الفصل 1 | من 31 فصل

رواية غفران العاصي الفصل الأول 1 - بقلم لولا

المشاهدات
218
كلمة
6,351
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

في أحد القصور العريقة المطلة على شاطئ البحر المتوسط في أرقى أحياء مدينة الإسكندرية، وتحديدًا في قصر الجارحي، أحد أهم وأكبر وأشهر رجال الأعمال في الإسكندرية خاصةً ومصر عامةً، منصور الجارحي. كانت هناك حالة من الهرج والمرج داخل القصر والكل يعمل على قدم وساق من أجل استقبال الحفيد الأول لمنصور الجارحي والرجل الثاني بعده في إدارة إمبراطورية الجارحي، عاصي الجارحي.

بعد عودته أخيرًا من العمل في الخارج في فرع الشركة الثاني في مدينة الضباب "لندن"، واستقراره في مصر بعد سفر دام لخمس سنوات لم يأتِ خلالهم ولو لمرة واحدة منذ وفاة والده وشقيقه في حادث مأساوي.

تقف وسط بهو القصر تتحدث إلى العاملين فيه، تعطي لهم الأوامر بعجرفة وتعالٍ. فلا أحد من العاملين في القصر يحبها بسبب غرورها ومعاملتها القاسية لهم. إنها دريه الجارحي، زوجة أحمد الجارحي، الابن الأكبر لمنصور الجارحي، التي تزوجته طمعًا في ثروة ونفوذ والده. هتفت بعجرفة: نعمات، انتي يا نعمات. أجابتها مديرة المنزل باحترام: أفندم يا دريه هانم.

دريه بعجرفة: عملتي كل اللي أمرتك بيه، مش عاوزة حاجة ناقصة، عاوزة كل حاجة عاصي بيحبها تكون على السفرة. ولو لقيت حاجة مش عاجباني هطين عيشتك انتي واللي في المطبخ. مفهوم؟ أجابتها باحترام: مفهوم يا هانم. ياللا امشي من قدامي، روحي شوفي شغلك وهاتيلي القهوة بتاعتي فوق في أوضتي. قالتها وتحركت مغادرة إلى أعلى حيث غرفتها، بينما أخذت

الخادمة تتمتم بصوت منخفض: حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة، ربنا يريحنا منك ومن شرك. مش كنتي انتي اللي تموتي بدل أحمد بيه الرجل الطيب السكرة، ولا حبيبي منصور اللي راح في عز شبابه. بقى بالزمن ده منظر واحدة جوزها وابنها ماتوا؟ ده إحنا مقهورين عليهم لحد دلوقتي ومقلعناش الأسود إلا من سنة، مش هي اللي قلعته بعدها بكام شهر. يالا هقول إيه، الحنية ما بتتشحتش. أما أروح أعمل لها القهوة بدل ما تسمعني موشح كل يوم.

دَلفت الخادمة إلى غرفتها تحمل في يدها صينية عليها قدح من القهوة، وضعته على المنضدة الصغيرة التي تتوسط كرسيين بجانب الشرفة، والتفتت مغادرة بصمت كما تفعل دائمًا. بينما تقف دريه أمام المرآة تتطلع إلى هيئتها وهي ترتدي أحد مجوهراتها الثمينة كعادتها، فهي تعشق اقتناء المجوهرات. ابتسمت برضا على هيئتها، ثم جلست ترتشف قهوتها باستمتاع.

ثوانٍ وهبت عاصفة هوجاء تقتحم غرفتها متمثلة في ابنة شقيقتها نسرين، النسخة المعدلة والأكثر خبثًا ودهائًا منها، والتي تعيش معها بعد انفصال والديها وزواج كل منهم وسفرهم خارج البلاد. يا طنط دريه، إيه رأيك في اللوك بتاعي؟ حلو مش كده؟ وتسريحة شعري حلوة ولا أرفعه؟ والميكب حلو ولا أخففه شوية؟ ولا أقولك كده أحسن، أنا عاجبني كده. بس الأهم من ده كله هيعجب عاصي. انتي مش بتردي ليه يا طنط؟ هو انتي مديني فرصة عشان أرد؟

عمالة تتكلمي وتتحركي بسرعة. اهدّي شوية خليني أشوف انتي عاملة إيه في نفسك. قامت من جلستها ودارت حولها تقيمها بنظراتها المتفحصة من أعلاها إلى أسفلها، وعلقت باستحسان: قمر يا روح طنط، تجنني. نسرين بسعادة ولهفة: بجد يا طنط؟ يعني هعجب عاصي وهلفت نظره أول ما يشوفني؟ أجابتها دريه بثقة: طبعًا هتعجبيه، هو هيلاقي زيك فين في جمالك وفي حلاوتك وفي شياكتك؟ طالعة لخالتك.

