الفصل 2 | من 31 فصل

رواية غفران العاصي الفصل الثاني 2 - بقلم لولا

المشاهدات
217
كلمة
5,658
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

يقف علي شاطيء البحر ينظر إلى ثوران أمواجه المتلاطمة والتي تشبه ثوران مشاعره، بل إن غضبه أشد قوة وأعنف من المنظر أمامه. فهو يكاد عقله ينفجر من شدة الضغط العصبي جراء ما سمعه من حديث جده الذي لا يمت للمنطق بصلة. كيف يفكر ذلك العجوز؟ هل يفكر في لي ذراعه؟

لا والف لا. لن يكون عاصي الجارحي إذا رضخ لمطلبه. هو الذي عاش عمره كله صاحب قراراته ولم يسمح لأحد أن يتدخل بها حتى لو كان جده. شرد أمامه يتذكر حديثه معه وكيف استطاع أن يتحكم في غضبه أمامه بكل ما يمتلك من قوة. "خير يا جدي، حضرتك قلقتني!

"كل خير يا عاصي، ما تقلقش. أنا بس عاوزك تسمعني للآخر من غير ما تقاطعني وبعد كده أنا هسمع رأيك في اللي هقوله. بس لازم تعرف إن أي قرار أنا باخده بيكون بعد تفكير طويل، ومصلحتك ومصلحة العيلة وبالخصوص مصلحة أحفادي هي الأهم من أي حاجة عندي في الدنيا كلها." أخذ الجد نفسًا عميقًا ثم تابع حديثه بهدوء ورزانة.

"انت عارف إن أبوك وعمك الله يرحمهم هما اللي كبروا إمبراطورية الجارحي وخلوها واحدة من أهم الكيانات الاقتصادية في البلد، وأنا كنت مجرد ممول مش أكتر. علشان كده كتبتها باسمك انت وغفران بالتساوي وخرجت نفسي وأمك منها، رغم إن لينا حق فيها بحكم الشرع. بس أنا اتنازلت عن نصيبي في ورث ولادي ليكم لأني مش محتاج فلوس ولا محتاج حاجة من الدنيا. أنا خلاص اللي عدي من عمري مش قد اللي جاي. وأمك أنا قدرت نصيبها في الشركات وعملت لها وديعة باسمها في البنك."

تحدث عاصي بهدوء. "كل ده أنا عارفه، فين المشكلة؟ أجابه الجد. "مفيش مشكلة ولا حاجة. بس علشان تقدر تستلم نصيبك اللي انت مضيت عليه لازم تنفذ الجزء التاني من الوصية! "وصية! " قالها عاصي متفاجئًا.

"أيوه يا عاصي، وصية أبوك الله يرحمه ورغبتي أنا كمان. أبوك الله يرحمه كان حاسس إن آجله قرب، رغم إنه كان زي الفل ومش بيشتكي من حاجة. بس لقيته قبل وفاته بكام يوم جاي لي ويديني ظرف وقالي الظرف ده متفتحهوش إلا لو حصل له حاجة. وأنا احترمت رغبته ومفكرتش في كلامه لأني كنت مستبعد فكرة إني أدَفِّن أبوك بإيدي زي ما دَفنت عمك ومراته الله يرحمهم." ابتلع الجد غصته وأخرج الظرف من أحد أدراج مكتبه ووضعه أمامه.

"الظرف ده وصية أبوك. بعد وفاته بأسبوع وتحديدًا يوم سفرك أنا فتحته وعرفت اللي فيه. أبوك كان كاتب كل فلوسه اللي في البنوك وحصته في المجموعة بالنص بينك وبين أخوك عمر الله يرحمه ومش كاتب لأمك ولا مليم. وأكد في وصيته إن أمك ما تورثش ولا مليم من فلوسه! وبما إن عمر اتوفى مع أبوك في الحادثة، فكده كل حاجة اتنقلت لك أنت. الجزء التاني من الوصية إنك مش هتقدر تستلم ولا قرش من الثروة دي إلا... "إلا إيه يا جدي؟ " هتف عاصي بريبة.

