ابتسم جبران ابتسامة ساخرة. نظر لزياد مستهجناً. مد يديه للعسكري القادم نحوه ليضع الأصفاد في يديه وكأنه شيء معتاد، اعتاد أن يحدث له قبل ذلك مراراً وتكراراً. التفت بوجهه ناحية وتر التي تنظر له وعيناها متسعتان في ذعر. ليعطيها ابتسامة هادئة يحاول أن يطمئنها بها. هزت رأسها بالنفي سريعاً. اندفعت ناحيتهم، وقفت في المنتصف بينه وبين زياد تصيح في الأخير محتدة: "إنت عايز منه إيه يا زياد؟ جبران ما عملش حاجة، ابعد عنه بقى."
شخصت عينا زياد ينظر لها مذهولاً، وتر تدافع عن جبران بشراسة! هي التي كانت قبل عدة أيام فقط تخبره أنها لا تطيق النظر لوجهه، كيف؟ في حين صدح صوت جبران باسم وتر: "وتر، وبعدين عيب لما تزعقي وأنا واقف." التفتت تنظر له مذهولة، عيناها تتسعان في ذهول. هل هذا فقط ما يهمه؟ الرجل على وشك أن يُزج به في السجن الآن؟ لتجده يبتسم، يوجه حديثه لزياد: "معلش يا باشا، المدام بس خايفة عليا. يلا يا باشا."
وتحرك مع العسكري في هدوء وسلاسة، وكأنه ذاهب في نزهة. وزياد خلفهم. وضعوه في سيارة الشرطة لتتحرك السيارة به. وهي تقف تراقب من شرفة منزلهم، تبكي خوفاً عليه. تشعر بالعجز، لم تعرف لمن تلجأ لمساعدته في تلك اللحظة. لم يطرأ في رأسها سوى اسم والدها. هرولت إلى هاتفها تمسكه، جسدها بالكامل يرتجف بعنف وكأنه يُصعق. وصلت إلى رقم والدها، تضع الهاتف على أذنيها. ما إن سمعت صوت والدها صرخت مذعورة تبكي بحرقة:
"بابا الحق، جبران زياد قبض عليه، عشان خاطري يا بابا ما تأذيهوش! لحظات قليلة من الصمت، لا يُسمع سوى صوت أنفاسها المتسارعة الخائفة. ليأتي صوت والدها يخبرها في هدوء تام: "عرفتي بقى إني أقدر أأذيه بإشارة من صباعي وأنا قاعد مكاني بمكالمة. أقدر أخليه يقضي اللي باقي من عمره مرمي في السجن." وضعت يدها الأخرى على فمها تمنع شهقاتها حتى لا يسمعها أبوها. حركت رأسها بالنفي بعنف، تنهمر الدموع تُغرق وجهها. لتسمع صوت والدها يكمل:
"بس زي ما دخل ممكن يخرج بمنتهى البساطة. بشرط! "شرط؟ " بالطبع والدها يجب أن يقايض حتى مع ابنته. يبدو أن والدها لديه وجه آخر لم تعرف به قبلاً وتكتشفه الآن شيئاً فشئ. حاولت تمالك شتات نفسها. ألا تظهر ضعفها وهي تردف: "شرط إيه؟ ضحك سفيان لبضع لحظات قبل أن يردف يحادثها: "دا إنتي حبيتيه بقى يا وتر؟
مين كان يصدق إن وتر هانم اللي ما بيعجبهاش العجب تحب حتة بلطجي رد سجون. هقولك الشرط بعدين، دلوقتي أنا عايز منك إنك هتنفذيه. قولتي إيه؟ "أي شرط خبيث شيطاني يريد والدها وعداً لتنفيذه." ترددت لبضع لحظات، لتومئ بالإيجاب. تهمس له: "موافقة، هنفذ اللي تقول عليه، بس جبران يخرج." "ساعة وهيخرج." أردف بها سفيان بثقة لا مثيل لها، ليغلق معها الخط. لتشرد عيناها في الفراغ، تفكر قلقة على ما وافقت تحديداً.
