اعترض شيخ رشيد على اللفظ قائلاً: رشيد: إيه ياسمعان!! شفت حنش يابوعمو؟ مالك أكده ماتسترجل ياراجل أماال!! سمعان: سيدي رشيد!! والله كنت جايلك، كنت جايلك. طب روح، روح دارك وأنا جاي وراك. رشيد: بغضب واعتراض: لا يا أخوي، أنا ماني جاي أشحت منك. أنا جاي آخد حقي كيف ما بتجيب للخلج كلها حقها. يعني أنا شيخ جبايل المركز كله والحكيم اللي الناس بتزورني عشان أحللها مشاكلها، ومانعرفش آخد حقي منك إنت؟ سمعان:
باهتزاز وعدم ثقة: إيه إيه، بص يابا رشيد. إنت شيخ الجبايل آه، وحكيم المركز كله أيوه برده على عيني وعلى راسي. بس لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. أعمل إيه؟ الإيجار كده عالي عليا جووي. مش قادر ولا ناهض أسدد القديم ولا الجديد يا ناس؟ رشيد: خلاص، فلوسك اللي عطيتها لي انساها مقابل الإيجار اللي عليك وتفضلي بكرة المزرعة يا ود عمي. خلصنا. سمع سمعان هذا الكلام وكأنه صعق بالكهرباء، ثار وهاج وظل صوته يعلو. سمعان: يا بووي؟ يا بووي؟
فلوسي يا جدع! أنساها كيف يعني؟ رد لي فلوسي وعوضي على الله. رشيد: لااه، فلوسك بتاعت التجديدة للإيجار القديم دي من حقي كده أكده. إنما أعمل إيه قسط الإيجار المتأخر السبع شهور اللي ما عبرتش فيهم بجنيه واحد؟ شوف لك حل. سمعان: حل إيه بس؟ أنا باكلهم بالعافية! أموت من الجوع ولا نسد الإيجار؟ ولا أسرحهم يجلوهم ويزرعوا في الأراضي؟ رشيد: وإنت ما كنتش فاهم إنك هيحصل لك ده احتمال؟
يعني خدت المزرعة وجلت عايز أشتغل وأكسب وعملت لك اللي إنت عايزه عشان ترجع تفتح دارك تاني بدل ما يتخرب. تجوم بدل ما دارك يتخرب تخرب داري أنا؟ طب ماهي كانت معايا بتجيب مكسبها وزيادة كماني. خلاص شوف لك حل تاني وفضلي بكرة بقول. كده مزرعتي تلزمني يا سيدي وأنا أدورها تاني. وتتصرف وتديني فلوس بأي طريقة مفهوم؟ سمعان: لااه ماهفضيش، على جثتي. أنا باكل منها عيش يا ناس! يعني أموت أنا وعيالي من الجوع؟ أموت؟ أتشرد؟
مش هرجع في كلامي ولو على جثتي إلا لما ألم جرشين وأبقى أديك إيجاراتك والله لو هتعمل إيه، لو هتاخد عيل من عيالي. نظر له رشيد ثم فكر قليلاً وقال: رشيد: يعني المزرعة بفلوسها وإيجارها أغلى من عيل من عيالك؟ سمعان: عايشين منها يا ناس بالعافية والله. وأخذ يبكي ويلطم خديه كالنساء ويقول: أهو ده اللي كنت خايف منه، أهو ده اللي كنت خايف منه. يا بووي؟ رشيد: خلاص!
خلاص يا عم. إنت اديتني الحل. إنت خلي لك المزرعة لحد ما الحالة ربنا يعدلها وتتفك معاك. وأنا بقى آخد عيل من عيالك. سمع سمعان وزوجته الكلام صعقا مما يقول. وخرجت عون مصدومة وملامحها بوجهها ترتعد وتوجهت نحو سمعان. عون: إيه ياسمعان اللي بسمعه ده؟ هوا مين اللي هياخد عيل من عيالك؟ إنتو مجانين؟ ماترد له المزرعة ياسمعان، في داهية.