قالتها بغرور منقطع النظير وهي ترتخي في جلستها وتضع ساقًا فوق أخرى. جلست أمامها نسرين وتحدثت بلهفة ووله: يا رب يا طنط يحس بيا بقى. أنا بحبه أووووي أوووي وبحلم باليوم اللي هكون مراته وعلى اسمه. قالتها بحالمية وهي تتخيل نفسها عروسًا ترتدي الثوب الأبيض لفارس أحلامها يخطفها على حصانه الأبيض. اعتدلت دريه

في جلستها وتحدثت بجدية: اسمعي كلامي وانتِ تكسبِ. عاوزاكي تلزقي لعاصي، تبقي زي ضله، ما تفارقيهوش لحظة. ومش عاوزة شغل الجنان بتاعك ده، تركزي وتبقي هادية. عاصي مش بيحب الدوشة ووجع الدماغ. وتعدلي طريقتك مع جده ومع غفران، مش عاوزين مشاكل معاه. انتي عارفة عاصي بيحب جده وبيحترمه قد إيه وبيخاف على زعله إزاي، ده غير إن الست غفران نقطة ضعف جده. يعني لو ضايقتيها زي عادتك، عاصي هو اللي هيقف لك وساعتها انتي الخسرانة.

امتعضت ملامح نسرين عند ذكرها لغفران وهتفت بقرف: يا ساتر، أنا مش بكره في حياتي قد غفران دي، رخمة وباردة دمها يلطش. إزاي واحدة زي دي تبقى حفيدة الجارحي بجلالة قدره وتدخل المطبخ وتقف مع الشغالين تتكلم وتضحك عادي كده، كأنها واحدة منهم؟ لأ وبتساعدهم كمان. ولا لبسها بلدي أوووووي، ما يليقش بواحدة زيها أبدًا، ده أنا صحابي لما بيشوفوها بيفتكروها شغالة من الشغالين. فاكرة إنها كده متواضعة. معرفش الكل بيحبها على إيه! جزت دريه

على أسنانها وهتفت بغل: طالعة زي اللي خالفتها! المهم اسمعي كلامي ونفذيه بالحرف، وأنا من ناحيتي هفاتح عاصي في موضوع جوازكم، وأنا واثقة إنه مش هيرفض لي أي طلب أطلبه منه. انتهى الجد منصور الجارحي من ارتداء ملابسه استعدادًا للنزول إلى غرفة مكتبه بالأسفل، ينتظر قدوم حفيده الغالي. ارتدى ساعته الأنيقة التي تتناسب مع بدلته الغالية ذات الماركة العالمية، فهو بالرغم من بلوغه الخامسة والسبعين من عمره، إلا أنه لا يتخلى عن أناقته.

تناول عصاه المصنوعة من الأبنوس الخالص ولها رأس على شكل صقر مصنوعة من الذهب الخالص التي لا يتخلى عنها أبدًا. تحرك مغادرًا غرفته، ولكنه وقف ينظر إلى الصور المعلقة على حائط غرفته بنظرات حزينة مكسورة. ينظر إلى صورة عشقه وعشرة عمره وأم أولاده، زوجته الراحلة، وبجانبها صورة تجمع أولاده الراحلين أحمد ومصطفى الجارحي. وصورة أخرى لحفيده الراحل أيضًا، عمر الجارحي، شقيق عاصي الأصغر.

تنهد بحزن وهو يطالع صورهم مثل كل يوم، ويلقي عليهم تحية الصباح ويتحدث معهم كأنهم يعيشون معه ولم يفارقوه أبدًا. "انهارده يوم مختلف، عاصي راجع بالسلامة وهينور دنيتي من تاني. الحمد لله إن ربنا مد في عمري وهشوفه وأملي عيني منه من تاني، ده هو اللي فاضل لي من ريحتكم هو وغفران." غفرااااان! قالها ووجهه يبتسم دون إرادته عند ذكر اسمها، فهي حفيدته الغالية الأقرب إلى قلبه، شبيهة جدتها في كل شيء، جمال وجهها وجمال روحها. نظر

إلى صورة زوجته وتحدث بعشق: "غفران كل ما بتكبر بتبقي شبهك أوي يا ملك روحي. كان نفسي تكوني موجودة وتغرقيها في حبك وحنانك، بس هي طالعة زيك طيبة وحنينية على الكل." ثم نظر إلى صورة أولاده وتحدث بغصة مؤلمة: "عاوزاكم تطمنوا وترتاحوا، الأمانة اللي سبتوهالي هفضل صاينها طول ما أنا عايش، وهعمل كل اللي أقدر عليه عشان أحافظ عليها وأوصلها لبر الأمان، عشان لما أقابلكم في دار الحق أكون وفيت بوعدي ليكم."