صمت الجد قليلاً يتفرس في ملامح وجهه يحاول قراءتها وتابع يضيف برزانته المعتادة. "إلا إذا اتجوزت غفران بنت عمك. ولو رفضت الثروة كلها تكون من نصيب غفران! هب عاصي من مقعده صارخًا باستنكار. "نععععععم! اتجووووززز! أتجوز غفران يا إما يحرمني من ثروتي! وكمان حرم أمي من حقها في ورثه! ده جنان! أكيد حصلت له حاجة في مخه خلته عمل الهبل ده! "ولد! انت اتجننت! انت إزاي تتكلم على أبوك الله يرحمه كده قدامي! صاح عاصي معتذرًا.

"أنا آسف يا جدي مقصدش.. بس اللي حضرتك بتقوله ده ما يدخلش دماغ عيل صغير." رمى الجد المظروف في وجهه صائحًا بغضب. "اتفضل يا محترم وصية أبوك أهيه اقراها. هتلاقيها قبل وفاته بشهر ومتسجلة في الشهر العقاري وعال يد محامي. وأظن انت كنت كبير وواعي لحالة أبوك قبل وفاته كان عامل إزاي. يعني لا كان مجنون ولا فاقد للأهلية علشان تشكك فيه." أمسك عاصي المظروف يفتحه ويقرأ ما به وملامح وجهه تزداد قتامة وعبوسًا.

القي عاصي المظروف على المكتب وأخذ يدور حول نفسه بغضب وجسده ينتفض من شدة العصبية. "مش ممكن ده تخريف! إزاي فكر في حاجة زي كده. أنا وغفران... إزاي... دي عيلة صغيرة... دي أختي اللي مربيها... دي زيها زي عمر الله يرحمه... إزاي ممكن أفكر إني ممكن أتجوزها." "وإيه المشكلة؟ " هتف الجد ببرود مستفز.

"غفران كبرت وبقت عروسة ألف من يتمناها. ثم أنا موافق على كده ومش هلاقي أحسن منكم لبعض. غفران هي اللي هتقدر تصونك وتصون اسمك وتكون أم ولادك. وانت الوحيد اللي هتقدر تحميها وتحمي فلوسها. بدل ما تتجوز أي واحد يكون طمعان فيها وفي ثروتها." هدر عاصي بعنف. "انت بتقول إيه يا جدي... ده لا يمكن يحصل أبدًا. هو أنا عيل صغير هتجوزوه على مزاجكم؟

أولاً أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي خااااالص. ثانياً اللي هتجوزها لازم أختارها بنفسي وأكون بحبها وتكون مناسبة ليا في كل حاجة وفي بينا حاجات مشتركة." "طب ما انت بتحب غفران؟ " قالها الجد بخبث ودهاء. "زي أختي! بحبها زي أختي مش مراتي! "مش مهم... المهم إنك بتحبها وبعد كده لما يتقفل عليكم باب واحد وتبقى مراتك كل حاجة هتتغير. هتبقى مراتك وأمك وأختك وحبيبتك وكل حاجة." "مستحييييييل!

اللي بتقوله ده مستحيل يحصل. على جثتي لو حصل. أنا عاصي الجارحي أتجوز بالطريقة دي! ومن مين؟ من آخر واحدة ممكن أفكر فيها إنها تكون مراتي. وبعدين انت بتتكلم بمنتهى الثقة أوي كده ليه. افرض هي مش موافقة أو بتحب حد ومرتبطة بيه وشايفاني إني أخوها زي ما أنا شايفها أختي." "لا من الناحية دي اطمن على الآخر. غفران مفيش حد في حياتها." ثم تابع بمكر ودهاء. "معنى كلامك كده إن لو غفران موافقة عليك وبتحبك انت هتوافق." سخر مستهزئًا.

"بتحبني زي أخوها يا جدي. أخوووها." قال الجد بمراوغة. "أنا بقول لو... أجابه رافضًا بشكل قاطع. "حتى لو هي بتحبني أنا برضه مش موافق. مش هتجوزها! نظر إليه الجد مطولًا وتحدث منهيًا النقاش الآن ومعطيًا إياه مساحة للتفكير، فعاصي عنيد والعند معه والضغط عليه سيأتي بنتيجة عكسية.

