تقدمت ريم من فهد بخطوات واثقة ونظراتها تتحدى عيون الجالسين. حتى وقفت بجواره. ثم مدت يدها وأمسكت بيده أمام الجميع. فتجمدت الحركة على المائدة وساد صمت ثقيل. قبل أن يرتفع صوت ملك فجأة وهي تنهض من مكانها بحدة: "إيه ده؟! إنتي ماسكة إيده كده ليه عاد... هو في أي بالظبط... ما حد يتكلم ويقول أي حاجة." نظرت ريم إليها بابتسامة باردة وقالت بثقة: "لو ممسكتش إيد جوزي... همسك مين عاد."
نظر الجميع إليها بصدمة، بالتحديد ملك التي تجمدت مكانها. حتى تدخلت زينب ورددت بصوت مختنق وهي تضع يدها على صدرها: "ليه يا فهد... ليه كده يا ابني سايب بنات الدنيا كلها وجاي تتجوز دي... ريم اللي كانت السبب في كل المصايب اللي حصلتلنا في حياتنا... ليه بس كده يا ابني." كانت زينب تتحدث بحسرة، لكن فهد لم يتفوه بأي حرف. حتى تدخل أسد بصوت حاد مرددًا: "وريها الأوضة يا فهد... ومش عايز أسمع ولا كلمة في الموضوع ده...
كفاية كده بقى... محدش فاهم أي حاجة." تحرك فهد بصمت وريم تسير بجواره دون أن تلتفت لأحد. في حين كان الجميع يتابعهم بعيون متوترة مشدوهة. وفجأة أطلقت ملك شهقة بكاء وركضت نحو غرفتها. دموعها تنساب بغزارة وهي تغلق الباب خلفها بقوة. ليَبقى صداها يرتج في أرجاء المنزل. وفيما خيم التوتر من جديد، اقتربت جهاد من أسد وأمسكت يده. وابتسمت بنبرة تمزج بين الخبث والانتصار وهتفت: "بصراحة يوم حلو قوي... خبرين يفرحوا... جواز فهد وحملي...
إحنا لازم نعمل حفلة بقى." لكن أسد سحب يده منها بهدوء دون أن يعطي أي رد فعل. وعيناه على سحابة التي وقفت مكانها دون أن تتكلم. ونظرت للحاضرين نظرة صامتة. ثم استدارت وصعدت إلى غرفتها بخطوات ثقيلة. وكأن الألم يسحبها بعيدًا عن كل ما يحدث. فأقتربت جهاد من أسد مرة أخرى ورددت بضيق: "إيه يا أسد... أنا حاسة إنك مش مبسوط بحملي... هو في أي عاد... المفروض تبقى أسعد واحد في الدنيا دلوقتي. ولا عشان عندك ولد تاني."
تنهد أسد بضيق وهتف: "لأ... أنا مبسوط... ومبسوط قوي كمان. أنتي اللي مش واخدة بالك ومش عارفة تختاري الوقت المناسب اللي تقولي فيه الخبر." نظرت جهاد إلى أسد بضيق ورددت بحده: "أسد... هو في أي بالظبط... مش ملاحظ إن قلبك بقى قاسي معايا قوي؟ أنا عارفة إني بغلط كتير قوي بس ده مش مبرر للمعاملة دي. ولا أنت جالك حن لست الحسن والجمال." اقترب أسد منها وقال بصوت متهدج يسيطر عليه الغضب المكبوت مرددًا: "لأ يا جهاد... قلبي محنش...
بس أنا كنت فاكر إنك اتغيرتي وصدقتك لما قولتي إنك ندمانة وعاوزة تفتحي صفحة جديدة. أنا حذرتك قبل ما ننزل مصر... طولتلك متعمليش أي غلط ومتدخليش في أي حاجة متخصكيش... بس إنتي مسمعتنيش وكنا هنموت كلنا بسببك." اتسعت عينا جهاد وجاءت لتتحدث، ولكن أسد لم يمهلها الرد. بل أكمل بثبات: "أنا وقفت قصاد الكل عشانك... وخسرت كل حاجة ودمرت بيتي... وفي الآخر؟ ولا كأنك شايفه ولا هامك غير نفسك وبرودك وغرورك وبس. لو ما غيرتيش...
وفضلتي على النظام ده ودماغك دي، قسما بالله العظيم ما هتفضلي على ذمتي يوم تاني وهطلقك، وساعتها مش هينفع ندم." ثم أشار بيده إشارة حاسمة وهو يضيف: "وسحابة؟ سحابة مرتي... وأم ابني وزيك زيها بالظبط... يعني لما تتكلمي عنها تتكلمي كويس وباحترام... علشان أنا مش هسمح لحد يهينها حتى لو كنتي إنتي." استدار أسد دون أن يضيف كلمة ومشى مبتعدًا بخطوات هادئة. وغاب صوته، لكن كلماته ظلت ترن في أذنها كصفعة لا تُنسى.
