في إحدى القرى الريفية الموجودة بمحافظة الشرقية، وخاصة في منزل عريق كعراقة العائلة المقيمة به عائلة الشرقاوي، ومن لم يسمع عنهم؟
هؤلاء هم كبار رجال القرية. تذبح الذبائح وتعلق الأنوار المبهجة والجميع على قدم وساق، فاليوم عقد قران الابنة الوحيدة لحسن الشرقاوي كبير المجلس العرفي لمشيخة القرية، وشقيقه بدر الشرقاوي من كبار رجال الأعمال في محافظة الشرقية وولي العهد، حيث سيكون هو خليفة والده ويتحكم في زمام أمور العائلة من بعده كما فعل والده من بعد جده. *** في داخل المنزل نجد فتاة في مقتبل العمر (عشرون عاماً) ، ليلى سالم شاهين
(ذات العيون الزرقاء كزرقة البحر وبشرة بيضاء وملامح غربية وشعر أشقر وجسد رشيق، وقد ورثت هذا الجمال من أمها وجدتها حيث جمال محافظة المنصورة الخاص بهم)
. ترتدي فستاناً طويلاً يصل لكعوب قدميها وردي اللون ذو أكمام طويلة وتضع وشاحاً من نفس اللون فوق رأسها، وبرغم أنها ليست محجبة ومن طبيعتها أنها تترك شعرها حر طليق دائماً أثناء وجودها في القاهرة والتي هي مقر إقامتها منذ قرابة الثلاث سنوات بسبب دراستها في جامعة القاهرة كلية اقتصاد وعلوم سياسية. وتعيش مع شقيقها حيث يعمل هو هناك في شركة قام بإنشائها من وقت قريب خاصة باستيراد وتوزيع الأدوية، وهذا لأنه تخرج منذ عامين من كلية صيدلة.
نعود لليلى التي بمجرد أن تعود لقريتها بالعطلات الرسمية تضع ذلك الوشاح احتراماً لعادات القرية. تجلس بجوار سيدة الدار زوجة الحاج حسن الشرقاوي. أم بدر: أهلاً يا بنتي، منورة الدار كله. ليلى بابتسامة ودودة: الله يخليكي يا خالتي الحجة، دا نورك. أم بدر: تعيشي يا بنتي. ليلى: ممكن أشوف زينة عروسة أخويا؟ أصل الصراحة ما قدرتش أستنى لحد بالليل عشان أشوفها وقولت قبل ما أروح على بيتنا هشوفها الأول وأسلم عليها.
أم بدر: ما أمك قالت إنك معرفتيش تيجي معاهم وهما جايين يخطبوها بسبب الامتحانات والمذاكرة. ليلى: أيوه بس الحمد لله إن كتب الكتاب اتحدد بعد امتحاناتي عشان أقدر أحضر، دا يدوبك آخر امتحان ليا كان امبارح. أم بدر: ولازمته إيه البهدلة دي كلها ورايحة وجاية؟ وإيه آخرة الكلام ده؟ ما في الآخر هتتجوزي وتكوني زوجة وأم وست بيت. ليلى
بتفهم لعقليتها وتفكيرها: معاكي حق يا خالتي الحجة، أنا فعلاً هتجوز وأبقى ست بيت، لكن ده ما يمنعش إني أكون متعلمة ومعايا شهادة وأحقق طموحي في الحياة. أم بدر بتهكم: طموح إيه وكلام فاضي؟ إيه هو في أهم للبنت غير سترتها بالجواز؟ ليلى بإيجاز لنهاية ذلك الحوار: لا مافيش طبعاً أهم من الجواز... أومال أنا مش هشوف زينة ولا إيه؟ أنا لسه ماروحتش عندنا والعيلة كلها وحشاني يا خالتي الحجة. أم بدر: لا إزاي هتشوفيها طبعاً...