"عمومًا، انت عرفت كل حاجة وأنا هديك فرصة تفكر في اللي قلناه وتعيد حساباتك على راحتك وهستنى منك الرد النهائي. علشان لو رفضت تنفذ وصية أبوك ورغبتي، كل حاجة هتتنقل باسم غفران. تقدر تتفضل، الكلام انتهى." خرج عاصي من المكتب مغادرًا كالإعصار وكأن شياطين الأرض تلاحقه.

فاق من شروده على زخات المطر الذي بدأ يتساقط فوق رأسه. نظر في ساعته ووجد أن الليل قد انتصف فتحرك نحو سيارته عائدًا إلى القصر. يبدو أنه لم يشعر بالوقت، فهو قضى وقتًا طويلًا جالسًا أمام البحر يصارع أفكاره، ولكنه لم ولن يستسلم. فهو أخذ قراره ولن يحيد عنه. بعد أسبوع كانت نسرين تجلس في بهو القصر برفقة خالتها وأعصابها تكاد تنهار من فرط العصبية والتوتر. فحالة عاصي أصبحت غريبة منذ حديثه الأخير مع جده.

تحدثت نسرين بعصبية وهي تقضم أظافر يديها من فرط التوتر. "برضه لسه معرفتيش يا آنطي إيه اللي مشقلب حاله كده؟ ده بينزل واحنا نايمين ويرجع برضه واحنا نايمين، ولا بيكلم جده ولا بيقابله على غدا أو عشاء. حتى الزفتة غفران برضه ولا بيكلمها ولا بيشوفها. أكيد في مصيبة حصلت علشان يتقلب القلبه دي." وافقتها خالتها في الرأي. "عندك حق يا نيسو، الموضوع في آن!

أنا مش عارفة أتلم عليه ولما بتصل بيه علشان أكلمه يقولي اقفلي، عندي شغل مش فاضي. حتى عمي لما سألته قالي مفيش حاجة وعاصي عنده شغل كتير هو اللي بيخليه يخرج بدري ويرجع متأخر. بس أنا واثقة ومأكدة إن الرجل العجوز الداهية ده بيدبر لحاجة ومش عاوز يقولي." سألتها نسرين بتوجس. "تقصدي إيه بكلامك ده؟ أجابتها بملامح غير مقروءة. "ربنا يسترها."

لمحت نسرين عاصي وهو يدلف من باب القصر بخطوات سريعة وبملامح وجه متجهمة متجهاً لأعلى دون حتى أن يلقي نظرة واحدة نحوهم. هتفت نسرين باسمه تناديه بسعادة وهي تهرول ناحيته. "عااااصي... أخيرًا... أخيرًا شوفتك وهعرف أتلم عليك شوية. انت أكيد راجع بدري علشان كده صح؟ علشان تشوفني وتقعد معايا مش كده! كانت تتحدث بسرعة ولهفة وهي تناظره بنظرات وله. نظر لها عاصي باستغراب ثم تابع صعوده إلى أعلى ولم ينبس بحرف واحد.

نظرت نسرين بحزن إلى خالتها التي رأت ما حدث. ربّتت على كتفها تواسيها. نادت على عاصي تستوقفه. "عاصي... عاوزة أتكلم معاك." أجابها بجمود. "بعدين، أنا هغير هدومي وراجع المكتب على طول." أنهى كلماته وصعد الدرجات الباقية في خطوتين مسرعًا حتى لا يعطيها فرصة لاستكمال حديثها التي يعلم فحواه. اختفى من أمامهم في لمح البصر. تحدثت نسرين إلى خالتها بقهر. "شايفه ابنك وعمايله مش معبرني خالص." واستها خالتها بلطف.

"معلش يا روحي ولا تزعلي نفسك. أنا النهارده مش هسيبه غير لما أعرف إيه حكايته بالظبط."

