استندت مُهرة على الحائط بفستانها المُلطخ بالدماء، وكذلك يديها ووجهها شاحب شحوب الموتى. أن تتخيل أن يموت حبيبها وأن تعيش بدونه، فقط قتلها وهي حية. دموعها تهبط على وجنتيها وهي في عالم آخر، لا تتحرك ولا تتنفس. ما مرت به صعب على شخص واحد، ويوم لاقت الأمان فقدته مرة أخرى. لن تتحمل فقدان الشخص الذي كان لها كل شيء حقًا.
بينما على الجانب الآخر، يقف فاروق يضع رأسه بين يديه ودموعه تهبط، ولم يستطع إمساك نفسه إطلاقًا. زوجته ورفيقة دربه على وشك الموت. خرج الطبيب الذي يُجري عملية ثريا ليركض باتجاهه فاروق وعطر وعهد. قال فاروق بلهفة: "مراتي يادكتور، مراتي عاملة إيه؟ علشان خاطري قولي." رد الطبيب: "اهدوا حضرتك، مراتكم الحمد لله جت سليمة، ودلوقتي هي كويسة بس نايمة من البنج شوية وهتفوق وتطمئنوا عليها، متقلقوش." قالت مُهرة بألم شديد: "وحسن...
ح... حسن فين؟ قال الطبيب: "حضرتك أول ما الدكتور اللي بيعمله العملية يخرج هتعرفي كل حاجة. عن إذنكم." تركهم الطبيب وخرج، لتعود مُهرة لصمتها وخوفها، في حين ظل فاروق يحمد ربه بفرحة وسعادة على أن زوجته وحبيبته عايشة. *** دلف باسل برفقة أخيه ياسين قسم الشرطة بعدما أمسكوا برجلين وهرب الباقي منهم. أخذهم العساكر وجلسوا هم مع مدير الأمن الذي قال لهم بهدوء:
"متقلقوش، هفتح محضر دلوقتي وهحقق معاهم وهنعرف بالظبط مين وراء الموضوع ده. بس انتوا شاكين في حد معين؟ قال ياسين: "ممكن يكونوا من الشغل، معرفش والله، عقلي مش مجمع إطلاقًا للأسف. بس إزاي ييجوا ورانا في الرحلة؟ مش فاهم فعلًا." قال باسل: "أنا شاكك في فرغلي ابن عمي، احتمال كبير يكون هو وراء كل ده وبمساعدة العقربة الحرباية أخته." قال ياسين: "اهدوا يا باسل، إن بعد الظن إثم، منعرفش الحقيقة فين."
طلب مدير الأمن الرجال اللي أمسكهم باسل وياسين ليدخلوا عليهم في فوضى، وبدأ المدير في الحديث معهم واستجوابهم وهم ينكرون الموضوع من أصله. ولكن نهض ياسين يقف أمامهم بصرامة قائلاً: "قولوا الحقيقة أحسن لكم لو خايفين على نفسكم، وأنا هنزل العقوبة لكم بس تقولوا مين خلاكم تعملوا كده." نطق أحدهم بخوف: "والله كنت عبد المأمور، أنا عندي عيال بجري عليهم، كان غصب عني يا بيه." قال ياسين: "ماشي، انطق بقى مين وزّكوا تعملوا كده؟
واشمعنى تيجوا لينا بلد غير بلدنا؟ وفوق كل ده ثريا وحسن بس اللي يتصابوا؟ قال الرجل: "صدقني يابيه معرفش والله ما أعرفهم. كل اللي أعرفه إنه راجل كبير ومعاه واحدة ست، وكمان جم اتفقوا معانا بس كانوا مخبيين وشهم ومش من هنا. دول من أسيوط كمان." نهض باسل بسرعة ولهفة قائلاً: "جالك كلامي؟ قولت لك هو العقربة الحية وأخوها. استنى كده." أخرج صورة لفرغلي ووفاء ثم قربها من أعين الرجل قائلاً: "فيهم شبه من دول؟ بعد
قليل من التدقيق قال الآخر: "أيوا هما بالظبط نفس الطول والجسم والهيئة." قال ياسين بصدمة: "ولاد عمي! يعملوا فينا كده، أومال الغريب يعمل فينا إيه لما القريب عمل كده؟ قال باسل: "أحيانًا الطعنة بتيجي من الغريب قبل القريب. لازم نتصرف ونحول الموضوع لشرطة بلدنا." قال ياسين: "إحنا لازم نرجع يا باسل أنا وانت على الأقل... وبعدين نرجع ليهم تاني." قال باسل: "هنسيبهم في الأزمة دي؟ قال ياسين: "كلها ساعات بالعربية، يلا بينا." ***
