تعرف حقاً لولا مكوثها مع تلك العائلة الغريبة المجنونة بكل المقاييس لما كانت خرجت من قوقعة خوفها ولو قليلاً، وكأنها تتعافى فقط بالضحك معهم بالانسجام مع نسيجهم، جميع من في هذا البيت يملك طابع خاص به ولكنهم معاً صورة نادرة الوجود. ابتسمت بخفة تنظر لذلك الذي يخرج من باب المنزل يهرول، مر في طريقه عليها ليبتسم لها يغمغم سريعا:
-صباح الفل يا حياة عن إذنك معلش عندي حالة ولادة مستعجلة، هروح اسمي المولود حسام وأجي. ولوح لها سريعا ليغادر، لتضحك هي، حسام ابن صاحب البيت، ذلك الشاب مجنون يعشق اسمه بدرجة غريبة، زوجته لطيفة حساسة كثيرة البكاء ولكنها مرحة مشاكسة مثله. مرت عدة دقائق قبل أن يخرج صاحب البيت، ذلك الرجل الذي تشعر في بيته حقاً بالحياة من جديد.
عند باب المنزل من الداخل كانت تقف زوجته، ما عرفته في فترة مكوثها هنا أن ذلك الرجل يعشق زوجته بدرجة لم تعرفها سوى في الروايات وقصص العشق المأساوية التي تنتهي بموت أحد البطلين أو كلاهما. ودعته زوجته بعناق طويل قبل أن يتحرك في طريقه لسيارته، مر بها فابتسم جذب المقعد المجاور لها يغمغم مبتسماً: -صباح الخير يا حياة، ها عاملة ايه النهاردة؟ ابتسمت خجلة تومأ برأسها بالإيجاب تهمس مرتبكة:
-الحمد لله أحسن، أنا بجد مش عارفة أشكر حضرتك إزاي على كل اللي بتعمله عشاني أنت ودكتورة لينا ودكتور قاسم وكل اللي في البيت. ابتسم برفق يردف ببساطة: -تشكريني على إيه يا بنتي، أنتي زي لينا بنتي، قومي بس انتي كدة وانشفي وأشوفك أحلى بنوتة بتضحك وتبقي كده شكرتيني وزيادة... يلا همشي أنا عشان ورايا شغل كتير لو احتاجتي حاجة ما تتكسفيش تطلبي أبداً.
وقف عن مقعده ليرى سيارة سوداء تقف في حديقة منزله من الداخل، نزل زياد من السيارة ليتحرك خالد توجه إليه، مد زياد يده سريعا يصافحه يغمغم معتذراً: -خالد باشا صباح الخير، أنا آسف لو جاي بدري، أنا بس كنت عايز أشوف حياة قبل ما أروح شغلي لو ينفع يعني. ابتسم خالد في اصفرار نظر لساعة يده ليعاود النظر إليه يغمغم: -معاك عشر دقايق، ما أنا مش فاتحها كافيتريا أشواق، عشر دقايق وثانية هقدر أوردر للحراس إنهم يرموك بره، يلا روحت.
توسعت عيني زياد قلقاً ليرىع إلى حياة جذب المقعد المجاور لها يغمغم سريعا متوتراً: -ما فيش وقت طمنيني عليكي بسرعة انتي كويسة عاملة ايه دلوقتي. قطبت جبينها متعجبة من حالته ليقاطعها يردف سريعا: -مش وقت اندهاش يا حياة بالله عليكي خالد باشا كلها دقايق وهيرميني برة الفيلا طمنيني عليكي مبسوطة هنا. أومأت له سريعا تخبره بإيجاز سريع عن كرم أهل البيت في كل شيء حتى في المشاعر ليبتسم مطمئناً على حالها. تنهد بارتياح يهمس لها:
-الحمد لله، ما تعرفيش أنا الفترة اللي فاتت كنت هتجنن عليكي ازاي، الحمد لله أنك بخير. ابتسمت خجلة من كلماته، هل يا ترى سيأتي اليوم ويحبها زياد وهي أيضاً تقع في حبه ويكونوا معاً أسرة صغيرة؟ خبث ابتسامتها في اللحظة التالية حين تذكرت ما فعله بها صاحب الظل، أخذ منها كل شيء حتى قدسية جسدها العذراء، زياد لن يقبل الزواج منها بعد أن يعرف أنها ليست عذراء، أدمعت عينيها قهراً وألماً، قامت من مكانها تخفض رأسها أرضاً في
خزي تهمس بصوت خفيض مختنق: -عن إذنك يا زياد أنا تعبانة ومحتاجة أنام. تركته وهرعت إلى الداخل دون أن تعاود النظر إليه، وقف ينظر في أثرها مدهوشاً لما تغيرت في لحظة، سمع صوت يأتي من جواره يتمتم في هدوء: -مسكينة حياة الشيطان دا سلب منها كل حاجة حتى روحها دبحها عشان يرضي مرضه، محتاجة راجل بجد عشان يعوضها عن كل اللي شافته، تعرف لو ابني الكبير ما كانش متجوز أنا كنت جوزتهاله.
فهم، فهم المعنى المبطن الخفي في كلمات خالد الواقف جواره ليومأ له متفهماً، سيكون ذلك الرجل الذي يجب أن يدخلها يقدم لها نعيم الدنيا كتعويض بسيط عما لاقت وسيفعل. ***
على الجانب الآخر في تلك المنطقة الصحراوية كان لا يزال القمر ظاهراً ولو قليلاً حين وقفت سيارة كل من مجدي وسفيان في حديقة المنزل، تحركا معاً إلى داخل القصر ليجدا صاحب الظل في انتظارهما بالداخل، قام يحتضن كل منهما يرحب بهما بحرارة، جلسا على مقاعد متقاربة في غرفة الصالون أمامهما طويلة قصيرة الأرجل تتراص فوقها زجاجات الخمر والأكواب.
مال سفيان بجسده يلتقط إحدى الزجاجات يصب في كأس كل واحد منهم، وضع الزجاجة على الطاولة ليرفع الكأس لأعلى يغمغم مبتسماً: -في صحة وصول صاحب الظل بالسلامة. اصطدمت الكؤوس ببعضها مصدرة صوت مميز مزعج، رفع كل منهم الكأس إلى فمه يرتشفه جرعة واحدة، وضع صاحب الظل كأسه يوجه حديثه لسفيان. تحديداً:
-انتوا طبعاً عارفين إن انتوا درعاتي هنا، انتوا هنا ملوك السوق السودا وأنا ما أقدرش أقولكوا بتعملوا إيه عشان أنا بعزكم، بس يا سفيان باشا جبران السواح يلزمني يعني ما تحاولش تقتله أنا محتاجه يمكن بعد كده أنا اللي أقتله. ضحك سفيان ساخراً يضطجع بظهره إلى ظهر المقعد الوثيق يغمغم متهكماً: -معقولة دا أنا قولت إنك أول واحد هتطلع أمر إنك تصفيه بعد ما اتجوز خطيبتك اللي كانت هتبقى مراتك ولا إيه يا وليد؟
ضحك وليد عالياً يزيح القناع الفضي عن وجهه يلقيه بعيداً يغمغم: -أنت عارف يا عمي إني مستعد أعمل أي حاجة عشان أحافظ على مكاني هنا على القمة، بنتك حلوة وكل حاجة بس شغل جبران عندي أهم، وبعدين بمنتهى البساطة تقدر تطلقهم وساعتها طارق هيكتب عليها بس صوري قدام الناس وتيجيلي تاني، إنت عارف أنا كنت أول لمسة أنا اللي حافر بصمتي على ضهرها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!