ولج إلى جناحه بخطوات غاضبة. خلع معطفه تبعها بسترته بدلته ورابطة عنقه التي تضغط عليه وتشعر بالاختناق. فتح زجاج شرفته يستنشق الهواء فهو بالفعل يكاد يختنق ويشعر بحاجته للهواء. وقف ينظر إلى حديقة القصر الواسعة أمامه الممتلئة بمختلف أنواع الأشجار وأحجامها من كل صنف ولون. ولكن معظمها قد ذبل وتساقطت أوراقه بسبب طقس الشتاء السيء. كانت السماء الرمادية ملبدة بالغيوم والمطر على وشك السقوط. كان المشهد أمامه كئيب لطالما كره

الشتاء وكره كل ما يتعلق به. كاد أن يدلف إلى الداخل ولكنه لمحها تقف أمام إحدى أحواض الزهور تهتم بها بنفسها. تقوم بتنظيفها وسقيها بالمياه. كان مظهرها شاذًا وسط الجو الكئيب المحيط بها. كانت رقيقة ناعمة كزهرة متفتحة في عز الربيع مزروعة وسط حديقة قاحلة لا زرع بها. كانت تشع حياة وحيوية.

نظر إليها مطولًا وعقله يكاد يجن وغير قادر على استيعاب ما حدث. هو وغفران! يا إلهي كيف هذا؟ أغلق زجاج الشرفة بعنف وتوجه إلى الحمام يأخذ حمامًا باردًا لعله يطفئ من لهيب رأسه الذي يكاد ينفجر من شدة الضغط والتفكير.

رفعت غفران رأسها إلى أعلى نحو شرفته عندما سمعت صوت إغلاقها بعنف. لمحت ظهره وهو يدلف إلى الداخل. تهللت أساريرها فرحًا وعشقًا. فها هي ستستطيع أن تراه وتتحدث إليه أخيرًا. فهي منذ طلب منها أن تنتظره في تراس القصر ذلك اليوم وخرج وعاد متأخرًا ولم يقابلها، وهي كل يوم لا تنفك عن انتظاره في نفس المكان ولكنه لم يأت!

أما اليوم فهو موجود وسوف تتحدث معه بأي طريقة مهما كانت. ألقت ما بيدها وأسرعت تجري إلى داخل القصر، صاعدة إلى غرفتها حتى تغتسل وتغير ملابسها سريعًا حتى تلحق به. بعد ربع ساعة كانت تقف أمام مرآتها تصفف خصلاتها السوداء وتنثر عطرها المفضل لديها برائحة الزهور البرية. سمعت صوت فتح وإغلاق باب غرفته، فهما بنفس الطابق. فأسرت تلقي ما بيدها لكي تلحق به قبل أن يرحل.

كان يسير في آخر الرواق متوجهًا نحو الدرج وقبل أن يصل لأول الدرج سمع همستها الرقيقة باسمه تستوقفه. "ع... عاصي! أغمض عينيه بنفاذ صبر، فهو لا ينقصه أن يتحدث معها هي الأخرى والآن وهو بتلك الحالة. فهي أرق من أن تتحمل نوبة من نوبات غضبه الذي يتحكم فيه بصعوبة. أخذ نفسًا عميقًا وأجابها باقتضاب وهو مولّيها ظهره. "أفندم! عضت على شفتيها خجلًا من رده الجامد عليها وسألته بنبرة متوترة. "هو انت زعلان مني؟

زفر بحنق ورد بنفس الطريقة المقتضبة. "لا." اقتربت خطوتين منه وتحدثت بنبرة خجلة. "أومال مالك متغير معايا ليه؟ قالتها وهي تمد يدها بتردد تضعها على ذراعه تديره ليصبح في مواجهتها، فهي تريد أن تشبع شوقها إليه، فهو لا يزال بعيدًا عنها. معها في نفس البيت ولكنه بعيد بعد السماء عن الأرض. أجفل عاصي من حركتها وتحدث بعصبية وهو ينفض يدها من على ذراعه بعنف.

"إيه في إيه لكل الدراما اللي انتي عاملاها دي. عندي شغل ومش فاضي. إيه الجديد في ده. وبعدين إيه متغير معايا دي. اللي يسمعك كده يقول إن في بينا حاجة وأنا متغير معاكي." أغرورقت عينيها بالدموع من هجومه العنيف غير المبرر وهتفت بلجلجة. "اا... صصل... ككننت... هدر بعنف. "لا أصل ولا فصل. مفيش حاجة حصلت لكل ده بس انتي اللي حساسة زيادة على رأي نسرين دراما كوين!