أخذ نفسًا عميقًا يهدئ من روعه ومسح دمعة تساقطت على وجنته، وقرأ لهم الفاتحة داعيًا الله أن يتغمدهم برحمته. استجمع نفسه وخرج من غرفته، ولكن قبل أن يهبط للأسفل، ذهب إلى غرفة حفيدته كعادته يوميًا. طرق على باب غرفتها وانتظر السماح له بالدخول، ولكن لم يأتِه رد منها. فتح الباب ودلف إلى الداخل يتطلع إلى الغرفة يبحث عنها بعينيه، فلمحها تقف في شرفة غرفتها تسقي زرعها كما تفعل دائمًا. ابتسم بلطف وناداها

بصوته الرخيم الحنون: غافي! التفتت بجسدها عندما استمعت إلى نداء جدها الحبيب، وتركت ما بيدها. تقدمت منه وهي تبتسم باتساع قائلة: صباح الفل على أحن وأطيب جدو في الدنيا. ثم طبعت قبلة فوق وجنته وأخرى فوق كف يده. طبع الجد قبلة حنونة فوق جبينها قائلاً: صباح الورد والفل والياسمين وكل حاجة حلوة على أحلى عيون في الدنيا كلها. اتسعت

ابتسامتها وقالت بشقاوة: الله الله، إيه الروقان ده كله يا سي جدو. ثم دارت حوله تتطالعه بنظراتها المعجبة وأطلقت صفيرًا معجبًا: وإيه الشياكة دي كلها يا حج منصور، انت رايح تتجوز من ورايا ولا إيه؟ تعالت ضحكات الجد على مزحتها وهتف موبخًا إياها: يا بت يا بكاشة، أنا طول عمري شيك. وبعدين هو أنا بعد جدتك الله يرحمها في ست في الكون تقدر تملي عينيا وقلبي؟

ده أنا بدعي ربنا إنه يعجل بأجلي عشان أقابلها في دار الحق، بس بعد ما أطمن عليكي وعلى عاصي. هتفت مسرعة: بعد الشر عليك يا جدو، ربنا يخليك لينا وما يحرمناش منك أبدًا. وأضافت بنبرة حالمة: يا ما نفسي ألاقي واحد زيك كده يا جدو يحبني ربع الحب اللي بتحبه لنانة الله يرحمها.

قفزت صورة معذب قلبها وعشقها المستحيل إلى مخيلتها، وتمنت أن يشعر بعشقها له وبقلبها الذي ينبض فقط من أجله. آآآه، ألتاعت، كتمتها داخل صدرها وهي تدرك حقيقة بعده عنها، فهي الشرق وهو الغرب، هي الأرض وهو السماء. هو يراها ابنة عمه الطفلة ذات العشر سنوات، وهي تراه رجلها وفارسها الأوحد، سيد قلبها. فاقت من شرودها على صوت جدها: إيه؟ روحتِ فين؟ بكلمك مش بتردي عليا. أبداً يا جدو، افتكرت نانة الله يرحمها، أجابته كاذبة.

الله يرحمها. غم بها الجد بعشق حزين. ثم أضاف: إيه ده؟ انتي لسه مجهزتيش نفسك؟ عاصي على وصول خلاص ولازم كلنا نكون في استقباله لما يوصل. تعالت دقات قلبها تدوي بصخب داخل صدرها فور ذكر اسمه، وهتفت تجيب جدها بنبرة مرتبكة: لسه بدري يا جدو، أنا كنت بسقي الزرع وبعد كده هجهز. هو قدامه حوالي ساعة وعشر دقايق ويوصل. قالتها وهي تنظر إلى ساعة معصمها. ضحك الجد وهتف بخبث: ده انتي حاسباها بالدقيقة!

احمرت وجنتاها خجلًا وأطرقت برأسها أرضًا تتهرب من نظرات جدها المتفرسة في ملامحها، ولا تقوى على النظر إليه. طبع الجد قبلة حانية فوق جبينها وهتف داعيًا: ربنا يطمني عليكم يا حبيبتي ويقدرني وأقدر أسعدكم وأحقق لكم كل اللي بتحلموا بيه وأكون قد الأمانة. ربنا يخليك لينا يا حبيبي. أنا هنزل تحت وانتي خلصي اللي وراكي بسرعة وحصليني. زمان دريه ونسرين قالبين الدنيا تحت. ربنا يسترها.

