تحميل رواية غفران هزمه العشق بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماذا إذا قبل كل شخص بما قُسم له وأدرك أن الأرزاق وزعت على الجميع بالتساوى؟ ماذا إذا ملكت كل شيء وسلبت شيء بالكل؟ إذا كان الخيار بين المال والصحة، إذا كان الخيار بين الحُرية والآسر؟ فقط خيار واحد سيغير مجرى الحياة.... داخل مطار القاهرة بطيارة خاصة تحمل عليها شعار النسر مزخرف أسفله حرف الg تعبيرًا عن اسم "غفران" برسم جميل، ترجل من داخلها رجل فى أوائل الثلاثينات من عمره يرتدي بدلة رمادية بقميص أسود، طويل القامة وعريض المنكبين يملك جسد ممشوق رياضي، مفتون بالعضلات التى تظهر فى ذراعيه، شعره الأسود الن...
رواية غفران هزمه العشق الفصل الأول 1 - بقلم نور زيزو
ماذا إذا قبل كل شخص بما قُسم له وأدرك أن الأرزاق وزعت على الجميع بالتساوى؟
ماذا إذا ملكت كل شيء وسلبت شيء بالكل؟
إذا كان الخيار بين المال والصحة، إذا كان الخيار بين الحُرية والآسر؟
فقط خيار واحد سيغير مجرى الحياة....
داخل مطار القاهرة بطيارة خاصة تحمل عليها شعار النسر مزخرف أسفله حرف الـg تعبيرًا عن اسم "غفران" برسم جميل، ترجل من داخلها رجل فى أوائل الثلاثينات من عمره يرتدي بدلة رمادية بقميص أسود، طويل القامة وعريض المنكبين يملك جسد ممشوق رياضي، مفتون بالعضلات التى تظهر فى ذراعيه، شعره الأسود الناعم مُصفف للأعلى كلون لحيته الناعم رغم كثافتها ورائحة عطره الفرنسي فريدة من نوعها تفوح من جسده، نزع نظارته السوداء عن عينيه العسليتين المائلة للذهب بكبرياء.
وخلفه "عُمر" شاب بعمره تقريبًا مُرتدي بدلة كحلى اللون بشعر رأس قصير ونحيل جدًا طويلًا ذات العيون البينة الداكنة وبدون لحية.
كان بجوار الطائرة سيارة سوداء مرسيدس طويلة جدًا يظهر من هيئة ثراء هذا الرجل.
فتح "سمير" سائقه الشاب الباب الخلفي من أجله وهو يقول برحب شديد:
- حمد الله على السلامة يا مسيو غفران.
صعد "غفران" إلى السيارة ببسمة خافتة بينما صعد "عُمر" مساعده فى المقعد المجاور للسائق.
أنطلق "سمير" بالسيارة حيث قصر "الحديدي".
كان "غفران" شاردًا طيلة الطريق وينظر من نافذة سيارته المُغلقة بعد أن خاب أمله فى هذه الرحلة ولم يجد علاج لعينيه المريضة.
وصلت السيارة إلى بوابة حديدية طويلة وضخمة تلقائي أن تكن بوابة قصر حتى فُتحت البوابة إلكترونية وولجت السيارة بها.
كان خلفها مساحة خضراء كبيرة جدًا على الضفتين حتى مرت السيارة على قصر ذات اللون الأبيض.
فبدأ "عُمر" يتحدث بلهجة ثابتة:
- السيدة نورهان مخرجتش من قصرها من أمبارح بعد الشجار اللى دار بينها وبين مدام كندا. دخلت قصر اللؤلؤ وقفلت الأبواب.
نظر "غفران" على قصر والدته من السيارة وتنهد بضجة من والدته سيدة الأعمال التى لم تقبل بزوجته رغم مرور الكثير من العمر على زواجه من "كندا" لكنها ما زالت تكن الضغينة إليها.
كان مقابل قصر اللؤلؤ قصرًا أخر يطلق عليه قصر الحديقة وقد أطلق عليه هذا الأسم بسبب حُب "تيا" مالكته إلى الحديقة وهى الأخت الصغري إلى "غفران".
وصلت السيارة إلى قصر الحديدي فترجل "غفران" من سيارته وحدق بقصره مُطولًا.
يهندم سترته فقدم "عُمر" إليه الجهاز اللوحي (التابلت) بصور إلى امرأة جميلة مُرتدية فستان أزرق اللون قصير يصل لركبتها ضيق بنصف كم وشعرها البنية القصير مُموجًا.
لم يرى من ملامحها شيء حتى قال "عُمر":
- مدام كندا ، دى صور ألتقطت كاميرات المراقبة وفى أنتظار حضرتك.
أومأ إليها بنعم ثم دلف إلى القصر وكان "عُمر" مهمته الأكثر أهميه تعريف الناس إليه كعينيه الأصطناعية التى يرى بها.
لم يتمكن من رؤية وجوه البشر لذا يتعمد "عُمر" أن يعرفه على الأشخاص من ملابسهم.
تحدث بنبرة خافتة:
- غيرت قصة شعرها.
أومأ "عُمر" إليه بنعم.
أستقبلته "فاتن" رئيسة الخدم فى قصره ببسمة مُبهجة تقول:
- حمدالله على السلامة يا مسيو غفران.
نظر "غفران" على شارة اسمها الموجودة على قميصها الأسود ليعلم من هي؟
أجاب عليها بنبرة خافتة:
- الله يسلمك يا فاتن.
ركضت إليه فتاته الصغيرة التى تملك من العمر 10 سنوات تنادية بحماس:
- بابى ...بابي.
نزل على ركبته بلطف من أجل فتاته الصغيرة ليطوقها بذراعيه، فتاة تملك زوج من العيون البنية كوالدتها وشعرها البني الفاتح طويلًا ترفعه للأعلي على شكل كعكة دائرية.
أستنشق رائحة عطرها بهذه الضمة التي تعيد النبض إلى حياته، طفلته "نالا" الشقية ببرائتها وعفتها التى تنير القصر بأكمله، أميرته ومدللته الأولى ذات صاحبة الجمال.
أتاه صوت زوجته "كندا" تقول بنبرة جادة:
- حمد الله على سلامتك.
وقف "غفران" من مكانه يحدق بوجهها الضبابي بعينيه المريضة.
نظر إلى فستانها الذي رآه فى الصورة؛ ليدرك أن هذه المرأة زوجته وهكذا صوتها الذي يميزه فقال بهدوء:
- الله يسلمك.
قبل جبينها بلطف ثم غادر مع "عُمر" إلى حيث مكتبه لتأفف "كندا" من بروده الثلجي معها لطالما كان يعاملها بلطف كواجب عليه كزوج لها، لم تشعر لمرة واحدة أن زوجها يكن لها المشاعر أو يحبها.
فالتفت بغيظ شديد تقول:
- فاتن، خدي نالا لأوضتها وخلى بالك منها لحد ما أرجع.
أشارت "فاتن" إلى خادمة كي تأخذ "نالا" إلى الغرفة تنفذ طلب "كندا" الملكة بهذا القصر.
***
فى حليمة الزيتون، داخل مدرسة خاصة رن جرس أنتهاء الحصة ليُفتح باب الفصل بالصف الثاني الابتدائي وخرجت "قُسم" تحمل دفاترها وحقيبتها.
وضعت الهاتف على أذنها مُتصلة بصديقتها "ملك" وتقول:
- معلش يا ملوكة كنت فى الحصة، عملتي اي؟
أتاها جواب صديقتها "ملك" فى الهاتف تقول:
- استلمت الفساتين أهو من الأتيليه وكلمت الراجل بتاع العربية عشان أكد على الحجز، فرح صاحبتنا معمول فى أغلى فنادق النيل يا حبيبتي بتحب المنظرة زى أهلها.
تبسمت "قُسم" بعفوية على حديث صديقتها وقالت:
- خلاص يا ملك خلى كل واحد فى حاله، تحب المنظر تكرهه مش فارقة كتير.
- ماشي يا أختى، بتاع العربية قالي هيكون عندنا الساعة 3 والمحروسة حاجز لنا أوضة فى الفندق نجهز فيها، بالله عليكِ بلاش الحصة الأخيرة والدرس اللى بعد المدرسة يا ست الميس.
أومأت "قُسم" إليها بنعم بعد أن وصلت غرفة المُدرسات وأغلقت الخط.
جمعت أغراضها من فوق مكتبها ثم خرجت بعد أخذ الأذن بالمغادرة حتى تستعد لزفاف صديقتها التى تتفاخر بزواجها من مهندس يعمل فى الأمارات.
وصلت إلى حيث "ملك" وبعد الترحيب العناق المعتادة لهما ذهبوا إلى الفندق.
***
بمقر شركة الحديدي للسيارات، كان "غفران" مندمجًا فى عمله والأوراق الكثيرة منثورة على المكتب أمامه بسبب سفره الذي أجل الكثير.
ولج مساعده مع رئيس الحرس الخاص به.
تنهد "عُمر" بلطف قبل أن يتحدث ويخبره أن زوجته "كندا" لم تعود للمنزل من الأمس.
تحدث "غفران" بنبرة جادة:
- قول اللى عندك يا عُمر.
تنحنح بهدوء ثم قال:
- ميسو غفران، فى خبر كدة مش كويس.
رفع "غفران" نظره إلى "عُمر" بصمت منتظر بفضول معرفة الخبر وعينيه لا تعرف من هذا الشخص الواقف جوار مساعده.
تحدث "عُمر" بنبرة خافتة:
- مدام كندا خرجت أمبارح بعد وصول حضرتك من المطار ومرجعتش لحد من ساعة.
- قُلت أي؟! عُمـــر أنت مُدرك أنت بتقول أي؟
قالها "غفران" بنبرة حادة مُرعبة كنظرته القاسية التى جعلت "عُمر" يبتلع لعابه من الخوف بسبب نظرة رئيسه الثاقبة له كالصقر الذي يحدق بفريسته قبل أن يلتهمها.
تنحنح "عُمر" قبل أن يُعيد الحديث بهذا الموضوع من جديد وقال:
- بقول لحضرتـك أن مدام كندا مرجعتش القصر من أمبارح ولما رجعت من ساعة ......
ضرب "غفران" سطح المكتب بيده لينتفض "عُمر" ذعر مُبتلع بقية كلماته فى حلقه قبل أن يتفوه بها بحماقة ويكتب نهايته بيده الآن.
وقف "غفران" من مكانه وألتف حول المكتب بهدوء واضعٍ يديه فى جيوب بنطلونه الرمادي وعيني "عُمر" ترمقه بهدوء خائف من هدوء ما قبل العاصفة.
حتى وصل أمام رئيس الحرس الخاص به بعد أن علم ماهيته من شارة الأسم والوظيفة المُعلقة بسترته؛ ليسحبه "غفران" من لياقة سترته السوداء وقال بحزم مُستاء من هذا الحديث:
- سلامة كندا من مسئوليّة رجالتك ولو مكنتش عارف تسيطر على رجالتك وتشغلهم صح، قولي وأنا أتصرف.
أبتلع الرجل لعابه بهدوء شديدة خائفًا من غضب هذا الرجل ليقول:
- غفران بيه، مدام كندا هى اللى أمرتنا منرافقهاش فى مشوارها وأصرت على أنها لازم تخرج لوحدها.
صرخ "غفران" به غاضبًا أكثر:
- ومين اللى ألزمه؟ ما دام أنا مأمرتش بـ دا، هااااا.
أقترب "عُمر" من رئيسه الغاضب وقدم له الجهاز اللوحي (التابلت) مفتوح على كاميرات المراقبة بالقصر بلحظة وصول زوجته فى الصبح وقال:
- مسيو غفران!!
ترك "غفران" لياقة رجله ثم أخذ التابلت ليُصدم حين رأى زوجته تعود للقصر بصبحة رجل أخرى وفى حالة من الثمالة بسبب الخمر الذي أرتشفته ليُدرك أن السبب فى أختفاء زوجته هى حالة السُكر والسهر الذي كانت به.
كان تسجيل الكاميرات كفيل بأن يرغمه على المغادرة إلى القصر حيث زوجته.
وصل كالشرارة المُلتهبة التى على وشك تأكل الجميع بباطنها الناري حتى وصل إلى غرفة زوجته وكانت نائمة بعمق من التعب وسهر طيلة الليل.
سحب الغطاء عنها لتتأفف بضيق وحين رأت وجه "غفران" أتسعت عينيها بذهول من وجوده بغرفتها لتقول:
- غفران!! ههههه معقول دا، غفران بيه بجلالة قدره في أوضتي المتواضعة.
صعد بركبته إلى السرير يمسك ذراعها بقوة حتى قال بعيني نارية جاحدة:
- كنتِ فين؟، مين اللى وصلك وكنتِ معاه طول الليل، وأوعاكِ تقولي التمثيل والتصوير لأن لو التصوير هيخليكِ تسكري همنعك منه يا كندا.
أبتلعت لعابها بخوف من جبروت هذا الرجل وحدته فدفعت يده بعيدًا عنها بينما وقفت من مكانها غاضبة لتقول:
- أنت بجد شايف نفسك بتقول اي؟، تمنعني من التمثيل ودا الشيء الوحيد اللى بعوضني عن غيابك وبينسيني قد أي أنت ظالم وقاسي وبعيد عني، ما تبص لنفسك يا غفران بيه وتفتكر كدة أمتى أخر مرة خدتني فى حضنك ولا نمت معايا على سرير واحد، دا أنت مُستقل بأوضة لوحدك وزعلان أوى أني بشرب وأسكر، ما أنا لازم أنسي القرف اللى عايشة فيه معاك.
ظل يحدق بوجهها الغاضب وربما مرض عينيه نعمة له بهذه اللحظة التى حرمته من رؤية تعابير وجهها العابس، لا يُصدق أن زوجته تكن له هذا الكم من الكره والحزن وتعاتبه على ما تفعله من منكر.
غادر الغرفة حزينًا مما ألت إليه الأمور لينزل الدرج للأسفل وكان "عُمر" بأنتظاره أول الدرج فتمتم "غفران" بوجع يستحوذ عليه:
- أنا سيء وأتكره أوى كدة؟!
هز "عُمر" رأسه بالنفي مدافعٍ عن رئيسه ليترك "غفران" القصر بأكمله وذهب إلى فندق يقيم به.
***
فى حفل زفاف بقاعة الفندق، كانت تجلس "قُسم" مع صديقاتها من الجامعة على طاولة واحدة مُتعجبة من هؤلاء الفتيات.
جميعهن جاءوا إلى حفل الزفاف رغم حديثهن المتواصل عن العروسة بنفور من كبريائها وغرورها وغيره من الصفات البذيئة.
همست "ملك" لها بنبرة خافتة:
- ما لكِ يا قُسم؟
- مستغربة كم الغل اللى جواهم ومع ذلك جيين برجليهم الفرح، كان من باب أفضل ميجوش أحسن، كم السيئات اللى عملين يلموها فظيع يا ملك، يلا أنا هقوم أطلع الأوضة أغير هدومي.
قالتها "قُسم" بنبرة جادة وقد فاض بها الأمر من تحمل هذا الحديث الخبيث، صعدت إلى الأعلى ورنت الهاتف على "ملك" تسالها:
- ملك هى أوضتنا رقم كام؟
- مش فاكرة باين 525 أو 552 هسألك فى الريسبشن.