قالها وفر هاربًا من أمامها، فهو يعلم أنه أخرج عصبيته وصب جام غضبه عليها وهي ليس لها يد فيما يحدث معه. هي مثلها مثله في ذلك الأمر. وقفت مكانها تنظر في أثره بذهول. لا تعرف بماذا أخطأت كي يعنفها ويصرخ عليها هكذا. وضعت كف يدها على فمها تكتم شهقة بكاء تكاد تخرج من جوفها وهرولت مسرعة إلى غرفتها تحتمي بجدرانها وتبكي فوق وسادتها كما تفعل دائمًا تشكو إليها حزنها منه كما كانت تشكو شوقها إليه. "ليييه... لييييه يا عاصي لييييه!

عاد عاصي إلى القصر مع منتصف الليل، فهو ظل يعمل في شركته لوقت متأخر حتى لا يدع لنفسه ولا لعقله فرصة للتفكير. صعد درجات السلم ببطء وإرهاق، فهو يكاد يغشى عليه من التعب. دلف إلى حجرتة وأغلق الباب خلفه بهدوء وأشعل النور في الغرفة ولكنه أجفل عندما وجد والدته تجلس على إحدى المقاعد أمام الشرفة في انتظاره. سألها عاصي مستغربًا وجودها في غرفته في مثل هذا التوقيت.

"خير يا أمي. إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي ومقعدك في أوضتي في الضلمة كده؟ قالها وهو يخلع عنه معطفه وجاكيت البدلة ورابطة عنقه. أجابته درية بهدوء. "مستنياك. محتاجة أتكلم معاك في موضوع مهم." تحدث عاصي بإرهاق وهو يخلع ساعة معصمه ويحضر ملابسه البيتية لياخذ حمامًا مريحًا قبل خلوده للنوم. "أمي مش وقته. أنا راجع تعبان ومش شايف قدامي. هاخد شاور وأنام. بكرة نبقى نتكلم زي ما انتي عاوزة."

نهضت درية من مقعدها ووقفت أمامه عاقدة فوق صدرها وهتفت بإصرار. "لا هنتكلم دلوقتي. أنا بقالي أسبوع مش عارفة أتلم عليك. على طول مش موجود ولا بشوفك على الأكل. بتنزل واحنا نايمين وترجع برضه واحنا نايمين. أنا عاوزة أفهم إيه حكايتك بالظبط؟ إيه اللي مشقلب حالك كده؟ زفر عاصي بحنق كاتمًا غضبه. "ولا حكاية ولا رواية. الموضوع كله إني مضغوط في الشغل مش أكتر علشان فرع الشركة اللي بأسه هنا واخد كل وقتي مش أكتر." تحدثت بشك.

"هو ده بس اللي شاغل بالك؟ "أيوه يا أمي هو ده اللي شاغل بالي. اطمني." أضافت وهي تجذبه من يده تجلسه على المقعد الذي أمامها. "ماشي يا عاصي. تعالي بقى اقعد واسمع الكلام المهم اللي عاوزة أقولهولك." كاد أن يقاطعها ويرفض الحديث، فهو رأسه تكاد تنفجر من شدة الصداع. ولكنها سبقته مقاطعة إياه. "قبل ما تقاطعني وتقول أي حاجة. أنا عاوزاك تسمعني ووعد مش هطول." أجابها مضطرًا. "اتفضلي يا أمي سامعاك." بللت درية شفتيها وتحدثت بلطف.

"شوف يا حبيبي من غير لف ودوران. أنا عاوزة أفرح بيك زي أي أم ما بتفرح بابنها الوحيد وتشوفه مرتاح ومتهني في بيته مع الست اللي تقدر تصونه وتحفظ اسمه وتخلف له الولاد اللي يتمناهم. وبما إني أمك وأكتر حد يخاف عليك وعلى مصلحتك، فـ أنا مش هلاقي لك عروسة تناسبك وتناسب وضعك غير نسرين بنت خالتك. ها إيه رأيك؟

نظر لها عاصي قليلًا دون أن يظهر على ملامحه أي تعبير. وما هي إلا ثوانٍ وانفجر ضاحكًا بشدة حتى أدمعت عيناه. ضحك كأنه لم يضحك من قبل. ابتسمت درية بسعادة وظنت أنه يضحك سعيدًا باختيارها له، ولكن تلاشت ضحكتها عندما سمعته يضيف بتهكم بعدما هدأت ضحكته. "ويا ترى اخترتي لي أسماء أولادي زي ما اخترتي لي أمهم ولا لأ! هتفت باستنكار. "انت بتتريق حضرتك؟ عقب مستهزئًا. "أتريييييق... استغفر الله! وده معقول برضه. عاااااصي...

