الفصل 2 | من 13 فصل

رواية جبروت في قلب صعيدي الفصل الثاني 2 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
62
كلمة
1,991
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

في هدوء مشوب بالألم كانت سحابة مستلقية على سريرها القديم والغرفة يملؤها عبق المسك والدم المجفف. ولفافة بيضاء تحيط برأسها الذي نزف كثيراً، أما قدماها فكانتا ممددتين على شرشف قطني بلون الحزن. تتنفس ببطء، لكن عينيها بقيتا مفتوحتين على اتساعهما. تنظر إلى الفراغ وكأنها لا تصدق أنها لا تزال على قيد الحياة.

وبجوارها جلس فارس الطفل الصغير متكئاً على الوسادة ويداه الصغيرتان تقبضان على كفها وعيناه دامعتان يتأمل وجهها بخوف مردداً: "متسبينيش يا ماما... أنا كنت خايف عليكي جوي... بالله عليكي خليكي معايا أنا والله بحبك جوي... بحبك انتي اكتر واحده في الدنيا كلها."

لم ترد سحابة، فقط نظرت إليه وابتسامة شاحبة مرت على وجهها كطيفٍ عابر، ثم عادت عيناها إلى الشرود. ودخلت الحجة زينب في هدوء ووجهها مجهد، وجلست عند طرف الفراش وهي تمسح على كتف سحابة برفق وقالت بصوت مكسور: "أنا عارفة إن الوجع كبير يا بنتي... بس والله ما هسكت... هتكلم معاه... وهخليه يطلج ال اسمها جهاد دي... أنا مش هسمح إن حد يجي عليكي مهما حاصل... انتي بنتي والله مش مرت ابني. وأنا معاكي ضد أي حد حتى لو كان ابني."

ألقت زينب كلماتها وظلت سحابة صامتة... لا دمعة نزلت ولا كلمة خرجت، فقط أنفاسها كانت ثقيلة كأنها تحمل أعوام القهر في صدرها. حتى قاطعها خبطات خفيفة على الباب المفتوح سبقتها خطوات يعرفها الجميع. ودخل أسد ووقف على العتبة لحظة كأنه يستأذن. ثم اقترب بخطى ثابتة. وجهه لا يحمل نفس الجمود السابق، بل نظرة حزن لا يعرف كيف يخفيها وقال بصوتٍ منخفض: "الف سلامة عليكي يا سحابة... عاملة إيه دلوجتي... بجيتي كويسه."

وقبل أن ترد، وقف فارس فجأة وركض ناحيته وهو يبكي بحرقة وصرخ بصوت رج الغرفة: "إنت السبب... إنت السبب ... كنت عايز تموت ماما... أنا مش بحبك.. انت رجعت ليه.. يلا امشي تاني أنا مش عايزك.. أنا عايز ماما بس أنا معرفكش اصلا امشي." ارتبك أسد وانكسر قلبه للحظة وجثى على ركبتيه أمام ابنه، لكن زينب أسرعت وأخذت الطفل في حضنها وهمست: "تعالى يا فارس... تعالى يا جلب جدتك.. ماما هتبجي كويسه والله متخافش...

يلا وخلينا نخرج ونسيب ماما ترتاح شويه." حملته زينب وخرجت به بهدوء تاركة الغرفة تغرق في صمت ثقيل. فاقترب أسد من السرير وعيناه على يد سحابة المرتجفة. ومد يده ببطء ليلمسها، لكنها سحبت يدها بفزع كأن النار لامستها. ثم همست بصوت خرج من أعماق وجعها: "طلجني." شهق الهواء بينهما وارتعشت عيناه وردد: "سحابة... استني... اسمعيني الأول... إحنا محتاجين نتكلم... والله انتي مش فاهمه حاجة." وقاطعته سحابة دون أن تنظر إليه ورددت:

"مش عايزة كلام... مش عايزة أسمع حاجة... أنا بس عايزة أطلج." تنهد أسد بضيق وهتف: "سحابه.. أنا طبيعي كنت اتجوز. أنا كنت عايش كل دا لوحدي بره محدش معايا.. وجوازنا كان لمده شهر ونص بس وأنا مكنتش اعرفك قبل اكده.. يعني مكناش واخدين بعض عن حب واتشغلت بجا ومكنتش بعرف انزل ولا اجول اني اتجوزت."

