دقّت الدفوف والطبول وعلا صوت المزامير ما أن خرج من باب القسم ليضحك علي ما فعل حسن المجنون. لم يتبقّ سوي أن يحضر له راقصة تتمايل هنا فرحًا بخروجه، ولكن نظرًا لأنهم أمام مركز الشرطة، فوجود راقصة هنا الآن سيدخلهم في قضية جديدة.
التفت جبران برأسه ينظر خلفه، تحديدًا لشرفة غرفة الضابط ذي الأعين الخضراء. رأي نظراته الحادة الغاضبة الذي يوجهها صوبه، لترتسم علي شفتيه ابتسامة كبيرة ساخرة. رفع يده يؤدي التحية للضابط في تهكم، قبل أن يلتفت لحسن الذي حادثه سريعا فرحًا: -يلا يا سيد المعلمين، الليلة الكبيرة في الحارة وسط أهلك وناسك، الكل مستنيك.
ألقي نظره الأخيرة للضابط قبل أن يخطو بين إلي سيارة التاكسي التي تنتظره. حاسب حسن الفرقة الشعبية ليجلس جوار جبران علي سطح الأريكة الخلفية. انطلقت السيارة بهم، ليخرج حسن علبة التبغ الخاصة به يمد يده لجبران بسيجارة غريبة الشكل، يغمغم مبتسمًا: -صباح الفل يا سيد الناس.
التقط جبران السيجارة من يد حسن، يربت علي كتفه مبتسمًا. ليسرع الأخير يشعل له السيجارة بقداحته. امتص جبران الحياة بعنف من تلك السيجارة في فمه، ينفث دخانها يملئ السيارة به. التفت برأسه ناحية حسن، التوي جانب فمه بابتسامة خبيثة يردف ضاحكًا: -طب كنت بترازي في البت أمل في غيابي؟ نفث حسن هو الآخر دخان سيجارته، امتعضت ملامحه يغمغم حانقًا:
-دي بت فقرية، كل اللي علي لسانها أنا عايزة أعمل المعادلة، عايزة أدخل كلية، عايزة مش عارف إيه كدة... أنا سايبها تجيب آخرها بس برضاها غصب عن عين اللي جابوها هكتب عليها. تعالت ضحكات جبران، يصدم حسن علي رأسه بخفة يسخر منه ضاحكًا: -يا حمار أنا قولتلك ألف مرة الستات بتيجي بالحنية مش بالغشومية دي. ثبتها بكلامك مش بالمطوة عشان عارفك غبي، وهي هتقولك شبيك لبيك.
انفجر حسن في الضحك، مد يده في جيب سرواله يخرج مادية سوداء يدها من الخشب، نقش عليها اسم جبران. مد يده بها لجبران يغمغم ضاحكًا: -بمناسبة المطاوي بقي، مطوتك يا معلم. التقط جبران المادية من حسن، يحركها أمام عينيه يعطيها ابتسامة صغيرة قبل أن يدسها في جيب سرواله. حين رفع وجهه رأي السائق ينظر له من خلال مرآه السيارة الأمامية، يبدو مذعورًا منه، ليضحك ساخرًا.
مر بعض الوقت قبل أن تقف سيارة التاكسي أمام مدخل الحارة. نزل حسن سريعا يلتف حول السيارة يفتح الباب له لينزل من السيارة. ما أن خطت قدميه خارجًا تعالت أصوات الدفوف من جديد، ها هي السيدات تزغرد عاليا ويندفع جموع الرجال يعانقنه يباركون رجوعه سالما. لكز حسن الواقف جواره في مرقفه يردف ضاحكًا: -أومال فين ياض الرقصات؟ هي الليلة مالها ناشفة ليه كدة؟ ضحك حسن يردف سريعا: -ودي تفوتني بردوا يا معلم!
