ترقد بالفراش لا تهتم لأي شيء. لا تبالي لحديثه الذي يحاول أن يخفف به عنها، ولا تبــالي لحديث صفية الشامت ولا لحديث والدة زوجها المؤنـب. وكأنها اعتزلت الحياة ولا تريد العودة إلا إذا كان كل ما مرت به هو مجرد كابوس. نظر إليها بألم، فهو أصبح لا يقوى على إطالة النظر إليها، وحتى لا يقدر على مشاركتها الغرفة بسبب شعوره بالذنب تجاهها. وأيضًا لمبيت الممرضة معها حتى تهتم بها وبأدويتها، فهي أصبحت تتغذى على المحلول.
فقال بدر بخفوت: لسه مش عايزة تردي عليا يا ليله؟ أنا بتعذب عشانك يا قلبي. لم ترد عليه حتى ولو بنظرة، وكأنه ليس موجودًا أو هي من ليست موجودة. هي في عالم وحدها. بدر: أنا بموت لما بشوفك كده. أوعدك هعوضك عن كل حاجة، بس بلاش الحالة اللي انتي فيها دي. ارجعي يا ليله حبيبتي، ارجعي يا قمري يا قمري. قاطعه دقات منتظمة على باب الغرفة، فسـمح بالدخول وقد علم أنها الممرضة. الممرضة:
يا أستاذ بدر، أنا بلغت الدكتور بآخر التطورات بحالة مدام ليله. وللأسف لو استمرت على الحالة دي هننقلها المستشفى وتكون تحت إشراف أخصائية نفسية والرعاية هناك هتكون أفضل. بدر: أنا أقدر أوفر ليها الرعاية اللي تحتاجها هنا في بيتها. موضوع المستشفى ده تنسوه خالص. والأخصائية النفسية كمان تيجي هنا. الممرضة باستسلام: تحت أمر حضرتك. هبلغ الدكتور بكلامك. وإن شاء الله المدام تقوم بالسلامة. بدر:
ياااارب. أنا هغيب ساعتين بالكتير، لو حصل أي حاجة بلغيني. الممرضة: حاضر. بعد خروج بدر، اقتربت الممرضة من ليله بعطف وشفقة. الممرضة: ربنا يشفيكي يارب. أنا عرفت من خالتي رواشة الظروف والمشاكل اللي هنا. وكمان بسمع الست صفية والحاجة أم بدر لما بييجوا يتكلموا معاكي. بس انتي لازم تشدي حيلك وتقفي على رجلك. الظروف اللي بتمري بيها دي محتاجاكي شديدة. أحسن يستضعفوكي وتعيشي تعبانة طول حياتك.
انتِ عارفة إنهم النهاردة هيعملوا قاعدة عرب، وكبار البلد هيتجمعوا عشانك وأهلك كلهم هيحضروا؟ ألتفتت ليله إليها بلهفة ونطقت ببطء: بابا هييجي؟ الممرضة بفرحة: أخيرًا سمعت صوتك. ليله بدموع: أرجوكي ردي عليا، بابا هييجي هنا؟ الممرضة: أيوه هييجي. خالتي رواشة قالتلي إنه قالب الدنيا على عيلة الشرقاوي كلهم عشانك. ليله: هما هييجوا إمتى؟ الممرضة: أستاذ بدر نزل أصلًا عشان هما قربوا ييجوا بعد ما يصلوا العشا.