قالها بنبرة ذات مغزى مبتسمًا، فبادلته الابتسامة وهي تشيعه بنظراتها حتى خرج وأغلق الباب خلفه. تلاشت ابتسامتها وحل محلها القلق والتوتر، وأخذت تربت على صدرها موضع قلبها تهدئ من صخب دقاته، محدثة نفسها: اهدي، اهدي، ده لسه موصلش وانت عمال تدق كده، اومال لما تشوفه وتملي روحك منه هتعمل إيه؟ ثم تحركت نحو الحمام الملحق بغرفتها لتأخذ حمامًا سريعًا وتتجهز استعدادًا لمقابلة عشقها المستحيل.

بعد حوالي ساعة، كانت انتهت أخيرًا من ارتداء ملابسها بعد تردد وحيرة كبيرة في انتقاء شيء جميل ومناسب وفي نفس الوقت بسيط، فهي لا تفضل البهرجة على عكس نسرين التي تفضل الأشياء الملفتة والجريئة. وقفت تلقي نظرة رضا أخيرة على مظهرها قبل أن تنزل للأسفل. ولكن تعالت نبضات قلبها تقصف بقوة داخل قفصها الصدري، تكاد يخرج قلبها من موضعه عندما استمعت إلى صوت بوق السيارة معلنًا عن وصوله!

هرولت مسرعة تنظر من خلف ستائر شرفتها. رأت السيارة وهي تدلف من باب القصر مسرعة تسير وسط الممر المخصص للسيارات حتى وقفت أمام البوابة الداخلية للقصر. ولكنها لم تعد ترى شيئًا بعد أن اختفت السيارة من أمامها. لم تلمحه ولا حتى طرفًا من خياله بسبب زجاج السيارة المعتم اللعين! تهاوت على أقرب مقعد لها. جلست بجسد ينتفض فرحًا، شوقًا، وتوترًا! اهدّي، اهدّي، حرام عليكِ هتقف من كتر الدق!

ابتسامة عاشقة خجلة ملأت وجهها عندما تيقنت من حقيقة عودته وأصبح يفضل بينهم طابقًا واحدًا، فقط بضعة درجات من السلم الرخامي وتكون معه. تنظر إليه، تملي عينيها منه، تشبع شوقها إليه.

ترجل من السيارة بهدوء ووقار لا يليق إلا به، بعدما فتح له السائق الباب الخلفي. مرتدياً حلة سوداء واضعاً نظارة سوداء على عينيه. وقف يتطلع إلى قصر جده العريق. ذلك القصر الذي ولد وعاش فيه طفولته وصباه. كل شيء كما هو لم يتغير كما تركه آخر مرة منذ خمس سنوات. ولكن هو الذي تغير كثيرًا. أصبح أكثر قوة وشراسة. أصبح عاصي لكل ما تحمله الكلمة من معنى!

أغلق زر بدلته وتقدم إلى داخل القصر بخطوات رزينة واثقة. دلف إلى داخل القصر وكانت والدته أول من رآه. تقدمت منه مسرعة فاتحة ذراعيها إليه تضمه داخل صدرها بعاطفة أمومية صادقة، لطالما كان عاصي مميزًا ومفضلًا لديها في كل شيء. ألف حمد الله على سلامتك يا عاصي يا حبيبي، نورت بيتك والدنيا كلها. الله يسلمك يا أمي. قالها وهو يضمها إلى صدره بشوق طابعًا قبلة على جبينها. عاااااصي!

قالتها نسرين بفرحة وهي تهرول إليه، تزيح خالتها من داخل حضنه والتي أفسحت لها المجال وهي تبتسم بسعادة. تعمقت نسرين بعنقه تضمه في عناق مشتاق. وحشتني أووووي يا عاصي أوووي، أنا كنت هتجنن عليك. لم يبادلها عناقها. أزاح يديها من حول عنقه وربت على كتفها بأخوة مبتسمًا بلباقة: الله يسلمك يا نسرين. ثم التفت حوله باحثًا بنظراته عن جده، والذي خرج بدوره من غرفة مكتبه عندما علم بوصوله. أومال فين الحج منصور؟ مش شايفه؟

أنا هنا أهو يا قلب جدك. قالها بابتسامة عريضة فاتحًا ذراعيه له. جدي! قالها عاصي بشوق وهو يتقدم منه قاطعًا الخطوات الفاصلة بينه وبين جده وارتمى داخل أحضانه يضمه بشوق كبير. فهو يعشق جده بشكل كبير، فهو الذي قام بتربيته وتعليمه كل شيء في حياته. شدد الجد عليه داخل أحضانه وأخذ يربت على ظهره بقوة: نورت بيتك يا قلب جدك وعكازك. أنا كده خلاص اطمنت وأقدر أموت وأنا مرتاح مدام انت رجعت لنا من تاني!

