دخلت إلى المطعم بخطوات مترددة. طوال عمرها لم تتردد في شيء إلا هذا الأمر. منذ أن تركت وطنها ونفت الجميع من حياتها وقراراتها، اكتفت بنفسها فقط. صحيح أن وجود صديقتيها أضاف الكثير إلى حياتها، لكنها تبقى كما هي ريتال. من حاربت وانتصرت، حاربت نفسها قبل أن تحارب من حولها، تحدت الكون كله ولم تترك أي شيء يبطئ خطاها وانتصرت، وكان انتصارها من فضل رب الكون.
الآن، ولأول مرة منذ زمن بعيد، ورغم أنها مجرد سنوات، إلا أنها تشعر أنه بعيد جداً. تحتاج إلى والديها، تحتاج العائلة الدافئة التي نشأت فيها. أين ذهب كل ذلك؟ لم يبق منه إلا أطلال. وللأسف، هذه الأطلال تتمثل في والدها، والذي يبدو أنه قد تخطى الأمر بسهولة. وأدت شعورها بالاحتياج كما تفعل كلما شعرت به. تقدمت إلى ذلك الذي وقف يستقبلها بابتسامة رائعة أربكته. وقفت أمامه بشموخ وهي تلقي السلام: السلام عليكم. عمر وهو يمد لها يده:
وعليكم السلام والرحمة يا دكتورة. مدت يدها واحتضنها بيده. شعرت بقشعريرة اهتز لها جسدها، وكأن كفه لم يحتوي فقط يدها، ولكن احتواها بأكملها. عيناه الباسمة تجعلها تشعر وكأنه يحتوي روحها بنظراته الدافئة. سحبت يدها سريعاً وجلست أمامه ولا تعلم من أين تبدأ، وقد طار كل ما كانت تنوي قوله. عمر برقة استغرابها في نفسه: اتأخرتي أوي. ريتال وهي تنظر في ساعة يدها الثمينة: لا، في وقتي مظبوط. عمر بذات ابتسامته ورقته:
اتأخرتي في الرد وأنا منتظرة وكلي لهفة عشان أسمعه منك. تسـلحت بسـلاحها الجليدي وهو البرود وردت عليه: كل شيء له وقت وميعاد. أنا طلبت أقابل حضرتك النهاردة عشان نتكلم، وبعدها أقدر آخد قراري. عمر ببساطة: وأنا معاكي. لم تعرف لماذا شعرت أن كلمته تلك توحي بشيء غير وجوده هنا. هل أنها تحتاج (لم تترك عقلها يكمل كلمة احتياج ولا تعترف بذلك لشخص آخر) ريتال بجدية متحفظة:
عرفت إن حضرتك تاجر مصري بالمعنى المتدارك، رجل أعمال، وعندك مصانع حول العالم وأكثر من شركة، ومنها في نيويورك هنا، ومشـهود لك بالجدية في عملك والنجاح والثقة في كل المنتجات اللي عليها علامة تجارية خاصة بشركتك، وأنك شخص صادق سواء على صعيد العمل أو الصعيد الشخصي. عمر: تمام. ريتال: وعرفت كمان إن حضرتك مساهم في المستشفى ***** واللي أنا بشتغل فيها، وكمان بتملك مستشفى كبيرة في مصر. عمر بابتسامة:
وبرضو انتي اشتغلتي فيها لما أنقذتيني في مصر. ريتال: آه، متذكرة الموضوع ده وعرفت إنها هي نفسها. عمر: متذكرة اسم المستشفى والموضوع ومش متذكرة المصاب اللي عملتِ له العملية وأنقذتيه؟ ريتال: أنا ما يهمنيش اسم المريض ولا شكله، المهم إصابته أو مرضه وإن ربنا يوفقني وأنجح معاه. فبالتالي لا أعرف اسم ولا أبص للشكل، لكن أنا ذاكرتي قوية إلى حد ما. نرجع للموضوع الأساسي اللي مش قادرة أفهمه، إيه علاقة التجارة والصناعة بالمستشفيات؟
يعني مش شايف إن غريب شوية الموضوع ده؟ عمر وقد اختفت ابتسامته ولكنها لم تختفِ:
لا، مش غريبة ولا حاجة، ده بيزنس. لكن الحقيقة في سبب تاني ورا الموضوع ده. والدتي الله يرحمها توفت بمرض السرطان، رغم إن والدي الله يرحمه مقصرش في حاجة وقتها وعملنا كل جهدنا عشان تعيش، لكن ربنا أراد إنه يريحها ويرحمها من ألم المرض وتوفت بعد عناء، والكلام ده من 12 سنة. وبعدها بخمس سنين اختي الوحيدة ماتت بنفس المرض. ورغم إن كان فيه أمل في الشفاء والعلاج، لكن هي استسلمت بسرعة، وخاصة إنها كانت شابة، مقدرتش تتحمل أعراض المرض
والأدوية. بعدها والدي ساهم في أكثر من مستشفى وخصص جزء من الأرباح السنوية لمجموعتنا يكون لعلاج مرضى السرطان. والمستشفى اللي انتي بتتكلمي عنها في مصر اشتريتها من قريب، وده بعد ما انتي أنقذتيني فيها. يعني الموضوع مش مقتصر على المستشفى اللي هنا أو اللي هناك.
