كانت ضحكات الطفلة الصغيرة تدوي في أرجاء المنزل كما لو أنها ترمم الشقوق العتيقة في جدرانه بصوتها البريء. حملها أسد بين ذراعيه بقوة يضمها إليه وكأنها وطنه الوحيد، يمضي بها خطوات ثابتة ووجهه لا يحمل سوى مسحة هدوء خادعة تخفي وراءها جحيم السنين. وما إن دخل عتبة البيت حتى توقفت زينب والدته عن الحركة. كانت تنتظره منذ اللحظة الأولى لعودته. فاقترب منها وطبع قبلة طويلة على يدها المتجعدة وقالت بحنان:
"نورت بيتك يا حبيبي… تعالي اجعد ارتاح." لكن الفرحة لم تكتمل إذ كانت جهاد تقف على مقربة تتأمله. وهمت بضمه لكنها لم تجد غير هواء بارد إذ ابتعد عنها بجسده ونظراته متعمدا تجاهلها. فاقتربت جهاد من الطفلة الصغيرة ومدت ذراعيها بابتسامة باهتة وقالت برقة مصطنعة: "تعالي يا حبيبتي… يلا في حضن ماما." لكن الصغيرة رفعت رأسها من على صدر أسد ونظرت إلى جهاد بنظرة حادة لا تشبه براءة عمرها ورددت بصوت واضح:
"إنتي مش ماما… مش عايزاكي… وملكيش دعوه بيا." تجمدت جهاد في مكانها وصدمتها الكلمات كما لو كانت طعنة في القلب. فحاولت زينب التدخل سريعا قالت بحدة: "عيب اكده يا روحي… ميصحش دي مامتك يا سيليا." لكن أسد أنهى الموقف سريعا و صوته خرج غليظا متعبا وهتف: "ما خلاص بجاا… كفاية كلام كتير… هي حره يا حجه مش هتاخد البنت عافيه. الغلط عليها انها معرفتش تحبب بنتها فيها."
ثم ضم ابنته بقوة إلى صدره وهم بالصعود إلى غرفته. خطواته كانت ثقيلة لكنها تحمل قرارا لا جدال فيه. فأوقفته زينب مرة أخرى قبل أن يختفي عن ناظريها وقالت بقلق: "مش هتاكل يا حبيبي؟ لسه عاملين الواكل يلا تعالي اجعد علشان تاكل معانا." أجابها دون أن ينظر وصوته ينضح بالإرهاق وهتف: "ملوش نفس… لازم أطلع أغير هدومي علشان همشي تاني عندي شغل مهم بعد اذنكم." أنهى أسد حديثه وصعد إلى غرفته.
وبعد فترة في أحدي الغرف كان يقف فهد في غرفته ينحني قليلا أمام طفلته الصغيرة التي وقفت على السرير تتمايل بخفة وهي تنظر إلى المرآة بفرحة وتضع يديها خلف ظهرها. بينما ينشغل هو بتسريح شعرها الطويل يرفع خصلاته بلطف ويزينه بتوك صغيرة بألوان زاهية. فابتسم لها وهو يحكم تثبيت آخر توكة وهمس بحنان: "اكده الأميرة جاهزة تطلع الرحلة.. ها اي رايك بجا.. بجيتي زي الجمر." ضحكت الطفلة بمرح وهتفت باستعجال:
"يلاااا يا بابا… عمو مستنينا خلينا نمشي بجا." ثم توقفت فجأة ورفعت وجهها إليه بنظرة حائرة وسألت بصوت منخفض: "هي ماما مش بتيجي اهنيه ليه؟ تغيرت ملامح فهد في لحظة وتجمدت ابتسامته وزفر زفرة قصيرة. ثم انخفض لمستواها وقال وهو يربت على كتفها: "ماما بتحب تجعد مع باباها… زيك اكده ما بتحبي تجعدي معايا دايما." هزت الطفلة رأسها ببطء وكأنها تحاول أن تقنع قلبها الصغير بالإجابة.