كانت تقف سحابة في مكانها كأن الزمن جمد لحظة نزول ذلك الشاب من السيارة السوداء الفاخرة. عيناه الحادتان ووقفته المتحدية وملامحه التي تحمل شيئًا من أسد. كان يشبهه في كل شيء، لكن فيه غربة لم تألفها. فهي تعرفه جيدًا، هذا فهد ابن عم أسد. اقترب منها بخطوات واثقة وقال بصوت هادئ ساخر: "سحابة... مش كفاية كده. ينفع برضه اللي بتعمليه ده؟ مفيش واحدة تسيب بيت جوزها في نص الليالي بالطريقة دي. ارجعي معانا...
ابنك محتاجك وأنتي مش هتعرفي تمشي خطوة لوحدك." نظرت إليه سحابة بعناد ورددت بحدة: "مش هرجع... مش هرجع غير بإرادتي... ومش هسيب نفسي لعبة في إيدكم. خلاص أنا مش عايزاكم... مش عايزة أبقى معاكم نهائي. سيبوني في حالي بقى حرام عليكم." تنهد فهد ببرود ثم التفت للحرس وأشار على الطفل وتحدث بلهجة حازمة: "خدوه وحطوه في العربية يلا دلوقتي وبراحة عليه." انفجرت سحابة بصراخ ورددت: "لأ... ابني...
سيبوه سيب ابني يا فهد اتجى الله. حرام عليك ليه كده... أنا عايزة ابني." حاولت سحابة الاندفاع نحوهم، لكن فهد وقف في وجهها ومد يده ليوقفها ثم قال بجفاء: "ابنك في بيته... معزز مكرم عايزاه؟ تجيله هناك. لكن إنك تاخديه وتبهدليه كده في الشوارع مش هيحصل. أنا وأبوه بقى لنا سنين وسنين متمرمطين في بلاد بره عشان كل اللي هنا يعيشوا كويسين، مش عشان تاخدي الولد وتبهدليه بعد كل ده."
ألقى فهد كلماته بحزن. وكان الطفل قد بدأ في البكاء يناديها بصوت باكي. فصرخت بكل ما فيها من ألم واندفعت تحاول الوصول إليه، لكن فهد وقف في وجهها ومد يده يمنعها. وقال بنبرة حاسمة: "بس... خلصنا. تعاليله هناك لو عايزة تشوفيه." ألقى فهد كلماته وذهب وترك سحابة التي تجمدت الكلمات في حلقها وارتجفت شفتاها. بينما دموعها سالت رغماً عنها ولم تحملها قدماها أكثر من ذلك، فجلست على الأرض تبكي بحرقة.
وبعد فترة، في إحدى زوايا القصر، كان الليل قد أسدل ستائره. لكن صوت البكاء الصغير ظل يخترق السكون. كان فارس يجلس على طرف السرير يحتضن دميته بشدة ودموعه تتساقط على خديه. بينما جدته تحاول تهدئته بحنانها المعتاد. لكن قلب الصغير كان ثائراً لا يهدأ. فدفع باب الغرفة بهدوء ودخل أسد يتبعه جهاد. وعلى الفور ارتفع بكاء فارس كأنما اشتعلت النار بداخله وصرخ بعينين غاضبتين: "برا... مش عايزكم... أنا بكرهكم... أنتوا السبب... أنتي!
وأشار بإصبعه الصغير نحو جهاد مرددًا: "إنتي خطفتي بابا من ماما... إنتي السبب في كل حاجة وحشة. أنا مش بحبك وبكرهك." شهقت جهاد وتراجعت للوراء كأن الطفل سدد لها طعنة في القلب. أما أسد فتجمد مكانه للحظة ثم تنهد وقال بصوت هادئ: "كلكم سيبوني معاه شوية بعد إذنكم." نظرت له زينب بحزن، لكن أطاعته وخرجت معهم ببطء تاركين الغرفة لهما. فاقترب أسد من السرير وجلس على الأرض مقابله. رفع عينيه نحو الصغير المشتعل غضباً وردد:
"أنا عارف إنك زعلان... وأنا كمان زعلان من كل اللي بيحصل. بس أنا هرجعهالك والله العظيم وهخليها تعيش معاك هنا ومفيش حاجة في الدنيا هتمنعني إني أرجعلك أمك... ده وعد مني ليك يا فارس. بس اهدي بقى وبطل عياط ونام عشان أنت كده هتتعب. وأنا وعد هرجعلك سحابة لحد هنا." ارتعش قلب الطفل وهدأ أنينه شيئًا فشيئًا حتى سقط برأسه الصغير على الوسادة، يهمس: "أنا عايز ماما دلوقتي... عايزها دلوقتي حالا." أسد وهو يمرر يده على شعره: "حاضر...