تسمرت سحابة في مكانها وقد اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بالغضب والخذلان. ثم رفعت جسدها قليلاً رغم الألم وقد بدا أن كلمات أسد قد أيقظت شيئاً عميقاً وموجعاً بداخلها. ونظرت إليه بنظرة تخللتها آلاف الليالي الباكية. ثم نطقت بصوت مرتجف لكنه حاد: "مكنش هاين عليك تجولي انك اتجوزت... لاجيت الموضوع ملوش لازمة وطبيعي.. بجد والله انت شايف ان دا طبيعي.. لما انت يا استاذ أسد كنت بتتجوز وشايف حياتك هناك أنا كنت متمرمطة اهنيه...

أنا اتذليت اهنيه يا أسد... أنا كنت بعدي يومين تلاتة من غير ما اطبخ كنت بوفر كل قرش علشان فارس وعلشان تنزل تلاجي فلوسك اتعمل بيها حاجة. جسما بالله أنا كنت بجعد باليومين تلاته مش باكل. أنا مكنتش بشتري هدوم بجالي سنين علشان بجول بلاش أضيع الفلوس علي تفاهة. أنا حتى لما كان نفسي في حاجة كنت أجول مش وجته… المهم فلوس أسد المهم لما ترجع تلاجينا صبرنا صبرنا واستنيناك بكرامتنا."

انحدرت الدموع على وجنتيها لكنها لم تمسحها وكأنها فخورة أن الألم قد خرج أخيراً ورددت: "أنا كنت بستخسر في نفسي العلاج والادوية جسما بالله وانت بجا... إنت فين؟!

إنت في بلاد بره بتتجوز وتعيش وأنا اهنيه بدفن عمري وساكته. أنا كنت مراتك، حتى لو شهر ونص… بس أنا مخونتكش ولا نسيتك ولا بدلتك بواحد تاني.. انت خاين.. خاين وقليل الاصل وأنا مامنش علي نفسي مع واحد زيك.. بجيت دلوجتي من أغني ناس في الصعيد وأنا طلعت من غير ولا حاجة ومش عايزة حاجة.. أنا هاخد ابني وأمشي.. دا كل ال يهمني وبس.. وانت تطلجني علشان أنا مستحيل أعيش مع واحد زيك."

ظل أسد صامتاً وكأن كل كلمة منها كانت تسقط على صدره كحجر ثقيل. بينما سحابة تابعت هامسة هذه المرة: "لو لسه عندك شوية ضمير طلجني.. لو سمحت." نظر أسد إليها بحزن ثم ذهب من الغرفة تاركاً سحابة في أحزانها. وبعد فترة وتحديداً عند مدخل قصر كبير كانت ريم تهبط الدرج بسرعة ولهاثها يسبق خطواتها وشعرها يتطاير حول وجهها وعينيها تلمعان بنار الانتظار. وما إن رأت الحارس حتى صاحت بصوت يقطر توتراً: "وصل بجد أسد رجع؟!

رفع الحارس يده بتحية خفيفة وهز رأسه مؤكداً: "أيوه يا ست هانم... أسد بيه وصل." كادت أن تنطلق للداخل حين أوقفها صوت أجش من خلفها جاء كالسوط على ظهرها مردداً: "امشي يا عبد الرحمن... سيبنا لوحدنا." تجمدت ريم في مكانها ثم استدارت ببطء وواجهت نظرات أبيها، الحاج جابر العمدة التي كانت تحمل كل شيء إلا الحنان ورددت: "مش من حقي أعرف يا ابوي لما يرجع." ضاق ما بين حاجبيه وهتف بغضب مكتوم: "لأ... مش حقك وانتهينا...

وانسي الموضوع دا اتجفل من زمان جوي.. انسيه يا ريم." نظرت إليه ريم بعيون لا تعرف الخضوع، وصرخت: "مستحيل.. مستحيل أنسى... ولا حتى بعد مليون سنة. زي ما خسرت عريسي يوم فرحي هخسره حياته كلها ال بيكسرني... أنا بكسره حتى لو بعد أي.. جسما بالله ما هسيبه وهندمه على كل حاجة." ألقت ريم كلماتها ثم تركته واقفاً في ذهوله بينما كانت خطواتها تطرق الأرض كأنها تقسم أنها ستعيد كل شيء بطريقتها... وبثمن أغلى بكثير.

