وصلت واخيراً إلى السكن، ومنذ أن خطت أول خطوة للداخل سمعت أصوات صراخ تأتي من الأعلى ومن اتجاه غرفة ماريا وليلى. وأغلبية الفتيات الساكنات معهن يقفن أمام الغرفة، وبعضهن يتمتم بكلمات غاضبة على الصراخ والإزعاج، والأخريات يشفقن على من بالداخل. ريتال...
لا تعلم كيف وصلت، فأول مرة بحياتها تقود بتلك الطريقة، حتى كادت أن تفتعل أكثر من حادث. لا تعلم ما يحدث، ولكن تلك الصرخات التي سمعتها توحي بانهيار ماريا. هي تعلم تلك الصرخات جيداً، صحيح لم تصرخها قط، ولكن تعلم أنها تعني الكثير، وكأن أحدهم يُقلع قلبه من بين ضلوعه. وهذا ما شعرت به عندما وصلت إلى مبنى سكنهم وسمعت صرخات قوية أفجعتها.
وعندما دخلت، أصيبت بالهلع وهي ترى ليلى تحتضن ماريا وتحاول تثبيتها، والأخرى تبكي بحرقة وتقاوم وهي تصرخ كالطير الذبيح الذي يلفظ آخر أنفاسه. أسرعت إليهم وهي تضع الحقن التي أحضرتها معها من المشفى عندما سمعت الصرخات وعلمت أنها سوف تحتاجها. وقفت أمامهم وهما راكعتان بالأرض وتتحركان بعشوائية، وأيدي ماريا تحاول الوصول لأي شيء لتكسره أو تؤذي نفسها به. وليلى تصرخ بها أن تهدأ وتتراجع دون فائدة.
جلست بجوارهما، وشعرت كل منهما بوجودها. وللحظة، رفعت ماريا عينيها لتتقابل مع عيني ريتال. يا لتلك النظرة! (لتتسائل ريتال داخلها) ماريا، ماذا حدث معك أيتها الدمية الضاحكة؟ من فعل بكِ هكذا؟ ومن قتلك بتلك الطريقة المفجعة؟ نظراتها ما كانت إلا وجع وألم وخذلان وفقد. رأت بها نفس نظرتها من أعوام فائتة. ثبتت ماريا نظراتها على عينيها ومازالت تصرخ وتحرك رأسها بالرفض، وكأنها تحاول أن تخبر ريتال رفضها بشيء تعجز عن نطقه.
أشارت ريتال إلى مشرفة الدار الواقفة بجوار الباب ودموعها تنزل بغزارة شفقة على ماريا. فاقتربت منها وهي تعطيها الحقن التي جلبتها معها، ثم ساعدتها هي وليلى لكي تحقن ماريا بالمهدئ. وهي مازالت بالأرض وبين أحضان ليلى، وعندما هدأ حركاتها، رفعوها معاً ووضعوها فوق الفراش وقد تخدر جسدها. نظرت إلى ريتال نظرة أخيرة قبل أن تغمض عينيها باستسلام. خلفها نظرة استفهام؟؟؟
نظرة استفهام فهمتها ريتال جيداً. تريد منها أن تخبرها أن ما يبكيها هكذا ليس حقيقياً، تسألها وتريد منها تأكيداً. لتنظر ريتال إليها ولسان حالها يقول: "كيف لي يا صغيرتي أن أخبرك شيئاً لا أعلمه". بادلتهما النظرة بألم، وقد تيقنت حقاً أن ما حدث قتل ماريا التي رأتها أول مرة وأصبحت شقيقة لها، قتل تلك الفتاة المبتسمة بأمل للحياة رغم ما قاسته من فرقة وتشتت أسري.
قامت المشرفة بإبعاد الجميع عن الغرفة، وبقيت ريتال وليلى فقط. ولازالت ليلى تبكي بحرقة، ولكن أدركت أن نحيبها الآن ليس فقط على حالة ماريا، وإنما جروحها هي الأخرى قد فتحت أيضاً. إلى الآن لم تستطع ريتال النطق بكلمة واحدة، ولا حتى لمعرفة ما سبب ذلك الانهيار. ليس لأنها لا تهتم، ولكن مخافة من الواقع. تخشى الإجابة كثيراً، وقد يكون ما كانت تحذر منه قد حدث.