ريتال بتأثر داخلي لم يظهر على ملامحها: الله يرحمهم ويرحم أموات المسلمين أجمعين. تمام، باقي حاجة أخيرة. حضرتك لك أعداء؟ عمر بابتسامة واثقة: مافيش إنسان ناجح مالهوش أعداء. ريتال بنظرات ذات معنى: ويا ترى أعداء النجاح يوصل الأمر بينك وبينهم لدرجة إنهم يحاولوا يقتلوك؟ لم تتغير ابتسامته ولم تهتز، ولكن بداخله علم أن من أمامه لا يستهان بها بالفعل كما سمع عنها. نظر إليها بنظرات غامضة، وقد فقدت عينيه دفئهما للحظات:
الحقد بيعمل أكتر من كده. ريتال: تمام، ممكن أعرف حضرتك تعرف إيه عني؟ عمر:
دكتورة متفوقة ومن أكبر الأطباء على مستوى العالم، ومتوقع لكِ حاجات كتير جداً من كل اللي أشرفوا على أبحاثك في الجامعة. بنت ذكية وقوية ومتحفظة في بعض الأحيان. بنت مدرس بسيط، ولكن جدك والد مامتك الله يرحمها يبقى قاسم رسلان، وهو اللي سفرك هنا عشان تكملي دراستك زي ما بقيت أحفاده درسوا بره. وأنتي كنتي عايشة في بيته هنا، لكن في آخر فترة بعد تعرفك على بنتين أصدقائك، نقلتي إقامتك معاهم. ريتال بإعجاب: تمام. عمر بابتسامة
وقد عادت نظراته الدافئة: أظن دلوقتي قولنا كل اللي محتاجين نقوله دلوقتي وشوفتي أنا أعرف عنك قد إيه، وباقي إنك تبلغيني قبولك (وأضاف بمرح) ونطلب الغدا لأني أنا جوعت جداً. ريتال وهي تحاول ألا ترتبك: مبدئياً أنا موافقة، لكن محتاجة وقت أمهظ فيه لعيلتي. عمر: أنا بنفسي هنزل مصر عشان أطلبك منهم. ردت عليه بجمود تخفي به تعاسة تملكت قلبها: أنا عيلتي موجودة هنا، حضرتك مش محتاج تنزل مصر. عمر: إزاي؟
على حسب معلوماتي والدك عايش في مصر وقاسم بيه موجود حالياً في مصر. ريتال: عيلتي هما البنتين اللي هما أصدقائي وانت ذكرتهم من شوية، ومعاهم آدم رسلان وهو أخويا تقريباً، ومروان سالم شاهين أخو ليلى سالم شاهين، واللي هما كمان جزء من عيلتي. عمر باستغراب: ممكن توضحي أكتر؟ ريتال: كلامي واضح جداً. حضرتك عايز تخطبني وأنا بقولك على أفراد عيلتي اللي انت متعرفهمش واللي مفروض تطلبني منهم. عمر:
طيب والدك وجدك وخالك وعيلتك في مصر، فين من عيلتك اللي بتحكي عنها؟ وقفت أمامه وأخذت حقيبة يدها واستعدت للمغادرة: أسباب شخصية شايفه إن مش من حقك تعرفها حالياً. أنا منفصلة عن كل اللي انت بتقول عنهم عيلتي. وعيلتي الحقيقة هتتعرف على أفرادها لو لسه عندك رغبة في ارتباطنا. سلام.
