مروان: مفروض لكن تحت ناس كتير وشكلهم جايين عشان تبقي رسمي. مروان: بس إزاي بابا قال إن عمي اتصل بحمايا وقاله إن بدر بس اللي ييجي النهاردة عشان يشوفوا بعض ويتكلموا وبعدين هي تفكر وتقول رأيها. أم مروان: والله يا ابني أنا مش فاهمة حاجة، المهم انزل أنت مع أبوك وأنتِ يا ليلة انزلي ساعديني في المطبخ يا بنتي عشان أنا كنت عاملة حسابي إن بدر بس اللي جاي.
ليله بضيق: حاضر يا ماما، أنا نازلة معاكي واهدي شوية يا حاجة، أنتي أصلاً بتعملي أكل كتير وطول النهار في المطبخ، يعني الأكل اللي تحت هيكفي ويزيد وهما جايين من غير ميعاد. مروان: هما مين اللي تحت بالظبط؟ أم مروان: أبو بدر وأخوه وجوز أخته وبدر وعمك الكبير وابنه تحت معاهم. مروان: والله شكل عمي ده اللي دبسنا، يلا أنا نازل. سالم: أهلاً وسهلاً بيكم، نورتوا دارنا. حسين: الدار منورة بأهلها.
عبدالمجيد: وأنتم من أهلها مش غرب، وخطوتكم عزيزة. حسين: الله يعز مقدارك يا أبو محمود. بص يا أبو مروان إحنا جايين نخطب بنتك ليلة لابني البكري بدر، وسبق وطلبتها من الحاج عبدالمجيد وقولتله يمهد لك الموضوع، لكن أنت أبوها والرأي في الأول والآخر ليك أنت.
سالم: لا ماتقولش كده يا أبو بدر، الحاج عبدالمجيد الخير والبركة وهو كبيرنا، وهو قالي على طلبك وأنا رديت عليه بأن ابنك ونعم الأخلاق ويشرفني إننا نزيد النسب ونقويه، لكن الرأي في الأول والآخر للعروسة، هي اللي هتتجوز وتعيش معاه. (وحمحم ثم أكمل بابتسامة) وطلبت منه يبلغك إني منتظر بدر يزورنا عشان يشوفوا بعض وبعدها بنتي تفكر وأخد رأيها. حسين الشرقاوي شقيق حسين: جرى إيه يا حاج سالم، هي زيارتنا مضيقاك ولا حاجة؟
سالم: لا طبعاً إزاي تقول كده، أنتوا صحاب بيت وأهل، أهلاً وسهلاً بيكم في أي وقت. عبدالمجيد: إزاي تقول كده يا أبو ياسر، سالم ما يقصدش كده. حسين: ماتقلقش يا حاج عبدالمجيد، أنا عارف هو يقصد إيه. بص يا حاج سالم أنت عارف بدر ابني كويس وبتشكر في أخلاقه، وأظن عارف عيلة الشرقاوي كلها نفر نفر وأخلاقهم كلهم عندك، اعتراض على ابني أو على نسبنا؟ سالم: لا لو عندي اعتراض ما كنتش سمحت له يدخل بيتي.
حسن: طيب وشرط الجواز هو القبول، دلوقتي عروسنا تشوف عريسها ولو حصل قبول إن شاء الله نقرأ الفاتحة ونتفق دلوقتي، وإن ما حصلش يبقى كل شيء قسمة ونصيب. سالم: بس ده جواز يا حاج حسين ولازم تفكر وتاخد قرار. (وبعد مناوشات كثيرة استطاع حسين أن يقنع سالم برأيه وسمح لبدر بأن يجلس لبعض الوقت مع ليلة بمفردهم بغرفة الجلوس) أخذ مروان بدر ودخل به إلى غرفة الجلوس وذهب لينادي ليلة.
تقدمت مع أخيها بقلب صاخب من دقاته، لا تعلم شيئاً، تشعر أن عقلها توقف عن التفكير، ذلك العقل الذي يمدح به الجميع توقف. الآن هي لديها طموح وتريد أن تنجح، لكن ذلك لا يمنع أنها تشعر بالفراغ العاطفي وتريد خوض تلك التجربة. هي انجذبت لذلك الوسيم بدر، ولكنها تخشى على مستقبلها، تخشى على طموحها، تخشى الأيام والعادات والتقاليد، تخشى أشياء كثيرة سوف تتوقف بينهم. تلك ليست تجربة عادية، إنها زواج، إنها حياة، لا يوجد مجال للفشل.