أنا مخلي الشخلعة كلها لليل وآخره، اطلع أنت ريح ساعتين أكيد محتاج تريح جتتك من نومة البرش. طقطق جبران عظام ظهره ورقبته. حسن محق، عظامه ميبسة من تلك النوم السيئة القاسية علي جسده. أومأ بالإيجاب، يربت علي كتف يبتسم يغمغم: -والله طلعت يتفهم ياض يا حسن، أنا فعلا جسمي مضحضح من نومة البرش، حاسس أن البراغات هرت جسمي، هطلع آخد حمام وأريحلي كام ساعة وأبقي أنزلكوا. ***
إنها الظهيرة وربما بعدها بقليل، ليست عادتها أن تستيقظ في ذلك الوقت، ولكن صوت الخادمة الذي يلح عليها جعلها تفتح عينيها نصف فتحة صغيرة تنظر لوجه الخادمة لما تبدو مذعورة. كانت تصيح بالكثير ولم يصل لعقلها سوي جملة واحدة: -قومي يا وتر هانم في مصيبة، البوليس تحت ووالدك حضرتك مش موجود في أي حتة اختفي! لحظتين فقط وشخصت عينيها ذعرًا، هبت واقفة من فراشها تصرخ مفزوعة: -أنتي اتجننتي يا سيدة، إيه اللي أنتي بتقوليه دا؟
ملامح وجه الواقفة أمامها لم تكن تمزح بتاتا. مدت سيدة يدها بورقة بيضاء مطوية تتمتم سريعا: -سفيان بيه سافر الفجر، وسابلك معايا الورقة دي قبل ما يمشي. نزعت الورقة من يد الخادمة سريعا، تخلل أصابعها في خصلات شعرها تبعده عن وجهها، فتحت الورقة تقرأ ما خط والدها:
«وتر أنا عارف أنك مصدومة، أنا آسف يا بنتي أنا اضطريت آخد قرض بمبلغ كبير من البنك لأني محتاجة في صفقة كبيرة برة مصر، صفقة مش هينفع تمشي بشكل قانوني. هفهمك كل حاجة بعدين، دلوقتي المهم، روحي عند مامتك يا وتر العنوان مع سيدة خديه منها وروحيلها. أنا آسف يا بنتي أنا اضطرين آخد حتي المجوهرات اللي كنت جايبهالك بس صدقيني لما أرجع الوضع هيبقي مختلف تماما. خلي بالك من نفسك يا بنتي وسامحيني.»
تهاوت جالسة علي فراشها، تمسك الورقة في يدها، عينيها شاخصة في ذعر. والدها اقترض مبلغ ضخم من أحد البنك وفر من البلد تاركًا إياها وحيدة. صفقة غير قانونية؟ فيما يتاجر والدها لتصبح صفقته غير قانونية؟ والدها آخذ كل شيء حتى الحلي الخاص بها. الآن هي لا تملك حتى قوت يومها. لا لديها القصر يمكنها بيعه ستجني الكثير من المال، قصر والدها فخم ضخم في أرقي الأماكن في البلد سيُباع بملايين.
خبأت الورقة سريعا بين طيات ثيابها، لتهبط لأسفل. وجدت مجموعة كبيرة من العساكر ورجال يمسكون أوراق يقيمون التحف وأثاث بيتها. قطبت جبينها غاضبة تصيح فيهم: -انتوا مين وبتعملوا إيه في بيتي؟ امشوا اطلعوا برة! اقترب منها رجل من حلته الرسمية، عرفت أنه ضابط شرطة، وقف بالقرب منها يردف في حدة:
-لاء مش هيطلعوا يا آنسة وتر، سفيان الدالي والدك خد قرض بملايين من البنك وهرب من البلد ودلوقتي البنك بقي من حقه يحجز علي كل أملاكه. يعني حضرتك اللي هتخرجي، ياريت تلمي متعلقاتك الشخصية وتتفضلي بهدوء. ارتجف جسدها، يرتد قلبها داخل صدرها بعنف. هي من ستغادر؟ ستترك حياة الترف إلى المجهول؟ إلى أين ستذهب؟ أين سترك بيتها الذي تربت بين جدرانه عمرها كله؟
ملئت الدموع حدقتيها، تجمد جسدها ينخر الألم قلبها. لما لم يأخذها أبيها حتى معه؟ لما تركها تواجه مستقبلًا لا تعرف عنه شيئًا بمفردها دون أي شيء. ارتمت جالسة على إحدى درجات السلم تشق الدموع وجنتيها، تنظر للمكان متحسرة، خائفة، مقهورة. زفر الرجل الواقف أنفاسه في ضيق، ينظر لتلك الفتاة التي تبكي وكأنهم سرقوا حلواها. اقترب منها يخرج محرمة ورقية من جيبه يمد يده لها به. تنهد يغمغم شيئًا من اللين:
-أهدي يا آنسة وتر، للأسف أنا ما فيش في إيدي حاجة أعملها. أنا كل اللي في إيدي دلوقتي إني أأجل التحقيق معاكي شوية لحد ما حالتك النفسية تهدى. تحقيق! لما سيتم التحقيق معها؟ ليست هي من فعلت كل تلك الجرائم، بل والدها. رفعت وجهها للضابط تسأله بصوت مبحوح باكٍ: -تحقيق ليه؟ أنا ما عملتش حاجة عشان تحقق معايا. حرك رأسه بالإيجاب كأنه يخبرها "أنا أعلم". تنهد يرفع كتفيه لأعلى قليلًا:
-دا إجراء رسمي لازم يتعمل. المهم دلوقتي وأنا آسف أنتي لازم تسيبي البيت. تقدري تاخدي كل متعلقاتك معاكي. أغمضت عينيها ألمًا، تحرك رأسها بالإيجاب. ركضت إلى غرفتها، دفعت بابها بعنف لترتمي على فراشها تجهش في البكاء. حياتها، أحلامها، مستقبل كل ذلك انهار بما فعله والدها. اختنقت أنفاسها من البكاء وعلقها يكاد يجن من التفكير. صرخت بصوت مكتوم ذبيح. تقدمت الخادمة منها سريعا، جلست جوارها على الفراش تمسح على رأسها
بخفة تهمس لها مترفقة: -أهدي يا بنتي ما تعمليش كدة في نفسك. هنعمل إيه بس دا قضاء ربنا. لم ترفع وجهها بل اختنقت أنفاسها داخل وسادتها تصرخ مقهورة: -ليه بابا يعمل كدة؟ ليه يسيبني في موقف زي دا لوحدي؟ أنا مش عارفة هعمل إيه ولا هروح فين. أمسكت سيدة بيدي وتر تنتزعها من فوق فراشها ببطء، تضمها لأحضانها بتروٍ، تمسح على رأسها بخفة لتنهار الأخيرة من البكاء بين أحضانها:
-هتروحي عند مامتك، أنا عارفة عنوانها وهوصلك لحد هناك بنفسي، أنا وهي عايشين في نفس الحتة. شهقة عالية خرجت من بين أحضان وتر لترتد من بين أحضان السيدة بعنف. وقفت أمامها تصرخ فيها عينيها حمراء من الغضب والألم، دموعها لا تتوقف عن الهبوط: -يعني كل السنين دي عارفة هي فين ومش عايزة تقوليلي دا؟ أنا اتحايلت عليكي بدل المرة ألف وكنتي دايما بتقوليلي ما تعرفيش، إزاي دلوقتي بتقولي عايشين في نفس المكان!
وقفت سيدة أمامها ترميها بنظرات حزينة مشفقة، لمعت دموع الحزن والندم في عينيها تهمس لها بنبرة مرتجفة: -سفيان باشا هددني إني لو قولتلك أنه هيقتلني! ابتسمت وتر في سخرية. والدها يقتل! والدها لا يمكنه إيذاء قطيطة صغيرة، تلك السيدة أغرتها النقود وأعمتها الأموال فسكتت بملء إرادتها. تحركت ناحية دولاب ثيابها تخرج حقيبتها منها، نظرت لسيدة تردف ساخرة:
-انتي كدابة بابا عمره ما أذى حد، شوفي كدبة غيرها أحسن. دلوقتي تقوليلي عنوان ماما ومش عايزة أشوف وشك تاني! انقبضت قسمات وجه سيدة حزنًا، تحرك رأسها بالنفي سريعا، فتحت فمها تترجاها أن تصدقها، حين صرخت وتر فيها كارهة: -سمعتي أنا قولتلك إيه؟ كل اللي أنا عايزاه منك عنوان ماما ومش عايزة أشوف وشك تاني أبدا.
اخفضت الأخيرة رأسها بخزي تقسم أن ما قالته حقيقة. سفيان أشهر مسدسه في وجهها يقسم أنها لو فتحت فمها بمكان والدة وتر دون إذن منه سيفجر رأسها. والدها ليس بتلك الطيبة التي تظنها وتر أبدًا. ابتلعت لعابها تغمغم حزينة: -حاضر يا وتر هانم. التقطت ورقة صغيرة تخط عليها عنوان والدتها بالتفصيل. تحركت ناحية باب الغرفة تودعها للمرة الأخيرة: -مع السلامة يا وتر هانم ربنا يحفظك ويبعد عن كل شر يا بنتي.
وخرجت دون كلمة أخرى من الغرفة ومن المنزل بأكمله. ضمت ثيابها والدموع تغرق وجهها، تشعر بأنها تعيش في خدعة كبيرة، الجميع يكذب، الجميع يخدعها. لم يعد لها سوى والدتها وتتمنى ألا تكون مثلهم. ضبت كل ما تملك في عدة حقائب. حملت إحداها تخطو خطاها عبر سلم المنزل لأسفل. عيناها تطبع كل جزء في المكان، داخل عقلها دموعها عاجزة عن التوقف.