على صعيد آخر، في قسم الشرطة، في إحدى الغرف. وقف جبران في غرفة مكتب زياد، ينظر له وهو يجلس فوق سطح مكتبه أمامه، يناظره بشزرات غاضبة حادة. ارتسمت ابتسامة شامتة تعلو شفتيه. يغمغم متهكماً: "مش قولتلك أنا اللي هلبسك البدلة الحمرا؟ خلاص، كل الأدلة اللي معانا ضدك، والصبي بتاعك اللي اتمسك بالبضاعة اعترف عليك." لم تتغير تعابير وجه جبران، فقط ابتسم. عقد ذراعيه أمام صدره، يغمغم مبتسماً: "صبي مين واعترف على إيه يا باشا بالظبط؟
يا باشا، إنت جايبني من بيتي من حضن مراتي." نطق جملته الأخيرة في سخرية، ينظر ل عيني زياد متحدياً. لتسود عيني الأخير غضباً. وقبل أن يحدث شيء، دقات على باب الغرفة. تلاها دخول العسكري يمسك في يده بطاقة تعريف لشخص ما. نظر زياد لاسم الشخص على البطاقة ليقطب جبينه متعجباً. يوجه حديثه للعسكري: "ادخله يا ابني، لما نشوف آخرتها."
خرج العسكري، غاب للحظات، ليدخل غرفة المكتب سفيان الدالي بصحبته أحد المحامين الكبار أصحاب الاسم والصيت الذائع. اقترب سفيان بلهفة من جبران، يوجه حديثه إليه: "جبران، ما تخافش يا ابني. أستاذ منير محامي شاطر، وأكيد فيه لبس في الموضوع." توسعت عينا جبران في دهشة، ما الذي يحدث هنا تحديداً؟ سفيان قلق عليه هو؟
وزياد لا يقل دهشة عن جبران، ينظر لسفيان مصعوقاً. كان يظن أن ذلك الرجل سيساعده ليحصل على محبوبته، والآن هو هنا ليساعد عدوه؟ اقترب المحامي من زياد، يصافحه بابتسامة متكلفة، يغمغم في هدوء: "ياسر منير، المحامي الحاضر مع المتهم جبران. أقدر أعرف حضرتك إيه سبب احتجاز موكلي؟ ابتسم زياد ساخراً، ينظر إلى سفيان ومن ثم جبران. عقد ذراعيه أمام صدره، يغمغم متهكماً:
"أبداً، تهمة بسيطة خالص، تجارة مخدرات. اتقفش مع واحد من صبيانه شنطة مخدرات واعترف عليه." ابتسم المحامي بهدوء تام، يغمغم في ثقة: "حضرتك عارف إن تهمة المخدرات بالذات لازم يبقى ليها معايير خاصة. إن الحرز اللي اتلمك يكون في حيازة موكلي، وده ما حصلش. وحضرتك بتقول إن الصبي هو اللي اعترف عليه. في الأغلب، ممكن المتهم يقابل موكلي." ومن جديد عاد زياد يبتسم في سخرية. ما يحدث هنا خدعة أو لعبة خيوط يحركها شخص ما.
سفيان الدالي يجلس في منتهى الغرور على المقعد المجاور لمكتبه. أمامه المحامي. ضغط على الزر المجاور لمكتبه يستدعي العسكري الواقف خارجاً، يطلب منه إحضار المتهم. غاب العسكري لبضع دقائق، ليدخل ومعه رجل لم يره جبران قبلاً. ليس أحد رجاله، ذلك الشخص صدقاً لا يعرف من يكون، ولماذا يُلقى عليه التهم جزافاً؟ قام زياد من مكانه متجهاً صوب المتهم. وقف بالقرب منه، يغمغم ساخراً:
"عماد السيد، قولي يا عمدة، شنطة المخدرات اللي كانت معاك تبع مين؟ نظر ذلك المدعو عماد إلى سفيان، ليزدرد لعابه خائفاً مرتبكاً. أنزل رأسه أرضاً، يغمغم: "تبعني أنا يا باشا." هنا قطب زياد ما بين حاجبيه مندهشاً. اندفع ناحية عماد، يصرخ فيه غاضباً: "أنت يا راجل أنت! مش قولت إنها بتاعت جبران السواح؟ غيرت قولك في طرف ساعة؟ دفعولك كام بقى عشان تطلعه منها؟ هنا تحدث جبران، يدافع عن نفسه:
"الراجل ده أنا ما أعرفوش يا زياد باشا، وتقدر تسأل كل أهل الحتة. الراجل ده مش من الحتة بتاعتنا أصلاً." "أنا تبع المعلم طاهر الطحان، هو اللي اداني الشنطة وقالي أقول كدة على المعلم جبران عشان يتحبس والمنطقة تفضاله يحط إيده عليها." أردف بها ذلك المدعو عماد في نفس واحد تقريباً. لينظر زياد له بشك، نفضه بعيداً عنه. يتوجه لباب الغرفة، يصيح في مساعده بأن يتوجه لمنطقة طاهر ويحضره له.
