خرج الجميع من الغرفة وكل منهم في شروده التام. "قُسم" في حالة من الذعر على حبيبها، ولا تتوقع أنه لا يمكنه رؤيتها والظلام الذي يعيش به. أما والدته، فكانت في حالة من الغضب أكثر من الحزن. كيف كان يخفي عنها مرضه كل هذه الفترة الطويلة وكأنها عدوة له ستقدم على أذيته بهذا الخبر؟ وأخيرًا، كان "عُمر" الذي لا يعرف كيف سيواجه رئيسه بعد أن فضح أمره، وهذا الأمر وحده سيكلفه حياته.
"حسابك معايا بعدين يا عُمر، عشان تخفي عني مرض أبني بالطريقة دي طول الفترة دي." "أنا كنت بعمل شغلي يا دكتورة." قالها وهو يبعد يديها عنه بالقوة. فرفعت سبابتها في وجهه بقوة صارمة وقالت: "أطمن على غفران وبعدها أحتمل أقطع رأسك." غادرت من أمامه إلى حيث غرفة ابنها. نظر "عُمر" إلى "قُسم" التي جلست على أقرب مقعد، فقداها لم تعد تقوى على حملها بعد هذا الخبر الذي وقع على قلبها وعقلها في آنٍ واحد. جلس قربها في هدوء ليسمعها
تتمتم بحزن وعينان باكية: "يعني غفران عمره ما شافني! أنا مش مصدقة ولا مستوعبة حاجة زي دي." تنهد "عُمر" بهدوء ثم قال بنبرة خافتة: "معرفش هتصدقي ولا لا، بس غفران بيه كان شايفاك بوضوح، وده اللي خلى حالته معجزة أو مستحيل تتصدق. مكناش عارفين إزاي قادر يشوفك ويميزك من بين الكل." رفعت نظرها إليه بذهول حاد، فهل مرضه يتلاشى معها فقط؟ سألت بفضول أكثر عن حالة زوجها وما يعيش به: "إزاي وهل يعقل ده؟ في حد أعمى يشوف حد وحد لأ."
"صدقيني، أنا والدكاترة أحترنا جدًا في حالته. لما دخلت عليه الأوضة في الفندق أول مرة شافك فيها، وصفك ليا بأدق التفاصيل كأنه شايفك قدامه بجد، وده اللي صدمني لما رجعت كاميرات المراقبة وكنتِ فيها فعلًا. نفس العيون الخضراء والنمش ورموشك الطويلة وحواجبك الرفيعة وخدودك. وصفك ليا بأدق تفاصيلك، وده اللي خلاه زي المجنون وأمر بقطع رؤوسنا لو مجبناكيش من تحت الأرض."
عادت بذاكرتها إلى تلك الليلة البعيدة التي دلفت فيها إلى غرفته خطأً. خطأ، لكنه غير مجرى حياتها كاملة. تبسمت "قُسم" بعفوية وعقلها يتدخل إلى الغرفة لترتشف القليل من العصير الموجود بجواره، ثم خلعت حذاءها وتسللت بفراشها. وعقلها الصغير بدأ يدور أكثر، لكن دفئه جعلها تتشبث به. تمتم "غفران" بصوت خافت: "كندا حبيبتي." "قُسم، اسمي قُسم." قالتها بخمول شديد ورأسها تستكين على صدره. فحملق بوجهها مع إضاءة الغرفة الخافتة ليسأل بفضول:
"شكلك عامل إزاي؟ رفعت رأسها عن صدره قليلًا لترمق وجهه الحاد بجاذبيته القوية وقالت: "بنت جميلة، عيوني خضراء زي العشب الجميل." رفع يده إلى وجهها يلمس وجنتها بأنامله الدافئة وكلاهما تحت تأثير المخدر الموجود بالعصير. تبسمت بثمالة وبسمتها تشرق كأشعة الشمس، متابعة وصف وجهها: "خدودي بنمش بني ناعم زي الحرير وبيضة زي اللبن الصافي." كأن يشعر بكل كلمة تقولها مع إحساس يده التي وصلت إلى عينيها، فقالت:
"رموشي طويلة وثقيلة تخلي عيوني تسحر أكثر وأكثر." سألها بعقل غائب عن الوعي ويداه تلمس فكها يداعبه بقوة حتى وصل إلى شفتيها الصغيرتين ليسرق منها قبلة دافئة تسحر قلبيهما، لكن سرعان ما غاصت في نومها على صدره تقاطع قبلته الناعمة. ضحكت "قُسم" وسط بكائها الشديد بعد أن تذكرت ما حدث، فأخبرت "عُمر" بضعف شديد يمزق قلبها لأشلاء مثنورة على صدرها المحترق من الألم:
"مكنش شايفني يا عُمر، غفران عمره ما شافني. أنا اللي وصفتني له، وصفتني بأدق تفاصيلي، ومكنتش أعرف إني بوصف نفسي لعيوني المريضة وعقله صدق ده." اتسعت عينا "عُمر" على مصراعيها بصدمة قاتلة حلت به، وقد استوعب عقله الآن ما حدث وحيرة طبيبه "روبرت" في حالته، ليقول: "معقول." "المريض بيتعلق بقشاية، وأنا كنت القشاية اللي كذبت كذبتها وصدقها."
قالتها بانهيار تام ووقفت لتسير نحو غرفته وهي تتذكر تلك القبلة التي سرقها منها لأول مرة، وكيف سكنت بين ذراعيه بأمان في ليلتها الأولى معه، والآن تجننه من الشوق إليها. *** "في اليوم السابق"
دخلت الممرضة إلى غرفة "أنس" تحمل معها الحقنة لتُصدم عندما رأته معلقًا في حديد النافذة مشنوقًا، لتصرخ بهلع شديد بعد أن سقطت أرضًا من هول الصدمة. ليدخل العساكر المسئولون عن مراقبته على صوت صراخها، فصُدموا من المشهد الذي أمامه، وأبلغوا "خالد" بما حدث في المستشفى. كان "يحيي" على وشك الجنون، وكيف قُتل "أنس" نفسه. ليقول الطبيب بهدوء:
"حالة الاكتئاب اللي وصلها أنس الفترة الأخيرة كفيلة أنها توصله للانتحار، وده اللي حذرت العساكر منه وأنه ميغيبش عن نظرهم، لكن مسمعوش." تأفف "يحيي" بضيق شديد من موت "أنس". بعد وفاته سيغلق التحقيق الذي فتحه من جديد، ولن يثبت شيء مما حدث ماضيًا. *** [[ أستراليا ]]
في محل للورود جميل، رائحته الذكية تملأ المكان مع الموسيقى الإيطالية الهادئة، كانت "تيا" تتجول بين الورود ببطنها المنتفخة من الحمل تتحدث في الهاتف مع والدتها "نورهان" وقالت: "يعني مات؟ أومأت "نورهان" بنعم إليها، لتتوقف "تيا" في محلها بحزن يخترق قلبها على موت "أنس" ممزوج ألمها بالخذلان. فهل وصل لشيء بخيانتها سوى الهلاك؟ تحدثت بحزن وصوت مبحوح واضح في نبرتها الخافتة:
"مأخذتش حاجة من خيانته ليا غير الهلاك يا أمي. طمعه موصلهوش لحاجة غير الموت. طمع في الحب منها حب عمره ومكتفاش بالحب. لأ، طمعه صورله أنه لازم يتجوزني عشان المال والمكانة والسلطة. ودي بنت عائلة الحديدي، أكبر عائلة في البلد. مفكرش أنه يختار بين الحب أو المال، مكنش قنوع ورضي بحاجة واحدة تسعده وتخلي حياته جنة. وهمني بحبه وكسر قلبي ودمرلي حياتي بخيانته ووصل لأيه في الآخر؟ خد أيه في النهاية؟ حصد أيه من كل ده؟