ورحلت كما أتت، ولكن ليس بخطوات مترددة، ولكن خطوات صامدة ورأس مرفوع بفخر أنها ريتال الطبيبة ريتال وكفى. ولكن بداخل القلب هناك شعور متناقض تماماً وسؤال ال (لماذا) يعود ليؤلمها، ولكن كالعادة تخفيه، بل وتجعله يتلاشى مؤقتاً. جلس يراقب رحيلها وفي عقله تتلاعب الأفكار. ما سر انفصالها عن عائلتها؟ وهل بتلك السهولة تتحدث عن انقطاعها عنهم؟ ولكن كيف ولماذا لم يُذكر ذلك في المعلومات التي طلبها عنها.
خرجاً معاً والابتسامة تعلو وجهها. تعاملهم مع تلك الشركة يعد نجاح جديد لهم جميعاً. ركب مروان بجوار ماريا في سيارتها الجديدة. ماريا: مبروك يا مروان. مروان بابتسامة هادئة: مبارك لينا جميعاً. انتي محامية شاطرة يا ماريا. نظرت ماريا إليه بسعادة: ده ميمنعش إنك دكتور شاطر كمان. (ثم لبّت بأمل من قلبها الذي مازال يخفق نتيجة نطقه لحروف اسمها) نروح نتغدى بره بقى بالمناسبة دي. مروان بجدية وقد عاد إليه تحفظه في معاملتها:
لا، عشان لسه ورانا شغل كتير. ماريا بمرح: مش كتير ولا حاجة، وبعدين ده ميعاد الغدا، يعني حتى لو رحنا الشركة هنتغدى الأول. بلييييييـز وافق، أنا هموت من الجوع. مروان بابتسامة على شقاوتها: خلاص يلا نروح بس مكان يكون في طريقنا ويكون... قاطعته ماريا: قبل ما تكمل الأكل بتاعهم، مش فيه نبيذ أو خمور ونقدر ناكل واحنا مطمنين. وفر كل ده، أحنا هناكل في نفس المطعم اللي لما بنخرج كلنا مع بعض بناكل فيه. مروان:
تمام، وأنا هتصل أشوف ليلى فين لو كده تيجي تتغدى معانا. ماريا: ليلى لسه باقي ساعة عشان تخلص شغل الجامعة النهاردة. وصلوا إلى المطعم وطلبوا الطعام، وظلت هي تتأمله وهو شارد في البعيد. تساءلت بداخلها هل يفكر الآن بحبيبته؟ وعند هذا الخاطر لا تعلم لماذا شعرت بالضيق. ماريا بتوتر: مروان، هو أنت حبيت؟ قصدي يعني اتجوزت مراتك وانت كنت بتحبها قبلها وكده؟ خلاص خلاص، أنا آسفة إني اتكلمت معاك في الموضوع ده.
مروان وقد شرد مرة أخرى عندما أتت سيرتها ولم ينتبه إلى أسفها: أنا ماشوفتهاش قبل ما نتجوز غير 3 مرات، لكن في كل مرة كانت بتخطف قلبي. عشت معاها أحلى أيام حياتي، براءة الدنيا كلها فيها، والحب اللي اتخلق في الكون ده ميكفيش عشانها. هي كانت أجمل وأطيب من إنها تعيش في الدنيا دي. رغم عنها شعرت بالغيرة من تلك التي يتحدث عنها، ولكنها شعرت بالألم لأجله: الله يرحمها. مروان: اللهم آمين.
وصل الطعام وبدأوا في تناوله وهم يتحدثون، ونجحت ماريا بأن تسلبه من شروده في الماضي. لفت انتباهها دخول ثنائي إلى المطعم، شاب وفتاة. الشاب ليس غريباً عنها، صديق الطفولة والحبيب الخائن. يمسك يد فتاة ويدخل إلى المطعم وهو يبتسم لتلك الفتاة.