قالتها "ملك" بحيرة وتحركت من مكانها.
***
خرج "عُمر" من غرفة "غفران" بالفندق وسحب الباب خلفه بتعجل للنزول إلى الأسفل لكنه لم يغلق الباب جيدًا.
أقتربت "ملك" من غرفة رقم 552 ووضعت المفتاح بها لتجد الباب يُفتح معها فتبسمت على فتح الباب ولم تتنبه للحظة أن الباب كان مفتوح من البداية.
خرج "غفران" من المرحاض الخاص بغرفته فى الفندق مُرتدي بنطلونه الأسود القطني بصدر عاري يجفف شعره الأسود بمنشفته حتى ألقي بها على حافة السرير وجلس عليه.
وجد كوب من العصير على الكومود المجاور للفراش فأخذ منه رشفة وعينيه تحدق بالهاتف عن صور أرسالها "عُمر" له يخبره أنها صور المجلة الجديدة لزوجته ورغم وجهها الضبابي لكنه تأمل فستانها وشعرها بغضب من فعلتها التى جعلته يغادر القصر ويُقيم بفندق.
شعر بالنعاس ليغلق الهاتف ومدد جسده على الفراش لكنه سمع صوت أغلاق باب غرفة، أعتقد أنه يتخلي فغاص فى نومه.
دلفت "قُسم" للغرفة بفستانها الأحمر مُنهكة من التعب ونزعت حذاءها ذو الكعب العالي لتلقي به بفوضوي وأتجهت إلى غرفة النوم وأول شيء فعلته رمت بجسدها على الفراش وتتسلل أسفل الغطاء بخمول شديد لكنها صُدمت من دفء فى الفراش فحركت يديها قليلًا حتى لمس صدره البارد من المياه ليفزع الأثنين معًا ويفتح "غفران"ضوء الغرفة ووقف من مكانه بعيني شبه مغلقتين ليُصدم بوجود فتاة فى غرفته.
ومع أن رأسه يدور لكن صدمته الأكبر بوجه هذه الفتاة كانت كفيلة بأن يفتحهما على مصراعيه.
صُدمت "قُسم" من وجود رجل بغرفتها وكادت أن تصرخ لكن أستوقفها "غفران" تتطلع بها يحفظ ملامحها جيدًا أو بالأحري مُشتاق لرؤية أى عيونه ووجه، مُنذ سنوات وهو عالقًا فى الضباب وحده.
أبتلعت "قُسم" لعابها من هول الصدمة وقربه فقالت:
- أنت دخلت هنا أزاى؟
- أنتِ مين؟
قالها بدون وعي شاردًا بملامحها ورموشها الطويلة التى تجمل عينيها.
شعرت برجفة فى أرجاء جسدها بعد أن نظرت للغرفة وأيقنت أنها لم تكن لها فهرعت نحو الخارج لكنه أمسكها من يدها مذعورًا لا يعرف كيف تمكن من رؤية ملامحها وقال:
- أنتِ أسمك اي؟
- أنا أسفة والله جت غلط أسفة.
قالتها وفرت هاربة من أمامه فكاد أن يركض خلفها لكن توقف عندما شعر بضعف جسده ودوران شديد به فأتكأ على الحائط عاجزًا عن الإمساك بحورية هبطت من السماء لا يعرف عنها شيء سوى ملامحها.
***
أشرقت الشمس صباحًا وترجلت "كندا" من الأعلى فوجدت "نورهان" والدة "غفران" بقصرها مما جعلها تبتلع لعابها خوفًا من وجود هذه السيدة بقصرها.
تملك "نورهان" شخصية جادة صارمة وصاحبة أكبر شركة منتجات تجميلية فى مصر كما أنها طبيبة تجميل من أشهر 10 أطباء فى العللم.
شخصيتها مُرعبة ويمكن أكثر من "غفران" ابنها، تكاد تجذم "كندا" أنها طيلة الـ 10 سنوات زواجها لم ترى وجه "نورهان" تبتسم مرة واحدة، امرأة تملك الستين عامًا لكنها أصبي من "كندا" فالتجميل وظيفتها.
ترتدي بدلة نسائية وردية وشعرها الذهبي مصفف على شكل دائري من الخلف وغرتها الطويلة مصففة على الجانب الأيمن وتضع حلق من الألماس فى أذنها وبعنقها طوقه الرقيق.
عيني عسلية وبشرة بيضاء، جالسة على الأريكة وتضع قدم على الأخرى.
تنهدت "كندا" بهدوء قبل أن تتحدث حتى وصلت أمامها وقالت:
- صباح الخير يا سيدة نورهان.
- خير!! ليكن فى علمك يا كندا أنا متحملة وجودك فى العيلة دى لأن غفران مُتمسك بيكِ مش أكتر لكن توصل لأن بسببك ابنى يبات برا قصره دا لا يمكن يمر على خير أبدًا.
قالتها "نورهان" بنبرة غاضبة رغم هدوءها وصوتها الخافت الذي لم يرتفع نهائيًا ومع ذلك تمكنت فى إخافة "كندا" التى أزدردت لعابها الجافة وتابعت الحديث بنبرة هادئة:
- أنا مطلبتش منه يبات برا قصره لأنه بالفعل مُستقل بجناحه مكنش محتاج أنه يسيب القصر عشان مجرد حوار دار بينا.
ضحكت "نورهان" ضحكة مُخيفة وقالت بصرامة:
- ساذجة يا كندا، ساذجة وسذاجتك دى هتوصلك للنار اللى من يوم ما دخلتي القصر دا وأنتِ بتحومي عليها.
تأففت "كندا" بضيق من تهديد "نورهان" لها فقالت بغضب:
- ليكن فى علمك يا دكتورة النار دى لو هتحرق حد فهى هتحرق ابنك المصون، أنا مُمثلة والعيون عليا كتير وأكتر اللى مُنتظر كلمة منى، تخيلي أنى أطلع فى أى حوار من دول وأقول أن غفران بيه الحديدى مقربش مني من يوم جوازنا وأن نالا جت غلطة بسبب أنه شرب يومها ومكنش فى وعيه وأن معندوش ميول للنساء.
لم تكمل كلمتها التالية بعد ان تلقت صفعة قوية على وجهها من يد "نورهان" التى أحتدت عينيها من الكره الذي تحمله بداخلها لأجل هذه المرأة فقالت بنبرة تهديدية ويدها اليمني تمسك عنق "كندا" تخنقها بقوة:
- غفران ابني سيد الرجالة كلها وحذري تنطقي بكلمة من دول تاني، ومتنسيش أن كونك مُمثلة فشغلك كله معتمد على الوجه الملاكي دا، بلاش تخبرني أخذ الجمال دا منك وتبقي منتهية الصلاحية.
دفعتها بقوة فى الحائط ثم غادرت القصر مُنفعلة وكان بأنتظارها سيارة bmw فخمة ومساعدتها "رزان" التى قالت بهدوء:
- عندك ميعاد النهاردة.
قاطعتها "نورهان" بحدة تقول:
- سيبى كل دا وأعرفي ليا غفران فين؟
أومأت إليها "رزان" بنعم وصعدوا للسيارة معًا.
***
وصل "عُمر" إلى غرفة "غفران" بعد أن قلب الفندق رأسًا على عقب على هذه الفتاة التى لا يعرف عنها شيء حتى شكلها لا يعرفه، يبحث عن المجهول ولذا فشل فى العثور عليها.
عاد خائبًا الأمل إلى رئيسه وقال:
- قلبنا عليها الفندق ومعرفش نلاقيها.
لم يُجيب عليه "غفران" بينما نظر إلى الرجال بحيرة وألتزم الصمت.
وقف "عمر" مُتشابكًا الأيد ببعضهم فى صمت وخلفه رجلين من الحُرس صامتين بخوف من غضب هذا الرجل فألتف "غفران" إليهم يحدق بهم؛ ليُتمتم بنبرة هادئة:
- قُلتوا ملاقتهوش، يعنى أنا كذاب ولا مجنون، تكنش هي جنية نزلت من السماء وطلعت تاني.
- غفران بيه!!
قالها أحد الرجال ليُثر غضبه أكثر وأطلق العنان لـغضبه يفتتهم هذه المرة من الرعب فقال صارخًا بنبرة عالية أفزعت قلوبهم وهزت شواربهم:
- أقلب الأرض كلها وتجيب ليا البنت دى لو فى بطن الحوت، أنا كان فى أوضتي بنت ودا مش تخاريف ولا تهيوات، البنت دى لازم تجيبوها، عاوز كل المعلومات الكافية عنها والأهم من كل دا، أزاى البنت دى وصلت إلى أوضتي.
أشار "عمر" لهما بأن يذهبوا ويعثروا على هذه الفتاة فى أرجاء المدينة ومحيطها.
تأفف "غفران" من غباء هؤلاء الرجال وأخذ هاتفه من فوق الكومود ثم أتجه إلى الباب مُغادر الغرفة لكن اوقفه حذاءها الذي تُرك خلفها.
ركله بقدمه بغيظٍ مُنفعلٍ ويتحدث بنبرة خَشنة وأقتضاب:
- أنا اللى جبت الجزمة دى هنا ولا الجنيات بقوا يسيبوا وراهم جزم يا شوية أغبياء.
تحدث "عمر" مساعده بصوت عفوي مازحًا:
- لا، دي سندريلا اللى سابت الجزمة.
ألتف "غفران" يرمقه بنظرة ثاقبة جعلته يرفع يده إلى عنقه يهندم رابطة العنق وازدرد لعابه.
خرج "غفران" من غرفة الفندق وأتجه إلى المصعد عقله شاردًا بهذه الفتاة المجهولة، فتاة مجهولة لكن الوجه الوحيد الذى تعرف عليه "غفران"، هذا الرجل الذي يملك كل شيء فى العالم، لديه مال ومكانة وعِزة.
ضغط "عمر" على زر المصعد ووقف خلفه بخطوةٍ واحدةٍ ثم قال:
- ممكن اسأل سؤال واحد.
أدار "غفران" رأسه لليمين قليلًا مما جعل "عُمر" يبتلع كلماته بخوف من تجاوز الحد لكن أدهشه كلمات "غفران" حين قال:
- قول؟!
- هتعرف أزاى أن هي نفسها البنت وحضرتك.....
فتح المصعد أبوابه فوجل الأثنين؛ ليُجيب "غفران" على سؤال ببرود قاتل يجحم من يسمعه ويبلد المشاعر:
- وحضرتي عندي عمى وجوه!! مش كدة يا عمر، أهو اللى عنده عمى وجوه دا جت له بنت والأعمى شاف وشها يا عمر، البنت دى وشها وملامحها كانوا واضحين فى عينيا، عينيها الخضراء الضيقة ورموشها الطويل وحواجبها الرفيعة وشفايفها الصغيرة ولون بشرتها البيضاء والنمش البنى اللى ملأ خدودها وشعرها الكستنائي الناعم، طولها اللى لغاية هنا.
أشار بيده إلى ساعده يعبر عن قُصر قامتها بينما "عمر" يستمع بصدمة لجمته مما يحكيه "غفران" رئيسه مُصاب بمرض عمى الوجوه ولا يمكنه التعرف على أحد حتى أبنته لم يعرف ملامحها حتى الآن وزوجته، الأقارب والأغراب جميعهم لا يستطع "غفران" رؤية وجوههم لكن الآن يقول أن هناك فتاة تمكن من رؤية وجهها.
تابع "غفران" الحديث قائلًا:
- مش رفيعة ولا تخينة، ملامحها وصوتها الهادئ بيقولوا أن عندها من ١٨ لـ ٢٣ سنة، أنا عايز البنت دي من تحت الأرض يا عمر.
أومأ إليه بنعم، فتح باب المصعد فخرج الإثنين وكانت سيارة "غفران" المرسيدس السوداء مُنتظرة بالسائق أمام باب الغرفة.
أنطلق السائق به فى الممر الدائري أمام الفندق، نظر "غفران" من النافذة بملل وعقله شارد الذهن بهذه الفتاة المجهولة.
رن هاتف "عمر" فقال بهدوء بينما يجلس جوار السائق فى الأمام:
- مدام كندا بتتصل.
لم يبالى لزوجته التى تتصل كثيرًا من الأمس، أنتفض جسده من مكانه وأتسعت عينيها حادقٍ بالنافذة حين رآها، هذه الفتاة المجهولة تنزل إلى سلالم المترو فصرخ بسائقه:
- أوقف على جنب.
ضغط السائق على المكابح بفزع من صرخته ليترجل "غفران" من سيارته وهكذا رجال الحراسة الذين ركضوا خلفه إلى المحطة.
رآها فى عربة السيدات ليقفز من فوق ماكينات التذاكر بينما فزع مؤظفين الأمن داخل المحطة.
ركض إلى المترو كالمجنون وجميع الوجوه أمام كالضباب، لا يرى سواها كالغريق الذى حصل طوق النجاة للتو.
رغم ما يملكه لكن هذه الفتاة العابرة تملك نجاته التى لا يمكن شراؤها بالمال لكن للقدر رأى أخر حين أغلق المترو أبوابه.
رأته الفتاة من خلف الزجاج وهي تقف خلف الباب مباشرة فكتبت بسبابتها على الزجاج:
- قُسم.
ردد اسمها بصوت خافتٍ حادقٍ بوجهها الواضح كشروق الشمس أمام عينيه يقول:
- قُسم.
تبسمت على لفظ اسمها من حركة شفاهه ثم أنطلق المترو بها بعيدًا قبل أن يحصل عليها "غفران" تاركة له بسمتها واسمها الاستثنائي كوجهها، كأن هذه الفتاة جئته أستثنائية بكل شيء لتكن جميلة كملامح وجهها الجميل.
لأول مرة من سنوات يرى وجه أحد فحتى لو كانت قبيحة ولا تملك شيء من الجمال لكن بنظره وعينيه المريضة كانت أجمل بنت على الكون.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثاني 2 - بقلم نور زيزو
صعدت "قُسم" إلى عربة القطار ووقفت مقابل الباب لترى وجه "غفران" الذي أغلق الباب في وجهها، حدقًا بها.
فاقتربت أكثر من الباب وتبسمت بعفوية تحاول أن تعتذر على دخولها إلى غرفته بالخطأ. تذكرت سؤاله أمس عن اسمها فرفعت سبابتها على زجاج الباب الشفاف وكتبت اسمها عليه.
فتمتم "غفران" بدهشة قائلًا:
_ قُسم!
أومأت إليه بنعم من حركة شفتيه باسمها. تحرك القطار بها يسرقها من قبضته على كل شيء وتمتمت إليه مرة أخرى هاتفة:
_ آسفة.
دلفت إلى الداخل وجلست على أقرب مقعد ووضعت سماعة الأذن المتصلة بهاتفها في أذنيها. ظلت بالقطار حتى وصلت إلى محطة حليمة الزيتون.
وصلت إلى محل موبايلات أسفل بناية سكنها. كان بداخلها شاب لديه 29 سنة من العمر، وزوج من العيون الرمادية بشعر رأس مموج أسود اللون بدون لحية ولديه شارب عريض فوق شفتيه، ليس بقصير أو طويل. عريض المنكبين.
وقف "حازم" من مكانه فور دخولها وقال:
_ رجعتي بدري يا حبيبتي.