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ودخل أسد يحمل سيليا بين ذراعيه. وكانت تدور بفستانها الوردي الجديد وتضحك بخفة. ثم وقفت فجأة أمام فهد وفتحت ذراعيها بفخر وقالت: "شوف يا عموو فستاني الجديد… بابا جابهولي." ابتسم فهد وربت على رأسها وهو يرد: "دا جميل جوي يا سيليا… يجنن والله… شكلك زي الجمر." أنهى فهد حديثه واقترب من أسد و قال بصوت منخفض: "هتروح برده النهارده كمان؟ أومأ أسد برأسه وقال:
"كل يوم لازم أروح… أكيد هشوفها صدفة مره… أنا حاسس إني هشوف سحابة مهما الوجت عدى…. هتصادف معاها في يوم من الايام." ثم ابتسم بهدوء وضم سيليا إليه وأضاف: "يلا بجا نتحرك… نخرج البنات يغيروا جو يمكن إحنا كمان ننسى شوية." أومأ فهد ثم حمل طفلته ونظر إلى أسد نظرة فيها شيء من الطمأنينة النادرة… وخرجا سويا.
وفي المساء كانت ملك تجلس بصمت في غرفتها تحدق في الفراغ بعينين شاردتين والغصة تسكن بين أضلعها كأنها لم تخرج من نوبة البكاء منذ أيام. كان الجو ساكنا إلا من صوت أنفاسها المتقطعة وأفكارها المتشابكة لا تمنحها لحظة راحة. وفجأة فتح باب الغرفة بهدوء ودخلت جهاد بخطوات بطيئة تتردد في الاقتراب لكنها لم تتراجع. وقفت للحظات تراقب ملك بصمت ثم قالت بنبرة خافتة: "انتي هتفضلي اكده لحد إمتى يا ملك؟
… هنفضل كل واحده في حالها لحد ما نخسرهم للآخر." رفعت ملك عينيها إليها ببرود دون رد. فأكملت جهاد بصوت مكسور: "إحنا لازم نبجى مع بعض… لو لسه عايزين نرجعهم لينا تاني… أنا بنتي مش طايجاني ومش عايزاني وبتجولي في وشي إني مش أمها… وانتي فهد خلف من ريم واهتمامه كله لبنته… حتى لو طلج ريم ب لسه بيحترمها وبيعاملها كويس علي غير العاده." نظرت إليها ملك بنظرة مشوشة وقالت بفتور: "وانا أعمل إي بجا؟
مش فاضية يا جهاد… انتي بتتكلمي كأني انا ال ضيعت الدنيا… بنتك لو بتكرهك فانتي السبب… انتي طول عمرك بتضربيها وتخوفيها… دلوجتي مستغربة ليه عاد. ما طبيعي تكرهك." ارتبكت جهاد لكنها لم تتراجع واقتربت وجلست بجوارها على طرف السرير وقالت بنبرة أكثر جدية: "خلينا نتفج مع بعض… لازم نرجعهم… فهد لسه بيحبك يا ملك بس محتاج فرصة بس… وأنا عندي خطة حلوة جوي ممكن ترجعهم لينا بس لازم تساعديني." نظرت ملك إليها بدهشة وقلق ثم سألتها بتردد:
"خطة إي عاد ؟ … انتي ناويه على إي بالظبط." ابتسمت جهاد ابتسامة صغيرة فيها شيء من الحماسة الممزوجة بالمكر وقالت وهي تنهض: "هتعرفي كل حاجه بس جومي البسي وتعالي معايا دلوجتي… لازم نخرج وانا هجولك على كل التفاصيل في الطريج.. يلا جومي." ترددت ملك للحظة ثم نهضت ببطء من مكانها وعيناها لا تزالان ترقبان جهاد بتوجس. لكنها في أعماقها… لم تعد تملك شيئا لتخسره.