جلس فاروق بجانب ثريا بصمت ودموع ينظر لها. لن يتحمل فقدانها إطلاقًا. قيمة الشخص لا نعرفها إلا عندما نشعر بفقدانه. فتحت عينيها بألم شديد قائلة بصوت ضعيف: "ف... فاروق... نطق بلهفة: "عيون فاروق وقلبه، أنا هنا يا حبيبتي أنا هنا، فوقي يا قلبي فوقي." قالت بإبتسامة: "انت كويس؟ قال: "كويس لما شوفتك صحيتي، حاسة بإيه؟ قالت: "كويسة طول ما انت كويس." قبل يديها بحب وسعادة ثم قال بدموع: "كنت بموت من غيرك، فاهمة يعني إيه بموت؟ قالت:
"بعد الشر عليك." نهض برفق يضع وسادة خلف ظهرها كي تستطيع الجلوس بطريقة صحيحة. دلفت إليها عطر وعهد ومعهم يونس وميرا، الذي ركض إلى أمه يحتضنها ويبكي بحب قائلاً: "حمد الله على سلامتك يا أمي." ابتسمت ثريا براحة وهي تحمد ربها للمرة الثانية. اختبار من الله يبعدها عن العائلة ولكن يرجعها لهم لتعرف قيمتهم ويعرفوا قيمتها. ولم يخلُ الحديث من الضحك والهزار كي تتحسن حالتها قليلاً. ***
بينما في الخارج، ظلت مُهرة على حالها واقفة فيما يقارب الأربع ساعات لم تتحرك ولا تشتكي. حتى خرج الطبيب بتعب وألم لتركض إليه قائلة بلهفة: "حسن حسن عامل إيه؟ دكتور طمني عليه." كسى الدكتور وجهه أرضاً قائلاً بقهر: "أستاذ حسن حالته صعبة جداً، نزف دم كتير أوي. الأربعة وعشرين ساعة اللي جايين في حياته مهمين جداً، ادعي ربنا يعديها على خير." قالت مُهرة: "أنا... أنا عايزة أشوفه، أرجوك علشان خاطري لازم أشوفه، مش هطول والله."
قال الطبيب: "اتعقمي وادخليله." ركضت لتتعقم ثم دلفت إليه وهي ترتدي ملابس كالطبيب. اقترب منها وهي تكتم شهقاتها ودموعها. جلست بجانبه وهي تبكي برعشة وخوف قائلة: "ح... حسن... فوق يا حسن... قوم واتكلم وزعق فيا زي الأول، اتحكم فيا بقوتك وجبروتك، بص لي وكلمني... قول لي توبة أحبك... ارجع علشان خاطري وأنا كمان هرجع لك. مش هسيبك، مش هسمح لحاجة تفرقنا مرة تانية، مش هسمح نهائي يا حسن."
ظلت تبكي وهي تتأمله، ليعلن جهاز القلب صوتًا معلنًا توقف القلب نهائيًا. صرخت بأعلى ما فيها: "حسسسسسن... *** ظل فرغلي قلق ومعه وفاء التي قالت بغضب: "هو محدش اتصل بيك ليه؟ عايزة أعرف حصل إيه، ماتوا وخلصنا منهم ولا لأ، الله!! قال فرغلي: "مش عارف، ما اتصلوش. داهية يكون حسن كشفهم وعرف يسيطر على الوضع." قالت وفاء: "ربنا يستر يا رب." رن الهاتف ليركض إليه يجيب قائلاً بلهفة: "أيوا، عملت إيه؟ جاء الصوت:
"كله تمام، حسن وثريا اتصابوا وزمانهم ماتوا... بس انت لازم تختفي عن الأنظار شوية لأن فيه رجالة مننا اتفقوا، هما ما يعرفوش انت مين بس برضه للأمان." قال فرغلي: "خلاص ماشي، ولو حصل حاجة تانية كلمني." أغلق الهاتف ثم قال لوفاء براحة: "خلاص يا وفاء متخافيش، كله بقى تمام الحمد لله، اتصابوا وزمانهم ماتوا وخلاص. قومي خلينا نخرج علشان نبقى في العزبة ومفيش أي حاجة علينا." قالت وفاء: "يلا."