أغلق الباب، ينقل نظره بين جميع من في الغرفة. ما الذي حدث هنا ليقلب دفة الأحداث لتلك النقطة؟ على صعيد آخر، في قصر فخم كقصور بشوات العصر القديم. قصر شامخ شاهق الارتفاع بشكل مخيف. في إحدى الغرف، على فراش ضخم عريض يستلقي جسده جوار جسدها. كلاهما غائب عن الوعي، لا يعي ما يحدث حوله الآن. بدأ هو يستفيق أولاً، يتأوه متألماً من جرح كتفه ومن ألم كالمطارق يشق رأسه. انتصف بجهد شاق، يجلس على الفراش.
ينظر حوله، توسعت عيناه في فزع حين أدرك أين هو. غرفته القديمة، كيف ينساها وقد لاقى فيها عذاباً تبكي له صخور الجبال حزناً. ثبتت عيناه على الفراغ في الغرفة، وتوسعت حدقتاه ألماً، يتذكر كل لحظة مرت به هنا. في تلك الأثناء، بدأت أمل تصحو هي الأخرى. سمعها صوتها تتأوه متألمة. كيف وصلا لهنا؟ هو حتى لا يتذكر أي شيء إطلاقاً. انتصفت أمل جالسة جواره، أمسكت ذراعه تسأله مذعورة: "إحنا فين يا حسن؟ وإيه اللي جابنا هنا؟
حسن، إنت متخشب كده ليه؟ حسن رد عليا، ما تخوفنيش." التفت لها بعد لحظة، عيناه حمراوان، ترى دموع ألم تجتزها بعنف في مقلتيه. خرج صوته مبحوحاً بتعذيب: "إحنا لازم نمشي من هنا دلوقتي، مش هينفع نفضل هنا." حركت رأسها بالإيجاب. سريعا قامت سريعا بصحبته متوجهين إلى باب الغرفة. لم يكادا يقتربا منه، فُتح من الخارج وظهر ذلك الرجل المدعو كمال. شعرت بيد حسن الممسكة بيدها تنتفض بعنف. ما أن رأه ذلك الرجل، حقاً مخيف.
ابتسامته خبيثة، عيناه زرقاوان وكأن بها جليد خاوٍ من الحياة. حسن يشبهه لحد كبير. لا إرادياً شدت على يد حسن، تعود خطوتين للخلف لتصبح خلف ذراعه. ما فعلت جعل قوة خفية تلتحم في أوصال حسن. شعور أنه المسؤول عن أمان تلك الواقفة خلفه تحتمي به، جعل نظراته تصبح أكثر حدة وحزم. يحاول أن يتغلب على خوفه من الواقف أمامه، والذي ليس سوى أبيه. احتدمت نبرة صوته، يصيح فيه: "إنت عايز مني إيه يا كمال باشا؟
أنا سبتلك الجمل بما حمل من سنين. عايز منه إيه تاني؟ ضحك كمال عالياً في سخرية، يطفق حسن بنظرات خبيثة بها شيء غير آدمي، لا تمت لمشاعر الأبوة بصلة. اقترب خطوتين، يغمغم في بساطة: "عايز ابني حبيبي، الوارث، يرجع لبيته. كفاية طفشان بقى، ما زهقتش من أرصفة الشوارع والشغل مع اللي اسمه جبران ده في الشمال؟ أنا باعد إيد الحكومة عنك من سنين، بس كفاية كده، لازم ترجع، ولا إيه؟
حرك حسن رأسه بالنفي بعنف، احمر وجهه ونفرت عروقه، يصرخ محتداً: "أنا مش ابنك وعمري ما هرجع للقرف ده تاني. عايز ترميني في السجن؟ السجن أرحم من العيشة معاك ألف مرة." ومن جديد عاد كمال يضحك عالياً. رفع كتفيه لأعلى، يغمغم ببساطة: "وماله يا حبيبي، أرميك في السجن، وآخد الحلوة اللي وراك دي لواحد من رجالي." شهقت أمل مذعورة، تتمسك بذراع حسن، جسدها يرتجف هلعاً. ليشدد حسن على كفها، ينظر لوالده كارهاً.