ألف بعد الشر عليك يا جدي، متقولش كده، ربنا يخليك لينا ويديمك فوق راسنا. ثم انحنى على كف يده يقبلها بمحبة واحترام كبير. تعالوا أقعدوا واقفين ليه. صدح صوت دريه من خلفهم وهي تشير إليهم للجلوس في غرفة الصالون الرئيسية. تقدمهم الجد وبعده دريه وخلفهم عاصي ونسرين التي تعلقت بذراعه كالعلكة!

سحب عاصي ذراعه منها وخلع جاكيت بدلته ووضعه على المقعد خلفه. جلست نسرين بجانبه تتطلع إلى جسده الرياضي المعضل وجذعه القوي بانبعاث والذي ظهر بوضوح من قميصه الأبيض الذي أبرز قوة جسده الرجولي الصلب. عاوزاك تحكيلي على كل حاجة عملتها وحصلت لك من ساعة لما سافرت وسبتنا لحد ما رجعت بالسلامة. قالتها نسرين برقة ودلال أثار استغرابه.

على مهلك عليه يا نسرين، ده لسه واصل. الأيام جاية كتير والعمر لسه قدامكم، يبقى يحكيلك على مهله، هو هيروح منك فين ولا وراه إيه غيرك؟ مش كده يا عاصي؟ قالتها دريه بنبرة ذات مغزى. ابتسم الجد بسخرية على حديثها ولم يعلق، فهو يعرف دريه جيدًا ويعرف ما تخطط له. أجابها عاصي ببرود: أنا مش فاضي للرغي والكلام الفاضي ده، أنا ورايا شغل. شغل وبس! آه طبعًا. قالتها دريه بحرج من رده الجامد بعدما لاحظت تبدل حال نسرين من كلماته.

ثم تابعت تضيف بلؤم: ربنا يعينك ويقويك، ماهو مفيش غيرك هيقدر يدير إمبراطورية الجارحي غيرك، انت الوريث الوحيد بعد عمر طويل لعمي، ربنا يديله الصحة والعمر. وغفران؟ ولا نسيتها يا دريه. قالها الجد بنبرة صارمة وهو ينظر لها بقوة. هي فين صحيح؟ أنا ماشوفتهاش من ساعة ما وصلت. هي مش هنا ولا إيه؟ لا طبعًا موجودة وزمانها نازلة حالًا. أجابه الجد وعلامات السعادة بادية على وجهه.

بصراحة وحشاني جدًا. يا ترى لسه زعلانة مني عشان سافرت وسيبتها؟ أنا فاكر يوم سفري كانت مموتة نفسها من العياط وقعدت قبلها بأسبوع مقطعاني عشان هسافر لدرجة إني كنت فاكر إني همشي من غير ما تسلم عليا، بس ماهونتش عليها في الآخر وجت سلمت عليا وكانت عينيها وارمة ومناخيرها حمرا من كتر العياط. يا ترى شكلها بقى عامل إزاي دلوقتي؟ لسه قصيرة وقليلة زي ما هي ولا اتغيرت.

امتعضت ملامح دريه عند ذكر غفران ولم تعلق. بينما احتقنت ملامح نسرين بالغل والحقد منها. فهي لا تزال مدللته كما كانت. فقد تغيرت ملامحه وانفرجت أساريره من مجرد الحديث عنها. أما هي فتتحدث معها هي ببرود وسماجة. ردت عليه بغل: لسه زي ماهي، دراما كوين.

جدحها الجد بنظرة صارمة أخرستها وجعلتها تبتلع باقي حديثها. ثم نظر إلى عاصي وهتف مبتسمًا: انت عارف غفران طول عمرها رقيقة وبريئة، مش بتاعة لوع وحركات البنات بتوع اليومين دول، عشان كده أقل كلمة بتأثر فيها. بس لما تشوفها مش هتعرفها دلوقتي، بقت عروسة زي القمر، أنا مش ملاحق على العرسان اللي بيتقدموا لها. عرسان! هتف عاصي مستنكرًا. هي كبرت لدرجة العرسان؟ ده أنا غبت كتير قوي وأنا مش واخد بالي.