اكتمل المجلس وكان أغلبية الحضور من عائلة الشرقاوي وعائلة شاهين. بدأ الحديث سالم شاهين. سالم بصوت قوي: يا حاج حسين، انت جيت بيتي انت وأخوك وابنك وطلبتوا بنتي. وأنا أمنتكم عليها وسلمتهالكم بنت ليكم وعطيتها لابنك في إيده. وقلتله دي أمانة. ودلوقتي انتوا كلكم خونتوا الأمانة. حسين الشرقاوي: حاسب على كلامك. إحنا معروفين وعمرنا ما نخون الأمانة أبدًا. اعقل كلامك قبل ما تقوله. سالم:
كلامي عاقل وبحسبه كويس. فين بنتي يا حسين يا شرقاوي؟ بنتي اللي قبل ما تقبل بابنك سألتك تقبلها بنتك ولا لأ. فين أمانتي؟ ودخلت كالعاصفة تلك الأم المكلومة وتحدثت بحرقة وكأن لهيبًا يخرج من فاهها. أم بدر بصوت قوي: وأمانتنا إحنا فين يا اللي واقف وبتطالب ببنتك قدام الناس؟ فين بنتي؟ تعالت الهمهمات والأحاديث الجانبية عقب دخولها الذي أثار الجدل. بينما أكملت هي:
أنا اللي جاية اشتكي يا حاج حسين بصفتك كبير البلد قبل ما تكون جوزي وتاج راسي. أنا أم سلمت بنتها بفستان أبيض عروسة زي القمر زينة وهي زينة. رجعوها جثة لا فيها روح ولا نفس. وأنا قدام الناس بقول عايزة أمانتي. سالم: لا حولا ولا قوة إلا بالله. أمانتك راحت للي خلقهـا، أمانته واستردها. قضاء وقدر. حاشا لله أننا نعترض عليه. ولو انتي معترضة اطلبيها من ربنا. أبو محمود الشقيق الأكبر لسالم: بس يا أبو مروان بكفياك. حسين بجمود:
إحنا ما بنعترضش على قضاء الله. والحجة شكوتها من حرقتهـا على بنتهـا. وماحدش يقدر يعترض ولا يلومهـا. السؤال بقى انت جاي عايز إيه يا سالم؟ سالم: عايز بنتي. حسين: وإنت سلمتنا بنتك وبقت واحدة منا ومرات ابني البكري. جاي تقول عايز بنتك إزاي؟ هو كان لعب عيال ولا إيه؟ سالم: لا مش لعب عيال. بس يصح إنكم تمنعونا نشوف بنتنا ونطمـن عليها ونعرفش عنها حاجة. وحتى منعتوها تشوف أخوها اللي بين الحياة والموت؟ أم بدر:
أيوه يصح. هو دا القصاص. زي ما أنا ما أقدرش أشوف بنتي ولا أخدهـا في حضني، انتوا مش هتشوفوا بنتكم. حسين برصامة: أم بدر، قلتي شكوتك وكفايـة لحد كدة. الحريم مالهاش مكان في القعدة دي. بص يا سالم يا شاهين، إنت جوزت بنتـك وسلمتهـا لينا وخلاص بقت تخصنا ولنا فيها أكتر ما ليك. ودلوقتي هي بقت في حكم جوزها وهو لوحده اللي يقرر تشوفكم ولا لأ. وتكلمكم ولا تقاطعكم. جوزها وهو حر، ماحدش شريكه والشأن ده يخصه هو وبس. سالم:
يعني ابنك هيمنع بنتي عننا بحجة إنها مراته. رأيك إيه يا بدر في كلام أبوك؟ بدر بجمود دون أن ينظر إلى عينيه: كلامه فوق راسي وهو صح. أنا مش عايز مراتي تتكلم معاكوا ومن النهاردة مالهاش أي صلة بيكم. سالم بعنف وقد صدمه موقف بدر تجاه الأمر: إيه الجنان اللي بتقولوه ده!!! أي شرع يقبل الكلام ده. أبو محمود بصوت مرتفع: سالم، ما ترفعش صوتك. إنت نسيت إن أنا كبيرك ولا إيه؟ سالم:
لا مانسيتش. وأهو بقولك يا كبيري، أنا عايز بنتي وبعد الكلام اللي قالوه ده يطلقها دلوقتي. بدر بقوة: مراتي مش هطلقها وهتفضل مراتي لحد آخر نفس فيا. وماحدش يقدر يجبرني أطلقها. سالم: ويرضي ربنا اللي بتعملوه ده؟ حسين: خلاص يا سالم الكلام خلص. بنتي اللي أنا سلمتهالكوا ماتت. وإنت اعتبر بنتك ماتت. سالم بعنف: بنتي عايشة وما لهاش أي دخل باللي ح..... قاطعه حسين: يبقى حقنا هناخده من ابنك ويبقى طار بين العائلتين.