حدقت "قُسم" بوجهه عابسة من نسيانه عن أمرها فقالت بحدة:
_ عشان كدة متصلتش تتطمن عليا وأنا برا البيت من امبارح، مش كدة يا حازم؟
نظر "حازم" إليها مندهشًا من كلماتها ثم ضرب جبينه بأنامله بخفة متذكرًا وقال بدلال:
_ اااوبس، حقك عليا والله يا قُسم. أنا مكنتش فاكر خالص أنكِ رايحة الفرح ده امبارح. متزعليش يا حبيبتي.
تأففت بضيق من بروده رغم كلماته العاطفية الناعمة، لكنها لم تشعر مرة أنه يخاف عليها أو يهتم. فقالت بضيق أكثر وهي تضرب سطح الفترينة الزجاجية التي تفصل بينهما:
_ اتفضل يا حازم. أنا عدت دفعت قسط الشقة.
أدرك من تجاهلها لكلماته أن خطيبته الجميلة غاضبة منه ومن عدم اهتمامه بأموره. استدارت "قُسم" مغادرة المحل بخنق يحتلها ثم صعدت إلى شقتها.
تحدث صديق "حازم" الذي يعمل معه في المحل قائلًا:
_ ما تتحرك وتروح تصالحها.
_ شوية، سيبها تهدأ كده وبعدين محصلش كارثة أني نسيت يعني. البنات دول دماغهم صغيرة وبيدوروا على النكد من أي حاجة... كبر دماغك.
قالها "حازم" ببرود يجتاح نبرته وقلبه. على عكس "قُسم" التي صعدت مستشاطة غيظًا من "حازم" الذي لا يبالي لها وقلبها يفتك به الوجع والحزن.
وصلت إلى شقتها وعندما ولجت لداخلها كانت والدتها تجلس على السفرة تفطر مع أخاها الأصغر "قاسم" طالب الصف الثاني الثانوي. شاب في بداية عمره يملك 17 عامًا ذو شعر أسود طويل مصفف على الجانبين بجسد نحيف وطويل القامة. يملك زوج من العيون الخضراء كأخته التي ورثهما الاثنين من والدتهما "صفية".
السيدة ذات الخمسين عام بدينة الجسد وبشرتها البيضاء وتلف حجاب صغير حول رأسها للخلف. فقالت بلطف:
_ انتِ جيتي يا قُسم.
تركت "قُسم" حقيبتها على المقعد وجلست تتناول الإفطار معهم بوجه عابس. همس "قاسم" إليها بمرح يشاكسها:
_ هو حازم مزعلك ولا أيه؟ البوز بتاع الستات دي مبيظهرش غير وهو مزعلك.
نكبتها "صفية" في ذراعه بضيق من مضايقته لأخته الكبرى. بينما زاد غضب "قُسم" أكثر من حديث أخاها فقالت بغيظ ونبرة غليظة:
_ خليك في حالك.
_ وبعدين يا ولاد هتناكفوا في بعض قصادي، كُل يا قاسم ومالكش دعوة بأختك.
قالتها "صفية" بعفوية وعينيها تمعن فتاتها الصغيرة التي تحمل ملامح الغضب المكبوح بداخلها. لا تعلم سبب الضيق الذي تحمله "قُسم" الآن، لكنها كابنها تمامًا تدرك أن السبب "حازم" خطيبها.
تابعت الحديث قائلة:
_ خلصوا أكلكم وأنت تنزل تشوف دروسكم وإياك يا قاسم أعرف أنك روحت تلعب كورة مع صحابك فاهم.
أومأ "قاسم" إليها بنعم ثم مال على أخته بخباثة وقال هامسًا إليها:
_ هأخد منك حق الماتش ده بقي.
ضربته "صفية" على كتفه بضيق من عصيانه لحديثها متمتمة بغلاظة:
_ سمعتك يا كلب، قومي يا قُسم ارتاحي شوية لحد ما أرجع من بره. أنا هوصل الطلبات دي في محطة المترو وجاية تكوني نمتِ شوية عشان نروح نزور أبوكِ.
هزت "قُسم" رأسها بنعم وأكملت تناول طعامها. بينما وقفت "صفية" تجمع الأغراض في الأكياس من أجل توزيع الطلبات التي جمعتها من الزبائن في مشروعها الخاص على الإنترنت حتى تساعد في مصاريف البيت وعلاج زوجها وتقلل من الأعباء قليلاً الموجودة على عاتق فتاتها الصغيرة "قُسم".
..........
" بقصر الحديدي "
فتح باب المكتب الموجود بالطابق الأول ودلف "عُمر" ليرى "غفران" في حالة خمول تام متكئ برأسه وظهره على ظهر المقعد مغمض العينين يبدو نائمًا، لكن أصابعه تترك بالقلم على سطح المكتب. ليدرك "عُمر" أنه شاردًا بشيء وغارق بتفكيره. فتنحنح بخفوت قائلًا:
_ مسيو غفران.
فتح "غفران" عينيه بتهكم ليبدأ "عُمر" بالحديث بعد أن ميز "غفران" من هو بواسطة صوته:
_ السيدة نورهان طالبة تقابل حضرتك على العشاء النهاردة.
أعتدل "غفران" في جلسته ببرود شديد لا يبالي بشيء ولا برغبة والدته في لقائه. تجاهل هذا الطلب وسأل بنبرة قوية:
_ لقيتوها؟
_ هي مين؟
أجابه "غفران" بأشمئزاز من عجز رجاله في العثور على هذه الفتاة التي تملك الوجه الوحيد الذي تمكنت عيني "غفران" من رؤيته:
_ سندريلا يا أظرف الكائنات.
تنحنح "عُمر" بقلق من رد فعل "غفران" وصعوبة معرفتها، فقال بهدوء:
_ بندور وإن شاء الله نوصلها.
وقف "غفران" من مكانه مستشاطًا غيظًا من بطء رجاله وقال بينما يغادر الغرفة:
_ خليكم ببطيء السلاحف. دور في السجلات اللي في الحكومة على بنت اسمها قُسم. ده اسم مش شائع ومش هتلاقي منه كتير يا عُمر.
أومأ "عُمر" إليه بنعم وخرج من المكتب مغادرًا القصر ليجد مساعده "عدنان". شخص ذو جسد ببنية قوية ضخمة بسبب ممارسة للملاكمة والرياضة. أصلع الرأس ولديه لحية سوداء وطويل القامة جدًا وعضلات ضخمة تظهر في ملابسه. يكفي جسده وقوته لأن يكون الحارس الشخصي لـ "غفران".
أتى نحوه بالهاتف وقال:
_ وصلنا لكاميرات المراقبة في الفندق، وفعلًا في بنت دخلت أوضة غفران بيه ليلتها.
حدد "عُمر" بالهاتف ووجه "قُسم" لم يظهر بوضوح فتأفف بضيق. ليمرر "عدنان" سبابته على الشاشة وكان يغير الفيديو لصورة أكثر وضوحًا إلى وجه "قُسم". فدُهش "عُمر" بصدمة ألجمته حين رأى وجهها تمامًا كما وصفها "غفران". ليصدق ما لا يمكن استيعابه وأن هذا المريض صاحب مرض عمى الوجوه تمكن من رؤية وجهها ليصفه بهذه الدقة إلى "عُمر".
مما أرعب "عُمر" وأدخل القلق إلى صدره متسائلًا هل يمكن للأعمى بأن يرى؟ وإذا رأى فلما "قُسم" وحدها من تمكن من رؤيتها؟ أسئلة كثيرة جدًا أطاحت بعقل "عُمر" ومنطقه حتى أوشك على الجنون.
صعد "غفران" إلى غرفته منهكًا ثم ألقى بجسده على الفراش وأغمض عينيه شاردًا بما يحدث معه وعقله هو الآخر يكاد ينفجر من التفكير، خصوصًا أنه رأى "قُسم" وعادت عيناه المريضة لوضعها. لم يتمكن من لمّح وجه "عُمر" بنفس الوقت أو مساعديه.
شعر بيد دافئة تلمس قميصه وتحاول أن تفك أزراره. فتح عينيه وكانت "كندا" جواره، ميزة زينتها من ملابسها المثيرة ورائحة عطرها. ليدرك أن زوجته تزينت لأجله لكن وجهها ضبابي. فقالت:
_ غفران أنت وحشتني أوي.
أبعد يديها عنها ببرود قاتل وهمس بنبرة جافة تثير غضب زوجته أكثر:
_ روحي على أوضتك يا كندا.
أعتدلت في جلستها بغيظ شديد وتكاد تفقد عقلها من نفوره منها كأنها وباء. فتحدثت منفعلة:
_ شايف نفسك يا غفران!! عشان متجيش أنت والست الوالدة تلومني ولا تتهمني بالخيانة وأنت السبب فيها.
لم يتمالك أعصابه ومسك عنقها بقوة ودفعها بقوة على الفراش وبات جسدها يغرق في مطاطية السرير. أحترقته كلمتها من الداخل وكيف لامرأة أن تجرؤ على خيانة "غفران الحديدي". فقال بوجه ملتهب كصدره وبرزت عروقه:
_ طب فكري مجرد تفكير إنكِ تخونيني يا كندا وأنا أمحيكي من على الأرض من قبل ما تنفذي فكرتك.
تلعثمت من قبضته وهي تحاول إفلات عنقها من أسر يده القوية وتربت على يده بضعف وأنفاسها باتت تتلاشى شيئًا فشئ لتقول:
_ كح كح أنت اتجننت يا غفران هتموتني.... أبعد عني كح.
ابتعد عنها منفعلًا مثلها وأكثر لتجلس على الفراش وتضع يديها الاثنتين على عنقها تدلكه بألم وخوف اجتاحها من لحظتها حين أوشكت على الموت بين يديه. صرخت بغضب سافر به:
_ أنا هخونك من أفعالك وبُعدك عني يا غفران، أنا ست زي كل الستات ومحتاجاك. أنت محسوب عليا جوازة والسلام. عارف لو بتكرهني أو قرفان مني هقول ماشي لكن أنا مش فاهمة مالك؟ بعيد عني وأنت بتحبني، بتتمني تضمني لكن أول ما أقرب تهرب؟ عشر سنين مستحملة وبقول بكرة شوقه يجيبه لكن الحاجة الوحيدة اللي بيجيبها شوقك ليا هي الفلوس، المجوهرات والعربيات الجدية والهدوم الماركات العالمية. أنا مش عايزة فلوسك يا غفران، مش محتاجة أنك تكون atm ليا. أنا عندي اللي يكفيني من الفلوس. أنا محتاجة حبيبي وجوزي.
جهشت في البكاء بانهيار تام أثناء حديثها وكلماتها المؤلمة التي تعبر له عن وجعها وقهرتها. صمت وهو يضع يديه الاثنين خلف ظهره مستديرًا إليها حتى لا ترى وجهه الذي تجمعت الدموع به. هو أيضًا عاشق لها منذ أن رآها بأول يوم في حفل الجامعة فوق المسرح ممثلة مبتدئة وهو غرق بعشقها حتى مع وجهها الضبابي.
وصفها "عُمر" إليه بأنها أجمل فتاة تراها العين. فتاة تصغره بعامين ذات الشعر البني الغامق كحبيبات القهوة التي يدمن شرابها في يومه. وهكذا عينيها الواسعتين بلون شعرها وبشرتها البيضاء الصافية كالحليب وجسدها الممشوق الذي يجذب إليها أي رجل. مفتونًا بجمالها الذي خلقت به. يرسم عقله صورة لها من وصف "عُمر" الدقيق لها. ورغم عشقها القائم بداخله لم يجرؤ على لمسها منذ ليلة زفافهما.
خرجت "كندا" مستاءة من رفضه لها ومنهارة في البكاء. جلس "غفران" على أقرب مقعد إليه لتدمع عينيه رغم كبريائه وسلطته لكنه يتألم مثلها. وكيف له أن يتحمل وجود محبوبته قربه ولا يقوى على لمسها؟ تذكر كيف ضمها بليلتهما الأولى وأصابه رجفة قوية واشمئزاز احتله من عجزه على رؤيتها. لأول مرة وقتها يشعر بالشفقة على حاله حين عجز على رؤية وجه زوجته وحبيبته. وألت الأمر من وقتها لهذا الجفا بينهما لم يتمكن من لمسها لكنه يقدم لها كل شيء تتمنى في الحياة.
................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثالث 3 - بقلم نور زيزو
جلست "قُسم" في الحديقة المليئة بالألعاب بالروضة، شاردة فيما حدث سابقًا، وعقلها يطرح سؤالًا واحدًا: هل جاء "غفران" للروضة صدفة؟ أم بحث عنها؟
خاصةً بعد أن علمت بعمله وأن شخصًا يملك مكانة ومن طبقة عالية. فاقت من شرودها على صوت شجار بين الأطفال، فهرعت إليهم بسرعة تفصل بين الطفلين.
انتبهت إلى "نالا" التي تجلس وحدها بعيدًا على المقعد ولا تلعب بالألعاب مع الأطفال. تنحنحت بلطف ثم وقفت لكي تذهب إليها. طفلة جميلة لكنها هادئة على عكس الأطفال بسنها.
اقتربت "قُسم" من الطفلة بوجهها العفوي وبسمتها المشرقة التي جعلت الأطفال يحبونها بسرعة. جلست قربها ثم قالت ببسمة مشرقة:
- ما لكِ يا حبيبتي؟ مبتلعبيش مع أصحابك ليه؟
أجابتها "نالا" بنبرة خافتة طفولية وعيناها في الأرض بحزن:
- أنا معنديش أصحاب هنا؟ أصحاب كلهم مش هنا، كانوا في السكول التانية.
فهمت "قُسم" أن "نالا" ذهبت إلى مدرسة أخرى. حاولت الاهتمام بالطفلة طيلة اليوم حتى أنهت من عملها في الساعة السابعة مساءً.
خرجت "قُسم" من الروضة وتحمل حقيبتها على كتفها ويدها تبحث عن هاتفها الذي يدق بداخلها بتعب من إرهاق اليوم. رأت المتصل "حازم" فأجابت عليه وهي تصعد بالأتوبيس:
- أيوا يا حازم.
- خلصتي شغل ولا لسه؟
قالها "حازم" بصوت خافت عبر الهاتف.
لتجيب عليه منهكة وهي تتكئ برأسها على النافذة قائلة:
- اه، خلصت. أنت عامل أي؟ يومك كان عامل أزاي؟
بدأ يحكي لها عن تفاصيل يومه المعتادة ولم يحدث بها شيء استثنائي. وهي تستمع وتقص عليه أحداثها مع الأطفال، لكنها تعمدت ألا تخبره عن الموقف الذي جمعها بـ "غفران" من أيام وتكرر اليوم.
لم تنتبه إلى سيارته التي تسير بجوار الأتوبيس و"غفران" يحدق بها من خلف نافذته. فتمتم "عُمر" بهدوء أثناء قيادته للسيارة:
- أنا اتفقت مع مديرة المكان أنها تستقبل نالا في الفترة المسائية بحكم وجودها في المدرسة الصبح.
أومأ إليه بنعم وعيناه لم تفارق وجه "قُسم" حتى التف الأتوبيس في مفترق الطرق يسرقها من عينيه. فتنهد "غفران" بتعب وعقله لا يستوعب حتى الآن سبب رؤيته لوجهها ولا يملك سبب لهذا سوى أنه القدر.
