مع شروق شمس يوم جديد، فتحت غفران عينيها تتطلع حولها لثوانٍ حتى أدركت أين هي. إنها هنا في غرفتها القديمة التي تركتها قبل عام ونصف. اعتدلت تتطلع في الغرفة حولها، والتي كان بها كل شيء كما تركته، ولكن شتان بين غفران التي تركت هذه الغرفة من قبل وبين غفران التي عادت إليها من جديد. نظرت إلى نفسها فوجدت أنها لا تزال بفستانها. تذكرت ما حدث بينها وبين عاصي وتذكرت انهيارها أمس حتى سقطت نائمة من كثرة البكاء.
نهضت بتكاسل ودلفت إلى حمام غرفتها الخاص، تأخذ حمامًا دافئًا تستعيد به نشاطها. بعد قليل، كانت تحمل صغيرها الذي استيقظ هو الآخر، فحممته وبدلت له ملابسه بأخرى نظيفة. خرجت من غرفتها قاصدة جناح جدها، فهي تعلم أنه يستيقظ مبكرًا لصلاة الفجر وبعدها يظل جالسًا يقرأ في مصحفه حتى موعد الإفطار. طرقت على باب الجناح ودلفت بعدما سمعت صوته يأذن لها بالدخول. ابتسمت باشراق وهي تراه يقرأ في مصحفه كعادته، هاتفة بمحبة:
"صباح الخير يا جدو." أغلق الجد مصحفه واشرأبت ملامحه المجهدة بابتسامة فرحة لرؤية حفيدته الغالية وصغيرها الغالي: "صباح الفل والورد والياسمين على حبايب قلب جدو من جوه." قالها وهو يقبلها على وجنتيها ثم حمل منها الرضيع يهدهده بحنان. ابتسم الجد بسعادة: "الحمد لله أن ربنا طول في عمري لحد ما شيلت ولادك يا غفران." بادلته الابتسامة هاتفة بحنو: "ربنا يخليك لينا يا حبيبي وتعيش لحد ما أجوزه إن شاء الله." ضحك الجد بخفة قائلاً:
"أجوزه كمان! ربنا يبارك في عمر أبوه هو بقى اللي يجوزه." أومأت غفران برأسها دون رد. سألها الجد وهو يتفرس في ملامح وجهها الصبوح: "إيه اللي مصحيكي بدري كده، ولا الواد الشقي ده هو اللي صحاكي؟ ما تلاقيه طالع عصبي ومزعج زي أبوه." هتفت غفران وهي تداعب وجنة صغيرها: "حرام عليك يا جدو، ده حبيب قلبي ما تقولش عليه كده." سألها الجد بمكر: "مين فيهم، هو ولا أبوه؟ نظرت له غفران وأجابته بنبرة قاطعة وهي تعتدل في جلستها:
"ابني طبعًا. أنا ماليش غيره وعايشة علشانه وبس." نظر لها الجد مطولاً عله ينفذ إلى داخل عقلها ويقرأ أفكارها، ثم سألها بوضوح دون مراوغة: "وعاصي؟ احتدمت ملامحها وقد فهمت المغزى من سؤال جدها وأجابته بجمود: "ماله عاصي." ثم تابعت تضيف وهي تؤكد على كل حرف تنطق به: "عاصي ابن عمي وابن أبني وبس." ضغط عليها الجد أكثر بسؤاله: "ولما هو كده، إيه اللي خلاكي ترجعي القصر امبارح وإنتي عارفة إن خطوبته كانت امبارح على نسرين؟
وآدم أكد عليكي إنك ما تجيش! أجابته ببعض الحدة وقد بدأت تفقد هدوءها: "أنا مش فاهمة يعني إصراركم على عدم رجوعي يوم خطوبته ولا جوازه حتى. كده كده ده بقى أمر واقع. هو اتخطى اللي حصل وشاف حياته وهيكملها بالطريقة اللي تريحه. وأنا كمان هعمل زيه وأعيش حياتي بالطريقة اللي أنا عاوزاها فمش فارقة أرجع قبل خطوبته ولا بعدها." صمتت لثوانٍ تستجمع نفسها وقد لاحظت ارتفاع صوتها وأكملت تضيف بنبرة أقل حدة:
"وبعدين لو حضرتك وهو هتبقوا مش مرتاحين لوجودي هنا، خصوصًا إنه هيتجوز هنا في القصر ويعيش فيه، فـ أنا أحب أطمنكم إن وجودي هنا في القصر هيكون وضع مؤقت مش أكتر." زوى الجد بين حاجبيه وسألها بنبرة حادة: "يعني إيه وضع مؤقت مش فاهم؟ أجابته غفران بتصميم: "يعني أنا هفضل هنا في القصر لحد ما ألاقي بيت جديد ليا ولابني نعيش فيه براحتنا بعيد عن القصر. ده غير إني من النهارده هرجع أنزل المجموعة من تاني وأشوف شغلي، ده بعد إذنك طبعًا."