وفي المساء في تلك الليلة ساد الصمت أرجاء الغرفة إلا من صوت الماء المتساقط من شعر أسد الخارج لتوه من الحمام. كان يلف حول خصره منشفة بيضاء وملامحه تحمل عبوساً ثقيلاً وكأن شيئاً أثقل من الماء يثقل صدره. ووقف أمام المرآة يتأمل وجهه حتي اقتربت منه جهاد بهدوء ولفت ذراعيها حوله من الخلف ثم قالت بصوت حنون: "مالك يا حبيبي؟ شكلك زعلان قوي... مدام مضايقك اكده، طيب ما نرجع نسافر تاني... ننسى كل حاجة ونبدأ من جديد."

استدار نحوها ببطء ومسح على شعرها برفق ثم أجاب بصوت خافت: "أنا غلط... غلطت بجد كان لازم أجولهم إني اتجوزت حتى لو مش بحب سحابة بس كان لازم أكون صريح معاها." تراجعت جهاد قليلاً ونظرت إليه بعينين يغمرهما الأسى ثم قالت: "يعني إي.... إحنا ممكن ننفصل لو ده هيريحك يا أسد.. انت عارف إن أهم حاجة عندي سعادتك وبس." أمسك أسد يدها بسرعة وقال بنبرة حاسمة: "لأ طبعا... إزاي تجولي اكده.. أنا بحبك... إنتي مرتي وكل حاجة ليا....

بس لازم أتكلم مع سحابة تاني علشان مظلمهاش... وعلشان فارس ابني." أومأت جهاد برأسها ببطء تحاول أن تخفي ما في قلبها من ضيق وقالت بابتسامة باهتة: "طبعا يا حبيبي... اعمل ال يريحك." وفي تلك اللحظة قطع الحوار بخبطات هادئة على الباب، تبعتها الشغالة وهي تطل برأسها وتقول: "العشا جاهز يا بيه... الست زينب بتجولكم انها مستنياكم."

ألقت الخادمة كلماتها وذهبت. وبعد فترة كان الجميع يجلسون حول مائدة العشاء والسكون يخيم على الأجواء لا يسمع سوى صوت الملاعق الخفيف وهمسات لا تكاد تميز. حتى قطعت زينب الصمت بنبرة أم يعتريها القلق: "يا بنتي جومي شوفي سحابة وفارس خليهم ينزلوا يتعشوا معانا." كانت ابنتها توشك أن تنهض لتنفيذ طلب أمها، إلا أن أسد سبقها فجأة ودفع الكرسي بقوة وهو يقول بحزم: "لأ أنا ال هطلع."

غادر أسد المكان دون انتظار رد وصعد الدرج بخطوات ثقيلة وقلبه ينبض بشيء لم يستطع تفسيره. وما إن وقف أمام باب الغرفة حتى طرقه ثلاث مرات، ثم انتظر... لا صوت. وطرق مجدداً حتي مد يده إلى المقبض وفتح الباب ببطء. وفي لحظة توقف الزمن ووجد الغرفة... خالية. ف، تراجع خطوة إلى الوراء وعيناه تتفحصان المكان الموحش. لم تكن هناك حاجة لتفسير لقد فهم فورا... لقد هربت هي وفارس.

وعلى الجانب الآخر كانت سحابة تمشي بخطى مسرعة تجر ابنها المرتجف بين ذراعيها والخوف ينهش صدرها ولظلام يملأ الطريق والبرد يتسلل إلى عظامها لكنها لم تتوقف ورددت: "شد حيلك يا فارس.. خلاص يا حبيبي.. قربنا." لكن خطواتها بدت أضعف وصوت أنفاسها أثقل وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها وأن الهروب بدأ يتباطأ. وفجأة اقترب منها شاب لا تعرف من أين أتى يخطو نحوها بثبات. رفعت عينيها نحوه... وما إن وقعت نظراتها عليه حتى

اتسعت عيناها وصاحت بصدمة: "انت...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...