اقتربت من ليلى لكي تهدئها هي الأخرى، ولكن ليس بكلمات، وإنما أخذتها بأحضانها كما تفعل معهم دائماً، وهي بداخلها تقول: "لماذا لم أجد أحد يحتضنني مثل ما احتضنتكم عندما كنت بحاجة لذلك الحضن والاحتواء؟ لماذا من اخترتهم أن يكونوا عائلة لي يتألمون جميعهم ويعانون؟ حتى من استثنيتها من الوجع لم ترحمها الدنيا، تتركها بشأنها؟
هدأت ليلى ونامت وهي تهذي ببعض الكلمات بجوار ماريا على فراشها، ورغم صغر الفراش إلا أنه احتواهما معاً. تركتهما هي الاثنتين لنومهما الحزين وهذيانهم بكلمات الألم المبهمة، وخرجت إلى الشرفة الملحقة بالغرفة. نظرت أمامها وهي حتى لا تقدر على البكاء، متسائلة بألم: لماذا رأيتهم؟ لماذا أدخلتهم حياتي؟ فقد كنت أظن أنه لم يعد هناك شيء بال حياة يؤذيني ويكسرني. لماذا الآن أشعر بالهزيمة؟ لماذا كل من يدخل بحياتي يصبح وجعاً جديداً لي؟
لماذا الحياة ليست عادلة معي ومعهم؟ لماذا اضطرت ليلى على هجر عائلتها؟ ولماذا خذلها حبيبها؟ لماذا تخلى والد ماريا عنها بالصغر؟ ولماذا تركتها أمها أيضاً دون أن تبالي لها؟ وتركوهما للغرباء؟ ولماذا قد وصلت إلى تلك الحالة؟ وأنا لماذا خذلني الجميع؟ لما رحلت أمي وتركتني؟ لما تخلى عني أبي؟ لما خذلني من دق له قلبي وظننت أنني أحبه؟ لما اتخذني قاسم رسلان أداة للانتقام من والدي؟
دخلت في دوامة من الأسئلة، وكلها "لما" و"لماذا". وعندما شعرت بما وصلت إليه حالتهما، استغفرت الله ودخلت لتتوضأ لكي تلجأ إلى من لا يغلق أبوابه أبداً، وبين يد الله فقط. نزلت الدموع المسجونة بين جفونها وأخبرته بكل شيء، شكت له ما في قلبها وطلبت منه ما تريد، وهي على يقين أنه سبحانه أمره نافذ. "إلهي جئتُك أشتكي ألماً أنا يالله من همي تعبت إلهي لا أشتكيك ظُلماً وأنت الذي من رزقك يظهر النبت إلهي ومن َ سواك بي قد علم
أني على هذا الكون أخفيتُ حزناً يعتلي قلبي.. كلما نويت البوح به ما استطعت! فكن لي يالله دوماً دائماً أنا لولاك أصلاً ما وجدت ولو أن الكون كل الكون ضدي وقفت ببابك ما يئست" انتهت ريتال من صلاة الفجر وقد أنهت دعاءها، وجلست تستغفر كثيراً، ثم اقتربت من ليلى بهدوء وأيقظتها لكي تصلي الفجر أيضاً.
خلعت رداء الصلاة الخاص بليلى، فهي لم تستطع النوم طوال الليل. تجلس فوق فراش ليلى الخالي، وتنظر إليها وهما بجوار بعضهما فوق فراش ماريا، وكأنها طفلتان حزينتان بعد أن تم تكسير دميتهم المفضلة. بدلت ملابسها بأخرى من ملابس ليلى، فهي محتشمة وتليق بها عكس ثياب ماريا. أنهت ليلى صلاتها وجلست بجوار ريتال على الفراش والدموع تسقط من عينيها. وسألت ريتال بحزن عميق: "هو إحنا ليه بيحصل معانا كده؟ ابتسمت ريتال بألم، فهي قد سبقت
بسؤال نفسها نفس الشيء: "لماذا؟ " ولكن هي دائماً لديها الجواب، هم اعتادوا على أن ترد عليهم. ردت على نفسها وعليها بثقة وإيمان: "علشان ربنا عايز كده وله في ده حكم، ولو علمنا الغيب لاخترنا الواقع." ليلى: "ربنا ما يرضاش بالظلم." ريتال: "ربنا العادل حرم الظلم على نفسه وعلى عباده، حتى ظلم النفس منعنا أننا نظلم أنفسنا." ليلى باشتياق موجع: "أهلي وحشوني أوووووي." ريتال بجمود: "كذابة." نظرت إليها ليلى بصدمة من
عدم تصديقها ورددت كلمتها: "كذابة." ريتال ببطء وبرود: "أيوه كذابة، انتي قاعدة هنا في أمريكا بتدرسي وبتشتغلي وبتَبني مستقبلك وعملتي لنفسك كيان، ونسيتي أهلك." ليلى بذهول: "أنا نسيت أهلي يا ريتال؟ ريتال: "اثبتي عكس كلامي بدل ما تردديه، دافعي عن نفسك وقولي لأ مانسيتهمش، بس ردي بدليل." ليلى بدموع: "انتي أكتر واحدة عارفة أنا بعاني في بعدهم أد إيه، وانتي اللي بتشجعيني أتخطى عذاب البعد عنهم."