كم يريد أن ينحر عنقه كما فعلت والدته، انتحرت بسبب ذلك الشيطان الواقف أمامه. عاد خطوة للخلف مع أمل، لعله يحميها من قبضة يد ذلك الشيطان. صرخ بصوته كله: "هقتلك يا كمال، قسماً بالله هقتلك لو فكرت تمس شعرة منها. لا أنت ولا حد من كلابك." يعرف أن والده سريع الغضب. في لحظة اختفت ابتسامة كمال وأسود وجهه غضباً. ينظر لحسن متوعداً، مقسماً على كسر شوكته. طرقع بأصابعه ليدلف إلى الغرفة أربعة رجال ضخام الجثة بشكل مخيف.
أشار كمال إلى حسن، يغمغم متشفياً: "كتفوا حسن باشا وهاتوا الحلوة اللي وراه دي، نفرجه عرض مباشر." صرخت أمل مذعورة، وحسن يحاول باستماة إبعاد هؤلاء الرجال عنه. جرح كتفه لم يساعد، بالإضافة إلى أنهم أربعة وهو واحد. تكالبوا عليه يقيدون حركته، وهو يصرخ بعنف يحاول تحرير جسده منهم. تمكن اثنان منه، في حين أمسك أحد الاثنين الباقين بشعر أمل يجرها بعنف ناحية كمال. ألقاها أرضاً تحت قدميه. صرخ حسن يتوعد لأبيه:
"هقتلك، قسماً بالله هقتلك. سيبها بقولك، سيبها." ضحك كمال متشفياً. أشار إلى أحد حراسه، يحادثه ساخراً: "عارف فيلم الكرنك؟ عايز أشوفه لايف. يلا، مستني إيه؟ وبعدها ندبحها زي ما حصل مع مرات أحمد السقا في خطوط حمرا. ولا إيه يا حسن؟ وجه كمال أنظاره ناحية حسن الذي اصفر وجهه ذعراً، يصرخ يحاول بعزم ما فيه أن يحرر نفسه من قبضة الحراس، وهو يرى ذلك الرجل يجر زوجته من شعرها إلى الفراش.
ها هو المعلم طاهر يقف أمام مكتب زياد داخل الغرفة، يخفض رأسه خزياً، يغمغم نادماً: "الكذب خيبة يا بيه، أنا اللي زقيت الواد عماد على المعلم جبران عشان يقول إن البضاعة بتاعته عشان أشيله من الحتة وأحط أنا إيدي عليها." أشار زياد إلى الجالس جواره يكتب المحضر، يغمغم حانقاً يمليه ما حدث للتو، لينهي كلامه قائلاً:
"وعليه، تقرر الإفراج عن المتهم جبران رزق السواح بضمان محل إقامة، وإحالة المتهم طاهر مرعي الطحان والمتهم عماد السيد إلى سرايا النيابة." ابتسم سفيان منتصراً، ينظر لجبران. تلاقت عيناه للحظات مع عيني طاهر، ليخفض الأخير رأسه مذعوراً من ذلك الشيطان الجالس أمامه. ربما شيطان الجن أقل شراً منه. قام سفيان سريعاً، وقف جوار جبران، وضع يده على كتفه، يغمغم مبتهجاً: "كفارة يا جوز بنتي، مش بتقولوها بردوا عندكم كده، كفارة؟
يلا، تعال أوصلك، زمان وتر هتموت من القلق عليك. خليت البت تحبك، ماشي يا عم؟ نظر جبران له مدهوشاً، ما الذي يجري هنا؟ أخذه سفيان من يده إلى سيارته. صرف السائق وأصر على أن يقود هو. جلس وجبران جواره، متوجهين إلى الحي الشعبي. الصمت يكسو المكان، صمت كسرته ابتسامة سفيان الغريبة. التفت لجبران، نظرة سريعة قبل أن يعاود النظر أمامه، يغمغم:
"أنا عايزك تشتغل معايا يا جبران، إنت جوز بنتي وأكتر واحد آمن له دلوقتي، وعلي العموم، شغلتك بسيطة وأنت شاطر فيها أوووي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!