ياريت البني آدم يرضى باللي عنده." تحدثت "نورهان" بنبرة هادئة قائلة: "أكيد يا تيا، أكيد لو كان رضي بيها مكنش عاش في قصر ولا كان هيغير عربية كل شهرين ثلاثة، ولا كان هيعرف يعيشها في الشيخ زايد ولا يجيبلها الألماس. هو بس حب يأمن حياته." ذرفت الدموع من عينيها وجعًا وقالت بقهرة وبحة في حنجرتها:
"مؤذي في حياته ومؤذي في مماته. اتحرم من ابنه اللي في بطنها واتحرم من ابنه اللي في بطني، وخلاني كارهة البلد اللي عاش فيها. الله يسامحه بجد. الله يسامحه على كل حاجة وكل مرة كان بيأذيني ويخوني فيها." تنهدت "نورهان" بلطف شديد ثم قالت ببسمة خافتة: "مش مهم دلوقتي، طمنيني عنك؟ أخبارك أيه والحمل أخباره أيه؟ "الحمد لله يا ماما، كنت عند الدكتورة من يومين وطمنتني جدًا. طمنيني أنتِ عنكم؟ أخباركم أيه؟ وغفران وقسم عاملين أيه؟
قالتها "تيا" بعد أن جلست على المقعد، فتنحنحت برفق وهي تخفي عنها مرض أخيها، فقالت: "الحمد لله، وقُسم حامل." تحدثت بفرحة تغمرها وبسمة تنير وجهها الجميلة: "بجد! الله فرحتيني أوي، أنا هبقى أتصل بيهم عشان أبارك لهم بنفسي." قاطعها دخول رجل في الثلاثينات من عمره، لتغلق الخط مع والدتها واقتربت منه ليقول: "عايز بوكيه ورد." دُهشت من لهجته العربية وقالت: "حضرتك بتتكلم عربي، تحب الورد أيه؟
نظر إليها وهو يرفع نظارته الشمسية عن عينيه البنية يرمقها بنظرة دافئة وسأل: "أنتِ بتحبي أيه؟ "أكيد زهرة التوليب." تبسم بخفة عليها وقال: "يبقى خليه التوليب."
تنحنحت "تيا" بلطف واستدارت لتأمر العاملة بأن تصنع له ما يريد، وعادت إلى مكتبها بتوتر من هذا الرجل، وظلت ترمقه من خلف الزجاج تتفحصه. فكان طويل القامة يرتدي بدلة زرقاء وفوقه بالطو طويل يصل لركبتيه باللون الأسود. شعره الأسود مُصفف للأعلى، وهكذا لحيته السوداء الكثيفة. لا تُصدق وسامته، لكنها تحاشت النظر إليه غارقة في أحزانها بموت "أنس" حتى دلفت العاملة تحمل الباقة، فسألتها "تيا" باستغراب شديد باللهجة الإنجليزية قائلة:
"إيه ده؟ "ده طلب منى أقدمه لحضرتك." نظرت "تيا" إلى الخارج ولم تجد هذا الرجل، فنظرت إلى الباقة وكان بها بطاقة ورقية لتقرأ ما بها: ( لم أجد شيء يليق بكِ كالورود، فلا يليق بكِ البكاء. من معجب ولهان) ضحكت "تيا" على هذا الرجل الغامض الذي قدم لها باقة زهور لأنها تبكي، ووضعت الباقة في مزهرية زجاجية على مكتبها. *** [[ المستشفى ]]