شعرت بخطوات تقترب منها، نظرت أمامها لتجد ذلك الضابط يقترب منها يحمل عنها الحقيبة وينزل بها لأسفل. يسألها: -في شنط تاني فوق؟ رفعت يديها تمسح دموعها، تحرك رأسها بالإيجاب. ليشير الضابط لاثنين من العساكر يخبرهم آمراً: -أنت يا ابني إنت وهو اطلعوا هاتوا باقي الشنط. صعد الاثنان دون كلمة لأعلي. وقفت هي تقبض علي الورقة التي بها عنوان والدتها ملاذها الوحيد الآن.
اجفلت علي ورقة بيضاء صغيرة أمامها، رفعت وجهها لتجد الضابط يمد يده لها بكارت صغير. يردف مبتسماً: -دا الكارت بتاعي لو احتاجتي أي حاجة أنا في الخدمة. أتمنى الموقف دا ما يخلكيش تاخدي فكرة سيئة عني، دي أوامر ولازم تتنفذ. رسمت ما يشبه ابتسامة علي شفتيها، تحرك رأسها بالإيجاب دون كلام. التقطت منه الكارت، تحركت للخارج ليسير جوارها. أوقف لها سيارة أجرة، يضع العساكر حقائبها في صندوق السيارة.
اعترض طريقها قبل أن تدلف لداخل السيارة، يبتسم قائلاً: -ممكن رقم موبايلك عشان ابقي ابلغك بميعاد التحقيق. أخرج هاتفه من جيب سرواله، يمد يده لها به لتلتقطه منه. تخط رقمها علي سطح الشاشة، عينيها خاوية من كل مظاهر الحياة. دلتفت للسيارة تخبر السائق بعنوان المكان المراد، لتنطلق بها السيارة بعيداً. *** يجلس في الخارج علي أريكة كبيرة يستند بمرفقيه إلي فخذيه، يحرك ساقه اليسري بحدة.
يزفر أنفاسه بحدة مختنقا، ما كان يجب أن يفعل ذلك. لاء بل يجب عليها أن تبقي هنا إلي أن ينتهي كل شئ ويأخذ بحقه من عائلتها التي سببت له ألم. ينخر قلبه دون رحمة. ولكن ما ذنب الفتاة صغيرة ضعيفة فقدت بصرها قبل أعوام وأعوام ليأتي هو يختطفها. تذكر آخر ما حدث بينهم. Flash back ينظر لها حزيناً مشفقاً، يري مقلتي عينيها صاحبة لون العسل تهتز بعنف داخل حدقتيها.
ملامح وجهها خائفة منقبضة مذعورة، بالطبع يجب أن تكون وهي تقف أمام خاطفها الذي يعتذر لها عما فعل. فهو بالطبع شخص مجنون مختل عقلياً. تقدم ناحيتها ليشعر بارتجافة جسدها تزداد، تشعر بخطواته تسمعها حتي وإن لم تكن تراها. قاطع ذلك الموقف صوت الباب وهو يفتح. لتوجه رأسها سريعا ناحية الصوت، رأت كيف أشرقت ملامحها ببصيص أمل. تهتف بتلهف: -نجلاء أنتي دي؟ صح. قطب ما بين حاجبيه يتسأل في نفسه مدهوشاً، كيف عرفت من تكون دون أن تتحدث حتي.
أيعقل أنها تري وتخدع الجميع؟ تقدمت السيدة ناحيتها بخطي سريعة، ما أن صارت جوارها ارتمت الفتاة بين أحضانها. في حين مسحت نجلاء بكفها الأسمر علي رأسها برفق تحادثها بحنو: -اهدي يا رسل ما تخافيش يا حبيبتي إحنا بخير وهنمشي من هنا. رسل، اسم غريب لم يسمعه يعرف اسمها قبلاً، ولكن وقع اسمها في كل مرة يسمعه له إحساس خاص لا يفهمه. سمع صوتها المتحشرج الخائف بين أحضان خادمتها تسألها مذعورة:
-مين دا يا نجلاء وعايز مننا أيه دا بيقول أنه خاطفني؟ يعني خاطفك أنتِ كمان؟ لم تجد تلك السيدة ما تقوله، لم تعرف حتي بما تخبرها. جل ما تعرفه أنها استيقظت فجأة لتجد نفسها هنا في البيت الغريب في فيافي الصحراء. وأمامها ذلك الشاب يعتذر لها عن اختطافه، يخبرها أنه اختطفها لترعي رسل كما كانت تفعل قبلاً. بادر هو يعرفهم بنفسهم بنبرة هادئة: -أنا اسمي عز منير الجيار. آه بقولك اسمي ثلاثي ومش خايف.