بطل طريقتك دي وخلينا نتناقش بالعقل." هب واقفًا وصرخ بها بغضب وشراسة. "عققققل!

هو انتوا خليتوا فيا عقل وانتوا عمالين ترسموا وتخططوا لحياتي على مزاجكم ولا كأن ليا أي وجود أو رأي في حياتي. قد كده أنا صغير في نظركم لدرجة إن كل واحد فيكم عمال يرسم لي حياتي زي ما هو عايز ونسيتوا إن دي حياتي أنا. أنا عاصي الجارحي اللي عمر ما في مخلوق خلقه ربنا قد يمشي رأيه عليه في حاجة أو يرغمه على إنه يعمل حاجة مش عاوزها حتى لو كانت الحاجة دي فيها روحه. عمره ما هيعملها حتى لو آخر يوم في عمره."

كان يتحدث بانفعال شديد وجسده ينتفض من شدة العصبية وصوت أنفاسه الثائرة كانت تطغي على أي صوت آخر. سألته درية بعدم فهم. "تقصد إيه بكلامك ده؟ انتوا مين اللي بنخطط لحياتك؟ أنا مش فاهمة حاجة." أجابها صارخًا. "انتي وأبويا والوصية وجدي." قالت بانتباه شديد. "وصية وجدك! انت بتتكلم بالألغاز! ممكن تفهمني انت تقصد إيه بكلامك ده؟ "حاضر هفهمك...

في نفس الوقت، كان منصور الجارحي مستيقظًا في غرفته بانتظار عودة حفيده الذي رفع راية العصيان منذ محادثتهم الأخيرة ولم يعد يراه أو يتحدث معه. لذلك قرر الجد أنه سوف ينتظره اليوم ليحادثه ويضع معه النقاط على الحروف. استمع الجد لهدير سيارته وهي تلج إلى داخل القصر، فعلم بعودته ولكنه فضل أن ينتظر قليلًا حتى يصعد إلى غرفته ويبدل ثيابه ثم يذهب إليه. وبالفعل بعد حوالي عشر دقائق، استند الجد على عصاه وتحرك خارجًا من غرفته قاصدًا

غرفة حفيده. ولكن قبل وصوله إلى غرفة حفيده، استمع إلى صوته العالي وهو يتحدث مع والدته. علم من صوته العالي ما يحدث وما طلبت منه، كما استمع له وهو يخبرها عن الوصية وما يتعلق بها. قرر أن يعود إلى غرفته ويتحدث إليه في وقت آخر عوضًا عن اليوم، خاصة وهو بتلك الحالة. وما إن استدار حتى يعود إلى غرفته حتى وقف مبهوتًا مما سمعه وظل يستمع إليهم وشعور الغدر والخيانة من أقرب الناس إليه ينحر قلبه بسكين بارد.

وقفت درية تلهث بملامح وجه يتقد حقدًا وكرهاً وهتفت تهذي بكلام لم يدرك عاصي معناه بعدما قص عليها كل شيء بالتفصيل. "مش ممكن... مش معقول... "جميلة... جميلة... قهرتني وهي عايشة وعاوزة تقهرني تاني وهي ميتة. مش كفاية عمري اللي سرقته وهي عايشة. عاوزة كمان تسرق مني ابني. على جثتي! قطب عاصي جبينه وسألها بعدم فهم. "انتِ بتقولي إيه وطنط جميلة الله يرحمها مالها ومال اللي قلتهولك ده؟

استدارت تنظر إليه بملامح شيطانية ومدت يديها تجذبه من ياقة قميصه تهزه وهي تصيح. "على جثتي يا عاصي إن ده يحصل. مش هتجوز غفران لو اطبقت السما على الأرض. لو هي آخر واحدة في الدنيا مش هسمح لها تاخدك مني وتعمل اللي أمها عملته زمان." استغرب عاصي حالة والدته وأطبق على يديها فوق صدره وهتف بهدوء محاولًا تهدئتها.

