الفصل 9 | من 13 فصل

رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل التاسع 9 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
17
كلمة
2,500
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

مر شهران على وفاة فارس. شهران لم يعرف فيهما البيت طعم الراحة ولا ذاق أهله طيف السكينة. تحول المكان إلى جدران صامتة تئن في الخفاء وأرواح متعبة تبحث عن ظل حياة. وأسد، الذي كان يومًا رمزًا للقوة والصلابة، بات اليوم هيكلًا متهالكًا يسير بنصف وعي، يأكل الألم من داخله كما تأكل النار الحطب اليابس.

في ليلة باردة سكن فيها كل شيء إلا الرياح، دفع باب البيت بقوة ودخل أسد مترنحًا، تفوح منه رائحة الخمر، ووجهه شاحب وعيناه دامعتان من أثر التعب والسكر. كانت والدته تجلس في صمت على المقعد الخشبي العتيق في الصالة. رفعت بصرها إليه ورأت ابنها الذي لم تعرفه. فاقتربت منه بخطى متثاقلة وهمست بألم مكتوم: "انت إيه حكايتك إيه يا أسد... هتفضل أكده لامتى يا ابني؟ هتفضل تدمر نفسك لامتى؟

بالنهار مش مركز غير في الشغل وبس، وجلبك بقى جاسي مع الموظفين ومع كل الناس، وبالليل كل ليلة ترجع سكران أكده." نظر إليها أسد بنظرة مشوشة وضحك بسخرية مريرة، ثم قال بصوت مخنوق: "وعايزاني أعمل إيه عاد بجا إن شاء الله... مطلوب مني إيه عاد؟ ابني مات ومؤتي سابتني وحياتي كلها اتدمرت. المفروض أعمل إيه عاد... أفرح وأرقص يعني؟ اقتربت الأم أكثر ووضعت يدها على صدره وقالت بحرقة: "انت دمرت الدنيا يا ابني...

انت السبب في كل اللي بيحصل ده." تجمد أسد مكانه وشدد أنفاسه بعنف وصاح بعينين دامعتين: "السبب... أنا السبب عشان روحت اشتغلت بدل ما كنا مش لاقيين ناكل... أنا السبب عشان كنت عايز نبقى كويسين ونعرف نعيش زي باقي الناس... هو ده عقابي يا حجة؟ ده جزائي؟ هزت الأم رأسها بأسى والدموع تلمع في عينيها، وقد اختنق صوتها من شدة الألم، ثم قالت بنبرة حزينة: "ابنك ما كانش محتاج فلوسك يا أسد، كان محتاج حضنك... ومراتك... ما طلبتش حاجة...

كانت بس عايزة راجل يطمنها ويبقى حنين عليها... إنت كنت بعيد عنهم بجسمك وروحك... والنهاردة بتدفع التمن." تجمد أسد في مكانه وعيناه زائغتان كأن الكلمات اخترقت صدره. صمت لوهلة طويلة، ثم زفر تنهيدة ثقيلة ورفع نظره نحو السقف قبل أن يتهاوى جسده المنهك على درجات السلم المؤدية إلى غرفته، وكأن كل خطوة يصعدها تحمل فوقها ثقل عمر من الندم. "أيوه... أيوه، عندك حق... أنا الغلطان... وأستاهل كل اللي حصل فيا."

تابع صعوده إلى غرفته ببطء شديد، وكأن جراحه تسحبه إلى الوراء. وحين بلغ الباب، أغلقه خلفه بصمت، ثم استند إلى الحائط وأخذ يهبط إلى الأرض تدريجيًا حتى جلس مطأطئ الرأس، لا يقوى حتى على البكاء... دفن وجهه بين كفيه، وكل ما فيه يصرخ دون صوت. لقد وصل إلى القاع، إلى النقطة التي لا يبقى فيها شيء... سوى الأسى.

