ساد الصمت الرهيب أرجاء المستشفى. كان يُسمع فقط صوت أنفاس متقطعة وأنين مكتوم يتسرب من الحناجر المرتجفة في ركن الممر. كانت سحابة واقفة كأنما انتُزعت منها الحياة. تضع يديها على صدرها في محاولة يائسة لتهدئة نبضات قلبها المتسارعة، بينما عيناها لا تفارقان باب غرفة الطوارئ المغلق. أسد كان يسير ذهابًا وإيابًا بعصبية ظاهرة، يضع يده على رأسه تارة، ويشد شعره تارة أخرى، ويتلفت بقلق، وكأن الانتظار يفتك به.
على المقاعد جلس الجميع بقلق وخوف. فجأة، انفتح باب الغرفة بخفة وخرج الطبيب بخطوات بطيئة ووجهه شاحب ونظراته حزينة. فتقدم أسد نحوه بسرعة ووقف أمامه، وصوته خرج متهدجًا مملوءًا برجاء: "ابني كويس يا حكيم؟ طمني بالله عليك." تنهد الطبيب بحرقة ثم قال بصوت خفيض وكأنه يعتذر: "ربنا يرحمه يا أسد. الطلب وجف… وكل المحاولات منجحتش." سقطت الكلمات على الجميع كالصاعقة. تجمدت الأنفاس وخيم الصمت الثقيل. نظرت سحابة ولم تصدق ما سمعته،
وصرخت بصوت مجروح: "لاااااا… كدب… ابني لسه حي… نايم بس… نايم… أنا عارفه ابني عايش… فارس عايش! ركضت سحابة نحو الغرفة ودفعت الباب بعنف وانطلقت إلى السرير حيث يرقد فارس ممددًا بلا حراك، ووجهه أبيض كالقمر، وشفتاه منفَرَجتان قليلاً، وسكونه يرعب القلب. فكشفت الغطاء عن وجهه بيدين مرتجفتين، ثم ارتَمت عليه تحتضنه وتهمس له: "جوم يا فارس… جوم يا حبيبي ماما أهنبه… مش جولتلي هتجبلي ورد كل يوم؟
قوم جولي ماما بس… مرة واحدة بس يا فارس… جوم بالله عليك… أبوس يدك.. أبوس يدك يا ابني." كانت سحابة تهزه برفق وكأنها تحاول أن تعيد الروح إلى جسده، بينما دموعها تنهمر على خديه الصغيرين وقلبها يتمزق من الداخل. دخل أسد خلفها واقترب منها ببطء وجلس بجوار السرير، ووضع يده على رأس فارس وهمس بانكسار لم يعرفه من قبل مرددًا: "سامحني يا ابني… سامحني أنا السبب… أنا السبب في كل حاجة… سامحني بالله عليك."
أخذت سحابة تبكي بحرقة وعيناها لا تفارق وجه ابنها وهي تقول: "فارس… متسبنيش أكده… أنا مش هعرف أعيش من غيرك… كنت عايشة علشانك… أنت اللي كنت مخليني جادرة أكمل… أبوس يدك يا ابني جووم بالله عليك.. جوم يا فارس يلا." انهارت سحابة على صدره… تحتضنه وكأنها ترفض أن تودعه. في الخلف كان الباقون يبكون بحرقة على هذا الصغير الذي فقد حياته بدون ذنب.
في صباح يوم جديد، عاد الجميع من المقابر يجرون أقدامهم جراً كأن الحزن ألقى بثقله على أرواحهم. والعيون مطأطئة والوجوه غارقة في شحوب لا تخطئه عين. أما سحابة فكانت تسير كأنها لا تشعر بما حولها، نظراتها زائغة وخطاها ثقيلة، وكأنها تركت قلبها مدفونًا بجوار ابنها. فدخلت البيت بصمت دون أن تلتفت لأحد وصعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. لا صوت… ولا بكاء… فقط وجع صامت يصرخ في أعماقها.