تمتم بنبرة خافتة خائفًا من القادم وبحثه وراء فتاة غير زوجته:
- أنا مش خائن يا عُمر، صح؟ أنا مبخونش كندا.. أنا بس بدور على علاج لمرضي وسبب رؤيتي لها في حين أن عيني مريضة بقالها فوق الـ 12 سنة بسبب الحادثة إياها.
أومأ "عُمر" إليه بنعم يوافقه على الحديث ثم قال:
- أكيد دا ميندرجش تحت مسمى الخيانة بأي صفة، وخصوصًا أن حضرتك بتحب مدام كندا جدًا.
نظر "غفران" إلى الطريق بعد أن صعدت السيارة على كوبري، ففتح النافذة حتى يضرب الهواء القوي وجهه فتحدث بضيق:
- أنا مش قادر ألمس مراتي يا عُمر، مش قادر أقرب منها ولا حتى أقعد أفضفض معاها بالكلام. كندا لو عرفت أني مريض هتسيبني وتمشي وتطلب الطلاق. وقتها هيكون حقها ومش هقدر أخليها معايا غصب عنها. لا رجولتي ولا كبريائي يسمحوا لي أني أعيش مع ست مش عايزاني.
- أكيد مدام كندا حاسة بالحب دا ودا اللي مخليها لحد النهار دا مفكرتش تطلب الطلاق خصوصًا في حالتكم دي.
قالها "عُمر" بهدوء.
أخذ شهيقًا قويًا بين ضلوعه وأكبر مخاوفه الآن أن تفارقه "كندا" أو تطلب منه الانفصال بعد حديثها القاسي معه أمس، ورغبتها بالخيانة بسبب تجاهله مما أصاب قلبه وعقله بالخوف مذعورًا أن تجمع شجاعتها وتغادر قصره حقًا هذه المرة.
نظر "عُمر" في المرآة الأمامية ليرى رئيسه مهمومًا وخائفًا. لأول مرة في حياته يرى "عُمر" الخوف في عيني هذا الوحش. لطالما كان "غفران" شابًا عفويًا مرحًا من قبل حتى أصابته تلك الحادثة التي سرقت عينيه ومعها سرقت عفويته وبسمته وبات باردًا كالجليد من حذره الدائم في التعامل مع الأشخاص.
أكمل "عُمر" طريقه بقيادة السيارة حتى وصلوا إلى القصر وعبر بوابته حتى رأى "تيا" أخته الصغرى تسير في الحديقة تهتم بورودها. فتحدثت "عُمر" بهدوء:
- مدام تيا هنا.
نظر "غفران" إلى أخته التي تجلس في الحديقة تمارس هوايتها المفضلة في الاهتمام بزهور حديقتها، لذا سُمي قصرها بقصر الحديقة، فحديقته أهم شيء به ومليئة بالزهور جميع الألوان والأنواع. قال بهدوء:
- وقف العربية يا عُمر.
أومأ إليه بنعم وأوقف سيارته أمام "تيا". امرأة تبلغ من العمر 28 سنة تملك جسدًا نحيفًا ببشرة متوسطة البياض وعيني بنيتين وشعر رأسها الأسود مصففًا على الجانبين متوسط الطول.
ترجل "غفران" من سيارته لتبتسم "تيا" بسعادة من رؤية وجه أخاها الوسيم فقالت بعفوية:
- أي دا؟ أنت بتزيد وسامة كل ما تسافر ولا إيه؟
تبسم لأجلها بخفة على مداعبتها لوسامته وهو نفسه لا يعرف إذا كان وسيمًا بهذا القدر أم لا. لطالما نظر إلى المرآة ووجد انعكاسه ضبابيًا. قال بلطف:
- أنتِ أكتر. أخبارك إيه؟ جوزك جه ولا لسه؟
قهقهت ضاحكة على حديثه ثم قالت بلطف:
- ههه طول عمرك كلامك حلو. لسه أنس مجاش. أنت عارف شغل قبطان في البحرية دا شيء مهلك جدًا ليا أنا كزوجة، لكن بالنسبة له أهم حاجة في حياته. نفسي يقتنع ويجي يشتغل معاك في الشركة أو مع ماما. دي كل إجازة تعرض عليه وظائف مختلفة في شركة الأدوية بتاعتها ومفيش فايدة يا غفران.
أومأ إليها بنعم ثم قال بجدية ويداه تربت على كتفها:
- ولا يهمك. أنا ممكن أكلمه تاني لما يرجع إجازة.
هزت رأسها بلا فقد الأمل في تغيير رأي زوجها وتركه للبحرية، فهو عاشقًا لهذا العمل. وقالت بعفوية:
- تؤ متشغلش بالك. كمان أنا اتعودت وحياتنا ماشية.
وافقها الرأي بصمت ثم نظر إلى الزهور الجميلة وقال:
- أنا عايز بوكيه ورد أحمر، محبتش أشتري من برا.
تبسمت "تيا" بحماس وبدأت تجمع له باقة من الورود الحمراء و"غفران" ينتظرها متحمسًا لإعطاء زوجته هذه الباقة تعويضًا عن بكاء الأمس وحزنها الكامن بداخلها بسبب تجاهله.
أخذ الباقة من أخته وسار متجهًا إلى القصر. دلف إلى الداخل واستقبلته "فاتن" رئيسة الخدم. أخذت عن أكتافه سترته فسأل بهدوء:
- مدام كندا فين؟
أجابته "فاتن" بهدوء وعيناها تحدق بوجهه تقول:
- خرجت من ساعة قالت عندها تصوير.
تأفف "غفران" وتذكر تلك الصور لينادي على "عُمر" بغضب:
- عُمر.
أتاه "عُمر" فزعًا من نبرته العالية التي تحمل بباطنها لهجة الغضب وتأكد من ذلك حين رأى وجهه ليقول:
- تحت أمرك.
- شوفي ليا كندا فين؟ وبتصور فين ومع مين؟
قالها "غفران" بنبرة قوية يحذره من معرفة أين زوجته وماذا تفعل قبل أن يقتل رجاله.
ألقى بباقة الورود الحمراء في وجه "فاتن" حين اقتحم عقله الأفكار الخبيثة بعد رؤية الصور التي جلبتها والدته إليه عن الخيانة، ثم ولج إلى غرفة المكتب ويتصل على زوجته مما أثر غضبه أكثر حينما وجد الهاتف مغلقًا نهائيًا.
في شقة "جميل"، فتحت "صفية" باب غرفة "قُسم" تقول بعفوية:
- العشاء جاهز.
توقفت عن الحديث عندما رأت فتاتها الصغيرة جالسة على الفراش مرتدية عباءة بيتي بنصف كم وشعرها مرفوع للأعلى، شاردة ودموعها تحتل وجنتيها الحزينتين. فقالت بقلق:
- أنتِ بتعيطي يا قُسم؟!! حصل أي يا حبيبتي.
قالتها وهي تجلس أمام "قُسم" على السرير. نظرت "قُسم" إلى والدتها بحزن ويديها تجفف دموعها بلطف:
- مفيش حاجة يا ماما، يلا نتعشى.
كادت أن تترجل من فراشها لكن استوقفها يد "صفية" تمسك بيدي ابنتها تمنعها من المغادرة ثم قالت بهدوء:
- حصل أي يا قُسم؟ هتخبي على أمك! طب لو خبيتي عليا هتحكي لمين؟
- يا ماما.
قالتها الفتاة بنبرة خافتة حزينة.
فتابعت والدتها الحديث بجدية وعيناها ترمق عيني فتاتها مباشرة هاتفة:
- حازم مزعلك مش كده؟!
شبكت "قُسم" أصابع يديها ببعضهما وأخذت تنهيدة قوية بين ضلوعها ثم قالت بضيق يحتل صدرها ويقبض قلبها:
- حازم صعب أوي يا ماما، أنا بحبه ومن يوم ما وعيت على الدنيا دي وأنا معرفش راجل غيره وزي ما بتقولوا كلكم أنا اتربيت على إيده. من يوم ما عرفت كلمة حب وأنا معرفهاش غير لحازم.
لكن حازم يا ماما بقي صعب أوي طول فترة الخطوبة. يمكن أنا مأخدتش بالي من تحمل المسؤولية قبل الخطوبة ودا اللي كان مخلينا متفقين ومفيش مشاكل بينا لأن حياتنا عبارة عن كلام حلو وهو شاطر أوي في دا.
لكن لما بدأنا تجهيزات الفرح اكتشفت حاجة جديدة فيه. حازم رامي كل المسؤولية عليا. أنا تعبانة يا ماما.
ذرفت دموعها بحزن شديد من الوجع الكامن بداخلها وعبء المسؤولية، متابعة الحديث لوالدتها وسط شهقاتها:
- أنا بقيت عاملة زي الست اللي عندها ستين سنة. بصحي الصبح أروح المدرسة ومنها على الحضانة والساعتين الفاصل بينهم بأخد فيهم درس. أرجع الساعة 7 بالليل ألف على العفش والنجف والمطبخ وغيره من تجهيزات الجواز. أوصل بيتي ميتة حرفيًا مش قادرة أحرك فيا إصبع واحد. هتجوز إزاي وأنا معنديش وقت أستشور شعري حتى. حازم رامي كل حاجة عليا ودا تاعبني ومخليني مش متحمسة لفرحي ولا جوازي زي باقي البنات. أنا مش حاسة إني عروسة يا ماما.
ضمتها "صفية" بحزن إلى صدرها تربت على كتفها بهدوء ثم قالت:
- خلاص يا حبيبتي، ما دام تاعبك أوي كده بلاها دي جوازة. أنا مش مستغنية عنك ولا هستنى تجيلي مطلقة من عمايله.
- أسيبه!!
قالتها بصدمة ألجمته وفزع عقلها من تخيل الفكرة. فوقفت تسير داخل الغرفة وتحدثت بدهشة:
- أنا معرفش أكون مع راجل تاني غير حازم. أنا اتربيت على إيده ومعرفتش يعني إيه راجل غير حازم.
وقفت "صفية" من مكانها مستديرة إلى ابنتها تقول بحدة صارمة:
- اسمعي يا قُسم، أنا هقولك كلمتين عشان أنا أمك وواجب عليا أنصح. حازم ابن أخويا اه ويعز عليا الخلاف اللي هيحصل بيني وبين أخويا وخصوصًا مع مراته الحرباية لو الجوازة دي اتفشكلت، لكن مش هيكون أعز عندي منكِ. حازم بالأسلوب ده هيتعبك والحب يا بنتي مش كل حاجة في الجوازة. الحب أكيد ضروري يكون موجود، لكن الأهم المودة والرحمة اللي أنا شايفة من كلامك أن حازم مبيرحمكش أبدًا بالعكس ده ضاغط عليكي أكتر. المثل بيقولك اللي ميشوفش من الغربال يبقى أعمى. دا بدل ما هو اللي يلف على الشقة والتجهيزات وهو شايفاك طالع عينيك عشان تجمعي مصاريف العلاج لأبوكِ أو دروس الثانوية العامة اللي تقصف العمر عشان أخوكِ. فكري يا قُسم عشان الجوازة مش لعبة وخسارة قريبة يا حبيبتي أحسن ألف مرة من مكسب بعيد.
نظرت "قُسم" إلى والدتها وتبسمت بلطف، لعل يطمئن قلبها قليلًا. خرجوا معًا لتناول العشاء وكان "قاسم" يتناول الكثير بشراهة فقال:
- ساعة مستنيكم يعني.
ضربت "قُسم" مؤخرة رأسه وهي تسير بعبوس وقالت:
- كل دا ومستنينا، ما تيجي تأكلني بالمرة.
- والله يا بنتي لو طعمك حلو كنت أكلتك.
قالها بعفوية لتقرص وجنته أخته. فتبسمت "صفية" وجلسوا معًا يتناولون العشاء.
ثم دلفت "قُسم" إلى الشرفة بكوب الشاي وجلست تنظر في هاتفها ولا تعلم سبب تذكرها لـ "غفران". فبحثت عن اسمه على جوجل لتجد الكثير من المعلومات والصور أكثر التي نشرت بواسطة زوجته "كندا" الممثلة المشهورة في هذه البلد والوجه الإعلاني للكثير من شركات المجوهرات ومساحيق التجميل. ظلت تقرأ عنه وعن تجارة في السيارات وأنه يملك أكبر شركة مستوردة للسيارات من الخارج.
رن هاتفها باسم "حازم" فتنحنحت بلطف ثم استقبلت الاتصال.
في موقع التصوير، دا حديقة و"كندا" تلعب دور العشيقة التي تسرق الزوج من زوجته العقيمة. بينهما الكثير من العشق. أنهت التصوير ودلفت إلى عربتها المخصصة لتغيير الملابس. جلست وحدها على الأريكة وأشعلت سيجارة بقداحتها لتضعها بين شفتيها. نفثت دخانها مع فتح باب السيارة ودلف المخرج "عفيفي" رجل في الأربعينات من العمر ليقول:
- برافو عليكِ يا كندا، كنتِ هايلة النهار ده وخصوصًا في المشهد الأخير.
أجابته وسيجارتها بين أناملها بهدوء:
- كويسة يعني مش هنحتاج نعيد المشهد، عايزة أروح بدري.
وقفت من مكانها ليقف "عفيفي" أمامها يقاطع طريقها للخارج وحدق بوجهها الملائكي ثم قال:
- لا، تروحي إيه؟ أنا عازم فريق العمل على عشاء فندقي فاخر هيعجبك. دا أنا اخترت الفندق اللي بيقدم أكل آسيوي عشان عارف إنك بتحبيه.
صمتت تفكر قليلًا في عرضه مترددة من التأخير في العودة للمنزل وهذا سيغضب زوجها جدًا. رن هاتفها الذي فتحته بعد دخولها للسيارة معلنًا عن استلام رسالة. ألتفت تحصل على هاتفها مما جعل "عفيفي" يفهم فعلها رفضًا لعرضه فأستدار لكي يغادر حتى استوقفه صوتها.
حدقت بالرسالة وكانت تهديدًا من "غفران" محتواها (إياكِ تفكري تخونيني يا كندا مع المخرج الزبالة ده). مرفق برسالته الصورة التي حصل عليها من والدته. شعر بالظلم يقتلها وهي لم تجرأ على خيانته لمرة واحدة فقالت بعناد وضيق من تهديده:
- موافقة!! استنوني هغير هدومي.
أومأ "عفيفي" لها ببسمة وحماس يقتله ثم خرج من السيارة.
بـ "قصر الحديدي"
وصل "عُمر" إلى غرفة المكتب بعد أن علم بمكان وجودها ليقول:
- مدام كندا في مطعم بفندق نايس هاوس، مع فريق العمل كله مش المخرج لوحده.
أستشاط "غفران" غيظًا من تصرف زوجته رغم رسالته التهديدية له فوقف من مكانه تاركًا مقعد مكتبه وأنطلق للخارج بقميصه الأسود وبنطلون الرمادي يقول:
- تعال وديني.
أستقل سيارته مع "عُمر" وأنطلق به خارجًا. تحدث "غفران" في طريقه قائلًا:
- بكرة تجيب رقم قُسم من الحضانة وتتصل بيها تطلب منها تيجي تدي نالا درس خصوصي وتعرض ثمن الحصة الواحدة 2000 جنيه.
