"علي بعض اوووي!!!! " قالتها وهي تتحرك وتوليهم ظهرها وترتسم ابتسامه ساخره علي ملامحها الرقيقه بعدما رمقتهم معاً بنظره مستنكره. اقتربت من جدها الذي لمحها منذ دخولها وظل يتابعها بعينيه، وقد تأكد حدسه أن غفران حفيدته الرقيقه قد تغيرت، فهو شعر في آخر كام محادثة بينهم قبل وصولها أنها ليست هي، يوجد بها لمحة من التمرد والجرأة. وما حدث أمامه منذ دقائق خير دليل.
وقفت أمامه تتطلع إليه في شوق وثواني وكانت ترتمي داخل أحضانه الواسعة التي أغلقها عليها يضمها بحماية واحتواء. أغمضت عينيها وهي تضم نفسها بقوة لأحضانه تنعم بدفئها، وحمدت الله أن هذا المكان الدافيء لازال مكانها كما كان من قبل ولم يتم سلبه منها هو الآخر، يكفي حضن واحد سُلب منها.
قاومت رغبة ملحة في البكاء وخرجت من حضن جدها تنظر له وهي ترسم ابتسامة امتنان على شفتيها الرقيقة، بادلها الجد بأخرى حانية وهو يربت بيكف يده المجعدة على وجنتها الرقيقة هاتفاً بحنان: "عرفتي بقي كنت رافض رجوعك ليه اليومين دول بالذات؟ ابتسمت بمرح تداري وجع روحها: "عادي يا جدو مش فارقة كتير… هتفرق إيه امبارح من انهارده من بكرة… كده كده كان هيحصل. وبعدين ما أنا قدامك أهو كويسة وزي الفل، ولا انت نظرك ضعف يا رجل يا عجوز؟
قالتها بمرح وهي بعيدة كل البعد عنه تخفي به نزيف قلبها، ولكن وجعها هذا لا يخفى على جدها الذي يعلم ما تمر به حفيدته من ألم رهيب يدمي قلبها، ولكن كل ما يطمئنه أنها مسألة وقت وستزول كل جراحها، والأهم من ذلك أنها أصبحت هنا معه وتحت حمايته وهذا أهم من أي شيء آخر. وأخذ يدعو الله أن يحفظها هي وعاصي وابنهم ويُبعد عنهم كل من يحاول أن يؤذيهم فيه وأن تمر الأيام القادمة الصعبة على خير.
هتف الجد بحنان: "يا رب أشوفك على طول كويسة وزي الفل يا حبيبت جدك انتي." ثم تابع يسألها مستفهماً: "أومال عمر فين، انتي ما جبتيهوش معاكي ولا إيه؟ أجابته بسعادة وقد تحولت ملامحها إلى ملامح مشرقة عند ذكر صغيرها: "فوق في أوضتي مع نعمات." هتف الجد بعاطفة صادقة: "هتجنن واشوفه، بيوحشني أوي! ابتسمت غفران بحب
ووضعت رأسها على صدر جدها: "اطمن يا جدو مش هيبعد عنك تاني أبداً وهيعيش في حضنك وتغرقه في حنانك زي ما طول عمرك بتعمل معايا." "حبيبت جدك انتي." قالها وهو يضمها طابعاً قبلة حانية على مقدمة رأسها وشعور بالراحة والأمان يتسرب إلى قلبيهما. كل ذلك تحت نظرات عاصي الذي يتمنى لو كان هو مكان جده يضمها في عناق قوي يسحق فيه عظامها يروي شوقه إليها، وبعدها يعطيها علقة ساخنة تفتت عظامها معاقباً إياها على ما فعلته فيه وفيها.
أما نسرين المتشبثة بذراع عاصي، لو كانت النظرات تقتل لكانت غفران مفترشة الأرض غارقة في دمائها يخرجون الرصاصات من جميع أنحاء جسدها. فنسرين كانت تغلي وتتفتت من الغضب منذ رؤيتها، وكذلك درية التي غالباً ارتفع ضغطها إلى أقصى درجاته من شدة كبتها لغيظها وحقدها على غفران. همست نسرين في أذن عاصي بحقد وغيره لم تعد
تستطع السيطرة على نفسها: "هي إيه اللي رجعها تاني، مش كنا خلصنا منها ومن قرفها، ليها عين ترجع بعد كل اللي عملته فيك، صحيح قادرة وفاجرة! التفت لها عاصي يرمقها بنظرات شرسة مشتعلة وهسهس بفحيح مرعب جعلها تبتلع في رعب: "نسرييين! الموضوع ده انتهينا منه، ومش عايزة يتفتح تاني حتى لو بينك وبين نفسك… غفران خط أحمر!
