في قرية نائية من قرى الصعيد، حيث تمتد الأرض برمالها الصلبة وتتمايل النخيل تحت شمس لا تعرف الرحمة، وقف الزمن لحظة في دارٍ عتيقة تحكي جدرانها حكايات الصبر. هناك، وفي قلب الدار، وقفت سحابة بثوبها الأسود الفضفاض وعيناها شاخصتان نحو الطريق الطويل الذي يتعرج بين الحقول. كانت تنتظر منذ ست، تسع سنوات وهي على ذات الحال، لا تغادر فناء الدار إلا قليلاً، ولا تنام إلا على أمل، ولا تستيقظ إلا على خيبة.
بعد زواجٍ لم يدم سوى أسبوعين، شد أسد رحاله إلى بلاد بعيدة حالماً بأن يصنع لهما مستقبلاً لا يشبه بؤس البدايات. كانا يومها فقيرين لا يملكان شيئاً، لكن أسد لم يكن رجلاً يرضى بالقليل. ومنذ رحيله لم تطأ قدماه أرض الصعيد. لم يحضر مولداً ولا ميتماً، ولا أرسل ما يشرح غيابه سوى المال. مال كثير تحول مع الوقت إلى عقارات وأراضٍ وذهب، حتى غدت سحابة ووالدته وإخوته من أغنى نساء القرية. ولكنها في قلبها كانت الأشد فقراً.
مرت السنوات بطيئة تبتلع الأيام وتخفي خلفها العمر، حتى جاءها الخبر الذي أوقف قلبها لحظة. أسد عائد. ومنذ أن سمعت الخبر وهي لا تعرف طعم النوم. ليلتها الأخيرة كانت ثقيلة كألف عام، أما صباحها فكان صامتاً، كأن الكون كله ينتظر معها على باب الدار. لم تكن تعلم من سيعود إليها، الرجل الذي أحبته أم الغريب الذي غيرته الغربة خلف وجوه لا تعرف الرحمة.
وفي ذلك النهار المشحون، لم تكن سحابة وحدها في الانتظار. كانت والدته السيدة "زينب" تتحرك بين أرجاء الدار بنشاط لم تعرفه منذ أعوام، تعطي التعليمات، وتعيد ترتيب المقاعد، وتشرف على أواني الطعام التي فاضت بخيرات لم تجتمع في بيتهم من قبل. أما هالة، شقيقة أسد الصغرى، فكانت تزين المداخل وتساعد الخادمات في تجهيز المائدة. والكل ينتظر.
أما سحابة، فكانت تحاول جاهدة أن تخفي ارتباكها، وهي تمسك بطرف ثوبها بين الحين والآخر وتمرر يدها على شعرها في توتر صامت، كأنها تستعد للقاء حبيبٍ لم تره منذ قرن. وفجأة، دوت في الأرجاء أصوات زمامير سيارات تقترب. فارتفع قلبها إلى حنجرتها وهتفت بفرحٍ غمر ملامحها مرددة: "أسد وصل... أسد وصل."
تقدمت نحو الباب والكل خلفها يركض، وتسبقهم الدهشة واللهفة، حتى توقفت السيارة أمام بوابة الدار ونزل منها سليمان، شقيق أسد الأصغر، والذي كان قد سافر ليحضره بنفسه من المطار. لكن وجهه بدا شاحباً متوتراً، كأنه يحمل ما لم يُقل بعد. فنظرت إليه سحابة بقلق وسألته سريعاً: "فين أسد يا سليمان.. ومالك أكده عاد كأنك جاتل جتيل؟
فتح سليمان الباب الخلفي، لينهض منه أسد. رجل مهيب بملامح تغيرت ووسامة نضجت بقسوة الحياة، وعيونه كانت حادة. وصوته لم يُسمع بعد، لكن حضوره وحده كان كافياً ليجعل الزمن يتوقف للحظة. فركضت إليه أمه وهي تبكي وتضحك في آن واحد. ثم احتضنه شقيقته باكية. أما سحابة، فوقفت في مكانها تتأمله بصمت. لم تستطع أن تتحرك. كانت على وشك أن تنطق باسمه، أن تخبره كم اشتاقت، لكنه سبقها بخطواته نحو الداخل.