أتسعت عيني "عُمر" على مصراعيها بصدمة ألجمته من المبلغ الذي يعرضه "غفران". كأن "غفران" بدأ يشق طريقه إلى "قُسم" بأكثر شيء تحتاجه هذه الفتاة من أجل الحياة الشاقة ليخفف عليها أعباء الحياة ويفتح الباب حتى يتمكن من رؤيتها كما يريد في آنٍ واحد. تحدث "عُمر" بهدوء خائفًا من غضب هذا الرجل:
- بس دا مش كتير، دا مرتبها في المدرسة كله 1900 بس.
حدق "غفران" بـ "عُمر" بوجه غاضب من معارضة "عُمر" لحديثه فقال بضيق:
- أعمل اللي أقولك عليه يا عُمر بس.
صمت "عُمر" ملتزمًا بالقيادة مما جعل "غفران" يدرك قسوته على مساعده ولولا "عُمر" لفضح أمره أمام العالم أجمع ولن يتحمله شخص أخر كـ "عُمر". تحدث بهدوء شديد:
- قلت لي أن مصاريف المستشفى وحجز الأوضة 15000 ألف جنيه و8 حصص في الشهر بمبلغ 2000 يخلّوها تدفع مصاريف المستشفى من ساعة واحدة في اليوم بدل المرمطة دي.
أومأ "عُمر" إليه متفهمًا أن هذا مجرد عذر من أجل اللقاء الذي سيجمعه بـ "قُسم".
وصل "غفران" إلى الفندق وبحث عن زوجته حتى رآها. "عُمر" أشار إليه عليها يقول:
- مدام كندا هناك أهي، لابسة فستان أحمر.
نظر "غفران" وتقدم في سيره ناظرًا على زوجته التي ترتدي الفستان الأحمر، تبتسم إلى هذا الرجل مع بقية الفتيات ليقول بضيق:
- كندا.
فزعت عندما سمعت صوته وحدقت به كما حدق الجميع تجاه الصوت. همست صديقتها بأذنها:
- وووااااو جوزك طلع أحلى بكتير من الصور يا كوكي.
أبتلعت لعابها بتوتر شديد ثم وقفت من مكانها تتقدم نحوه وهمست في أذنه:
- إيه اللي جابك هنا؟
وقف "عفيفي" من مكانه مبتسمًا ومد يديه إلى "غفران" ليصافحه ثم قال:
- أهلاً يا غفران بيه، اتفضل اتعشى معانا.
نظر "غفران" إلى يده الممدودة بكبرياء وتجاهلها بغيظ مما جعل "كندا" تحرج من تصرف زوجها وقالت بلطف:
- أنا هستأذن، هنقعد على ترابيزة تانية.
أخذته من ذراعه بضيق من وجوده ونظراته الباردة إلى الجميع فهمست بنبرة غليظة بينما تسير به بعيدًا:
- أنت بتراقبني يا غفران ها؟ مش كفاية القرف اللي بعته... أنا بخونك صح؟ وحياة نالا بنتي لأدفعك ثمن كلامك وقسوتك عليا غالي.
تمتم بضيق شديد قائلًا:
- افتكري أن أنتِ يا كندا اللي بتقفلي أي باب أنا بفتحه.
لم تفهم كلماته بينما تقدم "غفران" في السير أمامها وعاد إلى المنزل بزوجته ولم يملك شيئًا على خيانتها بعد وجود زملائها في العمل معها في الفندق.
وصل "غفران" بها إلى القصر فصعدت أولًا غاضبة ويحتلها نار الغيظ من "غفران" ليقول:
- اعملي حسابك المدرسة بتاعت نالا أنا هغيرها.
وقفت في منتصف الدرج بدهشة مستديرة إليه وترجلت الدرج من جديد حتى وصلت أمامه ووضعت يدها على جبينه ليدق قلبه كالمجنون من لمستها إليه، لطالما كان يذوب هذا الأحمق بحبها.
تحدثت بدهشة ونبرة قوية:
- أنت عيان يا غفران؟!، أول مرة تتدخل في شؤون نالا دا أنت حتى متعرفش بنتك في سنة كام لدرجة إنك أخذتها توديها لحضانة وبنتك في تانية ابتدائي ومقيدة بمدرسة إنترناشونال.
تنحنح بحرج ثم قال بلطف:
- وعشان كده هتقعد من الحضانة وهجيب لها مدرسة رياضيات مخصوص في البيت، مهم جدًا إن بنتي تتعلم صح.
أنهى حديثه ثم أبعد يدها عن جبينه وقال بهدوء يعاقبها على أفعالها وعصيانها لأمره:
- اطلعي ارتاحي يا كندا في أوضتك.
غادرت "كندا" بغيظ شديد من إشاحته ليديها وصعدت تتأفف بضيق لكنها صُدمت عندما وجدت فراشها به باقة ورود حمراء وصندوق هدايا صغير. أقربت لتفتحه وكان به قميص نوم أسود اللون وبطاقة ورقية محتواها جملة واحدة (لطالما كانت جميلتي تليق بالأسود، بحبك).
رق قلبها بسعادة تغمرها وهديته كمناداة منه إليها وشعرت أن هذا القلب يكاد ينفجر بداخلها من الفرحة ودمعت عينيها فرحًا. دلفت للمرحاض مسرعة وأخذت حمامًا دافئًا وارتدت قميصها بروبه وخرجت إلى غرفته لكنها لم تجد أثر له فنولت للأسفل وهي تغلق رابطة روبها تقول:
- غفران.. غفران.
أتها الخادمة مبتسمة تقول:
- غفران بيه خرج بعربيته.
أتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة لجمت قلبها الذي كان يرفرف، قُتل فرحتها وتوقفت نبضة هذا القلب العاشق وتذكرت جملته في الفندق حين أخبرها أنها من تغلق الأبواب التي يفتحها. شعرت بغصة في قلبها وخذلان أصاب عقلها فعادت إلى غرفتها غاضبة وألقت بباقة الورود في السلة وجهشت دموعها بانكسار شديد حتى سقطت على الأرض تبكي بانهيار وعقلها لا يحمل هذا الوجع وقدميها لا تملك القوة على حملها أكثر.
رن هاتف "قُسم" برقم مجهول فخرجت من غرفة المدرسين تجيب وكان "عُمر" الذي أخبرها عن الدرس الخاص لـ "نالا" فقالت بهدوء:
- بس أنا معنديش مواعيد فاضية، بعتذر جدًا لحضرتك.
- إحنا هندفع لحضرتك زي باقي مدرسين نالا، 2000 جنيه في الحصة وفي عربية هتجيب العربية وتروحك عشان المكان هنا صعب تلاقي فيه تاكسي.
قالها بهدوء لتتسع عيني "قُسم" من المبلغ وهي تحصل على شهر كامل 150 جنيه ومرتبها في المبلغ أقل من هذا المبلغ. شعرت بالغيرة من هذه الطبقة التي تعيش في حياة غير حياتها. ترددت كثيرًا في الرفض وهذا المبلغ سيكفي لأموال المستشفى ويوقف والدتها عن العمل والتوصيل للبيوت ومحطات القطار. أجابته بهدوء قائلة:
- هحاول أشوف ميعاد لو ينفع هكلم حضرتك.
أغلقت الخط معه بحيرة وظلت تفكر طيلة اليوم في هذا العرض. وصلت للمنزل ورأت "قاسم" جالسًا على الأريكة يلعب بالهاتف فقالت بضيق:
- دي المذاكرة يا قاسم.. ها.
سحبت الهاتف منه ليقول بتذمر:
- هاتي يا قُسم ومتتدخليش في حياتي.
دهشت "قُسم" من صراخ أخيها مما جعلها تقلق لسبب الغضب. فنظرت بالهاتف لتراه يبحث عن عمل فأتسعت عينيها على مصراعيها بغضب سافر وقالت:
- أي دا؟ شغل؟!! والمذاكرة أروح أذاكر أنا؟
خرجت "صفية" على صوت صراخها بدهشة. سمعت "قاسم" يقول:
- اه بدور على شغل عشان أخفف عنك شوية، عشان سمعت كلامك مع ماما امبارح وأنا راجل. لو حد فينا المفروض يتعب يبقى أنا، لا أنتِ ولا ماما.
تأففت "قُسم" بغيظ ومسكته من ذراعه غاضبة تقول:
- مفيش الكلام دا، أنت هتذاكر وهتدخل هندسة اللي نفسك فيها حتى لو غصب عنك، والشغل ده مسؤوليتي أنا لحد ما تتخرج من جامعتك أو بابا يقوم لنا بالسلامة أيهما أقرب.
دلفت إلى غرفتها غاضبة مما وصل إليه الحال وأخاها الذي يفكر في التخلي عن دراسته لتتذكر عرض "عُمر" فأتصلت به وقالت بهدوء:
- أنا عندي ميعاد فاضي الأحد الساعة 5 والأربعاء الساعة 3 لو يناسب حضرتك.
- أكيد، يبقى هبعت لحضرتك العربية بعد بكرة الساعة 3 قصاد المدرسة.
قالها "عُمر" بنبرة دافئة فأغلقت معه مستسلمة لقدرها الشاق.
التف "عُمر" بعد أن أغلق الهاتف ينظر إلى "غفران" الذي يجلس على مقعده في الشركة وقال:
- كله تمام هتبدأ الدرس بعد بكرة.
تمتم "غفران" بحيرة متلهفًا لرؤية وجهها:
- لسه بعد بكرة بس معلش نستنى.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الرابع 4 - بقلم نور زيزو
وصلت "قُسم" إلى القصر داخل سيارة يقودها "سمير" سائقه الخاص. فنظرت إلى المكان من نافذة السيارة ودُهشت من جماله. ثلاثة قصور بجانب بعضهم يُشكلون حرف الـ U. أمامها قصر الحديدي، وعلى الجانبين قصر الحديقة يمينًا وقصر اللؤلؤ يسارًا. رغم أن القصور لم تكن كبيرة بالحجم، لكن يبدو أن أفراد هذه العائلة أحبوا الاستقلال، فاستقل كل منهم في قصر وحده. القصور الثلاثة كانوا باللون الأبيض.
توقفت السيارة أمام قصر "الحديدي"، فترجلت منها "قُسم" ونظرت إلى الدرجات الأمامية للقصر التي بلغت العشرين درجة تقريبًا من كثرتها، مما جعلها ترفع رأسها قليلًا حتى ترى وجه المرأة التي تقف بانتظارها. صعدت بتوتر من دخولها لمكان كهذا لأول مرة في حياتها، حتى وصلت أمام "فاتن" التي علمت اسمها ووظيفتها رئيسة الخدم من الشارة الموجودة على زيها الرسمي، بدلة نسائية سوداء وتلف شعرها الأسود على شكل كعكة دائرية لم يخرج من رأسها خصلة شعر واحدة.
تبسمت بلطف قائلة:
_ أهلا بحضرتك يا مس، اتفضلي.
قادت الطريقة للداخل، فترجلت "قُسم" أولاً فور دخولها ثلاثة درجات وتقدمت للأمام أكثر حتى ظهر البهو الواسع الذي يحمل به انتريه وردي اللون بالمنتصف وركنة رمادية بركن آخر. أما الركن الأيمن كان يصل إلى سفرة وبجانبها باب غرفة. لم ترى شيء كهذا إلا بالمسلسلات عن العائلات المرموقة.
أرشدتها "فاتن" إلى الأنتريه تجلس قائلة:
_ خمس دقائق وتكون نالا عند حضرتك.
أشارت إلى خادمة لتقترب منها بلطف مبتسمة بعفوية. أمرتها "فاتن" بلهجة قوية:
_ شوفي المس تشرب أي، وأنتِ يا سمرة أطلعي بلغي مدام كندا بوصول المس وأستعجلي نالا.
بسرعة البرق تحركت الخادمتان لتنفيذ الأمر. تنحنحت "قُسم" بلطف قائلة:
_ شكرًا مش عايزة حاجة.
غادر الجميع من أمامها ليتركوها وحدها في الانتظار. فتحت حقيبتها الزرقاء لتخرج منها زجاجة مياه حافظة للبرودة وردية اللون وارتشفت مياهها منها.
دقت "سمرة" الخادمة باب غرفة "كندا" التي كانت منشغلة بالحديث في الهاتف وأمامها خادمة تجمل أظافرها وتقول:
_ مفيش مانع يا مستر عفيفي أبعت لي السيناريو على البيت لو عجبني الدور نمضي ونتوكل على الله.
نظرت إلى "سمرة" ثم قالت بجدية:
_ تمام، هكلمك تاني. في حاجة يا سمرة؟
_ المس الجديدة بتاعت نالا وصلت تحت.
قالتها "سمرة" بهدوء مما جعل "كندا" تغضب خصيصًا بعد تنفيذ "غفران" لأمره دون الاهتمام برأيها. سحبت يدها من الخادمة بوجه عابس ولا تفهم سبب تغير زوجها هكذا فقالت بحزم:
_ نزلي ليها نالا وأنا جاية.
استدارت الخادمة لكي تغادر، لكن أوقفتها "كندا" بنبرة خافتة كأنها خائفة أو تخشى شيئًا ما تقول:
_ سمرة... هى حلوة؟
نظرت الخادمتان إلى وجه "كندا" بعد سؤالها وكان القلق واضحًا عليها لأن الفكرة الوحيدة التي طاحت بعقلها من تغيير "غفران" المفاجئ هو أنه توقف عن حب زوجته. تنحنحت "سمرة" بهدوء ثم قالت:
_ عادية جدًا بس عينيها خضرة، لكن كجمال وشكل متتقارنش بحضرتك خالص وباين أنها من طبقة فقيرة من لبسها.
وقفت "كندا" أمام المرآة تحدق بصورتها المنعكسة وهي مرتدية بيجامتها الحرير وشعرها مسدولًا بحرية على الجانبين، فتمتمت بتوتر محدثة انعكاسها:
_ الطبقة الفقيرة مش الخوف يا كندا.
جعلت الجميع يغادرون وارتدت بنطلون جينز ضيق وتي شيرت أبيض اللون وصففت شعرها البني ووضعت أحمر شفايف ثم ترجلت للأسفل مرتدية خف قدميها فورًا. رأت "قُسم" جالسة بحرج منكمشة في نفسها وعينيها في الأرض مرتدية بنطلون جينز أزرق وقميص نسائي وردي اللون بدرجة غامقة وتضع رابطة شعر حول رأسها وشعرها مسدول على ظهرها وترتدي حلق أذن أزرق كحقيبتها وحذاء رياضي.
تحدثت "كندا" بغرور فطري بشخصيتها التي خلقت في عائلة ثرية تقول:
_ خليهم يحضروا ليا الشاي بتاعي يا فاتن وهاتي للمس حاجة تشربها، إحنا مش بخلاء.
رفعت "قُسم" رأسها مع صوت "كندا" لتُدهش من جمال هذه المرأة الشهيرة ولأول مرة تراها على الحقيقة. كانت "كندا" جميلة جدًا وتهتم بنقاء بشرتها الزجاجية.
اقتربت "كندا" منها لتجلس على الأريكة المجاورة ووضعت قدم على الأخرى تقول:
_ أنتِ مدرسة أي؟
_ رياضيات. حضرتك جميلة جدًا، الشاشة طلعت بتظلم حضرتك.
قالتها "قُسم" بلطف وبسمة مبهجة، لكن جملتها الأخيرة أثارت غرور "كندا" أكثر فقالت بكبرياء ويديها تضع خصلات شعرها خلف أذنيها:
_ شكرًا. واضح أنكِ متوترة ومكنتش تتخيلي تدخلي مكان زي دا.