قريب قوي يا بطل. بس ارتاح دلوقتي، عشان لما ماما تيجي تلاقيك قوي كده ومستنيها." أغمض فارس عينيه والدموع لا تزال تبلل رموشه. ثم انساب في النوم ببطء. بينما أسد جلس إلى جواره يراقب أنفاسه الصغيرة تهدأ. وعيناه تتوعدان العالم أن يعيد له حضن أمه مهما كلفه الأمر. وبعد فترة، فتح أسد الباب بهدوء. فرأى جهاد تجلس على طرف الفراش ووجهها مدفون بين كفيها ودموعها تسيل في صمت. فتقدم منها خطوة، ثم ناداها بصوت خافت: "جهاد...
مالك كده في إيه عاد؟ رفعت جهاد رأسها بسرعة وقد احمر وجهها من البكاء. وحاولت مسح دموعها المرتبكة ثم تمتمت بصوت مختنق: "أنا آسفة يا أسد... والله مكنتش عايزة أوصل الولد للحالة دي... هو بيكرهني... وأنا مش عايزة أعيش مرفوضة في بيت واحد معاه. لو حابب نطلق وأسافر... أنا موافقة والله بس مش عايزة أعمل مسافة بينك وبين ابنك وأم ابنك." اقترب أسد منها أكثر حتى جلس إلى جوارها وقال بنبرة حاسمة:
"أوعي تجيبي سيرة الطلاق مرة تانية. فارس صغير وزعلان... ومصيره هيحن. أنا بحبك ومش هسيبك. وعارف إنك قلبك طيب و أكيد ابني هيحبك مع الوقت." نظرت إليه جهاد بعينين غارقتين في الندم والخوف وتمتمت بصوت مكسور: "بس أنا تعبت يا أسد... أنا مش قد كل ده والله." أمسك أسد بيديها برفق وهمس: "وأنا جنبك... هنعدي كل ده مع بعض. بس بطلي عياط بقى واهدي شوية."
ألقى أسد كلماته، ثم اقترب منها أكثر حتى صار وجهه قريبًا من وجهها ومسح دموعها بإبهامه برقة. ثم طبع قبلة هادئة على شفتيها. وبعد دقائق معدودة، انفتح باب البيت بعنف وظهرت سحابة وهي تترنح داخله. كانت ثيابها ممزقة والدم ينزف من رأسها وعيناها تشتعلان كالنار. حتى دوى صوتها في أرجاء البيت مرددة بصراخ: "أسد... أنت فين... أنا عايزة ابني... هو ابني فين؟ أنا عايزة ابني دلوقتي حالا."
هبط أسد من أعلى السلالم عاري الصدر تتطاير شرارات الغضب من عينيه. ووقف أمامها بثبات وصوته خالي من الرحمة وهتف: "ابنك؟! ده ابني أنا... امشي لوحدك بس الولد مش هيمشي معاكي." تقدمت نحوه ودموعها تغمر وجهها وصرخت بحرقة: "ابنك؟! ده أنت مكنتش تعرف عنه أي حاجة! أنا كنت ليه الأم والأب... كنت حضنه وسنده. جاي دلوقتي تفتكر إنه ابنك... مش همشي من هنا غير وهو معايا." أجابها أسد ببرود قاتل: "مش هتاخديه....
عايزة تقعدي معاه اقعدي واتقبلي اللي حصل. مش عاجبك؟ الباب مفتوح. امشي لوحدك." نظرت سحابة حولها بجنون ويداها تبحثان عن شيء. حتى أمسكت بسكين من على الطاولة ورفعتها أمام صدره: "يا تجيب ابني... يا هقتلك دلوقتي حالا." ضحك أسد ضحكة فارغة من الإحساس وردد بسخرية: "اعملي اللي يريحك... اقتليني." اهتزت نظراتها ثم همست والدموع تسيل على وجنتيها: "أنا خصيمك عند ربنا يوم القيامة... حسبي الله ونعم الوكيل فيك."