مساء الخير. صدح صوتها الرقيق من خلفهم. استدار عاصي إلى مصدر الصوت. قام من جلسته يطالع صاحبة الصوت ذات البحة الرقيقة بعينين مدهوشتين. ظل واقفًا متخشباً مكانه لا يظهر عليه أي رد فعل. فقط نظراته هي التي تتحدث. يطالع الواقفة أمامه بانبهار. هل هذه هي غفران؟ طفلته ومدللته؟ ابنة عمه الصغيرة؟ من كان يلاعبها ويأتي لها بالحلوي؟ كبرت ونضجت وأصبحت أنثى! وأي أنثى!

إنها مزيج من البراءة والإغراء. لها هالة غريبة تحيط بها تجعلك لا تستطيع أن تزيح بنظراتك عنها. كانت ترتدي فستانًا محتشمًا من اللون الأزرق أظهر بياض بشرتها الحليبيه، ولكنه مجسم بعض الشيء فاظهر إغراء جسدها الأبيض بطريقة غير مقصودة، وأطلقت العنان لشعرها الأسود الطويل الذي يضاهي في سواده سواد الليل الحالك. واكتفت بوضع ملمع شفاه وردي أبرز جمال شفتيها الصغيرة الرقيقة. فكانت كتلة من البراءة ممزوجة بالإثارة!

اغتاظت نسرين من تخشبه أمامها بتلك الطريقة ووقفت خلفه تنظر إليها بغل وكره! كانت غفران ترتجف بشدة وتفرك يديها بتوتر من نظراته المتفحصة لها. يا إلهي! إنه هنا، يقف أمامها، حبيبها وعشقها الأوحد. لقد تغير كثيرًا. إنه أكثر وسامة على الحقيقة من الصور التي تجمعها له يوميًا من على مواقع التواصل الاجتماعي. أصبح أكثر جاذبية بلحيته التي استطالت عما قبل، أعطته سحرًا فوق سحره. هل عليه أن يكون وسيماً إلى هذه الدرجة؟

هل عليها أن تعشقه عشقًا فوق عشقها له؟ غفرااااان! قالها بصوته الرخيم ذو البحة المميزة. هل هذا اسمها أم أنه ازداد حلاوة عندما نطقه بهذه الطريقة؟ حمد الله على سلامتك. قالتها بخجل وحرج من نظراته. تقدم منها حتى وقف أمامها ينظر لها بتلك الطريقة التي تذيب عظامها وتجعل صخب قلبها ودقاته يكاد يصل إليه. إيه الحلاوة دي؟ أنا مش مصدق! ثم مد يده وجذب كف يدها يديرها أمامه ليتاكد من حقيقة ما يراه!

أوقفها ولا يزال قابضًا على كف يدها الرقيقة بين قبضته القوية، موجهًا حديثه لجده يسأله باندهاش: مين دي؟ أجابه الجد مبتسمًا بسعادة: مش قلت لك؟ إيه رأيك؟ قمر! قالها بإعجاب شديد. أطرقت رأسها وتوردت وجنتاها بحمرة الخجل من إطرائه عليها. ارتجفت يدها بين يديه فقلبها الصغير لم يتحمل كل هذا. شعر برجفة يدها الصغيرة بين يديه فتركها بهدوء وهو ينظر لها مبتسمًا بسعادة.

تبادلت نسرين النظرات الحانقة مع خالتها وحثتها على التدخل لإنهاء تلك المهزلة، فهي لم تعد تستطيع السيطرة على أعصابها أكثر من ذلك. فهمت دريه عليها وصدح صوتها منهيًا ذلك المشهد السخيف بالنسبة لها: يلا يا جماعة، السفرة جاهزة.

ترأس الجد طاولة الطعام الكبيرة وجلس على يمينه عاصي وغفران، والتي أصر عاصي على أن تجلس بجانبه كما السابق. وعلى يساره تجلس دريه ونسرين، التي تستشيط غيظًا من غفران وعاصي الذي أحرجها عندما جاءت لتجلس بجانبه هاتفًا: ده مكان غفران، هتقعد جنبي زي زمان! يالا يا عاصي يا حبيبي، أنا عاوزاك تاكل كويس. أنا أمرتهم يعملوا لك كل الأكل اللي بتحبه. ربنا يخليكِ يا أمي، بس ده أكل يأكل قبيلة بحالها.

ألف هنا يا حبيبي. تساءل الجد مستفسرًا: ناوي على إيه في شغلك الفترة اللي جاية يا عاصي؟ أجابه عاصي بهدوء: إن شاء الله ناوي أدمج شركتي مع مجموعة الجارحي. أنا خلاص عينت مدير ممتاز لفرع الشركة في لندن وهخلي الفرع الرئيسي هنا. ولو الفرع هناك احتاجني هبقى أسافر يومين تلاتة بالكتير. تمام، خير ما عملت يا ابني. أنا عاوزك كمان تتفرغ لإدارة المجموعة هنا. أنا خلاص كبرت وتعبت وعاوزك تشيل عني شوية.