أنا عارف أنك مالكيش دعوة بحاجة بس للأسف أنا ليا تار كبير مع عيلتك، هما السبب في موت أبويا وأمي. أنا ليا حق عند عيلتك وأنا مستعد اعمل أي حاجة عشان اخده. والعجيب والذي أثار استغرابه أنه رآها تخرج من بين أحضان خادمتها تنظر ناحيته تبتسم ساخرة. تساقطت الدموع من عينيها، نبرة القهر والعذاب التي سمعها في صوتها الساخر كانت لا توصف. -وأنت فاكر أنك لما تخطفني أنك كدة بتاخد حقك منهم تبقي واهم؟ أنا اصلا ما افرقش معاهم.
ما يفرقش معاهم العامية بالعكس دول عايزين يخلصوا منها. نغز قوي ضرب قلبه من ملامح الألم والعذاب التي ارتسمت علي وجهها. نبرة القهر التي احتلت صوتها، رأي كيف جذبتها تلك السيدة لأحضانها من جديد تمسح علي رأسها تهدئها. كور قبضته يشد عليها، حمحم بخشونة يحاول أن يخرج صوته بارد لا مبالي. -أنا عارف كل حاجة عنك يا رسل مجدي التهامي من أول تاريخ ميلادك لحد الحادثة اللي حصلتلك واللي حصلك كله بعد كدة.
بس صدقيني كويس أوي اخليكي كارت إرهاب اضغط عليهم بيك. خرجت من بين أحضان نجلاء تنظر له متقززة لتحادثه باشمئزاز: -وأنت كدة راجل يعني؟ لما تستقوي علي واحدة ضعيفة؟ لو فعلا ليك حق زي ما بتقول تاخده منهم مش تستخدمني كارت إرهاب. استشاطت قسمات وجهه غضباً، لم يكن أن الفتاة لسانها سليط ولما تفاجئ.
أليست إبنة الشيطان مجدي والحية شيرين عليها أن تكون مثلهم ذات دماء ملوثة شيطانية سامة لا يمكن أن تكون بتلك البراءة التي تظهر علي قسمات وجهها. اندفع لخارج الغرفة يصفع الباب خلفه كي لا يؤذيها في موجة غضبه. Back عاد من شروده يزفر أنفاسه حانقا حائراً في الآن ذاته. نظر خلفه حين سمع صوت الباب يفتح ليراها تقف ها هي هناك تمسك بيدها تلك السيدة تتحرك بها ناحيته. ركز عينيه يري شفتيها تتحرك بهمس خافت كأنها تعد شيئاً ما.
التفت بها إلي اليمين وبضع خطوات أخري اوصلتها للمقعد تحسسته بيديها قبل أن تجلس في هدوء. ابتسمت توجه لنجلاء: -18 خطوة وبعدين يمين وبعدين خمس خطوات حفظتهم. اختفت ابتسامتها تتحرك ناحيته بعينيها تنظر له مباشرة ليبلع لعابه يضيق عينيه ينظر لها في شك. تلك الفتاة تخدعهم حين تنظر لك تشعر حقا وكأنها تراك. قدرتها المذهلة علي تحديد مكان وهوية الواقف دون أن تسمع صوته تخيفه. ركز انظاره عليها حين ابتسمت تقول في هدوء:
-تعالا نعمل ديل. أنت ترجعني لحياتي تاني وأنا اقسملك إني مش هجيب سيرتك خالص لا أنا ولا نجلاء. ونهدي فلوس أنا معايا مبلغ كبير في البنك هديهولك كله قولت ايه. ابتسم في سخرية للحظات قبل أن ينفجر في الضحك. في حين قطبت هي جبينها متعجبة علي ما يضحك ماذا قالت لينفجر في الضحك بذلك الشكل. كادت أن تصرخ فيه. توقفت الكلمات في فمها حين سمعت خطواته تقترب منها. عادت بجسدها في المقعد إلي أن ارتطم ظهرها بظهر المقعد.