سمعان: اسكتي يامرة اسكتي وتاكلوا منين. غمزه بيده قائلاً: هسس ده أكيد بيهوشنا. ما ياخدش حد طبعاً يا غبية. اسكتي! لو راحت نبقى جوعنا وشحتنا. وأنا ماضي له وصولات أمانة نسيتيها؟ نسيتيها يا محزنة بحزن؟ عون: إيصالات إيه دول؟ كلهم تلاتين ألف جنيه وانت عطيله منهم نجدة عشرة. يعني الكمبيالات بعشرين ألف. يعني سهلة نتصرفوا. سمعان: اسكتي إنتي مانتيش عارفة حاجة. بكاء. أنا ماضي على بياض. اسكتي ساكتة. إهئ إهئ.
سمعت زوجته الكلام شقت ملابسها لذيلها وهي تصرخ وتقول: يامري يامري. خرج رشيد عن صمته قائلاً: رشيد: هااه؟ هفضل واقف أتراجاكم كده كتير؟ شوفوا هتعملوا إيه عشان أنا ما أقدرش ولا أجرجركم على أقصى ولا أبهدلكم بالشيكات اللي عندي. وإنت اللي نطقت الحكم على روحك ياسمعان. عشان بعد كده تبقى تتأدب بكلمتك مع الرجالة. طالما مش جد الحمل شيل على جدك. هااه؟ وآدي وجفة. أما نشوف آخرتها.
سمعان: التفت ناحية زوجته قائلاً: جهزيله عيل من العيال. شوف إنت عايز مين فيهم يا سيدي. وأنا هنيجي نتفاهم معاك على قعدته عندك. قاطعه رشيد مشيراً بإصبعه قائلاً:
رشيد: متخافش يا أخوي. أنا مش عيل صغير كيف أغلب الناس. أنا هاخد منك أمانة وأنا جدها وجودود. لحد ما حالك يتدبر وتجولي تعالي خد مالك حق الإيجار المتأخر سبع شهور. أو آخد مزرعتك وتسدد باقي حق الكمبيالات وتتقطع جدامك. ويبقئ خلص حقي وحقك. وأظن إنت كنت عارف هيا كان زمانها جابت لي جد إيه فلوس لو أنا اللي دورتها بنفسي. سمعان: يخبط رأسه بيده. فين بس؟ فين بس؟ بكاء مستمر.
رشيد: لعون شوفي مين هييجي. وجولي لجوزك يكن فداره في إنصاف الليلي. مش لازم الرزقة اللي جايله يصرفها على الجاوي والغوازي. عون: يارشيد بيه؟ كلهم صغيرين لسه. ده سنتين وده سنة بس. وده أربعة مهينفعوش يعملوا عندك حاجة. أكبر واحدة اللي لزقتك بالحجرة فتحت راسك. في سرها بصوت منخفض: يكش كات فشفشتك نصين يا بعيد. رشيد: خلاص. لبسي الكبيرة وهاتيها. أهي تتعلم حاجة عندنا إبدال لعبها في الشوارع والصرمحة.
بدأت عون في الصراخ الحاد والنحيب. عون: بتي. بتي لااه يا خال. بتي. ودخل سمعان آتي بالفتاة من الداخل وبدأت جدايل تصرخ مثل أمها التي افترشت الأرض بكاء وعويلاً. سمعان: بنهره لامرأته: قومي!
قومي يامرة هاتي خلجاتها يلا. وانتفضت عون من مكانها قائمة وهمت بالداخل أتت بالملابس وأعطتها لجدايل بيدها وأمسك رشيد جدايل في يده وأخذها وهي تصرخ وتنظر لأمها بالبكاء وتجرجر حذاائها في الأرض حيث انخلعت منه فرده على الطريق من الجرجرة في الأرض. جدايل، تلك الطفلة التي كانت تلعب من نصف ساعة فقط، صارت سلعة بيد أبيها يقايض بها على الأشياء الهامة في حياته. مازالت جدايل تصرخ بعزمها.
جدايل: يا بااا. إلحقني يا با. هيموتوني. يما. إلحقيني. إهئ إهئ. عاااااا. عااااا. سيبني يا راجل يا مفتري. حراماااي. حرااماااي. لم ينفع صراخ تلك الطفلة ولم تتمكن من الهرب بسهولة. لكن عقل الطفلة الصغيرة أهداها إلى أن تقرض يده بأسنانها الصغيرة وقامت بعضه عضة عنيفة بكل قواها الصغيرة حتى تؤلمه وبالكاد نجحت في أن تشعر يده اليابسة بالألم. وما أن عضت يده إلى أن تألم بشدة.