إذا كانت الأول بنت عمي ومراتي، هي دلوقتي كمان أم ابني، فاهمة يعني إيه أم ابني… يعني اللي يفكر مجرد تفكير إنه يمس شعرة واحدة منها أنا أمحيه من على وش الدنيا، وانتي عارفة كده كويس." صمت لثواني يهديء من روعه ثم تابع
يضيف بنبرة حانية خدرتها: "أنا عارف يا نيسو إنك غيرانة عليا، بس أنا مش عايزك تقلقي من حاجة، المهم دلوقتي أنا مع مين… أنا معاكي انتي… خطيبتي… وكلها كان شهر ونتجوز وتبقي حرم عاصي الجارحي بجلالة قدره… مش كده ولا إيه؟ اتسعت ابتسامة نسرين حتى كادت أن تتلامس أذنيها وهمست بنبرة عاشقة: "كده طبعاً يا حبيبي، أنا غصب عني يا عاصي… أنا بحبك بجنون… ولما شوفتها تاني اتجننت وخايفة إنها تشغلك وتاخدك مني بحجة ابنها…"
ابتسم عاصي ساخراً وهو يربت على كف يدها المتعلق بذراعه: "ما تخافيش من أي حاجة… أنا عايزك تطمني على الآخر…" اقترب منها وجلس بجانبها يرمقها بنظرات معاتبة قائلاً: "جيتي ليه يا غافي يا حبيبتي؟ نظرت له وهي ترتشف من كأس العصير أمامها، ثم أجابته بنبرة جادة: "وايه اللي يخليني ما أجيش؟ نظر لها هاتفاً بنبرة ذات مغزى: "انتي عارفة أنا أقصد إيه كويس…"
أجابته بنفس الهدوء: "اطمن أنا كويسة، وكده كده كنت هاجي وهواجه، فمش فارقة كتير دلوقتي أو بعدين النتيجة واحدة." ثم تابعت تنهي النقاش: "عن إذنك، في ناس أعرفهم هقوم أسلم عليهم…" قالتها وتحركت تنهض من جانبه دون أن تعطي له فرصة للتحدث بأكثر من ذلك. في نفس الوقت، اقتربت درية من نسرين وهمست بالقرب من أذنها بغل: "شايفة اللي أنا شيفاه!!!! إيه اللي رجعها، مش كنا خلصنا منها… جاية ليه تاني؟ أجابتها
نسرين من بين أسنانها: "معرفش… معرفش. أنا خايفة يا أنطي لا تشغّل عاصي بحجة ابنها ويسبني تاني وأنا ما صدقت أخيراً إننا بقينا لبعض." ابتسمت درية بمجاملة في أوجه الحضور المسلطة عليهم وهتفت بنبرة قوية: "متخافيش مش هتقدر تعمل حاجة… ولو فكرت تعمل شغل المسكنة والسهوكة بتاع أمها ده أنا بقي اللي هقف لها المرة دي بنت جميلة ومحدش هيقدر يلومني ساعتها."
كانت غفران تتحرك في الحفل بحرية وانطلاق وهي تخفي وجعها خلف قناع الابتسام والاندماج مع الآخرين، وهو الأمر الذي تعجب له معظم الحضور، فكانت تتحدث مع هذا وذاك، وتضحك مع هذه وتلك.
والكل متعجب ومصدوم من حضورها حفل خطوبة طليقها. فغالبية الحضور قد علم بانفصالهم عن بعض خاصة بعد إعلان عاصي لخطوبته من نسرين الراوي، ابنته خالته. والبعض فسر حالتها على أنها تمثل وتدعي القوة لمحاولة جذب نظرات طليقها لها مرة أخرى. والبعض الآخر فسر ذلك على أنها فعلاً قد تخطته وما عاد يمثل لها أي شيء.