وفي آخر الليل عاد أسد إلى غرفته بخطوات متثاقلة. وكان يحمل سيليا الصغيرة بين ذراعيه نائمة بسلام ووجهها ملائكي يبعث في القلب شيئا من الطمأنينة التي لم يعرفها منذ سنوات. ودخل الغرفة بهدوء وسحب الغطاء برفق ثم وضعها على السرير كأنها كنز لا يجوز كسره. وقبل جبينها في صمت ثم خلع قميصه ليستعد لتبديل ملابسه.
وقبل أن يخطو نحو الخزانة فتح باب الغرفة فجأة ودخلت جهاد دون استئذان تتقدم نحوه بخطوات بطيئة. نظراتها مشتعلة ويدها امتدت ببطء لتلمس صدره العاري وهمست: "هو أنا موحشتكش يا أسد؟ لم ينظر إليها مباشرة فقط ثبت عينيه عليها بنظرة حذرة ثم سألها بحدة: "انتي خرجتي انتي وملك روحتوا فين انهارده؟ ارتبكت جهاد وتلعثمت قبل أن ترد سريعا: "كنا بنشتري شوية حاجات للبيت… حاجات بسيطة يعني وجينا علطول متأخرناش." رفع حاجبه باستنكار
وقال بصوت خافت لكنه حاد: "حاجات إي؟ … وليه مجولتليش؟ … ومن إمتى وانتي بتخرجي من غير ما تجوليلي… جهاد.. ابعدي عن اختي احسن." ازدادت اضطرابا وحاولت التهرب من المواجهة وهي تقترب أكثر تضع يدها على كتفه وتقول بنبرة خافتة: "هو أنا عملت إي علشان كل دا؟ … انت بتعاملني اكده ليه؟ … أنا مش فاهمة غلطي فين… لا بتقرب مني… ولا حتى بتلمسني… ولا حتى بتكلمني… انت بتعاقبني على إيه." نظر إليها أسد بجمود ثم أشار إلى الطفلة
النائمة وقال بصوت خفيض: "وطي صوتك… البنت نايمة." لكنها لم تتراجع بل زادت اقترابا ولفت ذراعيها حول عنقه وهمست في أذنه: "أنا واحشاك… بجد واحشاك جوي… مش اكده؟ انتفض جسده وأبعدها بقوة وهو يهمس بحدة: "أنا عايز أنام… اطلعي برا." تجمدت نظراتها للحظة قبل أن تشتعل بعصبية مكبوتة وصرخت بصوت مخنوق: "كل دا علشان لسه بتحبها صوح؟ … لسه بتحب سحابة… ال سابتك ومشيت ومتعرفش عنها حاجه؟ … دي واحدة رخيصة."
لم تمر الكلمة الأخيرة بسلام فقد اشتعل وجه أسد غضبا وصرخ بعينين تتطاير منهما شرارات: "إنتي اتجننتي! ثم أمسكها من ذراعها وسحبها خارج الغرفة بسرعة وأغلق الباب خلفه حتى لا توقظ الطفلة. وفتح باب غرفة أخرى ودفعها إلى الداخل ثم أغلق الباب خلفهما وقال بصوت جهوري يرتجف من فرط الغضب: "انتي ازاي تتجرائي وتجولي عليها اكده؟!