رشيد: أفلت يدها. آآآآي. آه يا بنت اللل. إيه يا بنت سمعان؟ ما عتاكليش لحمة إياك؟
أفلتت جدايل منه وجرت بعيدة عن الرجل وأمسكت بطوبة صغيرة من الأرض وحدفتها به ووقفت وجرت ناحية المنزل. ووقف رشيد متعجباً من إصرار هذه الطفلة العنيدة. لم تكن بالقوة التي تعجل ذلك الرجل القوي يفلتها ولكنه فعل ذلك متعمداً حتى لا تبغض الطفلة تلك اللحظة. لذلك جعلها تفلت من يده بإرادته وكان يريد أن تفهم أن أهلها تركوها ليست مخطوفة. لكن ليس من صفات الأطفال عدم خوفهم ورهبتهم من الكبير. من الممكن أن تكون صفة الأطفال العند لكن عدم الخوف والشجاعة بهذه الطريقة. أو على الأقل قليلاً هم يسمعون الكلام.
بعدما جرت إلى البيت توقف رشيد في مكانه مراقباً إياها من بعيد ورآها واقفة مع أمها وأمها تبكي بشدة وتنهر الفتاة وتأمرها بالذهاب وتحدثها وهي تبكي. عون: انقري يابه. انقري ورا سيدك البيه. جدايل: بكاء بنحيب. يمااا. الراجل هباخدني يما. اهئ إهئ. قام سمعان من مكانه مسرعاً وأمسك يدها بقسوة وقوة وسحلها في الأرض سحلاً ناحية رشيد.
سمعان: يلا يابنت الفجرية. غوري يابت بقى. غوري بقى. ودفعها تحت قدمي رشيد. خدها يا سي رشيد. خدها وهم بقى. إرتعدت الصغيرة مما يحدث. عقلها غير مستوعب. وكيف لعقل بهذا السن أن يستوعب ما يحدث؟ جدايل التي كانت تحارب بكل قواها حتى تبتعد عنه وتفر هاربة منه الآن تشبه الأسد المأسور من الغابة. غير مدرب لكنه مأخوذ لكي يؤدي غرضاً.
سارت الفتاة مستسلمة صامتة لا تتفوه بكلمة واحدة. وأخيراً وبعد الكثير من السير وصلا سوية إلى المنزل. ليس منزلاً بل قصراً. رأت جدايل المنزل تعجبت وذهبت بعينها في كل مكان. وفي بالها تتحدث بصمت. هوا ده بيت سيدي رشيد اللي بيقولوا عليه؟ يا بووي. وأنا بقى يا ترى هقعد هنا كتير ولا هقعد كده يومين تلاتة كده وهمشي؟ أمي كانت بتقولي إنتي ما بتمشيش من دارك إلا لما تكبري. طب يا ترى دي هتبقى داري بعد كده؟
أنا مفهماش حاجة واصل. ولا عارفة حاجة خالص خالص. أنا هروح أسأل الراجل البارد الحرامي دهوة وهوا هيقول لي ولو ما قالش هلجأ بالطوبة في راسه أفتحهاله وأرجع لأبويا أقوله إني خلصته من الراجل المفترى ده. وذهبت الفتاة ببرائتها لكي تحدث عمها رشيد الأكبر منها عمراً بمقدار الضعف. ذهبت جدايل تتحدث بكل جرأة ودون خوف. وقفت أمام رشيد. جدايل: إنت يا عم؟ إنت خدتني من حدا دارنا ليه؟ وآني هقعد هنا كده إيه؟ رشيد: هتقعدي لما تتعلمي.
جدايل: أتعلم؟ أتعلم إيه عاد؟ داني من العشرين بت اللي دخلوا المدرسة في البلد كلها. بجا إنت يا حج انت اللي هتعلمني؟ طب أنا حفظت في الدار بتاعة القرآن لحد جزء الرحمن. وهكمل حفظ القرآن كيف ما أمي جالت لي. وعندي مدرسة بعد الإجازة. إنت بقى هتعمل لي كل ده؟ رشيد: أيوه يا جرده يا صغيرة. وهعلمك اللي أكتر كماني. هعلمك تحسبي. وتكملي حفظ أجزاء القرآن كامل. وكل ما تحفظي جزء. ليكي عشرة جنيه بـ حالهم.