ريتال: "غلطانة، أنا مش بساعدك تتخطي أهلك وتنسيهم، أنا بساعدك في اللي انتي بتختاريه، أنا مش بسمحلك تضعفي، أنا بسندك ودائماً هسندك في اللي انتي عايزاه، لكن عمري ما هقولك اعملي أو ما تعمليش. انتي ليكي عندي النصيحة وقت ما أشوفك محتاجاها أو انتي تطلبيها بنفسك. تقدري تقوليلي امتى حاولتِ تتصلي بيهم أو تطمني عليهم؟
انتي للأسف استسلمتي يا ليلى. استسلمتي للظلم ومحاربتيش، واستنيتي غيرك هو اللي يقف ويدافع ويحارب وعطيتيله فرصة إنه يخذلك. ودلوقتي قاعدة مستنياه يتعطف عليكي ويسحبك لمصر." ليلى بدموع وحرقة: "متقسّيش عليا يا ريتال، انتي بالذات، أوعي تقسّي عليا."
ريتال بهدوء وهي تضمها: "أنا عمري ما أقسى عليكي أبداً، أنا بفوقك يا غبية. هما حكموا بالظلم، وانتي ظلمتي عيلتك ونفسك أكتر لما رضيتي بحكمهم، وكمان استنيتي من جوزك إنه يدافع ويحارب عشانك، مع إنك انتي نفسك محاربتيش، يبقى إزاي بتطلبي منه يحارب؟!
ليلى ببكاء: "والله العظيم حاولت، بس كله كان ضدي وكانوا عايزين يقتلوا أخويا، وأبويا كان قاعد في وسط الناس كأنهم بيتكلموا عن مجرمة. أنا كنت بموت يا ريتال واستنيت منه يسندني عشان ما أقعش. كان نفسي يقف معايا ويقويني ويدعمني، كان نفسي يكون السند ليا في الوقت اللي أقرب ناس ليا ولعيلتي خذلونا." ريتال: "من اتخذ غير الله سنداً مال به. عارفة يعني إيه؟
يعني لو اتسندتي على حد غير ربنا هتقعي ويميل بيكي إما برضاه أو غصب عنه، لأنه في الأول والآخر مجرد مخلوق زيك لا حول له ولا قوة." لترد ليلى بحسرة متألمة: "طب أعمل إيه؟ أرجع وأحارب؟ أو قاطعتها ريتال: "مافيش ولا، لازم تبطلي تخاذل وتحاربي عشان نفسك وعشان تستردي حقك. كفاية انتظار يا ليلى." ليلى بخوف: "تفتكري هقدر عليهم لوحدي؟ ريتال بتشجيع: "مين قال إنك هتبقي لوحدك؟
اصبري بس. فيه شوية حاجات لازم نستعد ليها قبل أي شيء، وأنا بدأت في الإجراءات أصلاً." ليلى بعدم فهم: "إجراءات إيه؟
ريتال: "تفوقك في دراستك ونجاح أبحاثك اللي أهلتك إنك تكوني من علماء الاقتصاد، وكل نجاحاتك، وأخيراً وظيفتك في الجامعة هنا. كل دول يؤهلوكي إنك تاخدي الجنسية الأمريكية، وده اللي لازم قبل ما تخطي أرض مصر نعمله. وكمان إحنا ضمن أعضاء جمعية من أهم جمعيات حقوق المرأة بأمريكا، وده برضو هينفعنا. وأنا اتكلمت مع ماريا في موضوع الجنسية وهي بدأت فعلاً بالإجراءات." سألتها بذهول: "انتي عملتي كل ده عشاني؟ وكمان ماريا بتساعدك؟
أنا مش عارفة أقول إيه؟ جاوبتها ريتال: "ما تقوليش أي حاجة خالص، ادعي ربنا بس الأمور تمشي تمام وزي ما خططتلها." ليلى بامتنان: "أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه." (وحضنتها بقوة) "أنا بشكر ربنا إنه رزقني بيكي في حياتي." لم ترد عليها ريتال، وإنما رددت في عقلها: "وأنا بدعي ربنا يسترها لما تعرفي اللي مستنيكي في مصر." ريتال بعدما ابتعدت قليلاً عن حضنها: "بس دلوقتي لازم نصبر شوية ولازم نقف جنب ماريا، هتحتاج لينا دلوقتي."