هتف الجد بنبرة غاضبة: "وليه بعد إذني، ما إنتي مقررة ومرتبة كل حاجة وجاية تديني خبر." شعرت غفران بالحرج فقد تمادت كثيرًا في الانفعال، فهتفت تعتذر بنبرة هادئة: "أنا آسفة يا جدو، مقصدتش." هتف الجد بنبرة حاسمة:
"اسمعي يا غفران. موضوع شغلك أنا ما عنديش مشكلة فيه، ومكانك في المجموعة زي ما هو. أما بقى موضوع إنك تسيبي القصر وتعيشي في بيت تاني لوحدك، فـ ده موضوع مرفوض وغير قابل للنقاش أصلًا. إنتي هتفضلي عايشة هنا إنتي وابنك معززة مكرمة، ده بيتك وبيت أبوكي وبيت ابنك من بعدك. ولاد الجارحي كلهم اتولدوا في القصر ده واتربوا فيه وعاشوا فيه، ومش هسمح لأي حد مهما كان إنه يغير نظامه اللي عيشنا فيه سنين طويلة حتى لو الحد ده كان إنتي يا غفران."
بعد مدة، دلفت غفران تتهادى في خطواتها إلى غرفة الطعام تحمل صغيرها على ذراعها. تعلقت أنظار عاصي بها فور دخولها والتي لمعت بإعجاب شديد لهيئتها الجديدة. فقد كانت ترتدي بدلة أنيقة مكونة من بنطال وسترة باللون البيج، تركتها مفتوحة وتظهر من تحتها قميص أبيض ذو حمالات عريضة واسع من ناحية الصدر مما أظهر عنقها وبداية نحرها بسخاء. وجمعت شعرها في تسريحة عصرية للخلف مما أعطاها مظهرًا أنثويًا أنيقًا وعمليًا في نفس الوقت.
ضغط على أسنانه بقوة يطحن دروسه بغيره شديدة عليها، ولكنه آثر الصمت مقنعًا نفسه بأنها في المنزل ولا يوجد أحد غيرهم سوف يراها بهذا المنظر. بينما طالعتها نسرين بكره شديد، أما درية فلم تكلف نفسها عناء النظر لوجهها الذي تمقته بشدة. ابتسم عاصي بحنو وهو ينظر إلى صغيره الذي يصدر أصوات مناغاة ويلعب بيديه في شعر والدته. نهض من كرسيه وتقدم منها يحمله هاتقًا بسعادة: "صباح الجمال يا عمر باشا. كل ده نوم؟
ثم طبع سيلًا من القبلات على وجنتيه الحمراء الممتلئة. هتف الجد بسعادة: "لا، الباشا صاحي من بدري وجيه صبح على جدو وقعد يلعب معاه." صاح عاصي متذمرًا وهو يقبله مرة أخرى: "بقي كده يا باشا تصبح على جدك وأبوك لأ. ماشي، هعديها المرة دي عشان خاطر جدك. يلا تعالي يا باشا عشان تفطر معايا." قالها وهو يعود يجلس على مقعده مرة أخرى واضعًا صغيره على قدميه.
كانت ابتسامة غفران تتسع غصبًا عنها وهي ترى صغيرها يناغي والده ويتلمس لحيته الكثيفة بأنامله الصغيرة، وعاصي يبتسم باتساع والسعادة واضحة على وجهه الحبيب. أجلت عندما وجدت درية تنهض من على كرسيها بقوة هاتفة بنبرة ممتعضة: "الحمد لله شبعت، عن إذنكم." رفع عاصي نظراته إليها شاعرًا بالألم من تصرفاتها، وما أحزنه أكثر أنها لم تلتفت لصغيره وكأنه ليس موجودًا، فهي تراه لأول مرة ولم تتلهف عليه كأي جدة تتلهف لرؤية أحفادها.