نهضوا برفق ثم جاءوا ليخرجوا اصطدموا برجال الشرطة وياسين وباسل. نطق باسل لوفاء بغضب: "على فين يا حرباية؟ على الصحراء المكان اللي انتي منه؟ توترت وفاء بقلق ونظرت إلى فرغلي الذي قال بارتباك: "جرى إيه فيه إيه مالكم يا ولاد عمي؟ إيه جابكم من السفر؟ قال ياسين بتنهيدة: "صحيح مكوناش قريبين من بعض بس زعلت إن حد منا عمل كده. وده عقابكم يا ولاد عمي." أخذتهم الشرطة تحت صراخهم وحديثهم الذي لا ينتهي. فقال باسل بتنهيدة:
"أدينا خلصنا منهم، يلا نرجع بقى، مش هينفع نسيبهم أكتر من كده." قال ياسين: "يلا يا باسل." *** في الأوتيل، قال يونس بحيرة لعمران: "هما العيال مجوش لحد دلوقتي ليه؟ قال عمران: "والله يا حاج مش عارف، مش معقول ده كله سهر برا، ده أنا عمال برن عليهم مفيش أي رد." قالت فتحية بقلق: "أنا خايفة وقلبي واكلني عليهم، داهية ميكونش فيه مصيبة أو حاجة حصلت لهم. استرها يارب." قال عمران:
"متقلقيش يا أم فاروق، هحاول أرن على عطر بنتي تاني يمكن ترد أو عهد أو حتى مُهرة." بالفعل اتصل بعهد التي أجابت عليه فقال لها: "انتوا فين يا بنتي؟ روت له عهد كل شيء لينفزع الجميع وذهبوا إلى المستشفى. *** قام الأطباء بإنعاش قلب حسن مرة أخرى بالجهاز حتى عاد بنبض ولكن بضعف. ليخرج بعدها الأطباء ثم قال الطبيب ل مُهرة: "لو سمحتي اخرجي، مش هينفع تفضلي هنا."
خرجت وهي تبكي بقهر ثم استندت على زجاج غرفته وهي تنظر له بخوف وتوتر وتبكي. الفكرة تكمن في أننا نعيش نكابر ونبعد ونعاند ولا نلاحظ أن هذا الشخص غدًا ربما لا يكون معك، حينها ستندم على الوقت الذي أضعته في عدم قضاء الوقت معه. يجب أن نترك الخلافات ونستمتع بقرب بعض، فلن نعيش إلا مرة واحدة ولن نراهم إذا رحلوا. مهما تعذبنا وبكينا لن يرجع هذا الشخص! لذلك استغل فرصتك في قضاء وقتك مع من تحب، ربما يرحل غدًا أو أنت الذي ترحل. ***
مر يومان، أصعب يومان على العائلة كلها، خصوصًا بسبب حسن الذي ما زال في غيبوبة لم يفق منها لأن الطلقة كانت قريبة من القلب بقوة شديدة. ماهي إلا قليل وكانت ستضر به. ولكن تعافت ثريا بطريقة جيدة وهذا الشيء الجيد الذي هون على الجميع. في تمام الساعة السادسة، كانت مُهرة نائمة بجانب حسن من الإرهاق. ليفيق هو حينها ببطء وينظر حوله حتى رأى تلك الصغيرة. ليبتسم برفق ثم قرب يديه من رأسها يُملس عليها برفق وحنان قائلاً بصوت دافئ جدًا:
"مُهرتيَ... فتحت عينيها بصدمة ألجمتها، ثم التفتت له لتصطدم بأنه فاق. قالت بدهشة: "ح... حسن! انت انت فقت.. انت انت عايش.." ركضت إليه تحتضنه ليصرخ من الألم قائلاً بكوميديا: "أنا هموت تاني أحسن." ابتعدت عنه وهي تبكي قائلة بأسف: "أنا آسفة آسفة مش هعمل كده تاني بس بس فرحانة انت عايش مموتش." قال حسن: "مموتش أنا، أيوا مموتش." قالت مُهرة بغضب: "انت بتهزر وتضحك وأنا هنا بعيط عشانك وهموت بسببك! جذب يديها لتقترب منه قائلاً بحب:
"طلعتي ميتة في دباديبى بقا... نظرت لأسفل بخجل ثم قالت بدموع: "أنا كنت حاسة إني يتيمة ووحيدة وانت مش هنا، كنت هموت لمجرد التخيل بإنك ممكن تسيبني وترحل." قال حسن: "أنا يستحيل أسيبك يا مُهرة، يستحيل." أمسك يديها يُقرّبها من شفتيه يُقبّلهما بعشق. ليدق الباب فتبتعد عنه فورًا وتدلف فتحية لتصطدم بأن ابنها فاق. "حسن يا ابني حسن... حسن فاق!
صرخت تنادي للجميع الذي دلفوا غرفة حسن وانقلب تعاسة الجميع إلى سعادة وفرحة شديدة. وظل الجميع بجانبه في فرحة ولم تخلُ الأحاديث من الضحك والسعادة. قال الحاج يونس بهدوء: "أنا شايف كفاية غربة يا ولاد ونرجع بلدنا بقى." نطق عمران بهدوء: "أنا شايف كده برضه، خصوصًا إني فيه عريس عايز يقابلني علشان خاطر بنتي." نطق باسل وحسن الاثنين معًا بصرامة: "بنتك مين..؟! قال عمران: "بنتي مُهرة." قال حسن وقد أظلمت عيناه بنار الغيرة: "مُهرة!