ورفعت صوتها منادية: يا رواشة... روااااشة. وأتت الخادمة رواشة على صوت سيدة الدار. رواشة: نعم يا حاجة. أم بدر: خدي الست ليلى، تشوفي الست زينة، العروسة عشان تسلم عليها. رواشة بطاعة: حاضر يا ست الحاجة، اتفضلي معايا يا ست ليلة. ***
وقفت أمام المرآة تتأمل وجهها والفرحة التي تعلو ملامحها الجميلة والبريئة، فهي بالـكاد وصلت للثامنة عشر من عمرها، ولكن من ينظر إليها يظن أنها لم تتجاوز الخامسة عشر بعد من عمرها. عيونها العسلية تشبه لون القهوة وشعرها الناعم الطويل يصل لخصرها.
اليوم سوف تصبح زوجة لرجل رأتـه مرة واحدة فقط أثناء خطبته، وبرغم ذلك وافقت عليه. يكفي أنه متعلم وذهب إلى القاهرة ومن ملامحه يبدو عليه الطيبة. أما هي فقد أنهت المرحلة الثانوية واكتفت بذلك كباقي فتيات العائلة. وقفت أمام المرآة محدثة نفسها بسعادة طاغية: معقولة، هكون متجوزة النهاردة وفرحي بعد أسبوعين كمان... يـااااااه. وظلت تدور حول نفسها إلى أن سمعت صوت طرقات على باب غرفتها. رواشة: ست زينة في ضيفة ليكي.
زينة: ادخلي يا خالة رواشة. دخلت ليلى بابتسامة: سلام عليكم على أجمل عروسة. زينة: وعليكم السلام، اتفضلي. ليلى بابتسامة: إيه يا زينة مش فكراني؟ زينة بابتسامة خجولة: لا افتكرتك، انتي ليلى، ليلى شاهين اللي كنتي معايا في نفس المدرسة. اقتربت منها ليلى وقامت باحتضانها، فهي سوف تكون زوجة شقيقها الكبير والصديق الصدوق لها. ليلى: كويس إنك افتكرتيني وعرفتيني.
زينة: ما أنا كنت في سنة أولى ثانوي وانتي كنتي في تالتة في المدرسة بس فكراكي برضو. ليلى بابتسامة وصدق: أيوه وأنا كمان فكراكي، لما اتكرمنا مع بعض وكنا الأوائل، انتي الأولى على صفك وأنا الأولى على صفي. تعرفي أنا مبسوطة أوي إن قمر زيك هتبقى مرات أخويا. زينة بخجل: شكراً تسلمي يارب. ليلى بمرح: شكراً إيه وكلام فاضي إيه، من دلوقتي إحنا أخوات وخصوصاً إنك زيي ماعندكيش أخوات بنات ولا عندك أعراض تكوني أختي.
زينة بلهفة: لا طبعاً، ماعنديش اعتراض، دا أنا أتمنى يبقى عندي أخت زيك. ليلى بحماس: حيث كده بقى أنا جايبالك معايا هدية يا رب تعجبك. زينة بخجل: وليه تتعبي نفسك بس؟ ليلى: مش إحنا اتفقنا إننا أخوات؟ يبقى خلاص مفيش تعب وبعدين دي حاجة بسيطة ويارب تبقى مناسبة للفستان اللي هتلبسيه بالليل. وقامت بفتح الحقيبة المعلقة على كتفها وأخرجت منها علبة تلك التي يضعوا بها المجوهرات وفتحتها وإذا بلمعان يخطف الأبصار.
ليلى: بصي يا ستي دول تاجـين، واحد ليكي وواحد ليا. عجبوني جداً، اشتريتهم وطبعاً لأني معرفش انتي لون فستانك إيه جبت معايا الاثنين. واللي تختاريـه ويكون مناسب ليكي أكتر ألبسيه. زينة بنظرات لامعة بالانبهار: الله... شكلهم حلو أوي والاتنين أجمل من بعض، والألماس اللي فيهم جميل جداً.
ليلى: فعلاً كأنه ألماس حقيقي. أنا كنت صراحة بدور على هدية حلوة أشتريها لك بمناسبة كتب الكتاب واعتذار عشان ماحضرتش الخطوبة. ولما شوفتهم عجبوني، واشتريت الاثنين الدهبي والفضي وقولت المناسب ليكي تختاريـه منهم، وحبيت إنك تشوفيهم قبل ما أروح البيت ومروان يشوفهم ويعرف انتي هتلبسي أنهي واحد فيهم. وعند ذكر مروان، خجلت وحمرة الخجل طغت على وجنتيها.