صدح صوت الجد يحدثها بنبرة جامدة ذات مغزى: "إيه يا درية، مش هتسّلمي على حفيدك ابن ابنك الوحيد؟ هتفت بتلعثم وهي تتحاشى النظر إلى عاصي الذي يناظرها بجمود: "أصل... أنا حاسة إني داخل عليا دور برد وخايفة أعديه." ابتسمت غفران بسخرية لحجتها الواهية وأخذت تقلب في هاتفها دون أن تعطيها أي اهتمام. بينما هتف الجد بسخرية: "لا، ألف سلامة! هتف نسرين بمحبة زائفة وهي تلاعب وجنة الصغير: "الله، ده جميل أوي. هات أشيله يا بيبي شوية."
هتفت غفران بنبرة حادة قاطعة وهي تتوجه ناحية عاصي تلتقط منه صغيرها قبل أن تصل إليه يد نسرين: "لا، معلش. أصل عمر مش بيحب حد غريب يشيله." كتم عاصي ابتسامته بصعوبة على رد فعلها الشرس مع نسرين، بينما نسرين وقفت متكتفة تهز قدميها بعصبية وهي تطالع غفران بغل. هتفت بدلال ماسخ وهي تتعلق بذراع عاصي: "شايف يا بيبي، مش عاوزاني أشيل عمر إزاي."
رمقته غفران بنظرة متحدية، وبغير غضب انحدرت نظراتها نحو ذراعه المتعلقة بها نسرين، فأشاحت بنظراتها سريعًا قبل أن يلمحها. أجابها عاصي وهو يسحب ذراعه من بين يديها بعدما لاحظ نظرات غفران: "معلش يا نسرين، قالت لك الولد مش بيحب حد غريب يشيله." جحظت عين نسرين من رده وهتفت باستنكار وهي تشير على نفسها بإصبعها: "هو أنا حد غريب؟ رنين هاتفه أنقذه من الإجابة عليها، ففتح الخط يجيب عليه وهو يبتعد بخطواته بعيدًا عنهم. تحدثت غفران
موجهة الحديث إلى جدها: "أنا همشي بقى يا جدو، عاوز حاجة؟ أجابها الجد بحنانه المعتاد: "لا يا قلب جدك، خلي بالك من نفسك." ثم تابعت تكمل حديثها: "أنا خليت السواق يطلع عربيتي من الجراج علشان أتحرك بيها." تحدث الجد بحنو: "ماشي يا حبيبتي، اعملي اللي يريحك بس على مهلك وطمنيني عليكي لما توصلي الشركة." قبلته على وجنته قبل أن تغادر: "اطمن يا حبيبي. سلام." تبادلت نسرين ودرية النظرات بعدم فهم، ولكنهم استعادوا هدوءهم بعد رحيلها.
بعد قليل، كانت تجلس خلف المقود تقود سيارتها بثقة متجهة نحو مقر شركات الجارحي، وفي الخلف يجلس صغيرها برفقة نعمات، والتي حرصت على اصطحابه معها فهي لا تأمن أن تتركه وحده في القصر بدونها. عاد عاصي بعد أن انتهى من مكالمته فلم يجد غفران. جلس في مقعده مرة أخرى وهو يسأل عن صغيره بدلًا من أن يسأل عنها حتى لا تظهر لهفته عليها ولا يثير شك نسرين ووالدته: "أومال عمر باشا طلع ينام ولا إيه؟ نطقت درية تجيبه بملامح ممتعضة
وهي تشير بيدها بقرف: "الهانم خدته ومشيت، مش عاوزاه يقعد معانا." هوى قلب عاصي بين قدميه وقد ظن أنها رحلت وتركته مرة أخرى، فهتف متسائلاً بملامح شاخبة: "مشيت! مشيت إزاي وراحت فين؟ هتفت نسرين من خلفه بغيره شديدة: "وإنت مالك مهتم بيها أوي كده ليه، ما تمشي ولا تروح في أي حتة وإنت مالك." ضرب عاصي بقبضته بقوة على الطاولة أمامه مما جعل نسرين ودرية ينتفضون بفزع وهدر بصوت عالٍ: "نسرييييين! ما تدخليش في اللي مالكيش فيه." ثم نظر
إلى جده يسأله بنبرة قلقة: "غفران أخدت عمر وراحت فين يا جدي؟ نظر له الجد نظرة لائمه لعدم قدرته على التحكم في انفعالاته التي تفضح مشاعره تجاه غفران وأجابه بنبرة هادئة: "اهدى يا عاصي، عمر مع أمه في الشركة." زوى عاصي بين حاجبيه يسأله بعدم فهم: "شركة! شركة إيه؟ تابع الجد بنفس النبرة الهادئة: "غفران رجعت لشغلها من تاني في المجموعة وأخدت معاها عمر ونعمات علشان عمر مش هتقدر تسيبه لوحده لحد ما تلاقي له مربية كويسة."