"اهدي يا أمي. اطمني أنا مش هعمل كده. غفران أختي الصغيرة اللي مربيها على إيديه ومش هتكون غير كده. وعشان كده أنا راجع تاني لندن وطيرتي بكرة بالليل بس المرة دي مفيهاش رجوع. ومش عاوز حاجة أنا مكتفي بشركتي وبس." توسعت عينيها بعدم تصديق وصرخت به بجنون. "انت اتجننت!

انت إزاي تعمل حاجة زي كده. عاوز تسيب ورثك وفلوسك لبنت جميلة. عاوز تضيع شقى عمري واللي عشت عمري كله أخطط له جاي تضيعه أنت على الجاهز. على جثتي إن ده يحصل. انت هتاخد ورثك ومش هتتجوز غفران." قالتها بعزم وإصرار شديد. هتف عاصي ساخرًا. "وده إزاي بقى إن شاء الله. إذا كان الورث مشروط بالجواز؟ هتفت بغل وكره. "قضية حجر! جحظت عينا عاصي وهتف بذهول. "آآآآآآآي! تابعت تضيف بجمود.

"اللي سمعته. ترفع قضية حجر على جدك. جدك خلاص كبر وخرف وانت الوارث الوحيد له. حتى محامي بثلاث قروش يرفع لك القضية وهتكسبها من أول جلسة وأنا هشهد معاك بكده." نظر لها عاصي بعدم تصديق وأضاف باستنكار شديد. "انتي بتقولي إيه. انتي أكيد مش في وعيك. أنا لا يمكن أعمل كده في جدي حتى لو هاخد مليارات الدنيا بحالها. لا يمكن ضميري يسمح لي إني أعمل كده وأبهدل جدي في آخر أيامه واقف قدامه في المحاكم وعلشان إيه؟

علشان شوية فلوس. شوية فلوس ممكن يروحوا في غمضة عين. أقول على جدي مختل أو فاقد للأهلية وأفضحه قدام الناس! ده لو كان هو كده فعلًا عمري ما أعملها. بقيت هي دي نظرت ليا. عقلك صورلك إني ممكن أعمل كده في جدي. طب مفكرتيش فيه هو ممكن يحصل إيه. مفكرتيش في سمعتي وسمعة عيلة الجارحي هتبقى إيه في السوق. مفكرتيش فيا إني ممكن ولادي يعملوا فيا كده في يوم من الأيام." نظر لها بازدراء قائلًا.

"أنا مش عارف أقولك إيه. بس ظاهر إن أبويا كان عنده حق لما حرمك من ورثك فيه. ظاهر كان شايف وعارف حاجات محدش غيره يعرفها علشان كده عمل اللي عمله." هتفت بنبرة منخفضة تحاول بها تبرير موقفها المخزي. "ع... عاصي... انت فهمتني غلط. أنا مش قصدي اللي انت فهمته... أنا... انفتح باب الغرفة على فجأة وظهر الجد من خلفه وملامحه يبدو عليها الحزن الشديد. "أومال قصدك إيه يا بنت أخويا؟

شحبّت ملامح درية وهربت الدماء من وجهها حتى أصبح في شحوب الموتى وتصنمت في وقفتها ولم تستطع النطق بحرف واحد. بينما هتف عاصي بذهول. "جدي! نظر له الجد بنظرة لم يفسرها عاصي وهتف وهو يتقدم لداخل الغرفة حتى أصبح أمامهم.

"أيوه جدك. جدك اللي الهانم ولدتك وبنت أخويا عاوزاك ترفع عليا قضية حجر وتتهمني فيها بالجنون علشان تاخد فلوسي وفلوس ولادي وأحفادي. بنت أخويا اللي ربيتها مع أولادي وفي بيتي وعمري ما فرقت بينها وبينهم وكنت بعاملها أحسن معاملة. اللي جوزتها ابني الكبير وكنت أبوها مش عمها. حتى لما كان أبوك بيشتكي لي منها ومن طبعها الصعب كنت باجي عليه علشان خاطرها. اللي وقفت لابوك زمان وطردته من بيتي لما كان عاوز يطلقها. كل ده وبرضه لسه زي