وبعد فترة قصيرة، في الجهة الأخرى، دفع فهد باب الغرفة ببطء ودخل مترنحًا يجر قدميه، وكأن جسده يرفض أن يحمل قلبه المنهك. تفوح منه رائحة الخمر ونظراته شاردة لا تستقر على شيء، فكل شيء من حوله بدا باهتًا... لا لون له ولا معنى. حتى ألقى بجسده على طرف السرير كمن يسقط من هاوية، ووضع رأسه بين يديه وتنهد تنهيدة طويلة تحمل وجعًا لم يُقال، وانكسارًا لم يُعالج. وفي تلك اللحظة، أسرعت ريم إليه ورددت بلهفة: "إنت شارب ليه أكده؟

إنتوا إيه اللي حصل لكم؟ اتجننتوا ولا إيه عاد؟ مالك؟ لم يرفع رأسه، فقط ضحك ضحكة قصيرة مكسورة، مزيج من السخرية والقهر، وهتف: "أيوه... شارب وهفضل أشرب... يمكن أنسى... يمكن أبطل أفكر فيها... شوية." ارتجف قلبها عند سماع "فيها"، لكنها تمالكت نفسها وجلست إلى جواره، تمد ذراعها لتسنده، لتجعله يرفع رأسه، مردفة: "قوم ارتاح... تعالى نام على السرير... أكده مش هتعرف تتنفس حتى. يلا."

ساعدته ريم على الاتكاء وأزاحت خصلات شعره عن جبينه، وعيناها تراقبه بصمت. هو ليس لها ولم يكن يومًا، لكنها لم تكن تريد منه حبًا... فقط وجودًا... قربًا يشعرها أنها ليست وحدها، ولو كذبًا. "أنا بحبها يا ريم... بحبها جوي... مش عارف أعيش من غيرها... جلبي بيوجعني جوي... ومش عارف أعمل إيه... أنا تعبت."

كانت كلماته كالسكاكين، لكنها لم تتراجع. لم تكن تحبه، لكنها كرهت أن تظل في الهامش وأن يفكر في امرأة أخرى، لا تعرف لماذا. فاقتربت أكثر وسندت رأسه على كتفها. لم تفكر ولم تتردد، فقط فعلت، وهتفت بحزن: "أنا مش طالبة منك تحبني... ولا حتى تشوفني زيها... بس أنا معاك... واللي بتدور عليه هناك ممكن تلاقيه هنا... ولو للحظة."

كانت كلماتها حقيقية بقدر ما كانت مخادعة. هي لا تحبه، لكنها لا تطيق فكرة خسارته. لا تطيق أن تظل ظلاً لا يرى حتى في خياله. كانت تعرف تمامًا أنه لا يحبها، لكنها أرادت أن تكون الأقرب إليه، ولو للحظة... أن تسرق شيئًا من حضوره، حتى لو لم يكن لها بالكامل. فنظر إليها بعينين غائرتين، لا يرى فيهما ملامحها، بل يرى فراغًا يشبه ما بداخله. واقترب منها ببطء دون وعي... دون تفكير...

مجرد جسد مرهق يبحث عن مخرج من ألمه، عن حضن يسكنه، ولو مؤقتًا. فاقتربت هي أيضًا بيدين مرتجفتين، ووضعت كفها على صدره تشعر بنبض قلبه الذي لا ينبض لها... لكنها مضت في ما بدأت به. وبهدوء بدأت تفك أزرار قميصه. وكان هو ينظر إليها نظرة غائمة، لم يمنعها... بل ساعدها.

فأزاحت عنه قميصه، وما إن انكشف صدره حتى اقترب منها أكثر ورفع يديه ببطء وسحبها إليه. وأصابعه بدأت تلامس أطراف كتفها، ثم امتدت لتفك عقدة ثوبها. وهمس قرب أذنها بكلمات غير مفهومة، لكن أنفاسه الساخنة على رقبتها كانت أبلغ من أي كلام. واقترب منها أكثر وضمه إليه وقبلها قبلة طويلة... قبلة صامتة بلا حب، بلا شغف حقيقي، لكنها كانت مليئة بالهروب. وذابت المسافات وتساقطت طبقات القماش واحدة تلو الأخرى، حتى لم يبق بينهما شيء...