وفي هدوء الليل كانت ملك تجلس على حافة سريرها والغرفة تكتسي بسكون ثقيل. لا يقطعه سوى صوت بكائها المكتوم. وكانت عيناها متورمتين من كثرة الدموع ويديها تتشابكان في حضنها. كأنها تحاول احتضان الألم بداخلهما. دون أن تطرق الباب و دخلت سحابة بخطوات خفيفة. ورغم الحزن في ملامحها إلا أن عينيها كانتا تحملان دفئًا مختلفًا. واقتربت منها وجلست بجوارها. ثم مدت يديها تمسح دموعها برفق وقالت بصوت هادئ:
"هتفضلي على النظام ده لحد امتى يا ملك؟ البكا مش هيرجع حاجة... ولا هيغير الواقع... هو خلاص اتجوز." نظرت ملك إليها بعينين باكيتين وهمست بصوت مختنق: "أنا لسه بحبه يا سحابة... بحبه قوي ومش قادرة أستوعب إنه خلاص... خلاص اتجوز وإنه بقى لحد تاني. وريم كمان... ريم... فهد اتجوز ريم." تنهدت سحابة بحزن ووضعت يدها على يد ملك وقالت: "عارفة إنك موجوعة... ووجعك كبير. بس متعتيش في إيدك أي حاجة عشان تعمليها...
هتفضلي كده تعيطي وتتعبي أكتر وبرضه كل حاجة هتفضل زي ما هي... أنا متأكدة إن فيه سبب خصوصًا إن أسد ساكت... أنا والله حاسة إن فيه حاجة كبيرة قوي أو خطة منهم مثلا." رفعت ملك نظرها نحوها والدموع لا تزال تلمع في عينيها ورددت: "أنا مليش صالح بكل ده. أنا حلمت بيه سنين... فهد ده حب عمري... ده الشخص الوحيد اللي حبيته في حياتي كلها يا سحابة. أنا محبيتش حد زيه." أجابتها سحابة بهدوء حزين وهتفت: "والله ما عارفة أقولك إيه...
بس كل اللي أقدر أقوله إن إن شاء الله كل ده هيعدي... بطلي عياط بقى بالله عليكي." وفي تلك اللحظة فتح باب الغرفة برفق ودخل فارس الطفل الصغير بخطواته البريئة. وفي يده وردتان صغيرتان، واحدة حمراء وأخرى بيضاء. وا اقترب منهما بابتسامة عذبة ومد يده ليعطي ملك وردة ثم سحابة الأخرى. وهو يقول بصوته الطفولي الجميل: "عشان انتوا زعلانين... أنا جبتلكم ورد... مينفعش تزعلوا وانتوا حلوين كده." لم تتمالك ملك نفسها فضحكت وهي تمسح دموعها.
بينما سحابة ضمت فارس إلى صدرها وقالت: "ربنا يخليك لينا يا حبيبي... دايما بتعرف تطيب الخاطر كده... والله انت عوضي في الدنيا دي كلها." احتضنهما فارس معًا وظلوا هكذا للحظات. كأن براءته كانت البلسم الوحيد في ذلك الليل المثقل بالوجع. وبعد فترة قصيرة كان فهد يقف أمام نافذة غرفته يدخن سيجارته بنظرات شاردة. عارٍ الصدر والغرفة تغمرها ظلال خافتة من ضوء القمر المتسلل.
لم يكن يسمع سوى صوت أنفاسه وصدى أفكاره المتشابكة التي لا تهدأ. وبينما هو غارق في شروده شعر بحركة خلفه. فالتفت بسرعة ليفاجأ بريم تقترب منه بخطوات هادئة. ترتدي قميص نوم حريري ينساب على جسدها في إغراء متعمد. فانفزع فهد وارتبك للحظة. ثم التقط قميصه الملقى على الكرسي وارتداه على عجل. قبل أن يهتف بغضب: "إيه اللي انتي لابساه ده.... هو في أي بالظبط." اقتربت ريم أكثر بعينين ثابتتين ونبرة هادئة وهتفت: "مش إحنا متجوزين...
هو في حد غريب هنا عشان ال بتعمله ده... أنت اللي في أي عاد." أجابها بحدة وهو يشيح بوجهه بعيدًا: "متجوزين؟! ده جواز على ورق وبس يا ريم... مفيش بينا حاجة من دي فاهمة." ابتسمت ريم بسخرية باهتة ورددت بهدوء: "على ورق بالنسبالك... بس بالنسبالي جواز كامل... وأنا مش طالبة منك حاجة بس لما أخلف... همشي ونتطلق... ولا كأن فيه حاجة حصلت." نظر إليها فهد بذهول واتسعت عيناه بصدمة وهو يهتف: "إنتي مجنونة صح... والله العظيم مجنونة....
إنتي مش طبيعية خالص... وأنا مستحيل ألمسك ولا أفكر ألمسك أصلًا. أنا بحب ملك... ومش هقدر أخونها حتى لو بكلمة." ألقى فهد كلماته بنفور ظاهر واتجه نحو الباب وخرج بسرعة مغلقًا إياه خلفه بقوة. أما ريم، فوقفت في منتصف الغرفة وعيناها تتبعان الباب المغلق. قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة باردة وهمست لنفسها بنبرة خافتة مملوءة بالإصرار: "أنا مش هخرج من هنا...