غلت الدماء في عروقه وهتف من بين أسنانه المطبقة: "وإنت إزاي تسمح لها بكده يا جدي! ده تهريج." هدرت درية بغل لم تستطع السيطرة عليه: "طبعًا الهانم راجعة عشان تضمن حقها وتكوش على كل حاجة هي وابنها." نظر لها عاصي بسخط والجنون يتراقص داخل عينيه. ولم ينفعل الجد عليها ولكن تحدث بنبرة باردة كادت أن تصيبها بجلطة ثلاثية الأبعاد:
"أديكي قلتيها يا درية بعضمة لسانك، حقها هي وابنها. وابنها ده اللي هو حفيدك هو اللي هيقش كل حاجة في الآخر لأنه هيبقى معاه نصيب أمه وأبوه بعد عمر طويل." قالها الجد ونهض مغادرًا يستند على عصاه بعدما رمقها بنظرة مزدريّة قبل أن يصعد لجناحه. أما عاصي فـ أسرع يلتقط هاتفه ومفاتيحه مغادرًا بخطوات مسرعة ذاهبًا خلف المجنونة التي يعشقها والتي سوف تصيبه بالجنون بسبب تحديها له. أسرعت نسرين تهرول خلفه منادية عليه بصوت عالٍ: "عاصي!
استنى، إنت رايح فين؟ عاصي." ولكنه لم يلتفت إليها بل إنه لم يسمعها من الأساس، وسؤال واحد يشغل باله: هل غفران بدلت ثيابها قبل ذهابها للشركة أم ذهبت بتلك البدلة التي ترسم قدها المياس بشكل مذهل أشعل صدره بنيران الغيرة؟ وقف جسار يفتح له باب السيارة فعاجله عاصي هاتقًا بنبرة مستفهمة خاصة بعدما وجد السائق موجودًا: "السواق ده هنا بيعمل إيه؟ هو مش المفروض يكون مع غفران هانم؟ أجابه جسار بقلق من رد فعله على ما سيقوله:
"احم، الهانم خرجت لوحدها يا باشا." سأله عاصي بغباء: "لوحدها إزاي يعني؟ تحدث جسار موضحًا: "الهانم خرجت بعربيتها يا باشا." جحظت عين عاصي حتى كادت أن تخرج من محجرها هاتقًا بجنون وهو يقبض عليه من تلابيبه: "وإنت إزاي ما تقولش، إزاي تسيبها تخرج لوحدها، لأ وكمان هي اللي سايقة! تحدث جسار يطمئنه: "اطمن يا باشا، في عربية حرس طلعت وراها وماشية وراها زي ضلها وهما لسه مديني تمام إن الهانم والباشا الصغير وصلوا المجموعة بالسلامة."
دفعه عاصي في صدره بخشونة، واستقل سيارته يدعس على دواسة البنزين يقود مسرعًا ذاهبًا إلى تلك العنيدة المجنونة التي ستقضي عليه لا محالة. "هتجننيني يا غفران أكتر ما أنا مجنون بيكي." أما نسرين فوقفت تتفتت من الغضب وهي تشاهد عاصي يخرج بسيارته مسرعًا ومن خلفه سيارة جسار، فاسرعت تقفز داخل سيارتها وقادتها مسرعة لتلحق به وهي هاتفة بغل ونظراتها تزداد غلاً وكرهاً لغفران:
"مش كفاية البيت كمان رايحة وراه على الشركة، بس أنا بقى مش هسيبك تنجحي في اللي بتخططي له يا بنت جميلة، ويا أنا يا إنتي." وصلت غفران إلى مقر شركات مجموعة الجارحي. شعرت ببعض الرهبة والارتباك في البداية، ولكنها شحذت همتها مقوية نفسها عازمة على ألا تستسلم أو تضعف.