وفجأة، في لحظةٍ خاطفة، مزقت سحابة شرايين معصمها أمامه. ليسقط السكين من يدها وتتهاوى على الأرض. تسمرت قدما أسد ثم صرخ بقوة وصوته يهز الجدران مردفًا: "سحـــابه." اقترب أسد منها بسرعة وهو يلهث من الصدمة. ركع إلى جوارها وحمل جسدها النازف بين ذراعيه وهو يهتف بجنون: "حد يجيب الحكيم بسرعة... يلا بسرعة اتصلوا بالحكيم."
ارتفعت الأصوات في القصر وركض الجميع. بينما الدم ينزف من معصم سحابة كأن حياتها تتسرب بين يديه. ووجهها الأبيض ازداد شحوبًا وعيناها تفيض بالرعب. فظل يحتضنها ويضغط على الجرح بيده المرتجفة. حتى دخل الطبيب على عجل، وبدأ بفحصها وعالج النزيف وسط صمت مشحون. مرت الدقائق كأنها دهر. وحين انتهى الطبيب مسح جبينه وقال بصوت حازم: "حالتها مش مستقرة...
النزيف كان شديد، ولازم تهتموا بيها كويس الفترة الجاية. الضغط النفسي ممكن يخليها تنهار تاني." أومأ أسد برأسه وهو لا يزال ينظر إليها بحزن. لكن قبل أن يتحدث، دوى صوت زينب بغضب عارم وهي تقترب منه وفهد مرددة: "انتوا السبب... انت وهو... انتوا الاتنين السبب في كل المصايب دي. مبسوطين كده باللي بيحصل... رجعتوا ورجعتوا معاكم الخراب للبيت." أشارت لهم بأصبعها وقد غطت الدموع عينيها ثم صرخت بوجه أسد: "وأنت بتقول ابنك؟!
إنت شفت الولد إمتى.... دي ضحت بحياتها عشانه وانتوا كلكم كنتم فين.. كنت فين يا ابن بطني... في بلاد بره بتجمع فلوس.. مين جالك إننا عايزين فلوس لو هتجيب معاها الخراب ده." ثم التفتت إلى فهد وصفعته بكلماتها: "وانت يا فهد... قلبك فين؟ دي أم... تاخدوا منها ابنها كأنها حرامية... ده أنا كنت بقول دايما إن مفيش أطيب من جلبك. إيه اللي حصل يا ابني... الغربة قست قلوبكم كده ليه عاد مبقاش عندكم لا رحمة ولا قلب." ثم زفرت
بحرارة وهي تشير لهم بيدها: "امشوا من وشي... مش عايزة أشوف وش حد منكم قدامي دلوقتي... امشوا يلا." نظر فهد إلى الأرض. بينما أسد وقف متصلبًا لا يعرف إن كان يستحق البقاء أم الرحيل. ثم تحركا ببطء خارج الغرفة تحت صراخها ودموعها ليتركا الباب خلفهما مغلقًا. أما زينب فعادت إلى سحابة وجلست على الأرض بجوارها تمسك يدها بحنان وهي تهمس ببكاء: "معلش يا بنتي... أنا معاكي... والله معاكي ومش هسيبك تاني أبدا."
في صباح اليوم التالي، خرج فهد من غرفته وهو عابس الملامح. رأسه مثقل بالأفكار والأحداث. وبينما كان يهم بالنزول، لمحها من بعيد. كانت تسير بهدوء في الممر وشعرها الطويل منسدل على ظهرها وعيناها تحملان مزيجًا من العناد والوجع. فـ توقف للحظة يحدق بها. هي ملك ابنة عمه... وأخت أسد. لم يتمالك فهد نفسه واندفع نحوها. وقبل أن تنبس بكلمة، أمسك بذراعها وسحبها بعنف إلى غرفته. فرددت بعصبية: "فهد.... سيبني! إنت بتعمل إيه عاد."