ذهل الجميع من تغيير اتجاه الحديث وصُدم أيضًا سالم بعقلية هؤلاء البشر. من أي زمن قد أتوا هؤلاء. جاءت المقاطعة هذه المرة من تلك التي يتحدثون عنها وكأنها دمية ليس لها عقل يتشتت وقلب يتألم. ليله بجمود: إيه عايز تقتل أخويا زي ما مراتك قتلت ابني؟ (ظلـت تبحث بنظرهـا عن والدها الحبيب إلى أن وقعت عيناها عليه وبــدون شــعور منهــا ركضــت إلى احضانــه وكانــت احضانــه الدافيــه في اســتقبالها) سالم:
نـن قلبي، عملوا فيكي إيه يا حبيبة أبوكي؟ شقيق حماها: عملنا فيها إيه يعني؟ أكلنا منها حتة؟ ما قدامك أهـه وبتقاطعي جلسة الرجالة كمان. عندما ذكر اسم أخيهـا اكتسـبت قوة لم تكـن بهـا من الاسـاس. وبعد أن استمعت لحديث زوجها لم يعـد هنـاك شـئ لكي تبقى عليه. ليله: الحجـة مرات أخـوك قاطعتـها عشان تشتكي وتطلب القصاص اللي هي شـيفاه من وجهـة نظرهـا العـدل. وأنا بقـى هنفذلهـا قصاصهـا. سالم: إنتي بتقولي إيه يا ليله؟ ليله:
بقول إن هما اتحرمـوا من بنتهم ومـش هيشـوفوها تاني. وأنا هبعد عنكـوا ومـش هتشوفوني تاني. (ونظـرت إليـه... إلى ذلـك القاسي الـذي تخـلى عنهـا ولم يكـن لهـا سـند، بـل وخذلهـا شر خذلان) وكمان هي بعـدت عـن اخويا وحماهـا وحماتهـا وخسروا زوجـة ابنهم. وانتوا كـمان (وأشارت إلى حماتها وزوجهـا) هتخسروا زوجـة ابنكم. وهو يخسر مراتـه. وبكـدة يبقـى اتحققلكـم العـدل. أبو محمود (عمها الذي لم يفعل أي شيء لأجلها بل اكتفى بدور المشاهدة)
رد ساخرًا: وازاي ده إن شاء الله. ليله: قدامكم حل من اتنين: يا تقتلوني زي ما زينة ماتت. (نادى أباهـا باسمها بلوعة أب يرى ابنته تُهـان وتُـذل ولكنهـا أكملـت وهي تنظر لذلك الضعيف أمامها)
يا تنفوني برة البلد دي. ماعندكوش حل تالت. لأن طول ما أنا هنا في نفس المكان اللي فيه أهلي هفضل أحارب وأحارب عشان أشوفهم حتى لو اضطريت إني أقتل اللي يحاول يمنعني عنهم. أهلي ثم أهلي ثم أهلي. لو بعتهم يبقى أبيع الدنيا كلها وبعدهم مش باقيـة على حاجة. بدر بجمود وهو يحاول أن يهرب من نظراتها ولكنهـا تحاصره: قولتلـك هتفضـلـي مراتي لآخر العمـر، وانسـي فكـرة إنـك تطلقـي. ليله بابتسامة ميتة:
مش هتفرق كتير. على الأقل تضمنوا إني هكون ميتة وحالتي هتكون أسـوء من زينة. هي عند الرحمن، إنما أنا وسط البشر. حسين بتهكم: وعايزة تروحي فين وانتِ لسه على ذمة جوزك يا بت شاهين. لترد عليه بفخر: بنت سالم شاهين هتروح أرض غير الأرض ولناس غير الناس. هيكون بيني وبينكـوا جبااا وبحور. هروح البعثـة اللي الجامعة كافأتني بيها على تفوقي وهكمل طريقي لوحـدي. سندي وأماني ربنا.
(تنهدت بثقل فوق صدرها وهي تنظر إلى ذلك الرجل الذي اعتبرته يومًا والدها) بس اتأكد ياحسين يا شرقاوي، مافيش يوم هيعدي عليا غير وإني بطلب حقي من ربنا. كل يوم هسجد وأقول أنا عايزة حقي يارب. حسين: ومين هيسمح لك بكده؟ إنتي هتقعدي هنا خدامة لجوزك وبيتك وتخلفي عيال وتربيهم وتعلميهم. ليله بتحدي: لا هسافر وهمشي من هنا. ولا إيه رأيك يا جوزي؟ مش إنت برضو الأمر الناهي وماحدش يحق له يقرر حاجة تخصني غيرك؟
أرادت أن يثور، تكلمت وهي تثق أنه سوف يرفض ابتعادها ويواجه الكل في سبيل أن تبقى جواره هو وعائلتها. هي تعلم أنه لا يستطيع الحياة بدونها. هي نطقت بكل حرف وضغطت عليه لأنهـا تعلم أن كل ذلك لن يحدث وهو لن يتقبل، وبذلك يكون هناك حديث جديد. ولكن تم الخذلان بنجاح. تم الكسر بنجاح. ذلك العاشق باع دون أن يبالي. ذلك العاشق من النظرة الأولى تقبل الفراق ولم يعتـرض. بدر بقلب يصرخ بالرفض، ولكن من يشعر هنا بالقلوب؟
فالكل غارق في ألمه الخاص: وأنا موافق. وبنفسي هسفرك برة وتبعدي عن مصر كلها. صمت شديد حل عليهم، قطعه عمها بهدوء شديد وهو يريد أن تنتهي هذه الجلسة: خلاص يبقى كدة جوزها قرر. وبرضه قراره هيتنفذ وهو حر فيها. إحنا مالناش دخل بيها، هي تخصه هو متخصناش إحنا. ماذا فعلتي بنفسك يا ليله؟ الآن لا أهل ولا وطن. لا حبيب ولا قريب.