اقترب هو إلي أن صار أمامها مباشرة يقبض علي ذراعي مقعدها. انحني بجذعه العلوي ناحيتها يري الخوف الصارخ في حدقتيها. ابتسم ثغره يتفرس النظر لقسمات وجهها يردف ساخراً: -فلوسك كلها ما تجيش نقطة في بحر اللي عندي. أنا مش عايز فلوس يا رسل هانم أنا عايز حقي دم بدم. شخصت عينيها ذعراً دم من؟ هل يفكر في قتلها. ارتجفت بعنف تشعر بأنفاسه تقترب منها لحد خطير. ارتجفت نبرة صوتها تهمس له مذعورة: -ارجوك أبعد ااانا متجوزة!!! ***
وقف التاكسي بعد ساعتان ويزيد. ساعتان قضتها غارقة بين طوفان بشع من الأفكار أغرق كل جزء من كيانها. القادم ليس سهلا بل هو الصعب بعينيه. فتحت نافذة السيارة المجاورة لها تنظر خارجاً لتشخص عينيها في ذهول. ذلك هو المكان التي تسكن والدتها فيه!!!!! ابْتَلَعَتْ لُعَابَهَا خَائِفَةً. مدت يدها في حقيبتها تعطي للسائق نقوده تطلب منه إن يساعدها في إخراج الحقائب من صندوق السيارة ففعل الأخير إكراماً لجمالها!
وقفت جوار حقائبها تنظر للمكان حولها بدهشة. هذا المكان موجود بالفعل علي أرض الواقع ليس فقط في المسلسلات التي تراها علي التلفاز. بلعت لعابها مرتبكة كيف ستتصرف هنا وماذا ستفعل وأين ستجد والداها؟ انتشلها من دوامة افكارها العاصفة تلك السيدة التي اصدمت بها بعنف وهي تتحرك حتي كادت تسقطها ارضا. أغمضت عينيها بألم ترنحت بقوة كادت حقا أن تسقط لتشعر بشئ غريب يحدث هي لم تسقط هناك أحد ما يحاوط خصرها يمنعها من ذلك.
التفتت خلفها سريعا لتجد رجل طويل القامة بشكل كبير يلتقط جسدها الصغير بين ذراعيه. توسعت عينيها في صدمة عاجزة عن الإتيان بأي رد فعل لتري ابتسامة كبيرة ترتسم فوق شفتيه يغمغم: -اسم الله عليكِ. ما يقع إلا عدوينك. انتفضت سريعا تدفعه في صدره بعنف تبعده عنها تهتف بتوتر: -أنت مين يا أستاذ انت وازاي تمسكني بالطريقة دي؟ رأت ابتسامته تزداد اتساعا خبط علي صدره متفاخرا يهتف بنبرة فخر عابثة:
-علي الهادي بس يا زبادي. اعرفك بنفسي المعلم جبران السواح كبير المنطقة دي. توسعت عينيها في دهشة. كبير ذلك الحي ألم تخبرها المسلسلات أنه سيكون رجل ضخم ممتلئ يرتدي جلباب فلاحي ويضع عمامة كرشه يسبقه بامتار. ولكنها وجدت العكس تماما رجل يبدو في منتصف الثلاثينات جسده رياضي متناسق هل هو مدرب لياقة بدنية؟ طويل القامة يملك غمارتين في وجهه ابتسامته وحدها ذكرتها بنجوم هيوليود.
أسنانه بيضاء مصفوفة بانتظام عينيها سوداء عميقة بشكل مخيف خبيث. قاطع تأملها به صوته وهو يهتف بفخر مكملا حديثه: -وأكبر تاجر حشيش في الحتة دي والحتت المجاورة. الحلوة بقي مين؟ تدلي فكها توسعت عينيها فزعا انتفضت بعيدا تنظر له مذعورة. ارتجف جسدها خوفا امسكت بهاتفها يهتز بعنف في كف يدها تصيح فيه مذعورة: -يا نهار أبيض إنت بتقول ايه؟ أنا هبلغ عنك هوديك في ستين داهية أنا معايا رقم ظابط هكلمه حالا.