وقفت زينب تنظر خلفها بعينين دامعتين ثم التفتت إلى أسد وهمست بانكسار: "اطلع ورا مراتك يا أسد… هي محتاجالك دلوجتي أكتر من أي وقت تاني." هز أسد رأسه بصمت وتنهد تنهيدة ثقيلة قبل أن يصعد خلف سحابة بخطوات بطيئة. في تلك الأثناء، كان فهد يستعد لمغادرة البيت متجهاً نحو الباب، لكن ملك وقفت في طريقه فجأة وعيناها محمرتان وصوتها خرج مرتجفًا، وهتفت: "فهد… استنى أنا عايزة أتكلم معاك شوية." قبل أن يرد فهد، اقتربت ريم بخطوات سريعة
وقالت بنبرة مليئة بالحدة: "عايزة تتكلمي مع جوزي بخصوص إيه يا أختي بجا إن شاء الله؟ رمقتها ملك بنظرة ثابتة وقالت بجرأة: "جوزك دا يبجى ابن عمي… ومن حقي أتكلم معاه جت ما أحب." ردت ريم وهي تعقد ذراعيها بحِدة: "لا مش من حقك… فهد مش هيتكلم مع حد.. هو هيطلع معايا أنا دلوجتي." فجأة ارتفع صوت فهد بغضب مكبوت وهو يصرخ: "ولا طالع ولا هتكلم…. أنا خارج… مش فاضيلكم.. هي الحكاية ناقصاكم انتوا كمان."
استدار فهد مغادرًا بخطوات سريعة، لكن ملك لحقت به وأمسكت بيده بقوة وقالت بصوت مجروح: "فهد… استنى بالله عليك… إحنا لازم نتكلم… ليه عملت فيا أكده؟! سحب فهد يده منها بقسوة ونظر إليها بسخرية مرددًا: "بجد؟ أنتي اللي جاية تسأليني دلوطتي وزعلانة كمان؟ أنا اتحايلت عليكي قد إيه لما رجعت من السفر… أنا عملت المستحيل عشان أعرف أكلمك بس، وانتي ولا ماثر فيكي حاجة. هو أنا عملت إيه أصلاً يستاهل كل اللي انتي عملتيه دا؟
ولا انتي عايزة تقلدي سحابة وخلاص؟ أشاحت ملك بنظرها ودموعها تنهمر، لكنه لم يتوقف، وتابع وهو يتحدث بحنق:
"إحنا مكنش لاقيين ناكل… وانتي عارفة إني كنت مسافر عشان أجيب فلوسي مش ألعب بس، لع طبعًا كل دا ولا في دماغك.. مش في دماغك غير نفسك وأنانتك. لولا إني أنا وأخوكي يا آنسة ملط سافرنا واتمرمطنا بره حضرتكم، مكنتيش عيشتي في بيت زي دا ولا ركبتي عربيات زي دي ولا الناس احترمتك أكده، ولا أخوكي سليم راح يدرس بره مصر. إحنا مكنش بنلعب هناك بس انتي كالعادة مش شايفة غير نفسك وبس…. ملكيش دعوة بيا تاني… أنا دلوجتي متجوز."
رددت ملك بصوت باكي: "يعني خلاص أكده مبجيتش تحبني؟ مش عايزني؟ ابتسم فهد بسخرية وقال وهو يهز رأسه:
"ياريتني ما كنت حبيتك… اللي حصل دا كله سببه حبك ولو كنتي اتعاملتي معايا كويس… مكنش ده حصل.. اتفرجي مبسوطة أكده بكل اللي إحنا فيه… دلوجتي أنا مجبور أعيش مع واحدة من أكبر أعدائي… بس على الأقل عارفة تتصرف.. عدوتي دي بتعمل واجباتها معايا أكتر من البنت اللي فضلت أحبها أكتر من 15 سنة… ملك ابعدي عني… كل حاجة بينا انتهت… ومش فاضي لحب ولا عتاب… أنا فاضي لحاجة واحدة بس دلوجتي… إني أعرف مين قتل فارس."
ألقى فهد كلماته ثم تركها واقفة وحدها والدموع تنهمر من عينيها دون توقف، بينما هو مضى في طريقه… لا يلتفت. في المساء، كان الليل ثقيلًا كأنما يحمل على كتفيه كل الحزن الذي يعصف بالبيت. وكانت الغرفة غارقة في سكون مخيف لا يكسره سوى أنفاس متقطعة تأتي من سحابة الجالسة فوق سرير صغير يتوسط الغرفة، ترتدي ثوبًا أسود فضفاضًا وعيناها غائرتان من السهر والبكاء. ويديها تحتضن شيئًا صغيرًا كأنها تتشبث بآخر ما تبقى لها من روح ابنها.