سحبت نفسًا عميقًا تستجمع به نفسها وتحركت بخطوات واثقة تدلف إلى داخل الشركة. استقبلها العاملون باحترام ممزوج بالدهشة لظهورها المفاجئ أمامهم، خاصة عندما لمحوا الخادمة التي تحمل طفلًا صغيرًا على يدها. خمنوا أنه ابنها هي وعاصي، فالجميع يعلم أنها طليقته وأم ابنه الوحيد. على باب المصعد، استقبلتها مديرة مكتبها ترحب بها بلباقة:
"حمد الله على سلامة وصولك يا غفران هانم، الحاج منصور بلغني بوصول حضرتك وكل حاجة زي ما حضرتك أمرتي." أومأت له غفران بابتسامة مجاملة وهي تدلف إلى داخل المصعد: "الله يسلمك. شكرًا." بعد دقائق، كانت تقف وسط مكتبها تطلع إليه، فوجدته كما هو كما تركته، ولكن يزيد عليه، ذلك الركن الصغير البعيد نوعًا ما في آخر الغرفة والذي خصصه الجد لحفيده الصغير. فوضع له كل ما يمكن أن يحتاجه طفلها.
ابتسمت بحنان ممتنة أن الله منحها جدًا مثله. ثم تحركت تجلس خلف مكتبها وتفتح حاسوبها وهي لم تعرف من أين تبدأ، ولكنها ستبدأ. بعد قليل، كان يدلف من باب المجموعة كالاعصار وعلامات الغضب واضحة على وجهه وجسده المتشنج، مما جعل الجميع يناظرون بعضهم بقلق داعين الله أن يمر اليوم على خير وأن يجنبهم شر جنون غضبه. نهضت مديرة مكتب غفران احترامًا له فور دخوله مكتبها، ولكنه تحدث بنبرة مقتضبة دون أن ينظر لها وهو يهم بدخول مكتب غفران:
"مفيش مخلوق يدخل علينا المكتب." رفعت غفران نظراتها من على الأوراق أمامها مجفلة عندما انفتح باب مكتبها بقوة. توترت من ملامحه الغاضبة، فكان يقف أمامها كالمارد بجسده الضخم المتشنج وفكه العريض الذي يطحنه بقوة، وما زاد رهبتها منه تلك الحلّة السوداء ذات القميص الأسود الذي يرتديه، فـ أعطى له مظهرًا شرسًا، مخيفًا، ووسيمًا، وسيمًا جدًا. نفضت رأسها بقوة تقاوم تأثره به وطالعته بنظرات متحدية، بادلها إياها بنظرات تشتعل بجنون.
هتف بين أسنانه المطبقة دون أن يزيح بنظراته عنها: "نعمات، خدي عمر واستني في مكتب السكرتيرة بره." أومأت نعمات برأسها موافقة وأسرعت تخرج وهي تحمل الصغير بين يديها وهي تدعو الله أن تمر الأمور بينهم على خير. ظلت حرب النظرات دائرة بينهم حتى هتف عاصي بنبرة غاضبة: "ممكن أعرف إيه اللي إنتي عملتيه ده؟ أجابته غفران بعدم فهم: "عملت إيه بالظبط؟ تحدث بنفس النبرة الغاضبة:
"إيه اللي خلاكي تسوقي العربية لوحدك ومن غير ما يكون معاكي السواق، لأ وكمان معاكي عمر وإنتي لسه مش بتسوقي كويس." أجابته بنبرة باردة: "ومين قالك إني مش بعرف أسوق! وبعدين أكيد يعني أنا مش هخاطر بحياتي وحياة عمر اللي هو بالمناسبة ابني أنا، وأتهور وأسوق العربية وأنا مش واثقة مليون في المية إني بعرف أسوق." اغتاظ من ردها البارد الذي أشعل غضبه أكثر وأكثر:
"ولما إنتي عاوزة تيجي الشركة مقلتيش ليه وأنا كنت جبتك معايا في عربيتي." سخرت تجيبه باستخفاف: "و أقولك ليه! هو أنا محتاجة آخد منك الإذن عشان أجي شركتي! وبعدين أركب معاك ليه وأنا عندي عربيتي. وبعدين إنت مالك بتدخل في حاجة ما تخصكش إيه أصلًا. أروح الشركة، أسوق عربيتي، إنت مالك، دي حياتي وأنا حرة فيها، ومالكش الحق إنك تدخل في حياتي زي ما أنا مش بدخل في حياتك."