وبعد أن رأت ليلى الفستان، والذي كان لونه أحمر قاتم يقارب النبيتي وبه فصوص ذهبية. زينة بلهفة: إيه رأيك حلو؟ ليلى بابتسامة وحماس: أيوه طبعاً جميل زيك يا قمر، وافتكر كده التاج الدهبي هو المناسب، لكن برضو انتي وراحتك اللي يعجبك اختاريه. زينة بخجل: لا هو فعلاً جميل أوي ومناسب أكتر من الفضي. بس خايفة يكون هو اللي انتي عا... قاطعتها بذات الحماس: لأ ما تشغليش بالك بيا أنا عاملة حسابي كويس، المهم التاج يكون عجبك.
زينة: عجبني جداً وأحسن من اللي كنت هلبسه. *** في ردهة المنزل الواسعة حيث كانت تجلس منذ قليل ليلى مع أم بدر، كانت ما تزال أم بدر جالسة وانضمت إليها صفية شقيقتها وزوجة شقيق زوجها (سلفتها) صفية: مين دي يا أم بدر اللي كانت طالعة مع رواشة وأنا داخلة؟ أم بدر: دي ليلى بنت سالم شاهين أخت العريس اللي عايشة معاه في مصر وبتتعلم هناك. صفية بامتعاض: وإيه جابها هنا دلوقتي دي؟ ده إحنا لسه الساعة 10 الصبح.
أم بدر: ماهي لسه واصلة البلد من شوية وقالت عايزة تشوف زينة. صفية: ومتصبعة على إيه؟ ما هتشوفها بالليل؟ أم بدر: بيت الشرقاوي مفتوح للكل يا صفية وهي جت نقولها إيه جايبك. صفية: لأ بس أنا قصدي..... قاطعها صوت أجش: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أم بدر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا قلب أمك. صفية: إيه يا بدر؟ إنت مش خرجت مع عمك وأبوك من شوية عشان المجلس؟
بدر: خلص المجلس يا خالة وجيت آخد حاجة من فوق وأغير هدومي وخارج تاني. أم بدر باستغراب: خارج تاني ليه يا ابني؟ مش هتشوف التجهيزات بتاعة الليلة وتتابعها؟ بدر: هخلص كام حاجة ضرورية قبل بالليل يا أمي، أبويا كلفني بيهم، ومتقلقيش إن شاء الله كل حاجة بالليل هتكون تمام. أم بدر: تعيش وتفضل سند أبوك للعمر كله يا حبيبي. (تقدم من والدته وقبل جبينها وتركهما ليكملوا حديثهم وصعد هو إلى أعلى)
بدر: شاب قوي البنية عمره سبعة وعشرون عاماً هو الابن الأكبر لحسن الشرقاوي، تخرج من كلية التجارة، ملامحه شرقية ووسيم، يدير أعمال العائلة، وهو خليفة والده في كل شيء، حاد الطباع أحياناً، ولكن من صفاته الطيبة وحسن الأخلاق والكرم وله هيبة وسط الرجال وناجح في عمله وبار بوالديه. *** ليلى: طيب استأذن أنا وأسيبك تجهزي يا عروسة. زينة: طيب ليه خليكي معايا شوية.
ليلى: أنا بقولك لسه واصلة هنا دلوقتي وأول ما جيت زرتك ولسه ماشوفتش حد ولا يعرفوا إني وصلت وأكيد قلقانين دلوقتي. زينة بلهفة ورجاء: طيب ماتكلميهم بالتليفون وتعرفيهم إنك وصلتي وخليكي معايا شوية. ليلى: إن شاء الله وقت تاني نقعد مع بعض، الأيام جاية كتير وهنفضل مع بعض على طول، بس دلوقتي لازم أمشي عشان كمان أستريح شوية قبل بالليل. (وأكملت بحماس) دي الليلة فرحة مروان. مارو حبيبي قلبي. ***
خرجت ليلى من غرفة زينة وقد ارتسمت على ملامحها مشاعر السعادة والحماس للقاء العائلة ورؤية المنزل الذي قد غابت عنه هذه المرة مدة لا تقل عن شهرين بسبب الامتحانات والدراسة. اشتاقت لكل شيء، للعائلة والبيت وللحديقة ولأبيها وأمها، والاشتياق قاتل.