دخلت إلى الغرفة وهي تمسك بيد أخيها، وذهب هو بها إلى الأريكة المقابلة لتلك التي يجلس عليها بدر، وعندما هم بتركها تشبثت بيديه. مروان بهمـس: إيه، راحت فين الثقة؟ اجمدي كده وواجهي. (ثم ارتفع صوته قليلاً وهو ينظر إلى بدر) الأيام بتعيد نفسها من تاني يا بدر، بس المرة دي عليك أنت، يومًا لك ويوم عليك. بدر بابتسامة: ادعيلي أحصلك بقى.
مروان: إن شاء الله خير وكل شيء قسمة ونصيب. هسيبكم وياريت تتكلموا مع بعض وماتضيعوش الوقت في الخجل زي ما حصل معايا، واتناقشوا لأن أقل من عشر دقايق هتلاقيني فوق دماغك يا بدر. بدر بضحك: بتردهالي يعني؟ مروان ببراءة مصطنعة: الأصول يا أخو مراتي. (بعد خروج مروان) بدر بصوت مأخوذ بجمالها: إزيك يا ليلة يا أجمل ليلة في الدنيا، يا اللي سحرتيني وخطفتي قلبي... يالله، ماتلقى الكلمات هي تموت خلا دون شيء، فكيف بمفعول كلماته؟
كيف تتحدث معه الآن؟ بدر: ساكتة ليه؟ وحشني صوتك قد ما عيونك وحشوني يا ليلة... حاولت التغلب على خجلها، لا يمكنها الصمت كثيرًا فالوقت محدود. ليله بصوت حاولت جاهدًا للخروج حاسمًا: لو سمحت ما ينفعش الكلام ده، إحنا لسه مافيش بينا حاجة تسمح لك تقول له. بدر بثقة: بس هيبقى فيه. ليله: ومنين جايب الثقة دي كلها؟
بدر: من قلبي اللي مابقاش ملكي من أول لحظة شوفتك فيها، صحيح هي لحظة لكن كانت كفيلة بأنك تسرقي قلبي وعقلي وكل كياني، ومن وقتها قولت إنك ليا مش لغيري وملكي... اهدأ أيها العنيف، فهو يسمع دوي صوت دقاتك في المكان، مالك تنبض بعنف، فليس هذا أول الغزل الذي تسمعه، ولكن ذلك ليس غزلًا عاديًا، إنه عشق، إنه متيم يا ليلة، اثبتي يا ليلة ولا تسمحي بانحراف الحوار.
ليله: احم، أنا عرفت إنك خريج كلية تجارة وبتدير أعمال والدك وعندك شركة في المحافظة وفي مصانع هنا كان. بدر بابتسامة لتغييرها مسار الحوار: أيوه، الأرض والمصانع والشركة بيكلموا بعض زي ما إحنا هنكمل بعض بالضبط. ليله بخجل من تلميحاته: كنت مرتبط قبل كده؟ بدر: لا ما ارتبطتش أبدًا، ولا عمري فكرت ارتبط. ليله: مش غريبة دي، وخصوصًا إنك درست في القاهرة واكيد شفت بنات كتير وعجبتك وارتبطت حتى لو ارتباط مش رسمي أو حب.
بدر: لا مش غريبة، أنا قلبي مادقش إلا ليكي، ولا عيني مالت غير عليكي، ولا عقلي فكر إلا فيكي، وكأني كنت طول العمر مستنيكي... كفى، أصمت. أنت تشعلني بكلماتك، أنت تسحرني بهمساتك وتجعلني أتمنى لمسة... ماذا؟ لمسات ماذا يا ليلة؟ أفيقي يا وقحة، كيف تفكرين وفي هذا الأمر؟ ليله: مش شايف إنك بتبالغ أوي، أنت يدوبك شايفني من يومين بس، لحقت تحس بكل ده؟ بدر: هي نظرة واحدة بس كانت كفاية ليا عشان قلبي يدق ليكي.
ليله بخجل مفرط: لو سمحت الوقت قرب يخلص ولسه ما اتكلمناش في حاجة. بدر: قدامنا العمر كله عشان نتكلم فيه. ليله بغيظ: وأنت إيش عرفك إني هوافق أصلًا وأقبل بيك؟ بدر: ماقولتلك قلبي. ليله: طيب أنا تقريبًا عرفت عنك الحاجات اللي الناس كلها تعرفها زي تعليمك، سنك، شغلك. فيه حاجة في حياتك تفتكر إني لازم أعرفها؟ بدر: تقصدي إيه؟ ليله: يعني فيه حاجة في حياتك الناس ما تعرفهاش مثلًا أو سر بحياتك كده يعني.