كانت "قُسم" تحتضن يده اليسرى في يدها وتتمنى أن يستعيد "غفران" وعيه، حتى وإن كان لم يراها. وقلبها يحتله الحزن مما يعيشه، وكيف وهم نفسه بأنه يراها. كيف تحمل رؤيتها لسنة كاملة بهذا الوهم؟ قلبها يتمزق وجعًا وعقلها يصرخ من الجنون. عيناها لا تكفي عن البكاء في غيابه، حتى فتح باب الغرفة ودلف "عُمر"، فجففت دموعها سريعًا وخرجت له. قدم لها "روبرت" طبيبه الذي جاء من فرنسا لفحصه، ثم تحدث بهدوء:
"كنت عايز أخد رأي حضرتك في حاجة كده؟ نظرت "قُسم" إليه بدهشة وقالت: "أولًا نالا عملت العملية ونجحت، وحسب أوامر غفران بيه في حالة مرضه أو حصل له حاجة مقدرش آخد تعليمات من حد غيرك." فهمت شيئًا سوى أن "غفران" ترك لها كل المسؤوليات والأحمال على أكتافها في غيابه. فتابع "عُمر" بلطف: "أعمل معاها أيه خصوصًا أن كندا وعفيفي مع السلامة؟ هزت كتفيها للأعلى بحيرة شديدة ولم تفهم سؤاله، فقالت:
"معرفش، ممكن تبعتها على القصر لحد ما أطمن على غفران." أومأ إليها بنعم ثم قال بحزم شديد: "شيء تاني، عفيفي اشترى أسهم من شركة غفران بيه لتهديده، وبكرة اجتماع مهم جدًا بخصوص الأسهم دي مع داغر والد عفيفي، وناوي على شر للي حصل لأبنه. وبحسب القانون حضرتك لازم تحضري." اتسعت عيناها بذهول من حديثه وقالت بعبوس: "أنا معرفش حاجة في شغلكم وهبهدل الدنيا لو روحت؟
"غفران بيه يوم كتب كتابكم عين حضرتك نائب رئيس مجلس الإدارة للشركة، ومش بس كده كتب 35% من أسهمه باسمك، يعني حضرتك دلوقتي نائب رئيس مجلس الإدارة وأكبر مساهم في المجموعة بعد غفران بيه، والوحيدة اللي يحق لك قيادة المجموعة في غيابه." اتسعت عيناها على مصراعيها من هول الصدمة التي لحقت بها، وكيف وضعها "غفران" في هذا المأزق وحدها؟ كيف ستجازف في المخاطرة بشركته وهي لا تعرف شيئًا عن عملهم، بل أنها مجرد معلمة أطفال؟
لاحظ "عُمر" حيرتها وعجزها، فقال بهدوء: "أنا هعرف حضرتك بالخطة اللي مقررها غفران بيه وهتعمليها والموضوع هيعدي عادي، متقلقيش وبلاش توتر." نظرت خلفها على غرفة "غفران" في صمت حائرة في هذه المسؤولية الكبيرة التي تركها على عاتقها. جلست "نورهان" في المكتب مع "روبرت" يخبرها عن حالة ابنها، لتُصدم أنه يعاني من هذا المرض من سنوات طويلة وبسببها. لدمعت عيناها قهرًا، فلم يؤذِ ابنها أحد غيرها. تحدثت بنبرة خافتة:
"اتصرف يا دكتور، غفران لازم يشوف حتى لو اضطرت إنك تشتري له عيون." تبسم الطبيب بخفة على كلمتها وقال بهدوء: "متأسف، لكن حتى العيون الجديدة مش هتفيده بحاجة. عمى الوجوه مرض ملهوش علاج في العالم كله." تركها وغادر المكان، فنظرت "نورهان" إلى "عُمر" بحزن شديد، ليسألها بجدية: "هتقتلي مين ولا هتشتري العلاج إزاي؟ رفعت حاجبها إليه بتعجب من سؤاله، فقال بمكر شديد:
"أوعي تكوني فاكرة إن غفران بيه مش عارف جرائمك. طول الوقت وهو مدرك كويس أوي إن اللي هو فيه من أفعالك، وإن ربنا اختار يعاقبك فيه هو. هترشي مين المرة دي ولا هتهددي مين بالموت عشان تشفي ابنك؟ ابتلعت لعابها في صمت وعيناها تحدق به بغيظ قاتل في هدوئها ولسانها يأبى النطق بكلمة واحدة أمامه. وهو يواجهها بالحقيقة، ليتابع الحديث بجحود: "وصلتي لأيه بسيطرتك وشرك؟
خسرتي ولادك الاتنين، واحدة هاربة برا البلد عايشة وحيدة وتعيسة، والتاني أعمى بفضل أمه ومبيكرهوش في حياته قدك. كسبتي أيه؟ عاد عليكِ كل ده بأيه؟ سوي ملك وأنس ولا كندا ولا عفيفي وغيرهم كتير. حصدتي أيه في كل ده؟ وقفت من مكانها غاضبة وتضرب المكتب بيدها بحزم شديد، ثم قالت بصراخ: "عُمر!! "حافظ على كلامك معايا وإلا... اقترب خطوة منها بلا خوف ولم يبقَ بينهما سوى خطوة واحدة تفصل بينهما، وقال بتحدٍ: "وألا أيه؟
هتأمرى بقتلي أنا كمان... أنا لو مكانك أقضي الباقي من عمري على سجادة الصلاة بدعي أن يكملها عليا بالستر ويغفرلي." كزت على أسنانها بقوة حتى أنه سمع صرير أسنانها القوي، وغادر المكتب. *** [[ شركة الحديدي للسيارات ]] تنفست "قُسم" الصعداء بتوتر شديد. فهمس "عُمر" في أذنها بلطف يطمئنها: "اتنفسي براحة ومتقلقيش لأني معاكِ."
أومأت إليه بنعم حتى توقف المصعد أمام الطابق المخصص للاجتماعات، فترجلت من المصعد لتجد "سليم" يقف ينتظرها أمام باب المصعد. فتبسمت وهي تستقيم بظهرها بثقة رغم قلبها المرتجف من القلق. تقدمت للأمام ببدلتها النسائية البيضاء عبارة عن تنورة طويلة تصل لأسفل ركبتيها وقميص نسائي أحمر اللون فوقه سترة طويلة تصل لأعلى الركبة بقلق، مغلقة بأزرار من الألماس، وشعرها الكستنائي مُصفف على ظهرها والجانب الأيمن، وعنقها به عقد من الألماس على
شكل ثعبان. وصوت حذائها الأحمر ذو الكعب العالي يطرق أذان الموظفين، والجميع يتحدث عن جمال هذه السيدة. وفي خطواتها للأمام كانت تلاحظ الشارات التي يضعها كل موظف فوق قميصه بتعريف اسمه ووظيفته، لتدرك كم كان يعاني زوجها من مرضه وهو لا يمكنه التعرف على الأشخاص سوى بهذه الشارة. فتنهدت بهدوء، وفتح الأمن باب الغرفة ودلفت بوقار إلى الغرفة لترى "داغر" والد "عفيفي" يجلس على الحافة الأخرى للطاولة يرمقها بنظرات حادة. فتبسمت بلطف ثم
جلست على مقعد زوجها ليبدأ الاجتماع.
*** [[ المستشفى ]] فتح "غفران" عينيه بتعب شديد من غيبوبته القصيرة التي دامت لثلاثة أيام. كانت الغرفة هادئة ولم يجد زوجته بجواره أو "عُمر" فقط، حارسه الشخصي الذي يجلس على الأريكة يلعب في هاتفه. فأعتدل وهو يجلس على الفراش ليسرع الحارس نحوه قائلاً: "غفران بيه، ألف حمد الله على سلامتكم." مسح وجهه وعينيه تحملق بهذه الشارة حتى يتأكد من هوية حارسه، فقال بضيق: "أنا بقالي قد أيه هنا؟ "3 أيام."