هي تكره فترة الامتحانات لذلك السبب، فهي بالعادة تزورهم كل أسبوعين وتعود مرة أخرى للدراسة، لكن بأيام الامتحانات تستغل الوقت بالدراسة وهم متفهمون لرغبتها في التفوق دائماً، وأبيها الحنون يفتخر بها دائماً. كم اشتاقت لنظرات الفخر بعينيه عندما يراها ولحنانـه عندما يلمس فوق رأسها، ولنظرات الاشتياق في عيون والدتها وحضنها الدافئ، وحتى شقيقها مروان، غاب عنها أسبوعين طوال، هي لا تستطع العيش بمفردها يومين كاملين وهو دائماً معها سواء بالقاهرة أو بالقرية...
هو الشقيق والصديق. سبقها مروان منذ أسبوعين لأجل خطوبته، صحيح أنه عاد إليها الأسبوع الماضي، ولكن عاد إلى هنا مرة أخرى بعد يومين فقط فقط وظلت هي بمفردها بالقاهرة. بين الكتب والمراجع. فاقـت من شرودها على وجود شاب أمامها يقف بآخر الممر يختبئ خلف الحائط ويحاول أن يرى من بالمنزل في الأسفل. من ملامحه وشكل بنيته يبدو في مثل عمرها أو أصغر.
وبتصرفه ذلك أيقظ بداخلها الروح المشاغبة. اقتربت منه بهدوء تام ووقفت خلفه ووضعت يديها فوق كتفه بقوة، جعلته ينتفض بشدة كمن ضُبط بالجرم المشهود. ليلى بضحك شديد: هههههههه ولما انت خواف كده بتتجسس بالطريقة دي ليه. نظر أحمد إليها وتطلع إلى جمالها الساحر: اوبااااااا إيه القمر ده. ليلى وهي تمد يدها بالسلام: لا مش قمر، أنا ليلى. أحمد وهو يبادلها السلام بمرح: عدم المؤاخذة ليلى مين؟
أنا أول مرة أشوف القمر ده في بلدنا كلها ولا في مصر كلها حتى. مدت يديها تحييه بابتسامة: ليلى سالم شاهين، أخت العريس. بادلها التحية بود ومرح: أحمد حسن الشرقاوي أخو العروسة، بس بجد أنا فعلاً أول مرة أشوفك، هما من جمالك ده كانوا مخبينك صح؟ ليلى: لا مش مخبيني ولا حاجة، أنا بدرس في القاهرة وبنزل للبلد زيارات بس. أحمد: اوبـا بتدرسي في القاهرة وبتـمشي عادي كده وسط الناس، ومش بياكلوكي؟
ردت على مزحته ضاحكة: ياكلوكي ههههههههههه إيه ياكلوكي دي؟ أحمد: يعني ياكلوك أكل وينتهشوا جمالك هم هم (وفتح فمه بطريقة كوميدية وكأنه وحش مفترس) ليلى بضحكة رنانة: هههههههه لا محدش يقدر أصلاً، محسوبتك بتوقف أي حد عند حده وما يغركش الشكل، جميل أه لكن شرس (واتبعت كلمتها بحركة تقلد الأسد بفتح فمه وهو يزأر) أحمد: هههههههه يا شرس انت، وانتي بتدرسي إيه بقى في القاهرة؟ ليلى: اقتصاد وعلوم سياسية. أحمد: سياسية؟
يخربيتك وطّي صوتك لحد يسمع، انتي عايزة تروحي في داهية. ليلى: ههههههههه حلوة، طب وانت بتدرس إيه؟ أحمد: محسوبك في ثانوية عامة كلاكيت تاني مرة؟ ليلى باستغراب: إيه كلاكيت تاني مرة دي.. الجزء التاني يعني ولا إيه؟
أحمد: أقولك يا ستي، أنا نجحت لكن ابن عمي اللي معايا سقط، واحنا كنا متفقين إننا نروح مع بعض القاهرة وندرس هناك، لكن لما هو سقط في الجغرافيا اضطريت أنا كمان أعيد السنة وأعمل تحسين للدرجة يعني وكأن النتيجة مش عاجباني يعني فهمتي بقى؟ ليلى بصدمة: يعني انت عشان تبقى وابن عمك سوا وتروحوا مع بعض القاهرة تعيد السنة، يخربيتك انت كده ضيعت سنة من عمرك!!! أحمد: عادي بقى هو إحنا ورانا حاجة، هنسـتعجل ليه، طول العمر شقا. ضحكت