اتسعت عيني "قُسم" قليلًا من جملتها وشعرت بازدراء هذه المرأة لها وكأنها وباء دخل منزلها، فتنحنحت بحرج رغم عشقها لهذه الممثلة ووجهها الملائكي، لكن لم تتوقع أن لسانها سليط.
وقبل أن تتحدث "قُسم"، أتاهما صوته القوي يتحدث بنبرة أوقفت زوجته المتمردة:
_ كـــنــــــدا.
نظرت الاثنتين تجاه الصوت لترى "غفران" واقفًا قرب الباب الذي دلف منه للتو ومعه "عُمر". مندهشة من عودة زوجها مبكرًا من العمل لأول مرة. بينما رمقته "قُسم" بهدوء وكلما رأته كان وسيمًا أكثر بألوان ملابسه، فكان يرتدي بدلة باللون الذهبي وقميص أسود.
اقترب "غفران" وعينيه لا تفارق هذا اللقاء الذي جمع أعينهما معًا. فوقفت "كندا" من مكانها تتقدم إليه وقالت بدهشة:
_ إيه اللي جابك بدري يا غفران؟
لم يجيب على سؤالها وعينيه تحدق بوجه "قُسم" التي خجلت من نظراته وتحاشت النظر إليه بارتباك. فقال بهدوء:
_ فاتن، خُدي المس لـ نالا.
اقتربت "فاتن" وهي تشير على الطريق. فوقفت "قُسم" معها وقالت بلطف:
_ عن إذنكم.
غادرت مع "فاتن" ليمسك "غفران" ذراع زوجته بغيظ من تصرفها وأطلق العنان إلى غضبه يحرق زوجته من الغيظ وقال:
_ جت عشان عارفة غِلك يا كنــدا. المكان اللي هي بتحلم تدخلوا أنتِ كمان في يوم مكنتيش بتحلمي تدخليها.
دُهشت من رده وانفعاله لأجل فتاة غريبة لا يعرف عنها شيء، لكنه اتخذ صفها على زوجته. شعرت بغصة تنكز قلبها بخفة من فعلته وقالت بعيني حزينة تأسر الدموع بهما:
_ أنت بتقسي عليا عشانها، عشان واحدة متعرفهاش يا غفران.
_ عُمر.
قالها بعناد وكبرياء يلتهم عيني "كندا" التي تحدق به. فأقترب "عُمر" منه وأخرج بعض الصور من سترته ليأخذها "غفران" دون أن يبعد نظره عن زوجته. ثم قال:
_ أنا بقسي عليكِ يا زوجتي المصونة من عمايلكِ.
ألقى بالصور في وجهها وترك ذراعها حتى يستدير ليُسيطر على غضبه قبل أن يلتهمها وتحرقها نيرانه البركانية للتو. نظرت "كندا" للصور بعد أن جمعتهما عن الأرض ودُهشت حين رأت الصور للقاءها أمس مع "عفيفي"، فذرفت دموعها بارتباك وقالت:
_ غفران.
التفت إليها بألم يمزق قلبه الولهان بحبها، يكز على أسنانه غيظًا فقال بضيق:
_ قابلتيه امبارح يا كنـدا مع إن مكنش عندك تصوير امبارح.
تمتمت بحزن شديد من تفكيره القذر بها قائلة:
_ كان جايب ليا فيلم جديد.
صرخ "غفران" بها بنبرة قوية خشنة أرعبتها وجعلتها تنتفض مع صرخته:
_ كفاياكِ كذب يا كندا. هي لقاءات الشغل بتكون في فنادق دايمًا، ولا بتتناقشوا في أمور الفن وأنتم بترقصوا.
اقترب مجددًا منها يمسك ذراعها بقوة حتى سحبها إليه من الغضب. ولأول مرة ترى زوجها غليظًا هكذا حتى ارتعبت منه في هذه اللحظة وتراجعت عن الجدال معه. قال بنبرة قوية:
_ أقسم بالله يا كندا أنا لو تأكدت من شكوكي فيكِ لأندمك على اليوم اللي فكرتي تخوني فيه غفران الحديدي. وافتكري يا كندا هانم أن الخيانة مبتبقاش في أوضة النوم بس، أنا يكفيني إنكِ تخونيني بنظرة وأنا أدمرك.
دفعها على الأريكة بقوة ليغادر من أمامها ودلف إلى غرفة مكتبه. جهشت باكية بحزن شديد وبداخلها يزداد الحزن والألم من زوجها. كيف أنها تحملته كل هذه السنوات والآن يتهمها بالخيانة؟
***
داخل شركة الأدوية الخاصة بـ "نورهان".
دلت "رزان" إلى المكتب بهدوء وكانت "نورهان" تجلس على مكتبها الزجاجي ومقعدها الأبيض والغرفة باللون الأبيض. تحدثت "رزان" بنبرة جادة:
_ مدام كندا كانت في سهرة امبارح مع عفيفي لوحدهم.
تنهدت "نورهان" بغيظ من تصرفات هذه المرأة ونزعت نظارة النظر عن عينيها من الضيق وتراجعت بظهرها للخلف تقول بحدة:
_ مش هتجيبها لبرا كندا، معرفش إزاي غفران مش واخد باله من تصرفاتها.
_ يا دكتورة دي ممثلة لعبتها التمثيل وأكيد ده اللي مخليها تنجح في خداع مسيو غفران.
قالتها "رزان" بهدوء بينما تتقدم قليلًا لتترك الصور الجديدة على مكتب "نورهان". فنظرت بها وتأففت بضيق من الغيظ ثم قالت:
_ معقول تمثيلها الطيبة يكون أقوى من نظرتها للراجل ده؟ ده أي حد عاقل يشوف بصتها للزفت ده هيعرف إنها عاشقاه.
تنحنحت "رزان" بهدوء ثم قالت بمكر:
_ أي حد عاقل!! مش حد بيحب، الحب أعمى يا دكتورة. وعمومًا أنا بعت نسخة من الصورة دي لمكتب مسيو غفران الصبح والناس بتوعنا هناك كلموني وعرفت إنه ساب الشركة بمجرد ما الظرف وصل وعيوننا في قصر الحديدي أكدوا إن فيه شجار كبير بينهم بمجرد وصول غفران بيه.
أومأت "نورهان" ببسمة هادئة من ذكاء مساعدتها. ثم وضعت "رزان" ورقة أخرى على المكتب أمام رئيستها وقالت:
_ وصل النهار ده مدرسة جديدة لـ نالا، دي كل البيانات العامة عنها.
وضعت "نورهان" نظارة النظر حادقة بصورة "قُسم" وبياناتها بهدوء.
***
خرجت "ملك" من العمارة التي تسكن فيها مع "قُسم" مرتدية فستانها الأبيض وتلف حجابها الملأ بالألوان الجذابة ليستوقفها صوت "حازم" الذي ناداها من المحل الخاص به. تنهدت مستديرة إليه بعد سماع اسمها فقال بهدوء:
_ ملك، لحظة. متعرفيش قُسم فين؟ برن عليها من بدري ومبتردش.
تأففت "ملك" من تصرفه ثم قالت بنبرة حادة غاضبة:
_ أولاً هجاوبك بما إني وقفت، أنا معرفش قُسم فين؟ ولو أعرف أكيد مش هقولك لأن بصفتك خطيبها ما دام متعرفش هي فين يبقى حاجة من الاثنين يا إما ده إهمال منك لخطيبتك يا إما سألت وقُسم رفضت تقولك وفي الحالتين ماليش إني أقولك. وثانيًا بقي وده الأهم أنا صاحبة خطيبتك ومفيش أي صلة تانية تربطني بيك فده ميديش حضرتك إنك تنادي عليّ وتوقفني كده في شارع كأنك من بقية عائلتي. آخر مرة يا حازم تعملها.
استدارت لكي تغادر من أمامه غاضبة وتتمتم بضيق شديد:
_ حصل إيه يا قُسم، اتخانقتوا تاني ولا إيه؟
***
كان "غفران" واقفًا بغرفة مكتبه أمام الحائط الزجاجي المطل على الحديقة الخلفية للقصر يحدق وجه "قُسم" ويشاهدها بينما تنظر في الكتاب مع طفلته والبسمة لا تفارق وجههما معًا. رفعت يديها تبعد خصلات شعرها التي تتطاير مع الهواء بعفوية وضحكت ويديها تحمل الألوان. فرأى ابنته ترفع يدها إلى جبين "قُسم" تمسحه فأدرك أن الألوان نالت شرف لمس جبينها فتبسم بخفة.
ضحكت "قُسم" بعفوية على "نالا" التي تحاول مسح اللون عن جبينها فقالت بلطف:
_ خلاص مش مهم يا حبيبتي.
_ مس قُسم هو حضرتك هتيجي ليا على طول.
قالتها "نالا" ببراءة فسألتها "قُسم" بفضول متعجبة من سؤالها:
_ ليه بتسألي كده؟ أنتِ فهمتي مني؟
تركت "نالا" الأقلام من يديها ورفعت الكتاب عن قدمها لتضعه على الطاولة بوجه عابس. مسحت "قُسم" على رأسها بلطف ثم قالت بنبرة خافتة:
_ مالكِ يا حبيبتي؟
تمتمت "نالا" بهدوء حزينة وعينيها تحدق بوجه "قُسم" الباسمة:
_ أصل كل مس تيجي ليا، مامي تتخانق معاها وتمشي متجيش تاني.
شردت "قُسم" بجملتها وتذكرت غرور "كندا" وحديثها عن فرق الطبقات بينهما فقالت ببسمة عفوية:
_ لو فهمتي الدرس مني أكيد هجيلك تاني.
قوست شفتيها للأسفل بحزن مصطنع وقالت بلهجة طفولية كهذه الطفلة:
_ لكن بقى لو مفهمتيش ومعرفتيش تحلي الواجب يبقى مش هجي تاني.
وقفت "نالا" بحماس شديد وتأخذ القلم من فوق الطاولة بحماس تقول:
_ لا فهمت وهحل كل الهوم ورك ناو قدامك.
ضحكت "قُسم" بعفوية وبعثرت غرة رأس هذه الفتاة ولم تدرك أن هناك من يترصد لهذه الضحكة المبهجة ويتمنى لو صوتها يخترق هذا الزجاج. قاطع ضحكتها صوت امرأة قوي يحمل بباطنه شموخ تقول:
_ نالا.
رفع الاثنان نظرهما وكانت "نورهان" تقف وخلفها "رزان" تحمل حقيبة "نورهان". فتحمست "نالا" التي ركضت من خلف الطاولة إلى جدتها تناديها:
_ نانا.
تبسمت "نورهان" من أجل هذه الصغيرة مدللة القصر الوحيدة وعينيها رمقت "قُسم" التي وقفت احترامًا لهذه السيدة الأكبر سنًا. أشارت "نالا" إلى "قُسم" تقول:
_ دي المس بتاعتي، جميلة أوي يا نانا وأدّيتني قلم هدية عشان أنا شاطورة.
أشارت بالقلم الوردي إلى جدتها الذي يحمل بأعلاه دمية. لم تفارق "نورهان" هذه الفتاة بعينيها لتقول:
_ طبعًا أكيد نالا حبيبتي أشطر واحدة. يلا أنا مش هعطلكم.
تحدثت "قُسم" بلطف محرجة من نظرة "نورهان" لها هاتفة:
_ لا مفيش عطلة حضرتك، إحنا خلصنا عن إذن حضرتك.
أومأت إليها بنعم فغادرت "قُسم" القصر بعد أن ودعت "نالا". صعدت بالسيارة لكنها صُدمت بوجود "غفران" بها لتقول بحرج:
_ متأسفة جدًا، فكرتها نفس العربية اللي هتوصلني.
كادت أن تنزل لكن استوقفها "غفران" بحديثه القوي يقول:
_ هي العربية اللي هتوصلك، اطلع يا عُمر.
حدقت "قُسم" به مندهشة من وجود الملك بسيارة يشاركها رحلتها إلى حلمية الزيتون. ولم يترك "عُمر" لها المجال كي تقبل الأمر أو ترفض لإانطلق بالقيادة فور تلقي الأمر من رئيسه. تنحنحت "قُسم" بهدوء وجلست على الحافة مبتعدة عنه ملتصقة بباب السيارة. كان ينظر في الجهاز اللوحي الخاص به ليسمع صوت رنين هاتفها، أجابت بعد أن رأت اسم "ملك" تقول:
_ أيوه يا ملك، أنا في الطريق أهو.
_ كويس عشان أنا عايزاكِ، هطلع أستناكِ مع طنط.
قالتها "ملك" بنبرة قوية فسألت "قُسم" بقلق:
_ في حاجة ولا إيه؟ أول مرة تكوني مصرة إنكِ تستني مع ماما.
أجابتها "ملك" بنبرة استفهامية والفضول يقتلها:
_ أنتِ اتخانقتي مع حازم؟
_ ليه؟ تكنش ماما قالتلك حاجة؟
كان "غفران" يستمع للحديث بهدوء متصنع التجاهل بغروره. ارتفعت نبرتها غيظًا حين قالت:
_ هو وقفني في الشارع، لما أجيله عشان حازم بستعبط. حقك عليا يا ملك. وعمومًا أنا مش هتأخر قولتلك إني في الطريق.
أنهت الاتصال بوجه عابس ثم نظرت من النافذة ليقول "غفران" ببرود سافر:
_ في حاجة؟ يمكن أقدر أساعدك.
نظرت إليه بدهشة من كلمته ثم تأففت لتفرغ غضبها بوجهه تقول:
_ وأنت مالك؟ حد طلب منك حاجة؟ وبعدين أنت بتتجسس عليا.
اتسعت عيني "غفران" على مصراعيها من ردها الحاد بينما صُدم "عُمر" من كلمتها ولأول مرة يجرؤ أحد على التحدث إلى "غفران" بهذا الأسلوب ليعبر عن صدمته حينما ضغط على المكابح فجأة مع كلمتها لترتطم رأسها بالمقعد الأمامي وهي تسمع "عُمر" يقول:
_ أنتِ...
ربت "غفران" على كتف "عُمر" يُقاطعه عن الرد ويكمل القيادة. بينما رفع رأس "قُسم" بلطف يطمئن عليها قائلًا بقلق:
_ أنتِ كويسة؟
دفعت يده بقوة عنها غاضبة ثم قالت بضيق:
_ مالكش دعوة ومتتخطاش حدودك تاني يافندي.
ابتلع "عُمر" لعابه بغضب وهو يكبح الغيظ منها ويبتلع رده على كلماتها الجارحة إلى رئيسه. حدق "غفران" بها بغيظ شديد خصوصًا أنه لم يفعل شيئًا يستدعي كل هذا الغضب منها وحديثها المهين له وشعر بغصة تحرق عقله المتكبر. احمر حاجبها من ارتطامها سابقًا في الشاشة الموجودة بظهر المقعد يبدو أنها ارتطمت بحافتها الزجاجية لكنه لم يبالي لإصابتها وقال بضيق بعد أن نظر للأمام متجاهلاً:
_ نزل الأستاذة على جنب يا عُمر.
ضحكت "قُسم" بسخرية على جملته وكأنه يعاقبها فقالت بتهكم ساخرة من غروره:
_ نزل الأستاذة والنبي يا عُمر، أنت فاكرني كحتة وهقولك والنبي متنزليش.