قالها الحارس بهدوء مما أقلق "غفران"، فطلب الطبيب الذي أخبره عن تضخم الورم برأسه ويجب استئصاله ضروريًا. فسأل بقلق: "لازم؟ "للأسف لازم، لكن... رفع "غفران" رأسه إلى الطبيب فتابع حديثه بنبرة هادئة أكثر: "العملية خطيرة جدًا مع مرض حضرتك وممكن تسبب عمى تام. وحتى لو رفضت برضو الورم لو تضخم أكثر من كده هيأثر على الشبكية وهيسبب عمى، بخلاف أنه ممكن يأثر على الجهاز العصبي والمخ." اتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة ألجمته وقال بفزع:
"مرضي! حد عرف به؟ "كلهم." قالها الطبيب ببرود وهو لا يعري اهتمامًا لمن عرف بقدر حالته الصحية. فأغمض "غفران" عينيه بضيق شديد من كشف سره الآن، وهذه كانت كارثته الوحيدة الآن وليس مرضه أو الورم الذي برأسه وخطورته. أشار إليه بأن يغادر ونظر إلى الحارس وهو يقف يبدل ملابسه. سأل بحدة: "قُسم فين؟ قدم له الحارس جهاز التابلت وقال: "في الشركة مع عُمر."
نظر إلى كاميرات المراقبة الموجودة بغرفة الاجتماعات، وكانت فتاته تترأس المكان وتقود الاجتماع، ليغلق أزرار قميصه ويغادر المستشفى مع حارسه متجهًا إلى الشركة وعينيه لا تفارق الشاشة، ليسمع "داغر" يقول: "أنا بملك أسهم عفيفي ابني اللي هي أكبر منك لأنك لا تملكي سوى جزء من أسهم غفران." تبسمت "قُسم" بمكر شديد ثم قالت: "حضرتك معاك شهادة وفاة ابنك؟ نظر إليها بتعجب فقالت بمكر:
"على حد علمي أن الشرطة مسلمتكش جثته، وآخر اللي اتعرف أنه اتنقل إلى المستشفى، يعني في سجلات القانون هو حي يرزق. وده معناه إنك مالكش أي حق في الورث اللي بتتكلم عنه، ولحد ما يظهر عفيفي أو تظهر جثته وتتم أوراق الورث، حضرتك ممنوع من دخول الشركة نهائيًا ولا بأي صفة."
نظرت إلى الرجال ليتحركوا تجاه "داغر" يطردوه من الشركة بأمر منها، لتستغل "قُسم" الموقف ووقفت من مكانها لتذهب خلفه وهي تتذكر حديث "عُمر" عن تهديد "عفيفي" لزوجها بهذه الأسهم لإنقاذها، فقالت بهدوء: "داغر بيه." التفت لكي ينظر إليها، فأقتربت منه أكثر وهمست في أذنيه قائلة: "لو عايز تعرف مكان ابنك الغالي، تروح مع المحامي تتنازل عن الأسهم لـغفران وتسجل في الشهر العقاري."
ابتعدت عنه لتراه مصدومًا ويفتح عينيه على مصراعيهما وكيف لهذه الفتاة البريئة أن تهدده مباشرةً بلا خوف هكذا، فقال بتلعثم شديد: "أنتِ بتكلمي جد." "أكيد." قالتها ببسمة مخيفة ظهرت على وجهها، مما جعله يتساءل بذهول: "مش خايفة؟ أنتِ المفروض تخافي بعد دخول غفران المستشفى." صرخت بوجهه بثقة وغرور يحتلها قائلة:
"متهددنيش لأني مش ضعيفة عشان أخاف، ولا جبان وأفتكر إن اللي واقفة قصادك هي مرات غفران الحديدي، وإذا اتجرأت وهددتني مرة تاني متلومش إلا نفسك."