مندهشة من منطقه الغريب: لا بجد ههههههههه. *** خلع الجلباب وارتدى حلة عملية ليذهب إلى شركته في مركز المحافظة. خرج من جناحه الخاص، ورأى أمامه شقيقه الصغير أحمد يمزح مع فتاة. لم ير وجهها ولكن رأى خصلات شعرها الشقراء اللامعة متدلية على كتفيها وخصرها وقوامهـا الأنثوي الرشيق. أول شيء خطر على باله في تلك اللحظة: (ما فائدة الحجاب على رأسها وهو لا يخفي شعرها أبداً)
عند ليلى: طيب فرصة سعيدة يا أحمد، وإن شاء الله السنة دي تنجح انت وابن عمك وتدخلوا الجامعة وماتضيعوش سنين من عمركوا على الفاضي. أحمد: إن شاء الله متق.. (صاح برعب مضحك) نهار اسووووح. ليلى بدهشة: فيه إيه؟ (والتفتت تنظر إلى ما جعله يرتعب هكذا، ووجدت شخصاً أتى باتجاههم، فعادت تنظر إليه مرة أخرى) أحمد: شافني شافني خلاص مش هعرف أستخبى، اتقفشت خالص. ليلى: إيه يابني فيه إيه؟ انت عملت زي الكتكوت المبلول كده ليه؟
أحمد: أخويا اللي جاي علينا ده هيشـعلقني لأني خلعت منه هو وأبويا الصبح وكمان عملت مصيبة أنا وابن عمي امبارح بالليل عشان كده خلعنا بدري. ضحكت عليه وودعته مقاومة فضولها على أحداثه هو وابن عمه المضحكة: هههههههـه دا انت شكلك حكاية انت وابن عمك ده، أمشي أنا وأسيبك تتشـعلق براحتك. ونظرت خلفها قبل أن تنزل الدرج إلى الأسفل. (ويا ليتها لم تفعل)
نظرت إليه وألقت بعينيها الزرقاء سهماً أصاب قلبه قبل عينيه، والكارثة أنها حتى لم تنتبه لجريمته أبداً بل أكملت طريقها دون أن تبالي بذاك الذي أرادته صريعاً وسحرته بجمالها وطلتها الخاطفة. بدر بهمس داخلي لم يخرج من فمه: يا الله من تلك الجنية الساحرة؟ واقترب من شقيقه وهو لازال في حالة الذهول.
أحمد بخوف: بص قبل ما تقول أي حاجة والنَعمة أنا ماليش دعوة باللي حصل. إحنا كنا بنلعب كورة في الأرض اللي قدام الدكان وياسر هو اللي شاط الكورة وكسرت الإزاز بتاع المحل. وهو أصلاً ماكنش يقصد وبعدين الإزاز أصلاً كان مشروخ ومكسر عشان كده اتكسر بسرعة و..... قاطعه بدر وهو ينظر في أثر الجنية: مين اللي كانت واقفة معاك دي؟ أحمد بدهشة: هاااا... بدر: مين اللي كنت واقف بتتكلم معاها دلوقتي؟ نسي أحمد ما كان
يتحدث عنه وأخبره بتنهيدة: آه الصاروخ دي تبقى ليلى شاهين أخت مروان شاهين عريس زينة. *** في أمريكا: في قاعة كبيرة إلى حد ما بجامعة نيويورك، بها ما يقارب المئة شخص من العلماء والأطباء والخبراء في مجال الطب والتدريس الطب المشهورين بالعالم كله.
وقف دكتور جاكسون يمدح طالبته المجتهدة، تلك الفتاة العربية المتفوقة والتي تفوقت على سنوات عمرها، وتتقدم في المراحل التعليمية بشكل غير طبيعي يذهل المعلمين بأبحاثها التي تناقش بها أمراض كثيرة وطرق علاجها بشكل جديد. إنها هي ريتال شريف المهدي، ابنة الثالثة والعشرون عاماً.