أوقف "عُمر" السيارة جانبًا لتترجل "قُسم" منها بغيظ وأغلقت الباب بكامل قوتها تفرغ غضبها به لينطلق "عُمر" به متجاوزًا إياها. ضحكت بسخرية وجلست تنتظر أقرب أتوبيس هيئة يأخذها للبيت وهي تكتب رسالة إلى رقم "عُمر" تعتذر عن القدوم مرة أخرى إلى "نالا".
دق هاتفها برقم مصمم الستائر. فأخذت نفس عميق تتخطى حالة الغضب التي تحتلها ثم استقبلت الاتصال تقول:
_ ألو، معلش يا أستاذ اتأخرت عليك.
_ ولا يهمك، أستاذ حازم جه استلم الستائر ودفع الباقي وطبعًا هستني رأيك فيهم.
قالها الرجل بحماس لتُدهش من تصرف "حازم" وأومأت إليه بنعم بسعادة تغمرها لا تصدق ما حدث وتلاشت مخاوفها من المسؤولية بعد الزواج وحديث والدتها مؤخرًا عن الانفصال عنه.
عادت للمنزل لتجد "حازم" في شقتها جالسًا مع "قاسم" يتحدثان بينما و"ملك" تقف قرب السفرة مع والدتها "صفية" التي تتفحص الستائر جدًا. تبسم "حازم" فور دخولها وقال بحماس وعينيه تغمز إلى "قُسم":
_ يا خسارة يا قاسم وقتك خلص للأسف وجه وقت حبيبي.
وضع "قاسم" ذراعه حول عنق "حازم" بمرح وقال بحزم مصطنع:
_ وماله بس خلي بالك اللي بتعاكسها دي أختي وإحنا رجالة أوي.
ضحكت "قُسم" على مزاحهما وجلست قربهما تاركة حقيبتها خلفها وقالت:
_ غريبة!!
أبعد "حازم" ذراع "قاسم" عنه والتف إلى "قُسم" فتاته الجميلة وحدق بها مغرمًا بعينيها وعفويتها ثم قال بصوت خافت:
_ عشان تعرفي بس أنا مكسل بمزاجي لكن ما دام اللي هيفرح حبيب قلبي هعمله. إحنا رجالة أوي ونعجب برضو.
تبسمت "قُسم" بلطف حادقة بعينيه. رفع يده إلى حاجبها الأحمر مندهشًا وقال بقلق:
_ إيه ده؟
تبسمت أكثر ورفرف قلبها كالبلهاء من قلقه عليها ثم قالت بعفوية:
_ السواق فرمل فجأة واتخبطت، حاجة بسيطة متقلقش.
_ خلي بالك يا روحي من نفسك.
قالها بدلال لتؤمئ إليه بنعم. تحدثت "ملك" بجدية وهي تقترب قائلة:
_ طيب أنا همشي يا قُسم.
نظرت "قُسم" إليها وفهمت أنها لن تتحدث عن شيء بوجود "حازم" فأومأت إليها بنعم لتغادر وخرجت "قُسم" معها للخارج ووقفوا الاثنين معًا لتقول:
_ ربنا يتم لكِ على خير يا قُسم، ويهديهولك.
تبسمت "قُسم" بعفوية كطفلة صغيرة تناست كل شيء بمجرد أن حصلت على الحلوى. وصلتها رسالة على حسابها الشخصي فنظرت بها بينما تعود للداخل وصُدمت عندما وجدت أن تم إيداع مبلغ 20000 جنيه بحسابها من رقم "عُمر".
***
كان "غفران" جالسًا في مكتبه مع أعضاء مجلس الإدارة يتناقشون حول تجارتهما فقال "غفران" بهدوء:
_ بلاش شغل الاستغلال ده، أنا ليه أخزن بضاعة بالملايين عندي عشان أستولي على السوق بعدين.
قاطعه دخول "عُمر" الذي اقترب من طاولة الاجتماعات وهمس في أذن "غفران" الذي نظر له مندهشًا وقال:
_ خليها تتدخل.
خرج "عُمر" ودلف بعد دقائق مع "قُسم" وجلست تنتظر على المقعد المقابل لمكتبه وهو يتابع اجتماعه فقال بنبرة غليظة حادة:
_ البضاعة اللي وصلت من الجمارك تنزل السوق والعربيات الجديدة تتباع بسعرها من غير زيادات، وزي ما اتفقنا عربيات حوادث التأمينات اللي أخذناها في المزاد تنزل بالسعر اللي أنا حددته مش هنبقي إحنا والزمن على الناس. عربيات الحوادث دي اللي هيشيلها ناس غلابة.
_ تمام.
قالها الجميع موافقين على خطته ليقول بجدية:
_ اتفضلوا.
وقف من مكانه يحمل الملف في يديه واتجه إلى المكتب حادقًا بوجهها بعبوس متكبرًا ولم ينسى للحظة ما حدث أمس منها فقال بهدوء أثناء جلوسه على مقعده:
_ معتقدش إن نالا موجودة هنا يا أستاذة؟ أي سبب تشريف حضرتك ليا؟
أخرجت هاتفها من الحقيبة لتفتح الرسالة بوجه عابس مثله ويمكن غضبها أكثر بسبب الإهانة التي شعرت بها من المبلغ كأنه يشفق عليها فقالت:
_ ممكن تفهمني إيه ده؟
نظر بهاتفها ليرى المبلغ فقال بغرور بعد أن تراجع بظهره للخلف وعينيه ترمقها بضيق:
_ 20000 جنيه.
هزت رأسها بنعم وقالت بسخرية أكثر:
_ لا ما أنا بعرف أقرأ كويس، أكيد متعبتش نفسي وعصرت على نفسي شفشق ليمون عشان أشوف وشك بس عشان تقرا لي المبلغ، أنا بس إيه ده؟ أنا ثمن حصتي المتفق عليها 2000 جنيه.
كز على أسنانه باغتياظ من كلماتها المهينة له واشمئزازها من رؤية وجهه فرد الإهانة لها بقوله الحاد:
_ وأنا قدرت مجهودك بالمبلغ ده أهو ممكن تحسني منه دخلك برضو.
وقفت "قُسم" بغضب يجتاحها مشمئزة من غروره وعينيه الباردتين بعد أن أغلقت قبضتها بإحكام قبل أن تكسر هذا المكتب على رأسه فقالت بضيق تكز على أسنانها:
_ أنا غلطانة إني جيت لك وافتكرك راجل محترم، أنا هحولك 18000 ألف ولا أقولك هحولك المبلغ كله وأعتبره صدقة طلعتها عشان ربنا يبارك ليا في شغله.
سارت تجاه الباب كي تغادر هذا المكان المليء بالطاقة السلبية والمكر وخُبث البشر. شهقت بقوة صارخة بعد أن أمسك معصمها يُديرها إليه. ابتلعت لعابها بصدمة خائفة من عينيه وما سيفعله بها. شعر بنفضة جسدها في قبضته وعينيها المتسعتين. اقترب منها أكثر والغضب يحتله ليُفتح الباب على سهو ورأت وجه "نورهان" تقف أمام الباب وخلف "قُسم" التي دُهشت من وجود الفتاة بمكتبه والأكثر دهشة وجودها على قرب منه وكأن "غفران" ملتصقًا بها.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الخامس 5 - بقلم نور زيزو
جلست "نورهان" تحدق بوجه ابنها في صمت سائد بينهما بعد مغادرة "قُسم".
تنحنح "غفران" محرجًا من نظراتها ثم قال:
- قولي اللي عندك يا دكتورة.
تبسمت "نورهان" بخباثة على ابنها وارتباكه أمامها فقالت بلطف:
- معنديش، الكلام كله عندك أنت يا غفران بيه. لتكون فكرت في كلامي وناوي تتجوز؟
وقف "غفران" من مكانه متأففًا بسبب حديث والدته عن الزواج مرات عديدة، ومؤخرًا بات هذا حديثها المفضل في كل لقاء. جلس أمامها على المقعد المقابل للمكتب ثم قال:
- ارتاحي يا أمي أنا مش هتجوز على كندا. ورجاءً متفتحيش الموضوع ده تاني. نتكلم في المفيد... أنا عايز منك توكيل عشان حصتك في الشركة من بابا الله يرحمه. داخل على صفقة عربيات كورية كبيرة ومحتاج دعم أسهمك الفترة دي.
وقفت "نورهان" من مكانها ببرود متجاهلة النقاش في هذا الأمر ثم قالت:
- لو كنت أعرف أن ده سبب رغبتك في مقابلتي ما كنتش جيت يا غفران... سلام. واه، فكر تاني في موضوع الجواز ولا أنت شايف أن نالا هتكون ذكية كفاية لأنها تكون ولي عهد وورثتك المستقبلية.
غادرت المكتب بوجه جاد شاحبًا. التفت "عُمر" الذي كان واقفًا مع السكرتيرة بانتظار المغادرة. تنهدت الفتاة بارتياح وقالت "ليلى" السكرتيرة بعفوية:
- أخيرًا، ده أنا بحط إيدي على قلبي لما السيدة نورهان بتيجي هنا.
نظر "عُمر" لها مندهشًا فقال بفضول:
- غريبة يا ليلي، مع إن الكل بيخاف من لقاء غفران بيه أكتر.
ضحكت "ليلي"، هذه الفتاة التي تحمل ملامح مصرية جميلة، بشرة قمحاوية وعيون بنية داكنة واسعة وأنف مستقيمة ووجنتين ممتلئتين بوجهها المستدير على عكس جسدها الممشوق. متناسبة مع طولها، فكانت طويلة، مرتدية بنطلون أحمر فضفاض وقميص نسائي أسود اللون، وتلف حجابها الصغيرة للخلف تظهر حلق أذنها الأحمر وخصلتين من الأمام بحجم عقلة الإصبع. أجابته "ليلى" بنبرة خافتة:
- بالعكس، إحنا كلنا هنا بنحترم مسيو غفران جدًا. هو حقيقي صارم شوية لكن ما دام أي شخص فينا ملتزم بالقواعد بتاعته ومخلفهاش، عمره ما بيأذي أو يجي على حد. وظلم، ويمكن ده اللي محبب الموظفين هنا فيه. رغم إنه بيترعبوا منه، لكن السيدة نورهان، يا سلام، لو تقولها صباح الخير ده رعب في حد ذاته. ست قوية بجد ووشها دائمًا غضبان وكبرياء ست عمرى ما شفته في أي حد.
تنحنح "عُمر" بلطف وهو ينظر حوله ثم اقترب منها بعفوية وقال:
- طب وعُمر مالهوش حاجة في الكلام ده؟
نظرت إلى "عُمر" حبيبها الوسيم الذي تسلل إلى قلبها منذ أول لقاء لهما. وبسبب ثقة "عُمر" بها، حصلت "ليلي" على وظيفة السكرتيرة الشخصية لمكتب "غفران" بعد أن كانت قادمة لتقدم على وظيفة العلاقات العامة. تمتمت بخجل وقلبها يرفرف ودقاته تتسارع كلما نظر إليها أو حدثها بنبرة الحب الناعم الذي يذيب القلب قائلة:
- أنت يا عُمر، أنت ليك الحب والقلب كله يا حبيبي.
حَك عنقه بسبابته مبتسمًا وعيناه لا تفارق نظرة عينيها. ثم أخذ يدها في راحة يده خلسًا لتضربه بيدها الأخرى بلطف وهمست بخجل:
- عُمر، حد يشوفنا عيب.
ترك يدها عابسًا وهو يجيب على كلماتها الغليظة:
- ما الشركة كلها عارفة إنك حبيبتي.
- طب شد حيلك بقى وخد لك يوم إجازة عشان تيجي لبابا يا عم عُمر عشان تبقي خطيبتك.
قالتها بلطف ليؤمئ إليها بنعم متذمرًا من انشغاله مع "غفران". ثم قال:
- حاضر والله يا حبيبتي، قريب بس أظبط الأمور مع غفران بيه وأجيلك على طول.
هزت رأسها بنعم. وقبل أن تتحدث، رن جرس مكتب "غفران" فدفعته بتعجل لكي تدخل المكتب.
***
في مطعم للدجاج المقرمش بوسط البلد، كانت "قُسم" جالسة مع "ملك" يتناولان الغداء معًا. فقالت "ملك" بعبوس بعد أن سمعت ما حدث من "قُسم":
- أنتِ دائمًا كده منفعلة يا قُسم. فيها إيه لما الراجل عرض عليكِ المساعدة لما شافك متعصبة؟ يا شيخة ده أنا اتخضيت من نبرة صوتك في التليفون معايا، ما بالك بيه هو اللي كان قاعد معاكِ. تحرجيه وتكسفيه كده وزعلانة إنه نزلِك في نص الطريق؟
ابتلعت "قُسم" لقماتها بضيق ثم قالت مجيبة عليها باقتضاب:
- أنا عارفة إني كان دمي محروق والحرقة طلعت فيه. معاكِ في ده، أنا، لكن أسلوبه معايا كان مستفز وأنا رديت بناءً على أسلوبه.
أومأت "ملك" بنعم وهي تهز رأسها بدون اقتناع من السبب الذي تتحدث عنه "قُسم"، فتاتها المتمردة صعبة المنال. تناولت "ملك" الطعام أكثر و "قُسم" تنظر إلى صديقتها بعينين ثاقبتين. فقالت بلا مبالاة:
- هاتي يا ملك اللي في جوفك، قولي عايزة تقولي إيه وماسكة في زورك، لأحسن تشرقي وتموتي بيه.
تركت "ملك" قطعة الدجاج على الصينية بغيظ ثم قالت بغضب وعينين حادتين تلتهمان صديقتها:
- بصراحة بقى، أنتِ هزأتي الراجل مع إنه كان ذوق معاكِ. ده غير إن الشغل ده كان مهم جدًا ليكِ وخصوصًا إنكِ داخلة على جواز والدرس ده كان هيفيدك جدًا مع المدرسة عشان وقت بيتك ومش هتحتاجي تروحي الحضانة ولا تلفي على البيت للدورس. أنا شايفة إنكِ تروحي تعتذري له على قلة ذوقك.
- وأستسمحه كمان يرجعني أدي بنته الدرس وبالمرة أبوس إيده ولا رجله. أنتِ اتهبلتي يا ملك ولا مش سامعة أنتِ بتقولي إيه؟
قالتها "قُسم" بغضب سافر جعل جميع من بالمكان ينظرون إليها. وضعت "ملك" يدها على فم صديقتها تُسكتها عن الحديث بصوتها العالي. تأففت "قُسم" من الحديث وذهبت إلى المرحاض. وعندما خرجت، رأت فتاة تجلس مع "ملك". اقتربت أكثر لتنتبه لملامح "رزان"، نفسها الفتاة التي رأتها في القصر مع "نورهان". جلست بهدوء تقول:
- نعم!
- السيدة نورهان في انتظارك في قصر اللؤلؤ.
قالتها "رزان" بهدوء شديد. وهذه الفتاة لم تدخل قلب "قُسم" بل أثارت قلقها أكثر من حدتها وغلاظتها. كانت فتاة بنهاية العشرينات تقريبًا، شعرها الأسود قصير يصل لعنقها، ناعم جدًا لدرجة أن كل خصلة وحدها، بعينين عسليتين ضيقتين، بشرة متوسطة البياض، تضع مساحيق التجميل. ترتدي بدلة نسائية رمادية اللون، تتعامل كأنها بلا مشاعر كإنسان آلي، يبلي أمور "نورهان" فقط. تنحنحت "قُسم" بحيرة من قبول هذا اللقاء أم لا. وبنهاية المطاف، ومع إلحاح "ملك"، ذهبت إلى القصر بصحبة "رزان".