مُهرة متجوزة يا عمي. متجوزاني أنا. صحيح انفصلنا بس أنا هرجع ليها." قال عمران: "أنا آسف يا حسن يا ابني بس كفاية اللي حصل بينك وبين بنتي لحد كده، هشوف لها حد بيحبها ويقدرها ويفهمها." كاد حسن أن يتكلم بغضب ولكن جذب عمران يد بنته مُهرة التي غابت عن الواقع وأخذها للخارج. فقال حسن بغضب: "هو اتجنن إزاي يعمل كده؟ أنا هقلب الدنيا، مُهرة ليا مش لحد تاني." نطق يونس بهدوء:
"اهدوا يا حسن يا ابني لحد ما نرجع للبيت ويحلها ربنا من عنده إن شاء الله." *** تعافى حسن وخرج من المستشفى وعادوا جميعاً إلى أسيوط مرة أخرى تحت صرامة وإصرار عمران على زواج مُهرة من آخر وهي ترفض وحسن يرفض ولا تنتهي الخلافات إطلاقًا بينهم. بعد راحة طوال اليوم، في المساء، خرج حسن إلى أبيه يونس قائلاً بضيق: "أنا رايح لعم عمران لازم أحط النقط على الحروف، مش هينفع كده." قال يونس: "يا حسن يا ابني اهدي مش كده." قال حسن:
"أهدي إزاي وهما هيجوزوا مراتي لحد تاني؟ يستحيل أهدي! خرج بغضب شديد من المنزل والجميع يضحك عليه وعلى غيرته القوية والشديدة. في حين في منزل عمران جلست مُهرة مع والدها في الصالون قائلة بعصبية: "يابابا انت ليه بتجبرني على حاجة مش عايزها؟ قال عمران: "أنا جبرتك على حسن ووافقتي عليه، اشمعنى دا؟ قالت مُهرة: "علشان دلوقتي بحب حسن ومش عايزة غيره خالص." قال عمران: "اطلقتي منه ليه طالما عايزاه؟ قالت مُهرة: "ي بابا سوء تفاهم...
و... قال عمران: "شش، اقفلي على الكلام ده، أنا قررت وخلاص." وقف حسن عند باب الصالون وهو يشاهد حديثهم بنار تغلي في قلبه. فقال عمران وهو يشير خلف مُهرة: "هتتجوزي الشاب ده يعني هتتجوزي الشاب ده." نظرت خلفها بلهفة لتري حسن يقف. فنظر حسن خلفه ولم يرى أحد. نظر للأمام مرة أخرى وتفهم الأمر أنه يقصد عليه. ضحك بشدة وسعادة لتضحك هي الأخرى بعدم تصديق. في حين جاءت العائلة كلها وخرج الجميع. فقال عمران وهو يضحك:
"كل حاجة كانت خطة مننا نرجعكم لبعض ونخليكم تحسوا بقيمة بعض وأد إيه انتوا بتحبوا بعض. وحكاية ضرب حسن بالنار جت بفائدة. يا ولاد الحب مش بنلاقيه في الشارع، ده حاجة قيمة واللي محظوظ بس هيلاقيه. اعرفوا قيمة بعض شوية وحلوا مشاكلكم من غير عصبية وخناق." "اسمع وافهم يا حسن الأول وبعدين احكم. وانتِ يا مُهرة مش كل حاجة طلاق طلاق يا بنتي، لازم تبقي راسية، لأن الطلاق مش بالساهل." قال حسن بهدوء:
"عندك حق يا عمي، اديني اتعلمت وفهمت إني ماليش غير مُهرة." قبل يديها بحب وابتسمت هي بخجل. فقال يونس بهدوء: "يبقى بكرة نكتب كتب الكتاب ليكم سوا. ومع كتب الكتاب بقترح حاجة تانية، كانت طلبتها منك أنا وباسل يا عمران." قال عمران وهو يضحك: "أنا عن نفسي موافق، المهم رأي عهد." نظرت لهم عهد بحرج وقالت بارتباك: "احم، اللي تشوفه يا بابا." قال عمران:
"يبقى على بركة الله بكرة خطوبة باسل وعهد وكتب كتاب حسن ومُهرة. للمرة التانية بس المرة دي الصح." ابتسم الجميع في سعادة وراحة. ونظرت عهد إلى باسل الذي غمز لها بعشق فابتسمت هي بسعادة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!