اندمجت وسط الحضور بشكل كبير دون أن تلتفت إليه مرة أخرى وكأنه غير موجود بالمكان. على عكسه، فهو كان يتابع كل حركة تصدر عنها والنيران تشتعل بداخله، نيران اشتياقه إليها الذي تعدى كل الحدود خاصة وهو يراها أمامه كالفاكهة المحرمة التي يعجز عن الاقتراب منها.
ونيران غيرته عليها التي تحرق قلبه وتغلي كالحمم في شرايينه خاصة وهو يرى نظرات الرجال لها وهي ترتدي ذلك الثوب الفاضح الذي يكشف عن ذراعيها ونحرها، وساقيها الجميلتين الممشوقتين ويلف جسدها الرشيق والذي ازداد وزنه بشكل مغري مما جعلها أكثر أنوثة وإغراء.
شتم في سره فهو يقف عاجزاً مقيداً، يريد أن يذهب إليها يسحبها من شعرها الغجري الطليق الذي كلما حركته بيدها تبعده عن عينيها تتحرك معه دقات قلبه، ثم يخفيها داخل ضلوعه يحجبها عن عيون الناس. لا لن يتحمل، سيصاب بنوبة قلبية بسببها، لذلك استغل انشغال نسرين بالرقص مع صديقاتها وذهب خلفها عندما وجدها تقف في ركن بعيد نسبياً عن صخب الحفل.
كانت تقف تعطيه ظهرها تنظر إلى البحر حالك السواد أمامها وقد اشتاقت لمنظره ورائحته الجميلة التي تنعش روحها. أخذت نفس عميق تملأ رئتيها بعبق البحر ولكنه اختلط برائحة عطره التي تحفظها عن ظهر قلب.
خفق قلبها بقوة وقد استشعرت وجوده حولها من رائحته التي تسبقه ومن صوت حفيف خطواته فوق الحشيش الأخضر، ولكنها كانت أجبن من أن تلتفت له. خافت أن يفضحها الشوق وتغلبها نظرات عينيها المشتاقة إليه، فظلت كما هي تعطيه ظهرها وتحضن نفسها بذراعيها تداري بهما ارتجاف جسدها.
اقترب منها حتى أصبح خلفها ودقات قلبه الهادرة تقرع داخل صدره كطبول الحرب، جسده ينتفض رهبة وشوقاً إليها. داعبت أنفه رائحة عطرها الجديد ذات المذاق الحار القوي عكس رائحة عطرها الهادئ القديم. ولكن أعجبه بشدة وأثاره خاصة وهو مختلط برائحة جسدها التي اشتاق لها حد الجنون.
منع نفسه بقوة يحسد عليها من أن يضمها داخل أحضانه في عناق قوي مشتاق متطلب يسحق عظامها. حمم يجري صوته المتحشرج من زخم المشاعر المختلطة بداخله وهمس يناديها بصوته الأجش ذو البحة الرجولية الجذابة: "غفران! صعقة كهربائية أصابت قلبها وانتقلت شحناتها إلى جسدها جعلته يرتجف بقوة فور سماعها لاسمها منطوقاً بهذه الطريقة من بين شفتيه. تلك الطريقة التي طالما ناداها بها، نفس الدفء، نفس النطق وكأنهم لم يفترقوا منذ عام وأكثر.
صمتت… صمتت ولم تستطع الرد، صوتها هرب منها وأحبالها الصوتية تعاندها. ناداها مرة أخرى بنفس الطريقة ولكنها أشد حرارة وأقوى، مما جعل جسدها يرضخ لإرادة قلبها واستدارت ببطء تنظر له. وأخيراً استدارت. حُبست الأنفاس، وارتجفت الأجساد، ودقات القلوب تهدر بعنفوان، والعيون بينهما حوار غير منطوق، اشتياق، لوم، عتاب، اشتياق، أسف، ندم، اشتياق، اشتياق، اشتياق! قطعت هي حوار النظرات بينهم عندما هتفت تحدثه بسخرية وهي ترتدي
قناع الجمود مرة أخرى: "إيه يا عريس، في حد يسيب عروسته برضك في وسط الحفلة كده… مش معقول تكون زهقت بالسرعة دي." أجابها وهو يقف واضعاً يديه في جيب بنطاله مائلاً بجزعه إلى الخلف دون أن يحيد بنظراته عن وجهها الجميل: "صدعت من الدوشة قلت أشم هوا شوية وبعدين شوفتك فقلت أتكلم معاكي شوية."