بدر: لا أنا ما عنديش أسرار، ولو فيه حاجة أنتِ حابة تعرفيها اسألي. ليله: طيب أنت بتصلي، ملتزم في الصلاة يعني؟ بدر: الحمد لله. ليله: الحمد لله على كل شيء، بس برضو ماقلتش ملتزم فيها ولا لأ. بدر: مش هكذب عليكي، أنا بصلي لكن مش ملتزم أوي بيها، وعلشان كده قولتلك الحمد لله. ليله: أنا مش بحب الإجابات دي، ولا بحب المراوغة، وبكره الكذب جدًا، عادي بقبل أي حقيقة وبفكر كويس، لكن الكذب يعني خيانة وأنا مستحيل أتقبلها.
بدر بضحكة بسيطة: كذب وخيانة ومراوغة، ليه ده كله؟ أنا ما كذبتش عليكي. ليله: أنا عارفة، بس دي معلومات بعرفها لك عني. بدر: يعني أفهم من كده إننا بنتعرف دلوقتي على بعض لأنك قبلتي بيا. ليله: أنا ما قولتتش كده، واللي أنا قولتهولك دلوقتي أي حد قريب مني أو في حياتي يعرفه عني. في عندك أسئلة تحب تسألني؟ بدر: أنتِ سألتيني عن الصلاة، هل أنتِ بقى بتصلي؟ ليله: الحمد لله، أنا على قد ما أقدر بلتزم بصلاتي. بدر: طيب ليه أنتِ مش محجبة؟
ليله: أنت مسلم ليه مش ملتزم بالصلاة؟ بدر: ربنا يهديني وإن شاء الله هصلي، بس عادي كل ابن آدم خطاء. ليله: نفس الكلام معايا، أنا مش هتحجب لأن حد عايز كده، أنا هتحجب لما ربنا يهديني وأقدر آخد الخطوة دي عشان ربنا وعلشان ده فرض عليا زي الصلاة بالضبط. بدر: أنتِ بتأمني بالحب من أول نظرة؟ ليله: أنا بآمن بربنا. بدر بابتسامة مرحة: كلنا مؤمنين وموحدين، بس أنتِ فهمتي سؤالي ولسه بتقولي إنك ماتحبش المراوغة.
ليله: مش كل حاجة ينفع نراوغ فيها، في حاجات إجابتها محدودة يا آه يا لاء. وأنا ما جربتش اللي أنت بتقول عليه ده، فأكيد مش هآمن بسراب. بالنسبة لي، أنا مش من البنات اللي عايشة تنتظر فارس الأحلام والحب، أنا هختار اللي يناسبني وأبويًا يوافق عليه، وبعدها ييجي الحب بقى، وأحبه لأنه أكيد طالما يناسبني يبقى هحبه. بدر: طيب وأنا أناسبك؟ ليله بابتسامة شقية: راحت فين الثقة اللي كنت بتتكلم بيها من شوية؟
يا فتاة، إلى أي مدى سوف يزيد عشقي لكي؟ تلك الابتسامة الشقية خطفتني، كل ما بك يسحرني، أقسم أحببتك، أقسم عشقتك، أقسم أن أجعلِك تعشقيني كما عشقتك... بدر: ابتسامتك جميلة قوي. تعرفي في كتب الكتاب لما كنتِ بتبتسمي لمروان وتحضنيه وتضحكي في وشه، تمنيت أكون مكانه، تمنيت إنك تضميني أنا مش هو، تمنيت إن نظراتك ت... (قطع استرساله في الحديث مجيء مروان ووقوفه على أعتاب باب الغرفة الذي تركه مفتوح قبل قليل)
مروان: إحم إحم، الرجالة عايزينك يا بدر. أنا مديونة إليك يا أخي، لقد أنقذتني منه ومن حديثه، يا الله رحماك بي وبقلبي المسكين... انتظروني يوميا عدا الجمعة الساعة العاشرة مساءً على صفحتي الشخصية: Ana Amera Habeby أو على جروبي الخاص: عالم الخيال مع أسماء أبوشادي والرواية متوفرة على الواتباد، اكتبوا في البحث جبروت بقلم أسماء أبوشادي هتظهر معاكم عاد إلى مجلس الرجال وقلبه يدق بعنف، خائف؟
نعم، هو يخشى الرفض، هو لأول مرة يعترف أنه خائف. سالم: إيه يا ابني، أنت شفت بنتي وقعدت معاها، رأيك إيه؟ لسه عايز تخطبها؟ بدر بثقة: لو كنت عايز أخطبها قبل ما أشوفها وأقعد معاها، فأنا دلوقتي عايز أتزوجها، ولو أنت توافق في اللحظة دي تكون مراتي. (ضحكوا الرجال على حديثه وابتسم سالم رغم غيرته على بنته) حسين: طيب شوف رأي عروستنا يا حاج وبشرنا بالخير.