دي أحسن واحدة شوفتها في حياتي… دي ال شالتني وجت ضعفي وال متستحقتش أي حاجة من ال حوصلها… وآه لسه بحبها ولسه مش جادر أعيش من غيرها… وانتي؟ وجودك في حياتي ملوش أي لازمة… أنا سايبك على ذمتي علشان ملكيش حد… لكن بلاش تفتحي موضوعها تاني… ولا تجيبي سيرتها على لسانك… فاهمة؟ تلعثمت جهاد وحاولت الرد لكنه لم يمنحها الفرصة. فقد فتح الباب وخرج بصمت مغلقا الباب خلفه بقوة. فصرخت جهاد وهي تردد بغضب:
"اعمل اي تاني…. اعملها اي اكتر من اكده علشان اخلص منها.. جتلت ابنها… اعمل اي اجتلها هي كمان." ألقت جهاد كلماتها بغضب ولم تري هذه الصغيرة ابنة فهد التي تقف خلف الباب تستمع إليها بصدمة. فركضت بسرعة. وشعرت جهاد بشئ غريب وفتحت باب الغرفة وانصدمت عندما وجدت الصغيرة تركض بسرعة بعيدا. فرددت بصدمة: "لع مستحيل.. اكيد مسمعتش.. مستحيل تكون سمعت. يا لهووي… دي هتبجي مصيبه.. هتبجي مصيبه لو سمعت انا لازم اتصرف بسرعه."
وفي صباح اليوم التالي جلس أسد أمام قبر ابنه. والليل قد ألقى بظلاله الثقيلة على المقابر. والهدوء يخيم كأنه حداد دائم. وكانت عيناه تحدقان في اسم فارس المنقوش على الرخام البارد وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة فيها ألم لم تقدر السنين على تهدئته. وهمس بصوت مبحوح وهو يمد يده على القبر: "واحشتني يا فارس… نفسي أشوفك بس لحظة. واعتذرلك علي كل تجصيري معاك."
ولم يكد ينهي كلماته حتى تناهى إلى سمعه صوت بكاء ضعيف… وارتجف قليلا واعتدل في جلسته. ثم رفع رأسه فرأى طفلا صغيرا لا يتجاوز الرابعة من عمره يخطو على الأرض الترابية بخوف يبكي وينادي: "ماماااا… مامااااااا… فين ماما… انتي فين.. ماما تعاليني." نهض أسد سريعا واقترب منه بخطوات حذرة حتى لا يفزعه. وانحنى عند مستواه وهمس بلطف: "مالك يا حبيبي… مالك اي ال حوصل متخافش… فين مامتك؟ تراجع الطفل خطوتين إلى الوراء ونظر له
بعينين دامعتين وقال بخوف: "انت عايز مني إي؟ أنا مش لاجي ماما… كانت اهنيه واختفت." اقترب أسد أكثر ومد ذراعيه إليه بحنان: "هشش… متخافش يا بطل… تعال بس وإحنا سوا ندور على ماما." رمى الطفل في حضنه باكيا وقال بصوت مبحوح: "أنا عايز ماما… تعبان… مش جادر أتنفس." ارتبك أسد واحتضنه أكثر ثم وضع يده على جبينه ووجهه شاحب: "مالك يا حبيبي…. استحمل شويه أنا هساعدك… بس إوعي تقفل عيونك طيب خليك معايا اكده." وفجأة… سمع صوت
خطوات مسرعة وصرخة من بعيد: "فــــارس… فارس يا ابني انت فين." تجمد أسد في مكانه وصوته اختنق داخله. والتفت ببطء… هناك على بعد خطوات كانت تقف سحابة. فركض الطفل باتجاهها وهو يصرخ: "ماااما." فتحت سحابة ذراعيها له وركع في أحضانها باكيا وهي تضمه بقوة وهتفت: "فارس ابني… انت كويس يا حبيبي… كنت هموت وأنا بدور عليك."
وقف أسد مذهولا.. عاجزا عن الحركة أو النطق. وعيناه متسمرتان على ملامحها على تلك الدموع التي يعرفها جيدا.. على الصوت الذي ظل يحلم به كل ليلة منذ سنوات. وقبل أن يكمل ذهوله ارتخت يد الطفل بين ذراعي سحابة وغابت ملامحه عن الوعي. فصرخت سحابة وهي تهزه بخوف: "فارس… فارس رد عليا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!