ربنا يديك الصحة يا حج ويخليك لينا. ربنا يخليك يا حبيبي. أنا قررت إنك تبقى رئيس مجلس إدارة المجموعة، معاك كل الصلاحيات، وأنا رأيي هيبقى استشاري، لكن انت ليك حق الإدارة والتوقيع واتخاذ القرارات المهمة. تهللت أسارير دريه وهتفت بفرحة واضحة: عين العقل يا عمي، عاصي هو اللي لازم يشيل كل حاجة من بعدك. أكيد يا دريه، أكيد. بس كمان غفران هتنزل المجموعة وتتدرب عشان هي هتبقى المدير التنفيذي للمجموعة.

غص حلق دريه بالطعام وسعلت بقوة. ناولتها نسرين كوب الماء لتشرب منه وهي تكاد عينيها تخرج من مقلتيها بسبب كلماته. اهدّي يا دريه، بالراحة على نفسك. قالها الحد بنبرة ذات مغزى. هتفت غفران تتساءل في استغراب: بجد يا جدو؟ هنزل اشتغل في المجموعة؟ أيوه يا روح جدو، بجد. أنا هكتب المجموعة بالنص بينك وبين عاصي زي ما كانت بالنص بين عمك وأبوك الله يرحمهم، وعاصي له حق الإدارة وأنا زي ما قلت مجرد رأي استشاري.

الله يرحمهم. هتف بها عاصي بنبرة حزينة بوفاة متأثرًا برحيل والده وعمه. هتفت نسرين بحقد: وهي غفران تفهم حاجة في شغل المجموعة؟ رد عليها الجد بصرامة: وما تفهمش ليه يا نسرين؟ غفران دارسة إدارة أعمال في الجامعة الأمريكية. وبعدين دي فلوسها وورثها وهي اللي لازم تديرهم بنفسها. وبعدين زي ما انتي اتعلمتي واشتغلتِ في المجموعة هي كمان هتتعلم وتشتغل زيك بالظبط، رغم إنك مش خريجة جامعة أمريكية زيها.

احتقنت معالم نسرين من شدة الغيظ ولم تعد تستطيع أن تتفوه بحرف واحد بعد كلمات ذلك العجوز الداهية الذي أحرجها وقلل من شأنها أمامهم، وخصوصًا عاصي وغريمتها غفران! نظر لها عاصي بعدم رضا من أسلوبها الجاف وتدخلها فيما لا يعنيها. وتابع بلامبالاة وكأن الأمر لا يعنيه: اللي حضرتك شايفه صح اعمله، دي فلوسك وحضرتك حر فيها. يبقى اتفقنا، بعد الغدا المحامي هيجي عشان نمضي العقود ونوثقها في الشهر العقاري. نظر عاصي

إلى غفران وهتف يسألها: انتي مش بتاكلي ليه؟ أجابته بخجل شديد وهي تنظر داخل صحنها: بـ باكل أهو. فين ده؟ ثم حدثها بصوت منخفض: ولا عاوزاني آكلك بأيدي زي زمان؟ رفعت نظراتها الخجلة إليه تنظر إليه بعشق وحنان يفيض من عينيها وسألته: انت لسه فاكر؟ طبعًا. أجابها بشكل قاطع وصريح.

تهللت أساريرها فرحًا من كلمته البسيطة. إذن هو يحبها مثلما تحبه. لا يزال يذكر ما كان يفعله معها. وضع بعض الطعام في صحنها وآمرها بأن تأكله، وأخذ يتحدث ويضحك معها وهي تتجاوب معه بسعادة تحت مراقبة ثلاث أزواج من العيون التي تطالعهم بنظرات حانية راضية، وأخرى حاقدة كارهة. بعد الانتهاء من الطعام بفترة، حضر المحامي وقاموا بتوقيع العقود وأصبح عاصي وغفران أصحاب إمبراطورية الجارحي رسميًا.