سوى الصمت. اتحد الجسدان فوق السرير. وما كان بينهما لم يكن حبًا، كانت لحظة ضعف... لحظة انكسار وقرار خاطئ. ومع ذلك... لم يتراجع أحد. وفي صباح يوم جديد، جلست سحابة أمام قبر فارس تضم كفيها في حجرها، وعيناها مغروقتان بالدموع لا تكفان عن الانهمار. تنظر إلى شاهدة القبر كأنها تنتظر أن ينطق الطفل الغائب بكلمة... أو أن يعود بلحظة. "واحشتني يا فارس... واحشتني جوي... كل ليلة بصحى وأنام على ريحتك... وأحضن لعبتك كأنك فيها...

أنا مش عارفة أتنفس من غيرك يا ضنايا... مش عارفة أضحك ولا أعيش... كنت نور عيوني... أكده أهون عليك تسيبني أكده لوحدي؟ مسحت سحابة دموعها بكفها المرتجف، ثم مدت يدها تلامس تراب القبر كأنها تحتضن الغياب. وفجأة تناهى إلى سمعها صوت خطوات تقترب ببطء. فرفعت رأسها، رأته... كان أسد هو الذي يقترب منها. فـ تجمدت في مكانها وقلبها انتفض، لكن ملامحها تشنجت، وكأنها تتذكر كل شيء.

ونهضت في صمت وهمت بالرحيل، لكنه مد يده فجأة وأمسك بيدها مرددًا: "استني يا سحابة... بالله عليكي استني... أنا مش قادر أعيش من غيرك... واحشتيني جوي." سحبت سحابة يديها بسرعة وقالت بصوت مختنق: "سيب إيدي يا أسد... انت... انت عامل إيه؟ أمك جالت إنك اتغيرت... وباين عليك فعلاً إنك اتغيرت جوي." خفض أسد رأسه، ومرت لحظة صمت قبل أن يجيب بصوت واهن: "أنا مش قادر أعيش من غيرك... أنا كل يوم بموت من جوايا...

بالله عليكي يا سحابة متسبنيش." أغرورقت عيناها بالدموع لكنها تماسكت وردت بصوت متهدج: "ولا أنا كنت قادرة أعيش من غيرك... بس خلاص كل حاجة ماتت جوايا... ولو بتحبني بجد... طلقني بالله عليك." اتسعت عينا أسد وسقط على الأرض أمامها جاثيًا على ركبتيه، ورفع رأسه نحوها كأنه يتوسل الحياة ذاتها مرددًا: "بلاش تقولي أكده بالله عليكي... أنا آسف... آسف على كل لحظة بعدت فيها... آسف إني ضيعتك وضيعت ابننا...

سامحيني ومتسبنيش.. أنا مش عارف أعيش والله العظيم." اهتزت يداها واقتربت منه ثم وضعت يدها على كتفه وأجبرته أن ينهض، وقالت بصوت باكي لكنه حاسم: "أنا مسامحة... من قلبي والله العظيم.. بس مقدرش أعيش معاك تاني... خلي بالك من نفسك يا أسد... وأرجوك متضيعش الباقي من عمرك.. كفاية أكده." استدارت سحابة وذهبت وقلبها يتمزق، لكنه لم يوقفها هذه المرة. ظل واقفًا يراقب ظهرها يبتعد، وكل ما فيه يتداعى، كأنها كانت آخر خيط نجاة...

رحلت وبقي وحده مع القبر... والندم. وبعد عدة ساعات، تحرك فهد على السرير ببطء. كان عاري الصدر يتصبب عرقًا، وعيناه تجولان في الغرفة كأنها أرض غريبة عليه. فجلس فجأة وراح يتلفت حوله... ثم تجمد في مكانه حين أدرك الحقيقة المروعة. كان وحده على السرير... لكن آثار الليلة الماضية لم تزل حاضرة على الجسد والروح.

ومرت لحظة صمت قبل أن يفتح باب الحمام وخرجت ريم وهي ترتدي رداء خفيف. وتقربت منه بخفة واحتضنته من الخلف ثم طبعت قبلة سريعة على خده وهمست بصوت ناعم: "ما كنتش أعرف إنك بتحبني جوي أكده يا فهد." ابتعد فهد عنها بعنف وصاح بوجهها وعيناه تشتعلان صدمة وغضبًا: "بحبك إيه؟ إنتي عارفة كويس إني مبحبكيش... إزاي ده حصل بينا أصلًا؟ ضحكت ريم ضحكة خفيفة ومالت بجسدها نحوه بثقة وهي تهمس: "إنت اللي قربت مني... وأنا مراتك... مقدرش أقولك لأ."