خرج سالم وذهب إلى الغرفة الأخرى حيث ابنته ومعها زوجته تسألها، ولكن هو علم رأيها، فعين ابنة تلمع بوهج لأول مرة يراه بهما. سالم: حبيبتي، رأيك إيه؟ وقبل ما تقولي رأيك ماتخافيش من أي حاجة، ولو محتاجة وقت زي ما اتفقنا مافيش مشكلة يصبروا. ليله بنظرات حب لأبيها الحنون: قبل أي حاجة يا بابا أنا عايزة أشوف أبوه اللي هو هيبقى حمايا لو حصل نصيب. أم مروان باستغراب: وأنتي عايزة تشوفيه ليه؟
سالم: خلاص يا حجة أنا فاهم بنتي عايزة إيه. (وأخذ يدها بين يديه وذهب بها إلى حيث الرجال) سالم: يا حاج حسين، بنتي ليلة هتقول رأيها، بس بعد ما تتكلم معاك (وأشار إليه بيديه) ده الحاج حسين أبو بدر يا ليلة، وهو دلوقتي عايز يعرف رأيك على ابنه. ليله بصوت مبحوح: قبل ما أقول رأيي وأقبل بابنك، هل حضرتك تقبل أني أكون بنتك قبل ما أكون مراته؟
موافقتي تتوقف على موافقتك. أنا طول عمري عايشة عشان أرفع راس أبويا بين الناس، ولو حصل نصيب هبقى مش بس شايلة حلم سالم شاهين، لا وبدر حسين الشرقاوي، دا إذا حضرتك قبلت إني أكون بنتك. حسين: زين ما ربيت يا سالم يا شاهين، وأنتي فعلاً رفعتي راس أبوكي، ومن اللحظة دي أنتي بنتي. أبويا أخد مني زينة وأنا هاخدك منه. شعر سالم بوخزات في قلبه من كلمة الأخذ، ولكنه سألها بنظرات فخر: إيه رأيك يا ليلة؟ ليله بهمس: موافقة.
سالم: لا ارفعي صوتك وسمعي الكل. ليله بخجل: لو حضرتك ما عندكش أي اعتراض وبعد موافقتك أنا موافقة. ماذا سيحدث؟ أن وقف الآن وأخذها بين أحضانه، يا إلهي، لقد أوقعت قلبه بين براثن القلق حينما أتت مع والدها، ولكن الآن هو أسعد إنسان في الكون. انتظروني يوميا عدا الجمعة الساعة العاشرة مساءً على صفحتي الشخصية: Ana Amera Habeby أو على جروبي الخاص: عالم الخيال مع أسماء أبوشادي
والرواية متوفرة على الواتباد، اكتبوا في البحث جبروت بقلم أسماء أبوشادي هتظهر معاكم قصر قاسم رسلان:
تجلس في غرفتها وحيدة، اعتادت الوحدة والصمت، لا تريد الاختلاط مع البشر. تعرفت على كثير من البشر ومن كل الأجناس والدول، الغرب والشرق، مسلم ومسيحي، ولكن لم تسمح لأحد منهم بالتقرب منها. ليس لأنها ليست بحاجة أحد، ولكنها لا تريد ذلك، لا تريد أبدًا. يكفيها ما أصابها حتى الآن. شاردة تفكر في كل كلمة نطقت بها أمامهم، ليست نادمة أبدًا، وهذا ما يعذب ضميرها، فهي بتلك الكلمات السامة لم تؤذي قاسم فقط، بل جرحت آدم الشاب اللطيف الذي لم يسيء إليها أبدًا، ودائمًا ما يحاول التقرب منها، ليس ذلك التقرب العاطفي ولكن العائلي. هي تشعر أنه مختلف عن باقي العائلة، ولكن هذا لا يهمها في شيء.
ريتال بهمـس: ردي الجرح للي جرحوكي يا ريتال. ليه بتجرحي اللي عمره ما آذاكي وبتسيبي الأندال؟ يارب يارب يارب دلني إلى الصواب. بقيت على حالها وقت طويل إلى أن ناداها إحدى الخادمات لتخبرها أن ميعاد العشاء قد حان. أرادت أن تخبرها أنها لا تريد أن تأكل، بل أرادت أن تعنفها وتنفجر بها وتقول لها: اتركيني بحالي، لا أريد منكم طعام. ولكن لم يحن الوقت بعد. ريتال بخفوت: دقيقة واحدة وهنزل.