غير لما آخد المقابل اللي يرضيني على كل اللي خسرته.. ودي الحاجة الوحيدة اللي هترضيني وتخليني أوقف انتقامي." ثم التفتت نحو السرير وجلست وعيناها تتلألأ بشيء خفي بين الحزن والإصرار. وفي صباح يوم جديد كانت أشعة الشمس تتسلل بخجل من نافذة الغرفة تنير أركانها بضياء خافت وهادئ. وفي وسط هذا السكون دلف أسد إلى غرفته بخطواته الثقيلة يبحث عنها بعينيه. ليجد سحابة تقف أمام الخزانة تهم بالخروج.
فأقترب منها بخطوتين سريعتين ثم أمسك بيدها برفق ولكن بحزم. وصوته خرج متوترًا يحمل بين نبراته رجاء وغضبا مكبوتا وهتف: "استني... الوضع ده مبقاش ينفع... ولازم نحدد موقفنا بقى يا سحابة... لازم دلوقتي حالا مش هنفضل نلف حوالين بعض كتير كده." نظرت إليه سحابة بهدوء يخفي خلفه نارا مشتعلة من الألم. وسحبت يدها ببطء ثم قالت بنبرة ثابتة: "فعلا... لازم نحدد... أنا شفت شغل وهيتبدأ الأسبوع الجاي... ونويت أدور على شقة كمان...
وبعدها هاخد فارس وأمشي." نظر أسد إليها بصدمة كأن صاعقة ضربت قلبه وارتبك للحظة. قبل أن ينفجر بصوته العالي: "إيه؟! تمشي إزاي يعني؟ تاخدي ابني وتمشي؟ هو مش ابنك لوحدك... ده ابني أنا كمان يا سحابة... ابني.. إنتي ناسيه ولا إيه عاد." نظرت إليه سحابة والدموع في عينيها تحاول أن تحبسها ورددت بصوت مرير: "أنا مش بقول هحرمه منك... بس أنا مش هينفع أكمل في الوضع ده أكتر من كده... أنا اتكسرت كتير قوي يا أسد وكله بسببك."
اقترب منها أكثر وصوته بدأ يخفت ويمتلئ بالصدق: "أنا عايزك... وبحبك... والله ما قلبي ارتاح إلا ليكي... ولا عرفت أعيش بجد غير وإنتي في حياتي." هزت سحابة رأسها بعدم تصديق وهمست: "مش مصدقاك... مش بعد كل اللي حصل ده... الكلام مبقاش يكفي يا أسد.. أنا مبقتش واثقة فيك." وفجأة مد يده إلى درج صغير في المكتب وأخرج ملفا ووضعه بين يديها. فتحت ببطء لتتفاجأ بعقود موثقة رسمية وجزء كبير من أملاكه كتب باسمها. فرفعت
عينيها إليه بصدمة وهمست: "إيه ده؟! رد أسد عليها بثبات: "ده حقك... حقك عن كل سنة عيشتيها لوحدك وعن كل مرة كنتي بتبكي وأنا مش جنبك. عن كل كلمة وجعتك مني... ده أقل حاجة ممكن أعملها عشانك." نظرت إليه سحابة بعينين دامعتين وأغلقت الملف بهدوء ثم قالت: "حقي..... أنا عمري ما كنت عايزة حقي يبقى فلوس يا أسد... أنا كان نفسي تبقى جنبي وأنا بولد ووأنا بتعب ووأنا بحاول أربي ابنك لوحدي... ابني بالنسبالي أغلى من أي حاجة......
و أنا فعلاً بحبك... وبموت فيك كمان... ومش عارفة أعيش من غيرك بس... كرامتي مش هتتنازل عنها تاني... أنا مش واثقة فيك... والثقة أهم من الحب." تركت سحابة ثم التقطت حقيبتها الصغيرة، وخرجت من الغرفة دون أن تنظر خلفها. تاركة أسد واقفًا في مكانه قلبه ينهار بصمت. وفجأة اخترق شروده صوت صراخ مفاجئ... عالٍ ومخيف كأنما مزق ستار الطمأنينة التي خيمت على البيت. وانتفض من مجلسه واندفع يعدو عبر الممرات.
وقلبه يخفق بجنون والخوف يتسلل إلى صدره مع كل خطوة يخطوها نحو مصدر الصوت. ودفع الباب بقوة فارتطم بالجدار ووقف عند العتبة للحظة. وعيناه اتسعتا من الذهول. كان ابنه ممددًا على السرير بلا حراك ووجهه شاحب كشمع ذائب. وفمه مفتوح قليلا ينزلق منه سائل أبيض كثيف. فاقترب منه بخطى مرتجفة ثم هتف: "مالك يا حبيبي؟! فارس... رد عليا يا ابني.. فارس." مد أسد يده يحركه ولكن الجسد ظل ساكنًا باردًا بشكل مريب.
ويده بدأت ترتجف بينما عينيه ظلت معلقة بذلك السائل الغريب. ووقف للحظة مشلول التفكير وكل ما حوله أصبح صامتًا كالقبر. وفجأة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!