مطت شفتيها الصغيرتين بامتعاض مما جعل نظراته تنحدر تلقائياً نحو شفتيها يطالعها بجوع وهو يحارب وحوشه بقوة حتى لا ينقض عليها يشبعها تقببلاً حتى يزهق روحها. هتفت تتحدث بذقن مرفوع: "وعاوز تتكلم معايا في إيه؟ أظن إننا خلاص مفيش بينا أي حاجة ممكن تتقال… خلاص… بح…! أجابه بنبرة قاطعة وهو لا يزال على نفس وضعه: "إحنا اللي بينا عمره ما انتهى ولا هينتهي يا غفران." رفعت حاجباً جميلاً
وتحدثت بكبرياء: "يمكن بالنسبة لك انت، لكن بالنسبة لي أنا مفيش…! ضحك ضحكة صغيرة وهو يمسد على طرف لحيته المشذبة الأنيقة: "اتغيرتي." ابتسمت بحلاوة قائلة بنبرة ذات مغزى: "البركة فيك…! نظر لها مطولاً يشبع عينه من حسنها البهي، ثم هتف مغيراً الحديث: "عمر فين؟ أجابته بمراوغة: "بتسأل ليه؟ أجابها بنبرة مستنكرة: "على حد علمي إني أبوه! هتفت تجيبه بنبرة ساخرة: "امممم عندك حق، فاتتني دي، عموماً اطمن عمر نايم فوق في أوضتي القديمة."
تحدث مسرعاً بلهفة مشتاقاً لقطعة منه: "عايز أشوفه." نظرت في ساعة يدها ثم تحدثت بصدق: "الوقت متأخر زمانه نايم، الصبح إن شاء الله تقدر تشوفه." ثم تابعت بسخرية: "ومش معقول هتسيب عروستك وحفلة خطوبتك عشان عايز تشوف ابنك…!!! نظر لها بصمت ولم يرد، غيرتها عليه التي تحاول أن تداريها خلف قناع الجمود والسخرية، تُنعش قلبه وتُغازل رجولته. شعرت بلسعة برد من هواء البحر، فمسحت على ذراعيها بحركة سريعة لتدفئتهما.
خلع سترة بدلته بدون تردد وفي لحظة باغتها ولفها حول كتفيها وظلت يداه معلقتين على طرفي السترة، وأصبحت أسيرة أحضانه دون أن يلمسها، يحاصرها بأنفاسه الساخنة ونظراته الملتهبة داخل عرينه. تلاقت عيناهما من جديد وسكنت كل الأصوات حولهما فقط أصوات أنفاسهما الهادرة هي المسموعة ونسمات هواء الصيف العليل ورائحة البحر وهدير أمواجه تحت ضوء القمر تحيط بهما وكأنهما انعزلا عن العالم حولهما في كبسولة سحرية.
أنفاسه الساخنة تلفح بشرتها تحرقها، ورائحة عطره الآخاذ تطيح بثباتها، وقوة جسده المحيطة بها تفقدها توازنها. هدرت فيه بعصبية تخرج نفسها من هالة سيطرته وهيمنته عليها: "أوّعي إيدك، إنت بتعمل إيه؟ هتف بحشرجة وهو يلتهمها بنظراته: "بدفيكي! تلوت بين ذراعيه تحاول إبعادهم وإزاحة السترة من فوق كتفيها هاتفة بغضب: "شكراً مش عايزة، أنا مش بردانة." هدر
فيها بنبرة قوية أفزعتها: "بطلي عند، الدنيا ساقعة وانتي مش بتستحملي البرد." ثم تابع يضيف بغيرة ونظرات الرجال لجسدها تتراقص داخل عينيه: "وبعدين كل ده بسبب الزفت اللي لابساه، من امتى وانتي بتلبسي عريان كده يا هانم." صوته العالي ونبرة التحكم فيه أغضبها، فهدرت فيه بتحدي: "وانت مالك أنا حرة أعمل اللي أنا عايزاه محدش له حاجة عندي." تراقص الجنون داخل
عينيه وهتف بنبرة شرسة: "لا انتي مش حرة، أولاً انتي أم ابني وتخصيني، ثانياً انتي بنت الجارحي يعني لازم تخلي بالك من تصرفاتك كويس أوي وتحترمي نفسك قبل ما تحترمي اسم عيلتك." هدرت بغضب وقد انفك عقال جمودها ومحاصرته لها بجسده ورغبته في التحكم فيها كما كان يفعل من قبل، جننتها: "أنا محترمة غصب عنك وأنا ما أخصكش في حاجة وابعد عني والزم حدودك وانت بتتعامل معايا." هتف من بين أسنانه وقد نجحت في إثارة جنونه: "ألزم حدودي!