يا عقارب الساعة توقفي ولا تتقدمي. أيتها الأنفاس لا تخرجي من صدري ودعيني أموت. أيتها القلب توقف عن النبض فلمن سوف تنبض والكل باع وغدر. أيتها الدمع توقف فلا يوجد من يستحق أن تحرق جفوني لأجله. ااااااه، لا تتوقفي وأحترقي واحرقيني فقد خرست أنا كل شيء. تحدثت والقلب ينزف ومازال خنجر قسوته ينحر قلبها: خلاص يبقى أنا همشي دلوقتي وأروح القاهرة عشان أستعد للسفر. (وأكملت بوجيعة قلبها)
بس أنا مش مسامحة. ويا رب ألعنهم بلعنة الهم والكرب. يارب أنا عايزة حقي. يارب أرني بهم عدالتك. سالم بصدمة من ما يحدث: هتروحي فين يا ليله؟ اقتربت منه وجلست تحت أقدامه وهي تقبل يده ودموعها تتساقط بغزارة وخصلاتها الذهبية تميل من الوشاح على وجهها. وأخبرته وهي تحاول التجلد: ما تقلقش على زرعتك يا بابا. دي قوية وذكية. وأنت قلت الزرعة الذكية هي اللي تميل مع الريح لما تعصف عكس تيارهـا. بعد أيام.
يكفي قد اكتفيت فليحترق قاسم رسلان هو وحفيده المختل عقليًا. دخلت إلى المنزل ومن حسن حظها لم تجد أحدًا. صعدت فورًا إلى غرفتها وقامت بتحضير أغراضها واستعدت للرحيل. فهي بالأيام الماضية قامت بحجز تذكرة طائرة للعودة إلى نيويورك وجهزت كل شيء أثناء تواجدها خارج القصر. وقد ساعدها الطبيب محمود بذلك. وهو بالطبع لا يعلم شيئًا.
هبطت الدرج وهي تحمل حقائبها وتركتها أسفله واتجهت إلى غرفة المكتب، فهي قد علمت أن قاسم رسلان بالداخل من الخادمة. قاسم رسلان: ادخل. دخلت إلى المكتب ببرود. وجدتـه ينظر إلى بعض الأوراق بـبن يديه. وعندما نظر إليها وعلم أنها هي الطارق، ترك كل شيء وخلع نظارته ونظر إليها باستفهام. ريتال بجمود: أنا ماشية. قاسم: على فين دلوقتي؟ ريتال: على السجن اللي بعتني ليه من سنين، نيويورك. قاسم بتهكم:
وقررتي كدة من نفسك. أومال بتقولي إني سجانك إزاي بقى؟ ريتال بابتسامة مستهزئة: قاسم يا رسلان، أنا راجعة لأنه ضروري أرجع. كفاية ضيعت وقت هنا وريح دماغك. إنت مش هتوصل لحاجة بوجودي هنا. فروح بقى أكمل طريقي وأشوف مستقبلي. أنا أولى بكل دقيقة تمر من عمري. قاسم: وإذا ماسمحتلكيش تمشي؟ ريتال بابتسامة غامضة احتار هو في فهمها:
من مصلحتك تسيب كل حاجة زي ما هي. بلاش تستعجل الحرب بيني وبينك. ما تقلقش، هي هتيجي هتيجي. بس كل شيء في وقته حلو. في مطار القاهرة. وقف بجانبها وهو يحمل الحقائب بعد أن انتهوا من إجراءات السفر. سمعت النداء الأول عن الطائرة. شعرت أن الأرض تميد بها وأن العالم يدور من حولها وكأنها شجرة سوف يخلعونها من جذورها. ليله بدموع وقد تعلقت بيده كالطفلة:
بدر يالا نرجع. تعالى نروح بلدنا ونواجه الكل. أنا ما أقدرش أبعد عنكوا ولا أقدر أعيش لوحدي يا بدر. يلا نصلح كل حاجة. أنا مش عايزة أسافر وإحنا مع بعض. ماحدش هيقدر يهزمنا وهنواجههم ونفهمهم إن اللي بيقولوه ده غلط وضد الشرع والدين والقانون كمان. بدر بجمود يحسد عليه: اهدي يا ليله ويلا عشان الطيارة ماتفوتناش. ليله بطريقة شبه هيسترية: لأ لأ تعالى نمشي من هنا. أنا غيرت رأيي والله. أنا أموت من غيركم. رد عليها
وهو يشد على قبضته بجانبه: ليله إحنا بقالنا أسبوع بنجهز الورق وبنستعد والطيارة باقي عليها دقايق. يلا أمشي وبطلي اللي بتعمليه ده. إنتي مش طفلة.