بعد مغادرة المحامي، جلسوا ثلاثتهم في غرفة المكتب، وسرعان ما ولجت دريه ومن خلفها نسرين التي كانت تجلس على صفيح ساخن في الخارج تريد معرفة ماذا يحدث معهم. جلست دريه ونسرين على الأريكة الجلدية في أحد أجنحة الغرفة، بينما كان عاصي وغفران يجلسون أمام المكتب الذي يترأسه الجد بهيبته المعتادة. تحدث الجد موجهاً حديثه لعاصي: انت تاخد لك يومين راحة على ما العقود تكون اتوثقت وتبدأ بعدها الشغل. عقب عاصي على حديثه: لا راحة إيه؟

أنا مش بتاع راحة، أنا إن شاء الله بكرة هنزل المجموعة مع حضرتك. ثم وجه نظراته نحو غفران وأضاف: وانتي كمان يا غافي هتنزلي معانا من بكرة. غفران بارتباك وخجل: إن شاء الله. صدح صوت الجد يقول باستحسان: على بركة الله. ودلوقتي اتفضلوا كلكم، عاوز عاصي لوحدنا في موضوع مهم. ركز عاصي انتباهه بالكامل لجده وسأله بنبرة يشوبها القلق: خير يا حج، في إيه؟ قلقتني. أجابه الجد بابتسامة مطمئنة: كل خير إن شاء الله.

تبادلت نسرين ودريه النظرات فيما بينهما متوجسين من ذلك الاجتماع المغلق بينهم. نهضت غفران من مقعدها واستأذنتهم بالانصراف، وقبيل أن تصل إلى باب الغرفة استوقفها صوته القوي: غافي! يا ريت تستنيني في التراس، أنا ملحقتش أقعد معاكي. هخلص مع جدي وأحصلك. ابتسامة خجلة ظهرت على شفتيها الرقيقتين وآماءت برأسها موافقة على حديثه. أجابته بكلمة واحدة تحوي في طياتها الكثير والكثير وهي تنظر إليه بعشق خالص: هستناك!

وانصرفت تجري من أمامه وهي تحلق في الهواء، تكاد تصل للسماء من سعادتها، فحبيبها يرغب بالجلوس معها ويطلب منها انتظاره، وهي انتظرته عمرًا مضى وعلى استعداد للانتظار عمرًا آخر ويكون معها ولها في النهاية. كانت نسرين تزرع بهو القصر جيئة وذهابًا وهي تقضم أظافرها بتوتر وغل. هتفت بحقد وغيره: شايفه؟

شايفه ابنك وعمايله. من ساعة ما وصل وهو مش شايفني وبيتعامل معايا بمنتهى البرود والسخافة. لكن الهانم هي اللي على الحجر، واخده الاهتمام والدلع زي زمان ولا كان حاجة اتغيرت. أنا قلت لما بعد واتغير هيبقى كده مع الكل، حتى هي! لكنه اتغير وبقى بارد وسخيف مع الكل إلا هي! حتى انتي معاملته متغيرة معاكي مش زي الأول. انتي مش بتردي عليا ليه؟

استدارت بجسدها تنظر إلى خالتها التي كانت تنظر إلى باب غرفة المكتب المغلق بنظرات مبهمة والأفكار تدور برأسها عن سر هذا الاجتماع المنفرد؟ تُرى ما الذي يفكر فيه هذا العجوز الداهية؟ طنط، طنط دريه! بس، بس كفاية زن ودوشة. انتي بترغي في حوا تافهة وأنا دماغي مش فاضية للهبل بتاعك ده. أنا عاوزة أعرف إيه اللي بيحصل عندهم جوه وانتي تقوليلي غفران وزفت!

أنا قلت لك اسمعي كلامي تكسبي واهدي شوية عشان نعرف نظبط الدنيا والأمور تفضل تحت سيطرتنا، لكن بجنانك ده ما أوعدكيش إن حاجة هتمشي زي ما احنا عاوزين. يا طنط، ماهو... بترت عباراتها عندما وجدت باب المكتب يفتح بقوة ويخرج منه عاصي بملامح وجه محتقنة، وسرعان ما كان يعدو خارج باب القصر واستقل سيارته التي أصدرت إطاراتها صوتًا قويًا دليلًا على قيادته المتهورة، والتي تدل على أنه في شدة غضبه. هو في إيه؟ سألت نسرين بفم مفتوح.

بينما دريه زاغت نظراتها ولم تعد تعرف بعد ماذا حدث. أما غفران فكانت تنتظره كما طلب منها في حديقة القصر ولمحته وهو يخرج غاضبًا من القصر. هرولت إليه تجري خلفه وهو يتحرك بالسيارة مغادرًا القصر، ووقفت تناديه حتى تطمئن عليه وتعرف ما به، ولكنه اختفى من أمامها. عاااااصي... عاااااصي...

وآخر ما شاهده في مرآة السيارة الداخلية وجهها الجميل ذو الملامح القلقة وهي تنادي عليه. وأخذ يبعد بسيارته والمسافة بينهم تتسع وتتسع حتى اختفت صورتها من مرآته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...