دمعت عيني ليلى: "أنا خايفة عليها أوي، أول مرة أشوفها بالحال ده. وماكنتش بتنطق غير بكلمة واحدة: 'قتلني'، معرفش قصدها مين؟ ريتال وهي تتمنى أن يخيب ظنها: "ربنا يسترها وإن شاء الله أزمة وهتعدي." في منزل قاسم رسلان -نيويورك: آدم بعصبية: "أماندا، أماندا." أتت له الخادمة تركض سريعاً. أماندا: "نعم سيد آدم." آدم: "هل أتت ريتال؟ أماندا: "لا سيد آدم لم تأتِ ولم تتصل، وإلا كنت اتصلت بك وأخبرتك كما طلبت مني." (وأضافت بقلق)
"هل ذهبت للمشفى الذي تعمل به؟ آدم بتجاهل لسؤالها: "اذهبي أنتِ إلى غرفتك." أماندا: "حسنا." صعدت الخادمة وتركته يمسح على شعره بقوة ويجذبه للخلف، وهو يعاود الاتصال بهاتف ريتال أو ليلى وماريا.
يكاد يجن من القلق عليها، فهو قد أتى دون أن يخبرها لكي يفاجئها عندما تعود من المشفى وتراه ينتظرها، ولكن طال انتظاره حتى أشرقت الشمس وهو يبحث عنها، وحتى أنه كاد يذهب إلى سكن الفتيات، ولكن قرر الانتظار بضع ساعات أخرى حتى لا يزعجهم إن كانت بمكان آخر. ولكن إلى أين؟
فهي لأول مرة تفعل ذلك. ومن الجيد أنه هنا، فقد أوشكت أماندا أن تتصل بجسار لتخبره عن غيابها وعدم عودتها بعد مناوبتها، ولكنّه منعها وحذّرها من ذلك، بل هددها إن بلّغته بأنّه سوف يطردها. ولكن بداخله قلق وتوتر على ريتال، وأيضاً من رد فعل جده إذا علم بالأمر، فلن يمررها على خير، وحتى أنّه سوف يظن أنها تفعلها دائماً، وبالطبع سوف يرسل حفيده الموقر وسوء الوضع.
لم يستطع الجلوس والانتظار، فقام وقاد سيارته إلى سكن ليلى وماريا، فما يطمئنه قليلاً أنه يشك أنها معهما، ولكن ما يقلقه أنهم الثلاثة أيضاً لا يردون على هواتفهم. بالأعلى في الغرفة بالسكن... ماريا نائمة بفراشها وريتال وليلى يجلسون أمامها. ريتال: "ليلى يلا روحي على شغلك." ليلى: "لأ طبعاً أنا مش هسيبها أبداً."
ريتال: "ليلى أنا قاعدة جنبها ومش هتحرك وهي لسه مش هتصحى دلوقتي، فـأنتي روحي شغلك حتى لو هتيجي بدري، لكن لازم تروحي." ليلى بضيق: "انتي قولتي إننا لازم نكون جنبها، إزاي دلوقتي بتطلبي مني أروح شغلي وكأن ما حصلش حاجة." ريتال باستسلام وإرهاق: "أهدي يا ليلى، أنا بقولك المهدئ اللي أخدته امبارح قوي، وهي نايمة قدامك أهي. لو انتي مصرة وماعندكيش شغل مهم خلاص خليكي." ليلى وقد دمعت عينيها: "مافيش حاجة أهم منكوا عندي."
ريتال: "طيب خلاص كفاية دموع، إحنا بنقول نقف جنبها مش نبكي جنبها." ليلى: "غصب عني صعبان عليا أشوفها كده." ريتال: "إن شاء الله أزمة وهتعدي. أنا موبايلي تحت في عربيتي، هنزل أجيبه عشان أكلم المستشفى وأبلغهم إني مش هقدر أروح." ليلى: "هاتي المفتاح وأنا هنزل أجيبه وأجبلكنا فطار من المطبخ."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!