لن تختبئ بتلك الغرفة، بل ستواجه دائمًا، هي ليست مخطئة، فليختبئوا هم منها، هم من أخطأوا، هم من آذوها، هم من جرحوها، هم من خطفوها، خطفوها. على طاولة العشاء، ابتسمت بانتصار عندما لم تر قاسم جالسًا بمقعده ولا ذلك الشبيه له حفيده جسار، ولكن خاب أملها عندما رأتهم يخرجون من غرفة المكتب معًا وينضمون إلى الجالسين. ريتال بجمود: سلام عليكم. (وجلست بمقعدها ولم تنظر لهم حتى وكأنها لم توجه لهم سلامًا)
ردوا عليها السلام جميعًا، عدا عن عايدة، فهي تنظر لها بحنق وغيظ شديد. جلست بمقعدها وتطلعت بجانبها للمقعد الخاص بآدم وتألمت عندما وجدتـه فارغًا. قاسم: أومال فين آدم؟ عايدة: حضرتك بتسأل عنه ليه؟ وهو هيقعد ليه؟ ما كفاية علينا الهانم، الدكتورة ريتال. تطلعوا جميعًا إلى ريتال وقد توقعوا ردًا وقحًا منها، ولكن هي خالفت توقعاتهم بحيث ظلت تأكل طعامها ببرود تام دون أن تعيرها أدنى اهتمام وكأنها ليست المعنية بالأمر.
قاسم بتنبيه: عايدة. عايدة بابتسامة مصطنعة: حاضر يا بابا، عايدة سكتت خالص أهو مش هتتكلم تاني. بعد قليل وقفت وهي تتمتم بالحمد إلى الله. قاسم ببرود: خلصتي أكل؟ ريتال بجمود: الحمد لله. (وقف هو الآخر وتحرك أمامها) قاسم: طيب حصليني على المكتب. لحقـت به ببرود تام، هي تبذل مجهود كبير حتى تحافظ على برودها وجمودها. ريتال: خير يا قاسم بيه. قاسم: شريف المهدي ما وحشكش؟ أنتي هنا بقالك يومين ما حولتيش تشوفيـه ولا حتى تتكلمي معاه.
تبًا لك يا قاسم رسلان، أنا أكرهك، لماذا تتعمد إيلامي وتعميق جروحي. ريتال بضحكة بلاستيكية: إيه، بتفكر توفري لي تعبي في الاتصال أو المشوار وتجبهولي هنا أشوفه؟ قاسم بسخرية وتهديد مبطّن: فعلًا، أنا بس منتظر إنك تحاولي تشوفيـه أو تتكلمي معاه عشان أجيبه أنا بنفسي.
وقع قلبها من تهديده وتحطم الجمـود وانهارت الهالة المحيطة بها من البرود، ولكن أخفت الخوف بداخلها وأظهرت جانبًا واحدًا فقط، جانب تعلم أن قاسم رسلان متشوق لرؤيته، وها هي سوف تريه إياه. ريتال بضحكة قاسية: هههههه، مش قادرة أتخيل بصراحة إنك هتتنازل وتجيب شريف المهدي هنا عشان أشوفه، هههه، حركة لطيفة منك بصراحة. بس يا ترى هتعمل كده ليه؟ عشان أوافق على حفيدك مثلًا لما تسمح لي أشوف أبويـا لو فعلاً أنت عايز كده؟
أحب أقول لك ريح نفسك، ما في داعي لتعبك، أنا مش عايزة أشوفه. (صرخ قلبها: كاذبة، كاذبة، أنتِ تشتاقين إليه، أنتِ تريدين رؤيته، أنتِ تشتاقين إلى حضنه، أنتِ تريدين أباكِ الطيب الحنون، ريتال، ولكنها أخرست قلبها وأكملت حديثها رغم النزيف بداخلها) ريتال: أنا خسرت أبويـا وأمي من زمان، من سنين، واتيتمت خلاص بقى، اللي راح ما بيرجعش. قاسم بعدم تصديق: اممم، يعني مش عايزة تشوفيه؟ و غصبًا عنها ورغم محاولاتها ظهر الانكسار
في لهجتها وهي تخبره: قولت لك أنا خسرت عيلتي من سنين، مابقاش ليا حد. قاسم بلهفة وانفعال: إحنا عيلتك، أنتِ حفيدتي، أنتِ بنت زهرة رسلان. هو ما يستاهلش يكون عنده بنت زيك، هو يستاهل كرهك له زي ما خلى بنتي تكرهني و... قاطعته بصوت عالٍ: لاء، مين قال لك إني كرهته؟ أنا مستحيل أكره أبويا، أبويا الراجل الطيب معلم الأجيال اللي عمره ما آذي حد، أكرهه ليه؟ ها؟ أكرهه ليه؟