فدخل أسد الغرفة بهدوء ينظر إليها بصمت لحظة، ثم تقدم منها ببطء وجلس إلى جوارها وقال بصوت خافت مشحون بالحزن: "لازم ترتاحي يا سحابة… جسمك مش هيتحمل أكده.. انتي منمتيش ولا أكلتي أي حاجة." هزت سحابة رأسها بلا رد ثم همست بصوت مخنوق: "أرتاح؟ … إزاي وأنا مش سامعة صوته؟
… مش شايفة ضحكته… ابني يا أسد… ابني كان نور البيت راح… راح في ثانية واحدة أكده من بين إيديا… شوف دي كانت كراسته المفضلة… كان بيرسم فيها كل يوم… دايما يجولي هفرج بابا على الرسومات لما يرجع من السفر." نظر أسد بداخلها. فتح أسد الكراسة وقلب صفحاتها بحذر، وفي كل صفحة وجد وجهًا صغيرًا يرسم أباه، خطوط ساذجة لكنها محملة بالحب. في كل رسمة يبتسم له الطفل بعينين واسعتين، وفي الزاوية يرسم أمه تضحك وبيته وألعابه.
فانزلقت دمعة حارقة من عيني أسد وسقطت على ورقة بالكراسة وهمس: "كان بيحبني جوي… وأنا… وأنا مكنتش معاه..كنت بعيد عنه." ردت سحابة وهي تبكي:
"كان بيحبك جوي.. وبيستناك بالساعات… هو كان ابني الوحيد… وسندي… وصاحبي… أنا كنت عارفة إن ده هيوحصل… أنت ظلمت ناس كتير يا أسد… وأنا كنت حاسة إن العقاب جاي… بس مكنتش متخيلة إنه هيبجى في ابني…. أنت دخلت بيتي ناس لا شبهنا ولا طبعنا… وأنا واثقة… ابني مات مقتول… مش زي ما الدكتور قال… مش أكل حاجة مسممة وخلاص.. لع.. ابني اتقتل." نظر إليها أسد بعيون دامعة وقال بصوت ممتزج بالغضب: "أنا هعرف مين عمل أكده… وهقتله… والله هقتله."
صرخت سحابة بصوت مكبوت وهي تنهض واقفة: "وهستفاد إيه لما تقتله؟! هستفاد إيه يا أسد…. ابني هيرجع؟ لا يا أسد… مش هيرجع… مهما عملت مش هيرجع… وأنا كمان مش هرجع معاك." اقترب منها بخطوات بطيئة ثم رفع يده ولمس وجهها برفق ومسح دموعها بإبهامه وقال بصوت منهار: "سامحيني… بالله عليكي سامحيني يا سحابة… أنا آسف… أنا دمرت كل حاجة بإيدي… وضيعتك… وضيعته."
سقطت دموع أسد فوق يديها المرتعشتين وانفجرت هي في البكاء مرة أخرى. ثم ببطء… كأن جسدها فقد القدرة على المقاومة… ارتَمت بين ذراعيه واحتضنته بقوة، كأنها تبحث عن الدفء في جسده. فاحتضنها بقوة وهو يهمس: "مش هسيبك تاني… ولا هسكت… هجيبله بتاره والله العظيم." ساد الصمت سوى من صوت بكاء مختلط بأنفاس مرتجفة… وحضن طويل. مع أولى خيوط الصباح تسللت أشعة الشمس الخافتة إلى الغرفة وهي تتراقص على الجدران كأنها تبحث عن حياة فقدت.
في منتصف السرير كان أسد مستلقيًا… ملامحه مرهقة وعيناه نصف مغلقة ويده تمسك رأسه بألم شديد. ففتح عينيه ببطء يتنفس بثقل يحاول أن يعي أين هو… ثم بدأ يتلفت حوله للحظة… لكن فجأة وقعت عيناه على دولاب الملابس المفتوح… وفارغ. فنهض بفزع وكأن قلبه سقط من مكانه مرددًا: "سحابة…؟!
نادى أسد باسمها وهو ينهض مسرعًا يفتح باب الحمام، يفتش في أرجاء الغرفة، وينظر إلى السرير وإلى الأرض… حتى وقعت عيناه على ظرف أبيض صغير موضوع على الطاولة بجوار السرير. فاقترب منه ببطء كأن جسده يرفض أن يعرف ما بالداخل، لكن قلبه يعرف… وفتح الظرف وهو يقرأ مرددًا:
"يا أسد… لو وصلت للورقة دي يبجى أنا خلاص مشيت… سيبت الصعيد وسيبتك للأبد… أنا مكسورة يا أسد… ومفيش كسر بيرجع يتصلح زي الأول… خسرت ابني… خسرت قلبي… وخسرت كرامتي وكل ده بسبب حبي فيك وبسبب أنانيتك وأنا مش هخسر نفسي كمان. طلقني علشان في كل الحالات أنا مش راجعة. الحاجات اللي انت كتبتها باسمي كلها موجودة في البيت… مش هاخد منك حاجة ولا حتى حقي… لأن الوجع اللي في قلبي أكبر من أي حاجة تانية… خلاص… قصتنا انتهت يا أسد…. سحابة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!