ثم سارت نحو الباب وخرجت وهي تضحك كأنها خرجت منتصرة. فنظر فهد حوله ثم صوب عينيه نحو المرآة... واقترب منها وصرخ بقهر وضربها بيده بقوة حتى تحطمت شظاياها وتناثرت حوله، بينما انغرست إحدى القطع الحادة في كفه وبدأ الدم يتساقط من أصابعه. فدخلت ملك مسرعة بعدما سمعت صوت الزجاج و هرعت إليه تمسك بيده الدامية وهي تصرخ: "فهد.... إيدك في إيه؟ إيه اللي حصل؟ لم يجبها فهد، كان مشوشًا... مذهولًا...

لا يرى أمامه سوى ملامح الخيانة والضياع. وفجأة... ظهرت ريم مجددًا في باب الغرفة مستفزة كعادتها وألقت عليه نظرة جانبية وهي تقول بنبرة واثقة: "يا حبيبي متنساش تاخدلك دش وتنزل عشان الفطار... أنا جهزته مخصوص عشان... متتأخرش بجا." غمزت لها بخفة وخرجت تاركة وراءها صمتًا ثقيلاً ومشهدًا ملوثًا بالخذلان. فتجمدت ملك مكانها ثم حدقت في السرير وذهلت مما فهمته. والتفتت إليه بعينين يملؤهما الذهول والدموع مردفة: "هو...

هو انت كنت معاها؟ صرخ فهد بألم ونار مشتعلة في صدره: "أيوه كنت معاها... مش مرتي.. طبيعي أبقى معاها." ثم اقترب منها فجأة وأمسك بذراعها بقوة وصوته يرتجف بين الألم والغضب: "انتي السبب.... انتي السبب في كل اللي حصل.... مستحيل أسامحك أنا بكرهك يا ملك! ... بكرهك.... ياريتني ما حبيتك. لو أقدر أشيل جلبي من مكانه وأدوس عليه بالجزمة كنت عملت أكده والله. خلاص... كل حاجة انتهت...

من النهاردة مفيش بينا غير الكره. كره وبس يا بنت عمي." ألقى فهد كلماته وتركها واقفة مكسورة... مذهولة والدموع تنزل من عينيها بصمت كأنها لم تعد تملك حتى الحق في البكاء. وخرج من الغرفة وهو يلف يده بجزء من قميصه الممزق، وترك خلفه قلبًا مكسورًا وامرأة تحطمها ندم لا ينفع.

بعد مرور أربع سنوات، كان الهواء ساكنًا إلا من وقع خطواته الثابتة على الرصيف. وترجل أسد من سيارته الفاخرة وقد تغيرت ملامحه كثيرًا عما مضى، ووجه صارم وتقاسيم قاسية كأن الزمان نحتها بفأس الألم... لم يعد يبتسم ولم يعد في عينيه نور، بل نظرة حادة وباردة كأنها لا ترى إلا ما وراء الحياة. كان يرتدي نظارته الشمسية يخفي خلفها وجعًا عتيقًا لم تفلح السنين في محوه. ووقفته قامته شامخة ولكن قلبه كان ساكنًا كقبر قديم لا يزوره أحد.

وما إن أوشك أن يخطو نحو مدخل البيت حتى سمع صوت صغير... دافئ اخترق كل جدران الصمت مرددًا: "بابااااا! توقف أسد فجأة وارتعشت أصابعه. وببطء رفع يده ونزع النظارة عن عينيه ليراها... طفلة صغيرة تركض إليه بكل فرح الدنيا، وشعرها يتطاير كأجنحة نور، وعيناها تلمعان كأنهما مرآة روحه التي ظن أنه فقدها للأبد. وانحنى إليها وفتح ذراعيه، فاندفعت نحوه واحتضنته بقوة وضمها إليه كأنها وطنه المفقود. وهمس بأنفاس متقطعة: "واحشتيني جوي...

يا جلب بابا من جوه."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...