صحيح مش عايزة أشوفه، صحيح اتخلى عني، صحيح سابني ليك ولجبروتك، لكن أنا عمري ما أكرهه أبدًا. (وضربت بقبضتها على قلبها ضربات بطيئة لكن قوية) أبويا وأمي هنا، أبويا وأمي عايشين جوايا. (وقصدت أن تجمع أباها وأمها رغم أن أمها متوفاة، ولكن فعلت ذلك لتقنعه أنها رغم وجوده تحسبه ميت ولأنها لن تقدر أن تقول تلك الكلمة) أنا عايشة بيهم، صحيح هما بعيد عني، لكن دايما معايا وبدعيلهم في كل صلاة وبقول: يا رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا،
وبقول: يا رب اجمعني بيهم يوم القيامة في جنة الخلد حيث النعيم. أنت ما حققتش انتقامك لأني عمري ما هكره أبويا. قاسم بعصبية مفرطة: أنا باخد حقي منه، أبوكي الراجل الطيب معلم الأجيال سرق بنتي مني، قواها عليا، خلاها تبعد عني وتكرهني، هو قتل بنتي. ريتال بسخرية: هو قالها اكرهي أبوكي فكرهتك، قالها سيبيه فسابتك، تصدق اقتنعت، بس يا ترى هل أنت مقتنع بكده؟ (وتنفست بعمق تحاول السيطرة على نفسها)
أنا هسافر، هرجع لدراستي وللسجن اللي إنت اخترته من زمان علشاني. قاسم: ما فيش سفر، أنتي خلاص هتعيشي هنا، مش هتسافري تاني، مكانك هنا وسط عيلتك. ريتال باصطناع اللامبالاة: عادي، مش فارقة، بالنسبة لي واحد. عن إذنك يا قاسم بيه. خرجت من المكتب ورأيتهم أمامها قد تجمعوا أمام الغرفة بسبب سماع صوته وصياح قاسم. نظرت إليهم بجمود وصعدت إلى غرفتها.
أما جسار فنظر إليها بألم وحزن وراقب مرورها من أمامه وهو يتمنى احتضانها ومواساتها. هو يشعر بها، يعلم أنها تتألم، يعلم أن ذلك الجمـود ما هو إلا واجهة لإخفاء حزنها ووجعها. دخلت إلى حمام غرفتها وهي تغسل وجهها بالماء البارد وهي تردد: لن أبكي، لن أبكي، لن أبكي. وسرعان ما توضأت وارتدت سدال الصلاة ولجأت إلى ربها، سجدت بين يديه تدعوه وتشكو إليه.
ريتال بدموع وهي ساجدة: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلت حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ سخط فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي من ذنوبي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن يحل بي سخطك أو ينزل عليّ عذابك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة لي إلا بك.
بعد أن انتهت من صلاتها جلست تقرأ في كتاب الله حتى تهدأ وتطمئن، وبعد أن هدأت دخلت إلى الحمام مرة أخرى وتحممت وغسلت وجهها كثيرًا بالماء البارد حتى يزول أثر البكاء ويختفي انتفاخ جفون عينيها. انتظروني يوميا عدا الجمعة الساعة العاشرة مساءً على صفحتي الشخصية: Ana Amera Habeby أو على جروبي الخاص: عالم الخيال مع أسماء أبوشادي والرواية متوفرة على الواتباد، اكتبوا في البحث جبروت بقلم أسماء أبوشادي هتظهر معاكم صباحًا
وقفت أمام قبر والدتها بجمود، سرعان ما اختفى وهي تشرد في بحر الذكريات. ليتـك تعودين أمي، أنا بحاجة إليكِ، متى اللقاء يا حبيبة الروح؟ أنا أتألم أمي ولقد مللت، لا أريد أي شيء، فقط أريدِك أنتِ. الكل قد تخلى عني يا أمي، عودي أمي، عودي يا أمي رجاء. أمي يا ضياء الأيام، يا منبع الحب والحنان أنتِ التي ربيتيني وعلمتيني معنى الإيمان يا سلطانة عمري، يا أميرة الإحسان تحملتي لأجلي كثيرًا من الهموم والأحزان
وتحملتي لأجل خاطري تقلبات الزمان أمي علمتيني كيف أعيش وكيف أكون بأمان عودي أمي فأنا وحيدة أعيش في زمن خوان يا أمي بكل دقة قلب أنادي، أين الحنان؟ قد ضاع بعد فراقك كل شيء حتى الأمان ضاعت فرحتي، ضاع الأمان، لم يتبقى سوى الحرمان عودي لكي يعود أملي في الزمان لي معكِ أجمل الأيام قضيناها في أجمل مكان منزلنا الجميل، أشتاق إليه وإلى تلك الصور المعلقة على الجدران عودي لكي تدعي لي بالنجاح والهدى والغفران.