طب امشي انجري قدامي على أوضتك وقسماً بالله العظيم يا غفران لو ما سمعتي الكلام واتعدلتي لأكون شايلك على كتفي زي الشوال قدام الكل، وانتِ عارفة أنا مجنون وأعملها." وقفت تتفتت من الغضب أمامه وهي تعلم أنه قادر على تنفيذ تهديده لها، فقررت رغم عنها تنفيذ أوامره. نفضت ذراعيه وأسقطت سترته أرضاً وتحركت تغادر تدب الأرض بقدميها الصغيرتين بغيظ، وبعد أن خطت خطوتين بعيدة عنه، جاءها صوته الهادر من خلفها يأمرها بغضب: "استني!
وقفت متكتفة تهز ساقها اليسرى بغيظ دون أن ترد عليه. اقترب منها وهو يحبس ابتسامة متسلية تريد الظهور على وجهه مستمتعاً باستفزازها فهي تبدو شهية وهي غاضبة. مد يديه يحيط كتفيها بسترته وهو يرسل لها نظرة محذرة من أن تخلعها. نظرت له بامتعاض دون رد،
فتابع يضيف بعناد وغرور: "اتفضلي معايا على فوق عشان هشوف عمر دلوقتي مش هستنى للصبح." قالها وهو يسبقها بخطواته يدلف إلى داخل القصر من أحد الأبواب الجانبية البعيدة عن الحفل الصاخب، وسط ذهولها وغيظها منه ومن نفسها.
بعد دقائق كانت غفران تقف تستند بظهرها على باب غرفتها تتطلع في ملامح عاصي الذي يحمل طفلهم بين ذراعيه يهدهده ويمطره بوابل من القبل المشتاقة. صغيرها الذي استيقظ فور أن حمله والده وكأنه كان في انتظاره ويشتاق إليه هو أيضاً. انفجرت دقات قلبها تهدر داخل صدرها وهي ترى حنانه على صغيرها، أغمضت عينيها تحبس صورته داخل مقلتيها وهي تتمنى لو يتوقف بهم الزمان عند هذه اللحظة، وهما ثلاثتهم معاً، أسرتها الصغيرة التي طالما حلمت بها.
نظر إليها عاصي بمقلتين تلتمع فيهما الدموع وهمس بنبرة متحشرجة من فرط تأثره: "عمر ابني… ابننا! أومأت له غفران بصمت وهي تمنع دموعها من الانهمار بقوة. تحدثت بنبرة حانية تحوي كل مشاعر عشقها له: "شبهك… نسخة منك…"
ضم الصغير إلى أحضانه مخرجاً تأوهاً ملتاعاً حزيناً، نادماً على تهوره وعصبيته والتي تسببت في بعده عنهم وحرمانه من الشعور به والتواجد معهم في فترة حملها وحتى بعد ولادتها. كان يتمنى أن يسجل كل لحظة وكل حركة وكل صوت يصدر عنه، ولكن الله كان رحيماً به عندما حمله بين ذراعيه لحظة ولادته وكان معها حتى ولو لم تكن تعلم. ولكنّه أقسم أن يعوضهم عن كل ألم شعروا به وكل لحظة كانوا فيها بعيداً عنه.