تركته ومرت من أمامه غاضبة، بينما تبسم "عُمر" على جراءتها وشجاعتها في تهديده كأنها ورثت الثقة والغرور من زوجها العنيد. فتح باب المصعد لترى "غفران" أمامها، فأتسعت عينيها على مصراعيها بذهول وفرحة لرؤيته أمامها يقف على قدميه. فركضت نحوه تعانقه بلهفة واشتياق، فتبسم بينما يديه تطوقها بإحكام، ليغلق المصعد أبوابه بعد أن منع "عُمر" سليم" بالصعود. ابتعدت عنه باشتياق وهي تلمس وجنته الناعم بأناملها وقالت:
"يا روح قلبي.. خوفتني عليك." قاطعها بقبلته الناعم التي التهمت شفتيها بقوة لتبادله نار الشوق بمشاعرها وقلبها يخفق بجنون إليه، يخمد نيران شغفه وهي بين ذراعيها تتحسس صدره بأناملها وراحة يدها الصغيرة، وهو كاد أن يعتصرها بين يديه من العشق وكأنه فارقها للسنوات طويلة. ابتعدت عنه كي تلتقط أنفاسها التي كادت أن تنقطع من قوة قبلته، وحدقت بعينيه الرمادية الجميلة وقالت: "غفران." "بحبك."
قالها بنبرة دافئة تُثر ما تبقى من صمودها أمامها، حتى أذاب قلبها العاشق كاملًا بنعومته. تجولت عينيها بين عينيه بحب وأنفها تستنشق عبيره بهيام. مرر يده على وجنتها الناعم لتجيب على كلمته بهمس: "وأنا بحبك يا غفران."
لم يتمالك أعصابه وجنون قلبه بها أكثر، ليدفعها على الحائط بقوة يسرق قبلاته منها بشغف، لتتألم "قُسم" من دفعه بعد أن ارتطم العمود الحديدي بظهرها من الأسفل، فنتج وجعًا أكبر ببطنها. ابتعد عنها وهي تتألم وتأني بخفة متشبتة به، فسأل بقلق: "أنتِ كويسة؟ هزت رأسها بنعم رغم ألمها، لينحني بلطف وحملها على ذراعيه، فتمتمت بخفوت: "نزلني يا غفران، الناس هتتفرج علينا."
لم يبالي لها حتى فتح المصعد أبوابه وخرج بها تحت أنظار موظفينه الذين تهامسون بالكثير من رؤيتهم لهذا المشهد الرومانسي. وضعها بسيارته وصعد بجوارها، ثم تمدد على الأريكة ورأسه على قدميها، فضحكت على تصرفاته الغريبة وقالت: "أيه الشقاوة دي كلها؟ أغمض عينيه بهدوء ممسكًا بيدها الصغيرة بين يديه وقال: "من الأحسن أنكِ تسكتي خالص لأني مانع نفسي عنك بالعافية."
نظرت إلى السائق بخجل شديد ونفذت ما قاله خوفًا من تهوره وكيف فقد زوجها وقاره وهيبته وأصبح طائشًا كالمراهقين هكذا؟!! وصل للقصر ليأخذها إلى الأعلى وسط أنظار خدمه المندهشين من طريقته، فقالت بتعجب: "غفران مالك؟ الناس كلها بتبص علينا." لم يُجيب عليها بكلمة واحدة حتى وصل إلى غرفتهما وأنزلها على الفراش، فأبتلعت لعابها خجلًا منه وقالت بتلعثم: "غفران... بص.... أصلا...
قاطعها بقبلته لتهرب منه هذه المرة ونزلت من فوق الفراش بعد أن سقط هو عليه، فنظر إليها وقال بتذمر شديد: "ما بلاش الفرهدة دي." "أحم أنا هروح أطمن على نالا." قالتها وهربت من أمامه، ليشد شعره من الغيظ وهو يقول: "يااااهي نالا كانت بنتها." أخذ نفس عميق وألقى بجسده على الفراش ينظر إلى السقف بشرود في القادم كجراحته وإجهاض "قُسم" التي ترفض الجراحة تمامًا. فأاتصل بـ "فاتن" وقال: "حضري العصير لـ قُسم ومتنسيش تحطي المنوم."
أغلق الهاتف وهو يفكر في رد فعلها حين تستيقظ وتجد أنه قتل طفلها بدون علمها لأجل إنقاذ حياتها، وهل ستغفر له هذه الخديعة أم ستصبح حياتهما الزوجية في خطر؟؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!