سمعت جدايل كلام الرجل حتى طارت من فرحتها وظلت تتمايل وتقفز في كل مكان. جدايل: عشرة جنيه على كل جزء؟ يا حلاوة يا حلاوة. هييه هييه. نظر لها رشيد متبسماً وظل يضحك من أفعالها. رشيد: هه هةهةهة. سبحان الله. إنتي بت سمعان؟ ربنا ليه شؤون في خلقه فعلاً. إنتي أبوكي وأمك ماشيين جوة الحيط ولا بيعرفوا يسمعوا ولا يحفظوا ولا ينيلوا. كيف إنتي بتهم ماعرفش. جدايل: آني أمي اللي بتحفظني وبتعلمني جار الكتاب والمدرسة.
رشيد: طب يلا يا حلوة بقى تعالي هدخلك للخالة تهاني وكل خالاتك عشان يخلوا بالهم منك ماشي؟ عندك جوة خالتك تهاني وخالتك حفصة وخالتك رُبي. التلاتة نسواني. وإنتي هني بتي إنتي فاهمة؟ جدايل: إنت عندك عيال جد إيه؟ رشيد: ياااه. كتير جوي. هتشوفيهم عيل عيل و هتتعرفي عليهم كلهم. وعندي واحد ياجي كدك تمام لااه. كبير عنك هبابة. كان نفسي يبقى مثلك أكده شجاع وجوي. بس طلع ماسخ من خلع خالتك رُبي فيه. أصلها بندرانية. من البندر يعني.
وظل رشيد يتحدث مع الفتاة جدايل حتى عرفها على جميع المنزل وبدأت الفتاة بالإطمئنان للحال الجديد والمنزل الذي وضعت به. لكن هل ياترى سيتقبلها الجميع بسهولة. ليس من السهل بكل حال. ذهب رشيد بها إلى رُبي. تلك الزوجة الأولى وأكبرها وأعتاهن أيضاً. ما إن رأت جدايل إلا وأن جن جنونها وبدأت تسير وراء رشيد. لاحظ رشيد سير رُبي زوجته ورائه. فنادى عليها بحكمة قائلاً: رشيد: يا خالة رُبي؟
خدي البنتة الجميلة دي اتسَبّحيها وجيبي لها خلجات من بتاعة الصبايا اللي بنطلعهم في الأعياد. وجهزي لها مكان مع خواتها البنات. وكليها زين. ما عايز حد يضايجها مفهوم؟ رُبي: حاضر يا أخوي. وعكرعها كماني. نظر لها رشيد نظرة حادة. ردت عليه: رُبي: إيه بهزر يا راجل. أبااي؟ تعالي يابتي. تعالي.
وأخذت الفتاة وذهبت حتى تفعل ما طلبه منها رشيد. لم تكن بإمرأة سهلة هذه الرُبي لكنها إمرأة مثلما يقولون بلهجتها واعرة حادة. مخيفة بعض الشيء. ظلت تفكر كيف ستسيطر على تلك الفتاة. ووجدت أن العنصر المناسب هو إخافتها من رشيد حتى تهرب. وبدأت تتحدث مع الفتاة. رُبي: إنتي بت مين يابت؟ إيه اللي جابك اهني حدانا؟ إنتي مخيفاشي من رشيد؟ جدايل: لااه! وعخاف منه ليه! كنت خايفة الول وعصرخ، بس طلع طيب عاد. رُبي: أبااي؟
هوا جابك ليه دلوكيتي؟ جدايل: معرفاشي! بس هوا كان عاوز ياخد مزرعة بووي. ضحكت رُبي بشدة على جرأة الفتاة. رُبي: يا عبيطة! المزرعة مش بتاعت بوكي. المزرعة بتاعت سيدك رشيد وأبوك مأجر منه. ودافع تجديده. ومن يوم ما دفع التجديدة ما عطاشي لسيدك رشيد ولا جنيه واحد. يعني أبوك عليه إيجار متأخر. غير بجيت الكمبيالات اللي كان ماضيها. وكمان ماضي على بياض. اقتربت من الفتاة.
وهمستها بصوت منخفض: يعني إنتي هنا. قسط الفلوس. وممكن لو أبوك مدفعشي يجتلك. رمي عيل جبل أكده في الرياح. والعيل وجع وماات. سمعت الفتاة الكلام انتفضت من مكانها خائفة. جدايل: روحيني يا خالة. آني ما عايزة أموت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!