توحشت نظراته بشراسة وهو يتوعد بالجحيم لمن تسبب في كل ما عاشوه وعانوه بسببهم. عليهم أن يتحملوا قليلاً، فهو قد قارب من الوصول إلى هدفه وبعدها يكون لكل حادث حديث. نظر إلى صغيره الذي غفى بين ذراعيه، فوضعه برفق في فراشه طابعاً قبلة حانية فوق جبينه بعد أن دثره جيداً بالغطاء. اعتدل في وقفته واستدار ببطء يتطلع فيها بنظراته التي تكاد تلتهمها.
تكتفت غفران وشمخت بذقنها تتحداه بنظراتها. تحرك بخطوات كسولة حتى وقف أمامها دون أن يحيد بنظراته عنها. هتفت غفران بنبرة قوية متحدية حتى تخرج من مجال سيطرته عليها: "ياريت تتفضل من غير مطرود، واللي حصل ده ما يتكررش تاني… مالكش دعوة بيا أو بأي حاجة تخصني، والاوضة دي ممنوع تدخلها مرة تانية ولا حتى عشان ابنك.. مفهوم؟
اقترب بوجهه منها حتى لفحت أنفاسه الساخنة وجهها وشعرت أنه على وشك تقبيلها بسبب نظراته الملتهبة المسلطة على شفتيها وهتف بنبرة هامسة بجانب أذنها: "أنا أعمل اللي أنا عايزه في الوقت اللي أنا عايزه ومفيش قوة في الكون هتمنعني عن ابني." "وعنك" همس بها في داخله وتمنى أن ينطق بها ولكنه أجلها حتى لا تفسد مخططاته. فاللعبة قط والفأر بينهم تعجبه وتساعده على تنفيذ خطته بشكل صحيح.
"تصبح على خير يا… يا بنت عمي…" قالها وخرج من غرفتها مسرعاً قبل أن يضعف أمامها أكثر من ذلك وهو يحارب وحوشه التي تنهش بداخله من التهامها كلها خاصة وهي أمامه بتلك الهيئة المهلكة لأعصابه ورجولته.
تنفست غفران أخيراً وقد اكتشفت أنها كانت تحبس أنفاسها داخل صدرها طوال وجوده معها هنا. سارت بخطوات مرتعشة حتى رقدت بجوار رضيعها تاخذه في أحضانها تتلمس دفء لمساته فوق جسد صغيرها. هنا ولم تستطع الصمود أكثر من ذلك، فقدت قدرتها على المقاومة وتمثيل دور اللامبالية وانهارت تبكي كما لم تبكِ من قبل، فهي لم تتوقع أن يكون الأمر صعباً وشاقاً عليها إلى هذه الدرجة.
بكت حتى أنهاكها البكاء وغفت في أحضان صغيرها والدموع تغرق وجهها الجميل. دلفت نسرين إلى داخل القصر بملامح متجهمة تبحث عن عاصي الذي اختفى فجأة من الحفل، وجدته ينزل الدرج بذهن شارد فاقتربت منه مسرعة وهي تتطلع حولها تبحث عن غفران والتي اختفت هي الأخرى. سألته بنبرة مغلولة: "كنت فين؟ نظر لها عاصي وبوادر الغضب تلمع داخل مقلتيه من طريقة حديثها التي لم تعجبه، هاتفاً بنبرة غاضبة: "وطّي صوتك!
رمشت نسرين بعينيها بارتباك وحجمت انفعالاتها وهمست برقة مصطنعة: "مش قصدي يا بيبي، أصل انت اختفيت فجأة من غير ما تقولي والناس أخدت بالها…" تحدث بغضب وهو يطحن ضروسه: "ما يولع الناس، وبعدين هو أنا هستأذن منك قبل ما أتحرك ولا إيه؟ تابعت برقة وهي تمسد على ذراعه بطريقة حسية: "آسفة يا حبيبي مقصدي أنا بس قلقت عليك." أجابها بسخط: "متقلقيش، أنا كويس… أنا بس صدعت من الدوشة ودخلت عشان آخد مسكن."