الغريب في كل ذلك إنه لأول مرة لا تشعر بالغيرة، لا تحترق لأنه يبتسم لغيرها، لا تتألم لأنه يمسك يد ليست يدها، وإنما يد فتاة أخرى. كل ما شعرت به هو تذكرها لآلام خيانته وصفعات كلماته الأخيرة التي نطق بها في آخر لقاء. تتذكر الجرح ومرارة الخيانة، ولم تستطع أن تتذكر أي شيء غيرها. أعادت بصرها لمن يجلس أمامها، وبدون شعور قارنت بين وفائه لحبيبته الراحلة وخيانة الأخير لها، وهي من كانت له كل شيء وحب دام سنوات طوال.
أما الآخر، فدخل إلى المطعم بصحبة الفتاة التي تعرف عليها منذ أسبوع. فهو أصبح دنجوان نيويورك، يترك تلك ومن ثم يصاحب غيرها، وسرعان ما يتركها عندما يجد البديل. رفع نظره عن الفتاة ليبحث عن طاولة فارغة لكي يجلسان عليها، ولمحت عينيه تلك التي تجلس مع شاب وتنظره بتمني. استطاع رؤيته من تلك المسافة التي ليست ببعيدة، ولم يخطئه أبداً، فهي تنظر إليه كما تنظر إلى كل شيء تتمناه. وعندما أدرك ما وصل إليه عقله، ترك يد الفتاة وأسرع إليها بخطوات عنيفة.
خرجت من الجامعة وقررت الذهاب إلى البيت لأنها تشعر بالتعب. ولكن سرعان ما بدلت رأيها عندما تذكرت ذلك التعاقد الذي من المفترض أن يقوم به مروان بصحبة ماريا مع إحدى الشركات هنا. ذهبت إلى الشركة وعلمت أن مروان وماريا لم يعودا بعد، ففضلت أن تنتظرهم دون أن تتصل بهم حتى لا تقاطعهما إذا كان الاجتماع مستمراً إلى الآن.
أما آدم، فكان يجلس بمكتبه ينتظر أن تبلغه السكرتيرة بوصولها. وقد قرر أن ينفذ ما خطط له في عقله، ويبدأ من اليوم، حيث أن لا وقت أمامه سوى ساعات معدودة قبل ميعاد طائرته العائدة إلى القاهرة. أذنت ليلى بالدخول لمن يطرق على باب مكتبها، ولم يكن سوى آدم. ليلى: آدم، انت لسه هنا؟ افتكرتك في البيت بتجهز نفسك للسفر. آدم: أنا كنت مستنيكي عشان عايز أقولك حاجة مهمة قبل ما أمشي. ليلى: اتفضل، كلي أذان صاغية. تنهد آدم، يبعد التوتر
عنه ويحاول استجماع قوته: بصي، أنا أعرفك من سنين، وقت ما عرفتني ريتال عليكي، وبعدها عرفت ظروفك وشفت قد إيه انتي إنسانة صادقة. (تنهد وهو يدعي بالصمود داخله) فكرت إني مش هلاقي واحدة مناسبة ليا أكتر منك. استطاع رؤية معالم الصدمة على وجهها ومحاولتها لاستيعاب ما طلبه منها. أما هي، فلم تكن تتوقع أبداً أن ذلك ما كان يريده فيها. آدم يريد الزواج بها! آدم:
بصي يا ليلى، الموضوع ده بعيداً عن الصداقة اللي بينا وكونّ عيلة واحدة أولاً، وبعيداً عن البيزنس وده ثانياً. أنا دلوقتي همشي وأجهز نفسي للسفر وتقريباً قدامي أسبوعين شغل في مصر على ما أقدر أرجع هنا تاني. فكري براحتك، ولو قبلتي هكون أسعد إنسان في الدنيا بقبولك. لو قدرتي تقرري وأنا لسه هناك، هروح فوراً على بلدكم وأكلم عمي سالم، لكن لو عايزة مدة أطول أنا معنديش مشكلة ومش عايزك تضغطي على نفسك براحتك خالص. ولو كان قرارك الرفض، إحنا أصدقاء وشركاء ومافيش حاجة هتتغير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!