ما إن أنهت كلامها انفجر جبران في الضحك ظل يضحك حتي أدمعت عينيه ينظر لها بنظرات ساخرة متسلية. اقترب منها خطوتين دس يديه في جيبي سرواله يرفع حاجبيه مدهوشا يغمغم في براءة ذئب: -أنا تاجر حشيش المواشي يا آنسة يعني علف المواشي. البرسيم عرفاه؟ تنفست الصعداء تتنهد بعنف الرجل برئ وهي التي اخذها عقلها بعيدا. عادت تنظر له من جديد حين عاود يسألها:
-ما قولتليش بردوا عايزة مين ولا بتدوري علي مين وأنا أساعدك أنا اعرف كل واحد وواحدة في الحتة دي. شخص متطفل فضولي لم تحب طريقة كلامه ولا نظرات عينيه الخبيثة. حمحمت بحدة تردف: -الست فتحية بتاعت الفجل والجرير. علا جانب ثغره بابتسامة خبيثة إذا الفتاة هنا من أجل فتحية تري ما علاقتها بها؟ طرقع بأصابعه ليحضر أحد صبيانه يغمغم سريعا: -اوامر يا سيد المعلمين. التف جبران برأسه ناحية وتر من جديد يبتسم في خبث يحادث صبيه:
-تاخد شنط الأستاذة توصلها لحد بيت فتحية بتاعت الجرير وترجعلي. تقدم الفتي سريعا يحاول أن يحمل حقائبها أجمع يحادثها متلهفا: -اتفضلي. اتفضلي يا استاذة نورتي. سارت خلفه تنظر حولها هنا وهناك المكان فعلا كما قال والدها. تراه فقط علي شاشة تلفازها الكبير كيف ستتحمل العيش فيه؟ مستحيل أن تفعل. جميع النظرات مصوبة إليها بشكل يثير رجفتها خوفا. التفتت خلفها لتري ذلك الرجل الغريب يتفرسها بنظراته الجريئة دون حياء!
أسرعت الخطى خلف الشاب إلي أن وصل بها إلي عمارة قديمة سلمها يلتف صعجت خلفه إلي الطابق الثاني وضع حقائبها أرضا يدق باب الشقة لتدق دقات قلبها تهدر بعنف ستري والدتها الآن لأول مرة في حياتها. فتح الباب سريعا لتطل فتحية من خلفه تنظر لابنتها جسدها ينتفض بعنف كانت تعرف أنها ستأتي سيدة اخبرتها أنها ستأتي. لا تصدق أنها بعد سنوات عجاف من رؤية صورها الصماء ها هي ابنتها أمام عينيها. أغرقت الدموع وجهها، قلبها يتنفض بين أضلعها.
ابنتها هنا أخيراً بعد لوعة وعذاب، عادت لأحضانها. اختطفتها من عند باب الشقة، تخبئها داخل أحضانها. نظر للشاب لما يحدث في عجب، قبل أن ينسحب من مشهد لا يفهم فيه شيئاً. جذبت فتحية ابنتها لداخل الشقة، تغرزها بين أحضانها. تسكب عينيها الدمع أنهاراً، تتأوه بعنف من ألم قلبها. أبعدتها عنها قليلاً، تنظر لقسمات وجهها شبراً بشبر. تطبع صورتها في كل جزء من كيانها، لتعاود احتضانها من جديد. تتشقق باكية: -الحمد لله يارب... الحمد لله...
ردتها لحضني تاني. -آه يا بنتي، كنت هموت وأخدك في حضني من وأنتي عيلة صغيرة. -منه لله أبوكي هو السبب... هو اللي خدك مني غصب عني. والدتها هي الآن بين أحضان والدتها، لا تصدق أن هناك دفئ يعادل ويزيد عن دفئ أموال والدها. وهو دفئ حضن والدتها، والدتها التي لم ترها يوماً. تبكي بعنف بين أحضانها، تشعر بقلبها على وشك أن ينفجر من سعادته. جسدها يرتجف فرحاً، رغم كل ما حدث.
عناق طويل دام لساعات، ربما حين قررت أن تبتعد عن أحضان والدتها. تنظر لها، تتعرف على ملامح وجهها. تشبها هي، تشبه والدتها كثيراً. ربما تشبه والدها طباعاً، ولكنها قريبة الشبه لوالدتها. عينيها السوداء، شعرها الأسود، بشرتها القمحية، قسمات وجهها اللطيفة الجميلة. أجفلت على صوت والدتها تحادثها بلهفة من بين دموعها: -أنا ما سبتكيش يا وتر... أنا عمري ما سيبتك يا بنتي. -أبوكي هو اللي شيطان فاق في شره شياطين الجن والإنس.
-هددني بأبشع تهديدات ممكن تتخيليها، ما أقدرش حتى أقولك عنها عشان أسيبك ليه! ارتمي بجسده إلى مقعد خشبي على المقهي الشعبي في حيهم. يصيح في الصبي أن يحضر له الأرجيلة. عينيه مثبتة على مدخل العمارة التي تسكن فيها فتحية. يفكر في تلك الفتاة. يأخذ أنفاس قوية من تلك الأرجيلة، يزفرها بعنف. شعر بجلوس أحدهم بجواره، قبل أن يلتفت عرف أنه حسن من صوته الذي سأله متعجباً: -إيه يا معلم، أنت لحقت ريحت؟
دا أنا قولت هطلع أصحيك بالعافية على عشرة كدة. ضحك جبران ساخراً دون أن يرد. مد يده يطرق بأصابعه، يعلو بصوته: -بت يا أمل هاتي أربعة كبدة وزودي الطرشي. نظر حسن سريعاً ليراها هناك، ها هي أمل العنيدة تقف عند عربة صغيرة تقطع البصل بسكين حاد كبير. تنفّس بعنف، أمل الجميلة ذات الرأس الصلب. هامت عيناه بها رغماً عنه، في كل مرة يراها فيها تهيم عيناه بها. عينيها فيروزية غريبة الشكل، لا يفهم ما لونهما حقاً، ولكنها حقاً مميزة.