هتفت بلهفة: "الف سلامة عليك يا حبيبي… خلاص لو كده أنا هقول لأنطي تقفل الحفلة وتعتذر للناس، أصلاً في ناس كتير مشيت." أومأ لها برأسه براحة: "يا ريت لأني تعبان وعايز أطلع أنام." هتفت بنبرة مستنكرة: "تنام! أجابها ببرود: "وإيه الغريب في كده، هو المفروض منامش ولا إيه! هتفت بدلع وإغراء وهي تتحسس صدره الظاهر من فتحة قميصه
بعد أن تحرر من ربطة عنقه: "لا مش القصد، أنا أصلي كنت محضرة لك العشا فوق في أوضتي عشان نسهر لوحدنا شوية أنا وانت نحتفل بخطوبتنا سوا…" نظر إلى يدها القابعة على صدره وتشنجت عضلاته بنفور من لمساتها وقد فهم ما ترمي إليه، فانتابته موجة من القرف والنفور منها ولكنه أخفى مشاعره خلف وجه جامد بلاستيكي: "مرة تانية يا نيسو، الأيام جاية كتير، بس أنا تعبان وعايز أنام… تصبحي على خير."
قالها وهو ينزع يدها من على صدره ببعض الخشونة. ثم استدار يعطيها ظهره يصعد الدرج تشيعه نظراتها المحبطة. ولكنّه توقف في منتصف الدرج واستدار لها يناظرها من علو وسألها وهو ينظر له بنظرة غامضة: "نسرين! تهللت أساريرها وظنت أنه غير رأيه وقرر تمضية الليلة معها ويبدو أنه لم يقاوم تأثير لمساتها الجريئة له. "نعم يا حبيبي! سألها عاصي بجمود: "فين الإيصال استلام التبرع اللي دفعتيه لدار الأيتام اللي قلتي لي عليه؟
سألته نسرين بغباء: "إيصال إيه ودار أيتام إيه؟ ابتسم ساخراً وهتف يسألها بنبرة ذات مغزى: "دار الأيتام اللي قلتي لي عايزة تتبرعي له وانتِ أديت لك شيك عشانُه؟ شحب وجه نسرين وقد تذكرت أمر المبلغ الذي سحبته من رصيده وحولته إلى حساب مازن خارج البلاد. هتفت بلجلجة: "آآه افتكرت… هو… هو أنا لازم آخد منهم إيصال؟ أجابها بنبرة مؤكدة: "طبعاً…"
هتفت كاذبة: "أصل أنا وزعت الفلوس على أكتر من مكان ومركزتش إني لازم آخد منهم إيصال. هو انت بتسأل ليه؟ أجابها متسائلاً: "هو مش من حقي أسأل ولا إيه؟ هتفت تنفي مسرعة: "لا لا طبعاً مقصدي، أنا بس عايزة أفهم…" أجابها بثبات يحسد عليه: "بسأل عشان أشوف أضحك عليكي ولا لأ، وبعدين عشان عايز الإيصال عشان كل جنيه بيطلع من حساباتي لازم يدخل في حسابات الضرائب، شكليات كده يعني ما تشغليش بالك بيها."
ثم أضاف بنبرة قاطعة: "الإيصالات تكون عندي في خلال يومين… ولو محرجة تروحي تجيبيهم، قوليلي أسماؤهم وعناوينهم وأنا هخلّي جسار يتصرف معاهم." هتفت مسرعة تنفي برعب: "لا لا جسار لا… أنا يومين كده وهروح أجيب لك الإيصالات اللي انت عايزهم بنفسي." نظر لها نظرة أربكتها وزعزعت ثباتها هاتفاً بجمود: "وأنا مستني… تصبحي على خير يا… يا نيسو…"
قالها واستدار صاعداً لغرفته وقد ارتسم تعبير شرس على وجهه وهو يتوعد لها بالجحيم. أما نسرين فرفعت أناملها المرتعشة ككل جسدها تمسد بها جبهتها المتعرقَة من شدة الخوف والرعب وعقلها يعمل كالمكوك لإيجاد حل سريع للورطة التي أوقعها فيها عاصي، وهي لا تعرف من أين تأتي إليه بهذه الوصولات التي يريدها.
أخذت تلعن مازن وغباءها الذي جعلها تتورط معه وتصبح في مواجهة عاصي. عاصي الذي لو علم أنها لها يد فيما حصل لغفران سيمحوها من على وجه الدنيا دون أن يرف له جفن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!