وقبل أن تقترب أكثر، نزلت فتاة شابة في كامل أناقتها وابتسامة امتلكت الثقة، وتقدمت بخفة نحو أسد، ثم أمسكت يده أمام الجميع. وصمت قاتل خيم على الدار، قبل أن تقطع والدته السكون بصوت متحشرج: "مين دي يا أسد؟ يا أسد ال ماسكه يدك أكده يا ابني؟ أجابها أسد بهدوء لم يعرفه أحد منه من قبل وهتف: "دي جهاد... مرتي."
انهار كل شيء في لحظة. وشهقة هادئة خرجت من قلب سحابة قبل فمها، وخيالها انفجر بأسئلة لم تجد لها إجابة. حدقت فيه تبحث في ملامحه عن أي تبرير، أي ندم، أي أثرٍ لما كان بينهما، لكنها لم تجد سوى رجلٍ آخر... غريب. وفي اللحظة ذاتها، نزل من على الدرج طفل صغير لا يتعدى السابعة، بملامح تشبه أسد في صغره. وقف متردداً، يحدق في المكان والوجوه، ثم قال بصوت خافت متلعثم: "بابا؟
انحنى أسد سريعاً وفتح ذراعيه واحتضنه بقوة، وكأنه يحميه من العالم، ثم تمتم بكلماتٍ ناعمة: "أنا بابا يا فارس... واحشتني جوي."
كان أسد يحتضن الطفل الصغير بقوة، يمرر يده على شعره ويقبله مراراً، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم تر عليه منذ أن وطأت قدماه أرض الصعيد. وبدا وكأن العالم كله توقف في تلك اللحظة، وكأن ما حوله لا يعنيه، لا دهشة أمه، ولا نظرات شقيقته، ولا حتى عيون سحابة التي كانت ما تزال واقفة في مكانها لا تصدق ما ترى.
فتقدمت زينب، والدته، بخطى سريعة وغضبها يسبقها، وأمسكت بذراعه وسحبته بعيداً عن الطفل وهتفت بصوت مبحوح يكاد يُسمع بين الغيظ والخذلان، مرددة: "مرتك أزاي.... إيه ال بتجوله دا يا أسد... بعد تسع سنين داخل علينا بوحدة ماسكة يدك وتجول مرتك.. أكده من غير حتى ما تاخد رأينا ولا تعرفنا.. للدرجادي مش عامل لحد فينا اعتبار.. مبحاش لينا قيمة ولا لازمة في حياتك؟ نظر إليها أسد ببرودٍ مستفز، كأن لا شيء مما يحدث يستحق الانفعال،
ورد بهدوء قاطع: "أيوه مرتي يا حجة... حبيتها واتجوزتها. فين المشكلة مش فاهم؟ كأن كلماته سقطت على رأس سحابة كالسيف. لم تنتظر تفسيراً، ولم تطلب توضيحاً. كانت تعلم في أعماقها أن الغياب الطويل لا يأتي إلا ومعه الكارثة. لكنها لم تتخيل أن تكون هي الضحية. فركضت...
لا تعرف إلى أين. خرجت من الدار بخطى متعثرة، والدموع تغرق وجهها، ويدها ترتجف على قلبها، وكأنها تحاول أن تمنعه من الانفجار. تتنفس بصعوبة والهواء صار ثقيلاً، والدنيا تدور من حولها، وهي تتذكر لحظات الغربة وكم عانت وحدها. وفي لحظة كانت كافية لإنهاء كل شيء... لم تنتبه للصوت ولم ترَ الأضواء، فقط شعرت بالاصطدام ووقعت على الأرض مغشية عليها، بعدما اصطدمت بها هذه السيارة.
ثم ساد السكون، وارتفع صراخ النساء من الدار وأصوات الأقدام تهرول نحو الطريق. وكانت سحابة ممددة على الأرض، فستانها الأسود تلطخ بالتراب والدماء، وعيونها شاخصة إلى السماء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!