(من قصيدة عودي يا أمي بقلمي أسماء أبوشادي) ريتال بخفوت: عارفة إن اللي بيموت مابيرجعش ودي أكتر حقيقة بتوجعني أوي. أنتي روحتِ وأخذتِ معاكِ كل حاجة، البيت والحنان والدفا والأمان، ما سبتيش ليا أي حاجة خالص. فاكرة آخر حاجة قولتيها لي قبل ما تمشي؟ قولتي لي: اوعي يوم تكرهي أبوكي ولا لأي سبب. قلتي لي: إني برغم صغر سني وبراءتي، إلا أني أقوى منه. قلتي: اوعي تلوميه في يوم على أي حاجة.
قلتي: حبيـه وخليكي دايما فاكرة إن مهما حد حبـك مش هيحبـك قـده. أنتي كنتِ عارفة إنك هتمشي، كنتِ عارفة اللي هيحصل من بعدك، ومع ذلك مشيتي. دخلت نمت واستنيتك تدخلي أوضتي عشان تصحيني لصلاة الفجر، مع إني كنت صاحية، معرفتش أنام وكنت بفكر في كلامك، وقولت أول ما أشوفك هسألك ليه قولتي كده، ولما الفجر أذن وأنتي مادخلتيش أوضتي، رحت أنا عشان أصحيكي وأنا مستغربة. دي أول مرة تحصل إنك ماتدخليش أوضتي في صلاة الفجر عشان أصلي وأذاكر لك، لكن أنتي كنتِ مشيتي. دخلت لقيتك في حضن أبويـا وهو بيبكي عليكي، ما فهمتش أي
حاجة غير لما قالي بدموعه: تعالي نحضنها مع بعض لأن خلاص دي آخر مرة. من بعدها يا ماما كل حاجة ضاعت، زي ما حضنك ضاع، البيت ضاع والمأوى ضاع، مابقاش ليا أي حاجة، وفي نفس اليوم خسرت أبويا زي ما خسرتك، وأنا برضو مش فاهمة حاجة. لكن فهمت، كبرت وفهمت، وأخذت ورثك، مش بس مذكراتك اللي قولتي إنها ورثي منك، لا ورثت همومك وحمولك. أنتي عند ربنا في أمان والحمد لله، يارب تكوني في الجنة، ولو كنتِ سمعاني دلوقتي ماتقلقيش عليا، وادعي لي،
ادعي لي أنا وبابا لأننا تايهين في الدنيا. ادعي يكون بخير وأشوفه قريب ويجمعني بيه ربنا، وأنا هدعيلك تكوني في جنة الرحمن. أنا همشي، هرجع للبيت اللي إنتي زمان هربتِ منه، أصل أبوكي بيعمل معايا اللي ما عملهوش معاكِ حتى لما عرف إني خارجة من سجنه عشان أزورك، بعت معايا كلابه. إلى لقاء جميل يا أمي.
*** نزلت من السيارة بعد أن فتح لها أحد الحراس الباب، وقبل أن تهم بالدخول رأت آدم يقف في ركن هادئ شاردًا حزينًا، فاقتربت منه ووقفت بجانبه تنظر إلى الفراغ مثله. ريتال: أنا آسفة. نظر إليها آدم متفاجئًا من وقوفها بجانبه ومن أسفها. آدم: بتتأسفي على إيه؟ ريتال: آسفة لأن كلامي جرحك، لكن مش آسفة على كلامي، مش آسفة على اللي قولته، لكن آسفة على إنه سبب حزنك. أنا قصدت كل كلمة قولتها لك، لكن ما قصدتش أجرحك أنت أو أؤذيك بها.
آدم بابتسامة: يبقى ماتعتذريش، لأنك ما غلطتيش ولا قولتي حاجة كذب أو افتراء مثلًا. ريتال: وأنا وضحت لك سبب اعتذاري. ابتسم بألم وهو ينظر إليها: ريتال، أنتِ مش سبب حزني ولا الحاجة، وأنتِ فعلاً ما غلطتيش، أنتِ قولتي الحقيقة. ريتال: لكن الحقيقة دي جرحتك. آدم بتنهيدة ألم: بالعكس، أتمنيت أسمع الكلام ده، أتمنــيته أوى وكنت منتظره من أحب الناس ليا، لكن ههههـه.