جن جنونه من ردودها المستفزة، وود لو يطبق على شفتيها الرقيقتين اللتين تتفوه بكلمات غبية تثير جنونه، يقبلها بوحشية حتى يدميها ويقضم لسانها الطويل الذي يستفزه حتى يحرم إثارة جنونه. وقف يتنفس بانفعال شديد والدماء تغلي داخل أوردته وهدر بنبرة قاطعة لا تقبل مجالًا للشك: "قلت لك قبل كده إنك تخصيني." احتدمت نظراتها المغتاظة من غروره وثقته بنفسه وهدرت فيه بغضب:
"اسمع يا عاصي، مش عشان إنت ابن عمي وأبو ابني ده يديك الحق إنك تتدخل في حياتي وتتحكم فيا. الكلام ده كان زمان لما كنت عيلة هبلة كل هدفها في الحياة إنها تفضل جنبك، لكن دلوقتي كل حاجة اتغيرت. ومن غير دخول في تفاصيل مش هتقدم ولا هتأخر، إحنا اللي بيربط بنا هو عمر وبس!
ولازم كل واحد فينا يلزم حدوده مع التاني ويحترمه عشان خاطر عمر يتربى بطريقة سليمة وتفصلته ما تتأثرش باللي بيحصل. وزي ما إنت اخترت الطريقة اللي تكمل بيها حياتك، أنا كمان من حقي أختار الطريقة اللي تناسبني وأكمل بيها حياتي بعيد عن دايرة عاصي باشا الجارحي." أنهت كلامها وهي تنهت بانفعال وصدرها يعلو ويهبط بجنون، وهو يقف أمامها لا يقل عنها انفعالًا، بل إن غضبها لا يمثل ذرة من الغضب الذي يموج بداخله.
في نفس الوقت، كانت نسرين تدلف إلى الداخل تقتحم مكتب سكرتيرة غفران وهي تهتف فيها بغضب بعدما علمت أن عاصي في مكتب غفران: "يعني إيه مش هدخل؟ إنت مش عارفة أنا مين ولا إيه؟ أنا نسرين هانم خطيبة عاصي باشا الجارحي اللي مشغلك هنا. تقوليلي مش هدخل! تحدثت السكرتيرة باحترام وهي تقف أمامها تمنعها من الدخول: "آسفة يا هانم، بس أوامر عاصي باشا بنفسه."
اشتعلت نظرات نسرين بغل ولم تعرف كيف ترد عليها، وازداد جنونها عندما لمحت نعمات ترمقها بنظرة متشفية مما جعلها تود أن تقتلها. فخرجت مسرعة من أمامهم كما دلفت مسرعة. نظر لها عاصي بجنون ولا يعرف كيف يتصرف معها، هل يخبرها بكل شيء الآن حتى تعلم أنه يحميها ويخاف عليها وأنها لازالت ملكه وتخصه؟ وحتي لو تحدث، هل ستسمعه؟ هل ستصدقه؟ خاصة مع عنادها وتحديها له، فهي لن تعطيه فرصة للتحدث مطلقًا.