تركت يده وهي في حالة ذهول وصدمة متأخرة. بدر حبيبها، زوجها، سوف يذهب بها إلى بلد آخر ويتركها هناك ويعود بمفردة. سوف تعيش بمكان ليس لها به أحد. ليس لها الحق بمهاتفة أهلها ولا حتى الاطمئنان على شقيقها الذي تركتـه بالمشـفى وحالته لم تتحسن بعد. ليس لها الحق بأن تسمع صوت والديها وهما يدعيان لها. حتى حرموها من لحظة الوداع بينهما. تباً لك من حبيب ظالم. ليله بجمود:
أمشي. أمشي. إنت مش هتروح معايا. من اللحظة دي بدأ مشواري لوحدي. بدر: ليله م...... قاطعته بصرامة جعلته يشعر بالمزيد من العجز: بسسسسس. مش عايزة أسمع منك حاجة. عملت اللي عليك وزيادة. يالا اتفضل امشي وارجع لأمك يا ابن أمك. هتفرق إيه يعني لما تيجي معايا؟ ما إنت في الآخر هتمشي وتسيبني لوحدي.
سحبت من يده تذاكر السفر وجواز سفرها كان في يدها وأخذت حقيبتها ورحلت. أعطته ظهرها وتحركت أمامه في شمـوخ ولم تلتفت إلى الخلف حتى لإلقاء نظرة. صعدت بالطائرة وأخيرًا انتهى ذلك الكابوس وسوف تعود إلى حياتها ودراستها. تبًا لك يا قاسم رسلان فقد أضعت من وقتي الكثير. جلست بمقابل ثنائي أجنبي ظلوا يتبادلون القبل ويقومون بفعل أشياء. شعرت بالاشمئزاز منها ولكن غضت بصرها عنهم ووضعت سماعات الأذن حتى لا تستمع لأصواتهم. فالرحلة طويلة.
تحركت الطائرة وهي تجلس بمفردها والمقعد بجانبها فارغ. تحمل تذكرته بين يديها تتلاعب بها ودموعها تنزل بصمت حسرة على كل شيء. وجع وخذلان وألم لم تعد تتحملهـم. تشعر أن قلبها قد يتوقف من شدة الألم. قامت من مقعدها لكي تذهب إلى الحمام ولكن استوقفها مشهد أعاد إليها ذكريات مؤلمة. وقفت أمام فتاة تبكي وهي مغمضة العينين. وقفت تتأملها وهي لا تراها بل ترى محلها. فتاة مراهقة تبدو طفلة ضائعة. رأت نفسها.
فاقـت من شرودها وتنفسـت بعمق وأكملت طريقها. ولكن أثناء عودتهـا وجدت الفتاة تتنفس بعنف كأنها تختنق ولا زالت أيضًا مغمضة العينين. الدموع تسقط منها. اقتربت منها وجلست بالمقعد الفارغ بجانبها. ريتال بلهجة لينة: ما تبكيش. إنه الجبروت والبادي هو الأظلم. (تضحك على مين قلبي قوي متلومش عليه. حب قوي مالقاش غير واحد قلبه قوي بقى ييجي عليه)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!