ضحك بسخرية بألم بوجع، ضحكته مزقت قلبه، الشاب اللطيف والذي تطلق عليه لقب ظريف العائلة، اكتشفت أنه يتألم ويتوجع. ريتال بخفوت: شكلك وراك حكاية طويلة. آدم بنظرات ألم: لا مش طويلة، دي قصيرة أوي، أقصر مما تتخيلي، لكن سابت أثر كبير مش سهل إنه يختفي أبدًا. مد إليها يده وبنظرات تحمل الأمل والرجاء في أن تلبي طلبه: تقبلي تكوني صديقتي وتسمعي حكايتي؟ (رأى بعينيها الرفض واضحًا فأكمل حديثه)
ريتال، أنا من يوم ما عرفتك وشوفتك هنا في البيت ده وأنا بعتبرك أختي، وماليش أي ذنب في أي حاجة عملها جدي، ولا كنت أعرف إنهم ممكن يفكروا يجوزونا لبعض. أتمنى إنك تنسي إني من عيلة رسلان وتتعاملي معايا على إني صديق. رأت الصدق في عينيه وأحست بالرجاء في صوته، وبتردد رفعت يديها وبادلتـه السلام بعد أن كاد يسحب يده بخيبة أمل. ريتال: أتمنى إنك تكون قد الصداقة دي ومتخذلنيش، لأني اكتفيت من الخذلان.
آدم: ماتخافيش، أنا كمان جربت الإحساس ده ومستحيل أكون سببه لأي حد. اللي اتخان مستحيل يخون يا تالا. ابتسمت له ابتسامة لم تصل إلى عينيها، ولكن حاولت الابتسام لكسر أجواء الحزن. ريتال: مبدئيًا كده، بلاش تقول تالا دي، أنت من وقت ما بدأنا الكلام بتقول ريتال، ولما بقينا أصدقاء تقول تالا تاني. تطلع إليها باستغراب: أنتِ مابتحبيش الاسم ده.
ريتال: مش مسألة بحبه أو بكرهه، لكن تقدر تقول زهقانة منه ومليت من تالا دي. هناك بيستسهلوا الاسم ده والكل بيناديني بيه. آدم: خلاص يبقى أنا هقولك يا ري ري عشان أبقى مميز. ابتسمت بحنين إلى الماضي ودق قلبها باشتياق. ريتال: نفس الاسم اللي بابا وماما كانوا بينادوني بيه أغلبية الوقت. آدم: اشتقتلهم؟ ضحكت بسخرية، ولكن ضحكة خافتة، بل صامتة، ليس لها صوت، فقط هي ضحكة مصدرها الألم. تألم لأجلها وشعر بالندم لأنه تسبب في ذلك،
فحاول تغيير الموضوع: بسألك أسئلة غريبة، صح؟ ريتال تنهدت بألم: صح، سيبك مني واحكي حكايتك القصيرة. آدم ببساطة لم تخفِ الألم في عينيه: حبيـت واحدة كانت بتحب كيان رسلان. رن هاتف آدم ليقاطع حديثه. آدم: ألو... **** أيوه **** الدكتورة ريتال المهدي **** طيب لحظة واحدة. (ونظر إلى ريتال بقلق) ده الدكتور اللي طلبتي مني امبارح أسيب له رقمي عشان لو احتاجك. أخذت منه الهاتف لتتحدث وسرعان ما أنهت الاتصال. آدم بتوتر: في إيه؟
هو المصاب حصله حاجة؟ ريتال: بيقول إني لازم أروح المستشفى دلوقتي. آدم: طب استني أنا هوصلك. ريتال: خليك، هاخد السواق اللي كان لسه معايا. آدم: يا بنتي اصبري، هجيب مفتاح عربيتي في ثانية وأجي. وقفت تنتظره وسرعان ماتذكرت قاسم، وعندما رأته صباحًا وهي تخرج وأمره بأخذ الإذن منه عندما تريد الخروج، بل صرح أنه لا يجوز لها الخروج دون إذن.
لحقت بآدم إلى الداخل ووجدت عايدة وليليان يجلسون بانتظار موعد تناول الطعام، نادت إحدى الخادمات اللواتي يحضرن طاولة الفطور. ريتال: فين قاسم بيه؟ الخادمة: في مكتبه حضرتك. تقدمت إلى غرفة المكتب ودقت على الباب ودخلت بعدما سمعت الإذن بالدخول. قاسم: تقدري تدخلي على طول بعد كده، أنا بسمح لك بكده. ريتال: وأنا ما اسمحش لنفسي. أنا رايحة المستشفى اللي كنت فيها امبارح عشان أشوف حالة المصاب. قاسم: اصبري لبعد ما تفطري.
ريتال: المصاب حالته ماتسمحش إني أتأخر عليه لمجرد إنك أمرتني آكل قبل ما أمشي. قاسم: طيب روحي والحرس هيكونوا معاكي زي ماراحوا معاكي المقابر. ريتال: اطمن يا قاسم بيه، آدم هيوصلني، وأكيد هيكونوا ورانا زي امبارح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!