تدرس الطب هنا منذ خمسة أعوام، ولكن ما درستـه في تلك السنوات الخمسة درسه غيرها في أكثر من عشر سنوات، وهذا لحبها في المجال الذي تدرس عنه ومجال الطب بشكل عام. دكتور
جاكسون بلغته الإنجليزية: حقاً إنها فتاة خارقة، أتوقع لها مستقبلاً حافلاً بالإنجازات وأنها سوف تكون من أشهر الأطباء المتخصصين في جراحة المخ والأعصاب وذلك بسبب البحث الأخير الذي قامت به في ذلك المجال، ورغم أنها فتاة عربية أتت من بلد آخر وثقافات مختلفة إلا أنها مثال حي للاجتهاد والعقل النشط وسباقها مع الوقت في سبيل المعرفة، وأنا أكيد بأن العرب سوف يفتخرون بك يا فتاة.
وبعد أن أنهى الدكتور جاكسون خطابه الرائع في مدح ريتال، وأتى دورها لكي تصعد المنصة وتستلم جائزتها نظراً لبحثها الأخير الذي يتم مناقشته الآن وتفوقها وكما قال جاكسون تسبق المراحل التعليمية العادية للطلبة من سنها. (ريتال، عيون سوداء كسواد الليل الحالك وملامح شرقية جميلة وبشرة بيضاء وشعر يضاهي سواده سواد عينيها وجسد ممشوق)
ريتال بثقة في النفس: أشكركم على تقديركم لمجهودي، وأتمنى أن أكون دائماً عند حسن ظنكم بي وأن أحقق إنجازاً في مجال الطب، وأوجه جزيل الشكر لدكتور جاكسون على خطابه الرائع وأنني أعتبر ذلك حافزاً لي لكي أتقدم أكثر وأشكره على مجهوده معي هو الآخر وأنه لم يبخل يوماً بمعلومة عني أو بمساعدة أحتاجها ودائماً ما يدعمني. شكراً لكم جميعاً.
(وبعد التصفيق الحار من الموجودين والتحية والسلام بينهم، تقدم أحد صحفيي الجامعة لنقل أحداث الحفل، وطلب من ريتال أن يتحاور معها قليلاً بخصوص بحثها) وبعد أن انتهوا من الموضوعات التي قام عليها البحث. تطرقوا لحياتها الشخصية. الصحفي: ريتال المهدي أو كما يسمونك البعض تالا، انتي فتاة وكأي فتاة بالكون تحب أن تهتم بزينتها وآخر صيحات الموضة والأزياء ومظهرها، وأيضاً بالحب، هل حقاً تمارسين حياتك بشكل طبيعي رغم دراستك وأبحاثك؟
ريتال بلغة إنجليزية صحيحة وكأنها منهم: أنا أحب البساطة في كل شيء في ثيابي ومظهري، لا أهتم بآخر صيحات الموضة فقط أهتم بما يناسبني أو بما يليق بي، وأهتم بمظهري أيضاً وهذا لا يتأثر مع دراستي وأبحاثي بأي شكل لأنه لا يأخذ من وقتي طويلاً أبداً. الصحفي: انتي فتاة جميلة حقاً وأنا أرى ذلك بعيني، جمالك شرقي مميز، ورغم كلامك عن بساطة المظهر إلا أنك فاتنة، ولكن لننتقل للحديث عن الحب والحبيب يا تالا المهدي. أين حبيبك من كل ذلك؟
يا فتاة انت تدرسين بشكل رهيب، انتي على وشك التخرج ولا زلتِ في عامك الخامس فقط، وليس أي تخرج بل التخرج بجدارة، حتى أنك تشاركيني أشهر الأطباء في بعض العمليات الجراحية الصعبة وأثبتِ كفاءتك وبشهادة الجميع. ألا يثور حبيبك من اهتمامك بالدراسة وتجاهله؟ أين تجدي له الوقت؟ ريتال: ومن أخبرك أني لدي حبيب بالأساس؟ أنت تتحدث وكأنك موقن بهذا الشيء رغم أني لم أقل أنه لدي حبيب. الصحفي: حقاً؟