لكنه لم يستجب وأغلق الباب خلفه بعنف واستدار يواجهها وصوته مخنوق بالغضب وهتف: "ليه.... ليه بتعامليني كده من وقت ما رجعت من السفر... ليه بتتجنبيني.... بتعملي كأني غريب." ابتعدت عنه وهي ترفع ذقنها بكبرياء ونظرت إليه بقلب ينزف، لكنها أخفته خلف جمودها مرددة: "عايز مني إيه يا فهد... بعد تسع سنين... تسع سنين استنيتك... وفضلت أحبك... وانت؟ اخترت الفلوس! اخترتها.. وخسرتني." حاول الاقتراب منها لكنها صدته فقال: "أنا بحبك...
والله العظيم لسه بحبك وعمري ما حبيت واحدة غيرك." صرخت ملك بحدة وهتفت: "الحب مش لعبة يا فهد.. مش على مزاجك.. الكون مش تحت أمرك تيجي تحب لما تفضى؟ لأ أنا خلاص مش عايزاك... وهتجوز واحد تاني... واحد يستاهلني." اشعلت النار في عينيه وانقض على يدها يمسكها بعنف وصوته خرج غاضبا: "مستحيل... مستحيل اسمح لحد يقربلك... غيري." انتفضت ملك بعصبية وسحبت يدها من قبضته وهي تصرخ: "انت اتأخرت! وأنا مش لعبة في إيدك...
هتجوز واحد غيرك قدام عيونك واللي عندك اعمله بقى." ألقت ملك كلماتها ثم فتحت الباب بعنف وخرجت تاركة خلفها قلبا محطما.
وفي صباح يوم جديد، دخل أسد الغرفة بهدوء. كانت سحابة مستلقية على الفراش شاحبة الوجه، تغرق في نوم ثقيل لا يخلو من الألم. فاقترب منها ببطء وجلس على طرف الفراش يتأمل ملامحها المتعبة. ثم مد يده ببطء ولمس وجهها بحنان وكأنه يعتذر بصمت. بعدها نزلت عيناه نحو يدها المصابة فمرر أنامله عليها بلطف يتأمل الجرح بمرارة. حتى تنهدت سحابة بضعف ثم فتحت عينيها فجأة. وحين وقعت عيناها عليه شهقت بفزع: "ابعد عني... ابعد.. عايز مني إيه عاد."
مد أسد يده ليهدئها وردد: "اهدي يا سحابة... فارس في أوضته ومش عايزة أشوفك كده." ازدادت نظراتها حذرا وخوفا ورددت: "انت مالكش صالح بيا... طلقني وخلاص." ظهرت على وجهه علامات الحزن الحقيقي ثم تنهد قائلًا: "مش عايز أطلقك... إحنا نقدر نحل بينا بهدوء.... أنا عارف إني غلطت... بعترف قدامك أهه مش بنكر.. أنا فعلا ظلمتك كتير قوي." نظرت إليه سحابة بعينين دامعتين، لكنه أكمل: "أنا مستعد أوافق على أي شرط تقولي عليه...
هديكي كل اللي نفسك فيه، بس افضلي هنا... متسيبيش فارس هو محتاجك." قالت سحابة بجفاء: "مش عايزة حاجة... ولا هعيش في بيتك.. أنا كل اللي عايزاه ابني وبس." رفع أسد حاجبيه وأسرع في الكلام مردفًا: "خلاص هكتبلك البيت ده باسمك يبقى بيتك إنتي مش بيتي وإحنا اللي عايشين فيه معاكي.. بس وافقي بلاش تسيبي فارس لوحده.. عشان أنا كمان مش ناوي أخليه يبعد عني." نظرت سحابة إليه مطولًا وقلبها يضج بصراعات لا تهدأ. وكانت على وشك أن ترد...
لكن الباب انفتح فجأة. دخلت ريم بخطوات واثقة. وبمجرد أن وقع نظرها على أسد، ركضت نحوه واحتضنته قائلة بلهفة: "ينفع كده؟ ترجع من السفر من غير ما تيجي تسلم على مراتك؟ تجمدت سحابة في مكانها ونظراتها بين الاثنين وقلبها يهوى في قاع الخيبة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!