تمتلك غمازة رائعة في وجنتها اليسرى. بشرتها كانت بيضاء قبل أن تأخذ لونها من أشعة الشمس التي تقف أسفلها النهار بطوله عند عربة الأكل هذه. شعرها كان يود حقاً أن يعرف لونه، ولكنها تخفيه تحت حجاب رأسها. رآها تقترب تحمل في يديها أطباق الطعام، وضعتهم على الطاولة الصغيرة الفاصلة بينه وبين جبران. تنظر لجبران دون أن تعيره انتباهاً، تحادثه مبتسمة: -بالهنا يا سيد المعلمين.
مد جبران يده في جيب سرواله، يخرج ورقة من فئة الخمسين جنيهاً يعطيهم لها، يغمغم مبتسماً: -خدي يا بت وخلي الباقي عشانك. نفت برأسها سريعاً، تنظر أرضاً، تغمغم رافضة: -ودي تيجي بردوا، آخد منك فلوس يا سيد المعلمين. هنا صاح حسن معترضاً، يعلو صوته الحاد: -يا سلام، اشمعنى أنا لو خدت منك واحدة جزر من الطرشي بتدفعيني حقها! صخبت ضحكات جبران، يلكز حسن بمرفقه في ذراعه، يغمغم ضاحكاً:
-وأنت هتجيب المعلم لصبي المعلم بردوا، روحي يا أمل دلوقتي. نظر الأخيرة لحسن في ازدراء، قبل أن تحمل نفسها ترحل إلى عربتها. نظر حسن لها حاقداً مغتاظاً، عازماً على كسر شوكتها والزواج بها. في حين سلط جبران أنظاره ناحية شقة فتحية الصغيرة، يأخذ نفساً حاراً من الأرجيلة، ينفثه بشرود مغمغماً: -تفتكر مين الحتة اللي طلعت عند الست فتحية؟ تناول صديقه منه الأرجيلة، يأخذ هو الآخر نفساً عميقاً، ينفثه ببطء: -علمي علمك يا معلم...
ابعت عيل من العيال يجيبلك قرارها. هز رأسه إيجاباً، يحك ذقنه النامية بأطراف أصابعه. ليصيح بصوته الجهوري: -واااد يا سلكة. هرول شاب طويل القامة نحيف إلى حد ما من جبران، يهتف متلهفاً: -أيوه يا سيد المعلمين. امسكه جبران من تلابيبه ليجذبه ناحيته، يهمس في أذنه: -عايزك تعرفلي كل حاجة عن البت اللي طلعت عند الست فتحية من شوية. هز الفتى رأسه إيجاباً، ينفخ صدره، يغمغم بثقة:
-من عينيا الجوز يا سيد المعلمين، ساعة زمن واجبلك قرار اللي خلفوها. تركه جبران ينظر له بامتعاض، يضيق عينيه بشك، ليهز رأسه إيجاباً. ما كاد ذلك الفتى يتحرك بضع خطوات حتى سمع صوت جبران يصيح بحدة: -رايح فين يا بهيمة. أشار الفتى إلى البيت القديم أمامه، يبتسم بثقة: -طالع أسأل الست فتحية هي مين. هب واقفا ينظر لذلك الأحمق بغيظ، ليصيح فيه: -وأنا أكتع يعني مش هعرف أطلع أسألها... غور ياض من خلقتي شوفلك حاجة أعملها...
جاتكوا الارف. فر الفتى سريعاً. ليعاود النظر إلى تلك الشرفة الصغيرة مرة أخرى، لترتسم ابتسامة خبيثة على شفتيه. تحرك مغادراً، ليجد صديقه يمسك ذراعه يسأله متعجباً: -رايح فين يا جبران. نظر لحسن يرفع حاجبه الأيسر، يبتسم بمكر: -طالع أسأل على الزبادي. غمز له صديقه بمكر هاتفا: -طب خد بالك أحسن تتلسع من الزبادي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!