أتخبريني أن فتاة بكل تلك الصفات ليس لديها حبيب؟ وليس لديها أي علاقة رومانسية؟ ريتال بجمود: نعم أنا ليس لدي حبيب لأني لم أحب بعد ولم أجد الشخص الذي يدق له قلبي ولست بأي علاقة لأنك كما ذكرت بالبداية، أنا فتاة مسلمة وعربية ولا يمكنني مخالفة عاداتنا وأحكامنا، هذا لا يجوز، الإسلام لا يعترف بأي علاقة سوى الزواج. الصحفي: وكيف لكي أن تعيشي هكذا؟ بمفردك؟
انتي دائماً بلا أصدقاء أو رفقة، وأيضاً ليس لديكِ حبيب ولا أي علاقة من نوع آخر. كيف لكي أن تنجحي بتلك الطريقة؟ رغم أنك وحيدة دائماً ليس هناك من يدعمك ويساندك بطريقك وليس هناك عائلة معك؟ أم تعتبرين ذلك ضريبة النجاح والتميز؟ ريتال بقوة: ومن قال أنني أحتاج إلى دعم الآخرين لكي أنجح وأتميز؟ من قال أن المرأة إن لم يكن لديها حبيب لا يعلو شأنها؟ من قال أن الحياة تتوقف على وجود الأشخاص المقربين والعائلة؟
.. كم من يتيم دون مأوى أصبح من أكبر العلماء..؟ كم من مشرد أصبح من أغنى أغنياء العالم؟ .. صحيح أنني فتاة، ولكن أنا لا أحتاج إلى وجود أحداً بحياتي ولا أحتاج دعم من أحد.. يكفيني أن معي الله، رب العالمين هو وحده من يدعمني ويرفع شأني. انتهت ريتال من مقابلتها الصحفية. وتركـت الصحفي ومن كان يتابع حوارهم. ***
عادت إلى منزلها. اليوم مميز، فهو يوم انتقالها من مرحلة إلى مرحلة أخرى في الدراسة. هي لا تهدر وقتها العطلات والنزهات إنما تستغله في شيء مفيد ولا يوجد بحياتها، ما هو مفيد سوى دراستها. هناك مرضى بأنتظارها لكي تساعد في شفائهم. هناك محتاجون لا يقدرون على تكاليف العمليات الباهظة. هناك أطفال لا يرون بحاجتها. هناك مرضى سرطان في خلايا المخ ينتظرونها. هناك واجب ديني ووطني بأنتظارها. هكذا هي تدعم نفسها لكي تسرع وتنجز وتتقدم.
وأخيراً وصلت إلى ذلك المنزل الضخم بحديقته الغناء والحراسة المبالغ فيها من وجهة نظرها. نزلت من سيارتها وأغلقت بابها الأمامي وهي تمني نفسها بحمام دافئ يريح عظامها المتشنجة من برودة الطقس، ومن القيادة طوال الطريق فالمسافة بين الجامعة والمنزل تأخذ من وقتها الثمين حوالي الساعة وخمس دقائق (65 دقيقة) .. وأخذت ترتب ماذا ستفعل بمجرد صعودها إلى غرفتها.
حمام دافئ وتصلي فروضها والحصول على كوب قهوة تركية لكي يمحو الصداع الذي تسبب به ذلك المؤتمر واللقاء الصحفي، ومن بعد ذلك تبدأ بالاستعداد للمرحلة الجديدة من دراستها وخاصة أنها تفكر جدياً أن يكون هذا العام هو الأخير لها في الدراسة، بحيث تستجمع به كل شيء و..... للأسف قطع حبل أفكارها المتواصل في المستقبل. استشعارها بوجود شخص بالمنزل وبالتأكيد هو أحد عائلة رسلان الغير مرحب بوجودهم في حياتها.