زفر أنفاسه بغضب وهتف بحدثها بنبرة أقل حدة محاولًا إقناعها بهدوء: "شوفي يا غفران، في حاجات كتير أوي إنتي ما تعرفيهاش، ولسه مجاش وقتها عشان أقولهالك. بس كل اللي أقدر أقولهولك، إني مش بتحكم فيكي أو عاوز أتدخل في حياتك. أنا بعمل كده من خوفي عليكي، أنا بخاف عليكي بجنون. أنا عارف إني عصبي ومجنون ومش بعرف أتحكم في عصبيتي، بس ده غصب عني، أنا كده. وإنتي أكتر واحدة عارفاني وفهماني كويس." شعرت بنخزة قوية تؤلم قلبها، ولكنها
غالبتها وهتفت بكبرياء: "وفر خوفك لنفسك، أنا مش محتاجة حد يخاف عليا." نظر إليها مهمومًا بيأس معقود اللسان، ومن الواضح أنه سيعاني كثيرًا من أجل الحصول على غفرانها. طرقت السكرتيرة على باب الغرفة بخفة ثم دلفت بعدما سمحت لها غفران بالدخول: "غفران هانم، الاجتماع هيكون جاهز في خلال عشر دقايق." أومأت لها غفران دون رد، فانصرفت السكرتيرة بهدوء. نظر لها عاصي مستفهمًا: "اجتماع إيه ده؟ أجابته غفران بجدية:
"اجتماع لمديري شركات المجموعة." قطب حاجبيه الكثيفين يعتصر ذهنه يبحث عن وجود اجتماعات اليوم، ولكنه متأكد أنه لا يوجد وهو لم يطلب منهم الاجتماع. هتف يسألها بعدم فهم: "اجتماع إيه ومين اللي حدده؟ أجابته بنظرة متحدية: "أنا." سألها بعدم فهم وهو يقف أمامها متخصرًا: "إنتي... ليه إن شاء الله؟ أجابته بنفس النبرة المتحدية وهي تقف نفس وقفته المتخصرة:
"عشان عاوزة أعرف كل حاجة عن الشغل في الفترة اللي غبت فيها عن المجموعة. وبعدين ده من اختصاصي بحكم إني المدير التنفيذي للمجموعة يا بشمهندس، ولا نسيت! كانت شهية لحد الجنون وهي تقف أمامه متخصرة تتحداه بنظراتها وملامحها البهية، كان يلتهمها بنظراته ويود أن يخفيها داخل ضلوعه حتى يحجبها عن عيون الناس ولا يرى حسنها وفتنتها أحدًا سواه.
رمقها بنظرة ذكوريّة خالصة يمشط جسدها الممتلئ بإغراء في أماكنه الصحيحة يعانق جسدها بنظرات مشتاقة لحد الوجع. أظلمت نظراته واشتعلت بها نيران غيرته عندما التفت لما ترتديه. طحن دروسه بغيظ، فكل من بالشركة قد رأوها بهذا المنظر، ولا يكفيها هذا بل تريد اجتماع مع كل مدراء المجموعة بل وتجلس معهم بهذهئتها تلك وجميعهم من الرجال وهي المرأة الوحيدة بينهم! هل جنت؟
والله لن يكون ابن الجارحي إذا تركها تجلس معهم بهذا الشكل السافر، الساحر، والمثير! هدر صوته بغضب مكبوت: "وحضرتك إن شاء الله ناوية تحضري الاجتماع بالشكل ده؟ تفهم مقصده وسألته مستفهمة: "ماله شكلي؟ أشار بحركة من رأسه على جسدها وخاصة صدرها الظاهر أمامه بسخاء بسبب تلك السترة المفتوحة على مصراعيها: "إنتي مش شايفة البدلة ضيقة إزاي ومحددة شكل جسمك، ده غير صدرك اللي كله باين."
غمغمت بوجنتين محمرتين خجلًا من حديثه ومن نظراته الجريئة لجسدها وهي تضم طرفي السترة تداري جسدها: "احترم نفسك. وبعدين دي الموضة وجسمي مش باين ولا حاجة." مسح على وجهه عدة مرات مستغفرًا مهدئًا من جنونه بدلًا من أن يدق عنقها الجميل الذي يغويه لتقبيله ووضع صك ملكيته عليه. تحدث بنبرة أقل حدة ولكنها حاسمة لا تقبل للنقاش:
"شوفي يا غفران، قدامك حلين مالهمش تالت. يا تغيري الزفتة اللي إنتي لبساها دي أو تعملي أي حاجة تقفليها بيها تداري بيها جسمك. يلا، مفيش اجتماعات وهتروحي على القصر على طول." كادت أن تنطق وتتحداه كعادتها، إلا أنه رمقها بنظرة خطرة أرعبتها قائلًا بتحذير: "وده آخر كلام عندي، ولو ما اتسمعش ما تلوميش إلا نفسك. أنا ماسك نفسي بالعافية."
رمقته بنظرات مشتعلة وتحركت من أمامه تدب الأرض بخطوات غاضبة وهي تدلف إلى داخل الحمام الملحق بمكتبها وهي تتمتم بكلمات غاضبة. استدارت له ترمقه بغيظ هاتفه من بين أسنانها: "مستبد." ثم أغلقت الباب في وجهه بقوة. أنارت الابتسامة وجهه أخيرًا وهو يضحك على جنونها وطفولتها، فهي مهما أظهرت له من عناد وتحدي ستظل بداخلها تلك الطفلة الجميلة البريئة.