ما هي حقودة وغلاوية ومش بتحب حد غير نفسها ومش بتفكر غير في الفلوس. أوعى تكوني فكراني مش عارف انتي بتعملي كل ده ليه من يوم ما اتجوزتي أحمد الله يرحمه. أنا كنت فاكر إن الأيام هتغيرك ومعاملة أحمد وحبه ليكي هيغيروكي ويشيلوا الحقد والكره من قلبك الأسود. بس كنت غلطان. السواد اللي معشش جوه قلبك كان بيزيد كل يوم أكتر من اللي قبله. حتى لما ربنا عاقبك وأخد منك ابنك الصغير قلت هتتغيري وتعرفي إن الدنيا فانية وملهاش أمان، لكن لأ.

الكره والحقد والغل زادوا أكتر. بس أنا مش هسمح لك يا درية تأذي أحفادي زي ما أذيتي ولادي. مش هسمح لك تعملي مع غفران زي ما كنتي بتعملي مع أمها الله يرحمها. زمان مصطفى وأحمد هما اللي كانوا بيقفوا لك وأنا كنت ساكت، لكن من اللحظة دي ومن بعد اللي سمعته أنا اللي هقف لك وانتِ عارفة منصور الجارحي يقدر يعمل إيه كويس أوي!

هتفت بتلعثم. "ع... عمي... أنا... صرخ هادرًا بها جعلها تنتفض مكانها من شدة الفزع. "اخرسي مش عاوز أسمع صوتك." تغضنت ملامحه بالألم ووضع يده على صدره موضع قلبه وهتف موجهًا حديثه لعاصي. "وانت؟ عاوز ترجع تسافر تاني ومش همك جدك ولا عيلتك وورثك وشغلك. عاوز تهرب تاني!

طب المرة اللي فاتت هربت علشان إحساسك بالذنب إنك كنت المفروض تسافر مع أبوك بدل عمر أخوك الله يرحمهم وحملت نفسك ذنب موت أخوك وإنك المفروض تكون بداله، رغم إن ده مقدر ومكتوب. بس أنا قدرت حالتك وما وقفتش قصاد رغبتك وسبتك تسافر علشان ترتاح وتنسى. رغم إن ساعتها كنت في أمس الحاجة ليك إنك تكون جنبي تقف في ضهري وأنا رجل كبير بيدفن ولاده واحد ورا التاني واخد عزاهم بدل ما هما اللي يدفنوني وياخدوا عزايا. إنما دلوقتي عذرك إيه؟

انطق ورد عليا. عذرك إيه؟ أطرق عاصي رأسه أرضًا ولم يرد عليه. "أقولك أنا عذرك إيه. عذرك إننا فرضنا عليك إنك تتجوز. وإن مش انت اللي اخترت. عاصي وعندي طول عمرك. لو عينك على الحاجة وتفسك فيها بس مقلتش عليها واحنا اللي قولنالك عليها. ترفضها وما تقبلهاش وتحاربنا عشانها. عمومًا براحتك. أنا مش هفرض عليك حاجة. عاوز تسافر مع السلامة. الباب يفوت جمل بما حمل. أنا خلاص اتعودت إن مفيش حد يسندني غير ربنا سبحانه وتعالى."

ثم أعطاهم ظهره متحاملًا على الألم الذي يفتك بصدره وتحرك مغادرًا الغرفة بخطوات بطيئة وهو يردد. "حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الله ونعم الوكيل."

نظر عاصي في ظهره بحزن شديد ولم يعرف بماذا يجيبه، فجده هو أعلم الناس به وبشخصيته العنيدة. فتح فمه وأغلقه أكثر من مرة محاولًا التحدث ولكنه لا يجد ما يقوله. وقبل أن يصل الجد إلى باب الغرفة شعر بالهواء يُسحب من رئتيه وقلبه يكاد يخرج من صدره من شدة الألم وما هي إلا ثوانٍ وسقط مغشيًا عليه على عتبة الغرفة. صرخ عاصي برعب وهرول إلى جده ينقذه بقلب لهيف فهو لا يستطيع أن يتحمل خسارته هو الآخر. "جدددددددي!

بينما ارتسمت معالم الفرحة على وجه درية وهي تدعو بداخلها أن تكون هذه نهاية ذلك العجوز.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...