ريتال بهمس داخلي: لا لا، مش النهاردة على الأقل، مش وأنا بستعد لبداية جديدة. إيه يا قاسم رسلان، ده أنا قلت انت يأست وبطلت عادة إنك تيجي في الفواصل الدراسية. (قاسم رسلان جدها والد والدتها، رجل في العقد السابع من عمره، ولكن صلب وشديد لا يظهر عمره عليه أبداً وسنوات عمره الذي تخطت السبعين لم تحنِ ظهره ولم تؤثر به أبداً ولا بجبروته)
لم تهتم بمن يكون الموجود من تلك العائلة، أن يكون قاسم رسلان الجد أو زاهر الابن، فهي كعادتها في وجودهم لن تخرج من غرفتها وإن خرجت لن تحتك بهم أبداً. .......... تالااااا لم تستطع متابعة سيرها إلى غرفتها بسبب ذلك النداء وقد تيقنت أنه أحد أحفاد قاسم رسلان. وأي حفيد؟ جسار، ذلك الذي لم يترك صفة من صفات جده إلا وقد أخذها منه، حتى ملامحه. جسار زاهر قاسم رسلان
(الحفيد الأكبر في العائلة، والمقرب من جده، عمره سبعة وعشرون عاماً، قوي البنية، ضخم الهيئة ذو ملامح حادة وعيون رمادية، وتلك هي الفارق بينه وبين جده لون العيون، أما باقي الملامح أو الصفات وحتى لون البشرة، فهو صورة طبق الأصل منه، وأيضاً متزوج) جسار بهمس داخلي: تبـاً لذلك القلب ودقاته، مازال يتزلزل بلقائها ورؤية عينيها وسحر طلتها. يا لكِ من فاتنة. حمحم جسار صوته: إزيك يا تالا؟
التفتت تنظر إليه بجمود اعتادت التعامل به مع أفراد تلك العائلة. ريتال: الحمد لله. جسار: طب إيه مش هترحبـي بيا ولا هتتجاهلي وجودي هنا زي كل مرة. ريتال بجمود: البيت بيت رسلان، وانت جسار رسلان يعني بيتك، وأنا مش مجبرة أرحب بحد في بيت مش بيتي. جسار: لا دا بيتك، انتي نسيتي إنك من أحفاد عيلة رسلان يا تالا وكمان ليكي الحق هنا لأن ده مقر إقامتك وعايشة هنا، إنما إحنا بنيجي أيام معينة، زوار يعني وبنمشي.
ريتال: زوار، مقيمين، أنا ماسألتش وماعندييش فضول عشان أسأل ولا وقت أضيعه في إني أناقش مين له الحق ومين مالوش وزي ما قولت البيت بيت رسلان. وعندما همت لتكمل صعودها إلى غرفتها أوقفها جسار مرة أخرى: طيب حتى مش هتسألي عن سبب وجودي هنا؟ ريتال ببرود دون أن تلتفت له: من امتى وأنا بسأل عن سبب وجود حد من عيلتـكـوا هنا؟ جسار: أنا جاي عشانك يا تالا المرة دي، مش عشان أخلص شغل هنا زي كل مرة. ريتال بجمود: نعم؟
جسار: جدي بعتني عشان ترجعي معايا على مصر، لأنه عايز يشوفك، خصوصاً إنه مشافكيش من أكتر من سنة. لم يتغير شيء بملامحها، بقى الجمود هو التعبير المرسوم على وجهها فقط. ريتال: والمطلوب؟ جسار: تستعدي علشان نسافر. سألته بنفس ذات البرود وكأنها تسأل عن موعد نزهة صغيرة لا تستغرق سوى نصف ساعة وليس رحلة طويلة: امتى؟ رد عليها وهو يداري استغرابه من سرعة ردها: على الفجر كده يعني مافيش قدامنا غير كام ساعة بس لو انتي......
قاطعته بجمودها: في ميعاد السفر هكون جاهزة. وألتفتت مغادرة و بداخلها دقت ساعة المواجهة. (وفي لحظات كانت اختفت من أمامه) جسار بتنهيدة حارة: ااااااه. لسه زي ما انتي يا ريتال، بالعكس، برودك وجمودك بيزيدوا أكتر زي جمالك، صفاتك اتحدت واتفقت على إنهم يفضلوا يعذبوا قلبي بحضـورك الطاغي يا حفيدة قاسم رسلان يا ملكة البرود. *** محافظة الشرقية -منزل سالم شاهين:
-يا بشششـررررررررر، أنا جيت نورت البيت.. ليلى وصلت يا بلد، الحاضر يعلم الغايب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!