بعد دقائق، كانوا يسيرون في الرواق المؤدي إلى غرفة الاجتماعات وهي ترمقه بنظرات مغتاظة حانقة، بينما هو يسير بجانبها بخيلاء مبتسمًا بزهو، بعدما عدلت من سترة بدلتها وأغلقتها بالكامل. اعترضت نسرين طريقهم تهتف بغيره لم تستطع التحكم بها وهي تراهم يسيرون معًا بعدما أمضوا ما يقرب من ساعة في مكتبها بمفردها: "رايحين فين؟ أجابها عاصي الذي تفاجأ من وجودها: "عندنا اجتماع مهم." هتفت مسرعة وهي ترمق غفران بنظرات كارهة:
"تمام، هحضر معاكم." نظرت لها غفران تحادثها بحاجب مرفوع: "تحضري فين؟ ده اجتماع خاص بمديري المجموعة كلهم، ومش مسموح للموظفين العاديين الحضور. متهيالى إن مديرك هيحضر الاجتماع." ثم وجهت حديثها إلى عاصي الذي يكبت ابتسامة سعيدة بقوتها وشخصيتها الجديدة: "يلا عشان ما نتأخرش عليهم أكتر من كده." قالتها وهي تتخطاها تكمل سيرها يتبعها عاصي دون أن يتفوه بحرف، تاركين نسرين خلفهم تتفتت من الغيظ والقهر.
دلفت نسرين إلى مكتبها وهي تشعر برغبة قوية في خنق غفران والضغط على عنقها بشدة حتى تخرج روحها في يدها. ظلت تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا بعصبية، ثم أخرجت هاتفها تتصل بمازن الذي اختفى منذ أن حولت له الأموال. وضعت الهاتف تنتظر رده عليها، ولكنها هدرت فيه بجنون أول ما فتح الخط: "إنت فين يا بني آدم إنت؟ أجاءها رده ساخرًا كعادته:
"أهلاً أهلاً بعروستنا الحلوة. مبروك، عرفت إنك أخيرًا وصلتي للي إنتي عاوزاه. عقبالي أنا كمان لما أوصل للي عايزاه." صرخت به وقد فقدت السيطرة على أعصابها: "توصل لإيه وزفت إيه وإنت قاعد عندك تسكر وبس! هو البيه يعرف إن الكونتيسة غفران رجعت مصر يوم فرحي ولا لأ؟ وراجعة نافشة ريشها وراكبة الجو هي وابنها، وع طول لازقة لعاصي ونازلة الشركة من أول يوم عشان تفضل ملحقاه في البيت والشغل." هتف مازن بغضب: "إنتي بتقولي إيه!
مين دي اللي في مصر! ده أنا في المطار وطالع على سويسرا. وإنتي إزاي ما تبلغنيش أول ما هي وصلت." أصدرت ضحكة متهكمة قائلة: "سويسرا! وبعدين هو أنا لحقت أتنفس، دي طبت علينا زي القضا المستعجل ومن ساعتها وأنا مش عارفة ألم على عاصي، ماشي في ديلها زي العيل الصغير." وقف مازن يشد شعره بجنون وهو يشعر بالعجز: "والعمل؟ أنا لازم أتصرف وأرجع مصر بأي شكل. بس الباشا بتاعتك رجالتها في كل مكان، هيوصل لي أول ما أوصل." هتفت نسرين بحزم:
"اتصرف يا مازن، لازم ترجع كده، كل اللي عملناه هيروح على الفاضي. أنا ما صدقت إني وصلت لعاصي في النهاية ومعنديش استعداد إني أخسر اللي وصلت له ده مهما حصل." أجابها مازن وهو يفكر في طريقة تمكنه من العودة إلى مصر: "اطمني، أنا هلقى طريقة أرجع بيها، عشان عاصي حسابه تقل أوي معايا." أغلقت نسرين معه وهي توعد لغفران: "أما ندمتك يا غفران على تحديكي ليا، ما بقاش أنا نسرين."
غافلة عن جسار الذي استمع إلى كل مكالمتها وسجلها لها بعدما قام بربط جهازها بجهازه عن طريق تطبيق مشترك بينهم يمكنه من سماع مكالمتها وتسجيلها، بعدما قام عاصي بإلهائها في إحدى المرات حتى يسهل له الحصول على هاتفها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!