***
لم تبالي "كندا" لمشاعر "غفران" ورفضه الدائم للقاءاتها مع "عفيفي" وذهبت لرؤيته. نظرت في المرآة الأمامية على سيارة رجاله التي تتبعها، مما أثار غضبها وتذكرت حديثها الأخير عن "عفيفي". صفت سيارتها جانبًا بالمرآب الخاص بأحد المراكز التجارية ووضعت قناعًا أسود على فمها وأنفها تحمي وجهها المعروف عن المارة. ثم ترجلت من السيارة. رأت الرجل يتتبعها إلى الداخل فولجت إلى محل ملابس نسائية واشترت ثيابًا جديدًا، بدلت ملابسها وقبعة نسائية، ثم خرجت متسللة منهما وأوقفت سيارة أجرة تأخذها إلى الأستوديو الخاص بـ "عفيفي".
***
ولجت "قُسم" إلى قصر اللؤلؤ، وكان قصرًا أبيض اللون وأثاثه أبيض كالجدران، مودرن وأنيق جدًا. أرشدتها "رزان" إلى الصالون وكانت "نورهان" جالسة مع رجل في الستينات من العمر وأمامها على الطاولة الكثير من المجوهرات المصنوعة من الماس وتحمل في يدها عقدًا رقيقًا جدًا. تحدثت "نورهان" بهدوء:
- اتفضلي اقعدي، خلاص يبقى أنا هاخد المجموعة اللي اخترتها يا بشير.
أومأ الرجل لها بنعم وبدأ يجمع المجوهرات في حقيبته للمغادرة. نظرت "نورهان" إلى "قُسم" الجالسة أمامها بهدوء، لم ترفع نظرها للمجوهرات. تحدثت "نورهان" بجدية صارمة وهي تضع قدمًا على الأخرى:
- نالا قالت لي إنكِ مش هتيجي تاني.
- آه، ده حقيقي حسب رغبة غفران بيه.
قالتها "قُسم" بهدوء. فأومأت "نورهان" إليها بنعم، بينما جلبت "رزان" القهوة للاثنتين فقالت:
- اتفضلي القهوة. بصراحة يا قُسم، أنا عايزكِ تيجي لـ نالا تاني وبالمبلغ اللي تحبيه. أنا مش هفرض عليكِ سعر أو أقولكِ أنا هدفع لكِ ضعف السعر اللي عرضه غفران.
اتسعت عينا "قُسم" من هؤلاء الناس وهم يشترون كل شيء بالمال الذي لا يعني لهم الكثير، في حين أنها تعافر لجمع القليل لأجل الحياة. سألت بوضوح قائلة:
- كمان!! ليه؟
- لأن نالا بنت وحيدة جدًا ومعندهاش أصدقاء. وفي الحقيقة هي حبتك جدًا وكل مدرسة تيجي حصة مبتجيش تاني. وده شيء بيضيق نالا وبيخليها دائمًا محبوسة في أوضتها لأنها بتعتقد إنها السبب وإن المدرسين مش بيحبوها. وده شيء الدكتور النفسي نصحنا إننا نهتم بيه عشان ممكن يسبب لها الكثير من الأمراض النفسية، أولهم التوحد.
حدثتها "نورهان" بهدوء، واثقة أن هذه الفتاة تحب الأطفال جدًا حسب ما قرأت في الملف الخاص بها. وأن "نالا" هي الطريقة الوحيدة حتى تعود "قُسم" للقصر. ورغم قلة معرفتها بـ "قُسم"، لكنها مدركة أن "قُسم" فتاة استثنائية جعلت ابنها يطرف عينيه عن "كندا". تنهدت "قُسم" بحيرة من أمرها في قبول هذا العرض المغري أكثر من عرض "غفران". ونظرت مطولًا بقلق إلى "نورهان".
وصلت سيارة "غفران" إلى القصر ففتحت البوابة الخارجية وأوقفه موظف الأمن حتى فتح "عُمر" النافذة إليه ليقول بهدوء:
- آنسة قُسم موجودة في قصر اللؤلؤ بقالها نص ساعة.
اتسعت عينا "غفران" بعد أن سمع وترك الجهاز اللوحي من يديه. رفع رأسه إلى الموظف بدهشة وقليلًا من القلق. من يأتي إلى قصر والدته؟ ويعتبر قصرها هو الأكثر رعبًا في القصور الثلاثة. وتساءل بقلق مكبوت بداخله:
- ليه؟
أجاب الموظف بنبرة هادئة:
- في الحقيقة معرفش، لكنها وصلت من شوية مع رزان في العربية.
اتجه "غفران" إلى القصر بقلق من تفكير والدته، وخصوصًا أن "قُسم" فتاة فقيرة ووالدتها المتكبرة تكره الفقراء، بل تشمئز منهم. والآن تدعي "قُسم" إلى قصرها...
- ها، قلتِ إيه؟
سألتها "نورهان" بنبرة غليظة ليقاطع جوابها صوت "غفران" بنبرته الحادة يقول:
- في إيه يا دكتورة؟
رأته "قُسم" يتجه نحوهما غاضبًا، بل وجهه عابس جدًا ويبدو عليه الغيظ. ارتشفت "نورهان" رشفة من فنجانها ببرود ورمقت ابنها بعينيها حتى وصل إليها لتقول:
- رزان، أطردي موظف الأمن اللي سمح لحد يدخل قصري بدون إذني.
نظرت "قُسم" بها بصدمة من قساوة هذه المرأة التي تقطع رزق رجل لأن ابنها دخل المنزل. فتحدث "غفران" بنبرة جادة صارمة:
- وده هيمنعني مثلًا؟ أنا حذرتك متتدخليش في أي حاجة تخصني.
تركت "نورهان" الفنجان على الطاولة ببرود وعينيها ترمقان "قُسم" من الرأس لأخمص القدم. ثم قالت ببرود أثناء وقوفها:
- هي المس تخصك؟!! صحيح، يا رزان، افصلي ولاد الموظف ده من المدرسة اللي إحنا مدخلينهم فيها عشان يكون عبرة لغيره.
- ده ظلم. ما حصلش حاجة لكل ده، حرام تقطعي عيشه.
قالتها "قُسم" وهي تقف بحزن من جبروت هذه المرأة. أندهش الجميع من جراءتها التي جعلتها تقف أمام "نورهان". رمقتها "نورهان" بنظرة باردة جعلت "غفران" يتقدم للأمام يقف أمامها يحميها من عيني والدته التي رمقته بغيظ وقالت:
- اطلع برا القصر يا غفران. وآخر مرة تتجرأ وتيجي هنا بدون إذن مني أو طلب مسبق مني، لأن دي آخر مرة هتغاضى عن عصيانك.
لم تصدق "قُسم" أن هذه السيدة الجاحدة هي والدته وتطرده من قصرها. بل الجحود الأكثر أن ليس له الحق في رؤية والدته إلا بأمر منها. دفعته عن طريقها لتظهر إلى "نورهان" بعد أن كان يخفيها وقالت بضيق تبوح عن غضبها من غلاظة هذه المرأة:
- أنتِ أمه بتكلميه كده ليه؟ أنا برفض طلبك يا مدام.
اتسعت عينا "رزان" من شجاعة "قُسم" التي لم تفهم بعد شخصية "نورهان" والحدود التي لا يجب تخطيها، فحتى ابنها لم يتجرأ على تخطي هذه الحدود. نظر "غفران" إلى "قُسم" مندهشًا وخائفًا بآنٍ واحدٍ. إنها الشخص الأول في الحياة الذي تجرأ على الوقوف أمام "نورهان" ومعارضتها. وخائفًا من رد فعل "نورهان" التي اقتربت من "قُسم" وتبسمت بمكر معجبة بهذه الفتاة:
- أنتِ جريئة أوي يا قُسم، لكن تعرفي إنكِ مش قد الجراءة دي.
تبسمت "قُسم" بغرور مصطنع تخفي خوفها من نظرة "نورهان" إليها. وعقدت ذراعيها أمام صدرها بتكبر هاتفة ببرود شديد:
- أنا قد كل حاجة بعملها وبقولها يا دكتورة، وإلا ما كنتش عملتها.
رفعت "نورهان" حاجبها بإعجاب شديد ليتحدث "غفران" بحزم يقول:
- أنا بحذرك يا دكتورة. وأوعي تنسي إنّي ورثت الجحود والقسوة منك.
مسك يد "قُسم" وأخذ حقيبتها بيده الأخرى ثم سحبها معه للخارج بضيق. وفور خروجهما من القصر، تركها غاضبًا والخوف يتملكه من رد فعل والدته، فصرخ بوجهها يقول:
- أنتِ اتجننتِ؟ إزاي تيجي لحد هنا برجلك وكمان تردي عليها؟ أنتِ إيه؟ غبية؟ مسمعتيش كلامها عن الحارس؟ راجل معملش حاجة عشان تقفي تنطحي فيها زي الثور؟
ركزت "قُسم" على أسنانها غيظًا من كلمته الأخيرة وقالت بغضب سافر:
- أنا همسك لساني عنك بالعافية. مش هبقى أنا والست الوالدة عليك. لكن كلمة تانية هوريك الثور بحق وحقيق.
تأفف بضيق وهو يضع يديه في جيوب بنطلونه وينظر للعدم بحيرة وعقله يفكر في أي رد ستقدمه والدته الغليظة. ظلت "قُسم" ترمقه بينما يقف صامتًا، فتنحنحت بحرج وقالت بنبرة أقل عدوانية:
- آسفة.
استدار لينظر إليها، فقالت بضيق من تنازلها للاعتذار:
- خلاص، قلت لك آسفة. بس حقيقي دمي اتحرق أوي. هو عشان ربنا مديها يتتحكم في أرزاق الناس وعياله ذنبهم إيه؟ دي ست مفترية.
احتدمت عيناه بضيق أكبر من لسانها المغلوب على أمره. فقالت بعبوس:
- يووووه، آسفة كمان مرة عشان خاطر والدتك بس هبقى أشتم براحتي لما أمشي.
تبسم بخفة على عفويتها وهي تخبره أنها ستسب والدته لاحقًا، حتى بعد أن قدمت الاعتذار له. تنحنحت "قُسم" بلطف وقالت بحرج:
- اتفضل وصلني عشان مش هلاقي تاكسي في الهوا اللي إحنا فيه ده. مش كنتم تسكنوا في حتة فيها حياة؟
ضحك "غفران" أكثر على تمردها ليقترب من سيارته. وكان "عُمر" يقف أمامها بينما "سمير" في مقعد السائق كما هو. فتح مقعد السائق وقال بجدية:
- انزل يا سمير، اركبي.
ترجل السائق من السيارة فقال "عُمر" بهدوء:
- عنك يا مسيو غفران، أسوق أنا.
هز رأسه بلا وصعد بمقعد السائق بنفسه وجلست "قُسم" في المقعد المجاور له. قاد سيارته بها إلى حيث تسكن. كانت "قُسم" ترمقه بنظراتها خلسًا والفضول يقتلها لما تعامله والدته بهذه القسوة والجحود؟ هل يوجد سبب يجعل الابن لا يرى والدته متى يشاء؟ سألها بنبرة خافتة:
- مالكِ؟ عايزة تقولي حاجة؟
نظرت "قُسم" للأمام بحرج من معرفته بنظراتها. احمرت وجنتها خجلًا فتبسم "غفران" بخفة وظل الصمت سائدًا بينهما حتى وصل أمام العمارة. فتحدثت "قُسم" بهدوء:
- شكرًا على التوصيلة، تعبتك.
نظر "غفران" إلى وجهها بامتنان لهذا الوجه الذي أعطاه الأمل من جديد في عودة عينيه. تورّد وجنتيها وبريق عينيها الخضراء، هذه العيون الوحيدة التي يراها في حياته. لتزداد حمرتها من عينيه المسلطة عليها، ثم قالت بتوتر:
- سلام.
- قُسم.
قالها بنبرة خافتة لتستدير له مندهشة من لفظ اسمها، وتذكرت حين لفظه في محطة القطار. تابع حديثه بهدوء:
- متتأخريش على نالا عشان سألت عليكِ.
- أكيد.
قالتها "قُسم" بعفوية وبسمتها أنارت وجهها الجميل بعد أن طلب عودتها للعمل كما طردها بنفسه. شرد ببسمتها حتى قاطعه شروده صوت "حازم" القوي الذي يقف قرب باب السيارة بوجه مشتعل من الغضب والغيرة يقول:
- اسم النبي حرسك وصاينك. أنتِ راجعة ليا مع راجل غريب بروح أمك؟
التفتت "قُسم" تنظر إلى النافذة جوارها على صوتها بصدمة ألجمتها من طريقة حديثه لها أمام "غفران" فقالت بحرج شديد:
- أنت بتكلمني كده يا حازم؟
- لا، إزاي أكلمك كده يا برنسيسة؟ انزل... انزل لي عشان أربيك.
قالها بحدة ويده تفتح الباب بقوة. فقال "غفران" بضيق من طريقته:
- ما تتكلم بأدب يالا.
ضحك "حازم" بسخرية ويديه تضرب سقف السيارة بقوة ويقول:
- كمان بتقل أدبك، ده بجاحة بقى، انزلي يا روميو زمانك وأنا أوريك الأدب.
ترجلت "قُسم" من السيارة سريعًا وصوت "حازم" جمع الناس حولهم. تحدثت "قُسم" بحرج وهي تنظر حولها على تجمع الناس قائلة:
- أنت اتجننت يا حازم؟ لميت الناس علينا، افهم الأول بدل ما تفضحنا في وسط الناس.... معلش يا أستاذ غفران أنا آسفة ليك.
سحبها "حازم" من ذراعها والغيرة تنهش في قلبه من رؤيتها تعتذر لهذا الرجل وقال بضيق:
- كمان بتعتذري له، ده أنتِ عايزة تتربي بجد. ما هو لو كان أبوكِ رباكي ما كنتيش عملتي كده، لكن هقول إيه؟ ما هو مربكيش.
دفعته "قُسم" بقوة بعيدًا عنه بغيظ شديد من كلماته المهينة لها أمام الجميع وقالت بانفعال:
- اخرس، أنا متربية غصب عنك، وكلامك ده أنا مش هرد عليه بالكلام يا حازم.
كانت "صفية" تجلس على السفرة تلف ورق العنب من أجل طلبات الزبائن حتى سمعت صوت ضجة كبيرة بالشارع فخرجت إلى النافذة كبقية الجيران وصُدمت عندما رأت ابنتها تقف مع "حازم" والشجار بينهم فصرخت بهلع وترجلت للأسفل.
التفتت "قُسم" لكي تصعد لشقتها بعد أن تجمع الناس والجيران حولها من أفعال خطيبها ليمسكها "حازم" من ذراعها بغضب سافر وقال:
- تعالي هنا.
دفعته "قُسم" بعيدًا عنها بغيظ وعينيها على وشك البكاء من غرغرة دموعها الأسيرة في جفونها وصرخت به بانفعال:
- ابعد عني، فضحتنا ولميت علينا الناس.
ألقت بدبلتها في وجهه ليزداد غضبه من تصرفها وقال بانفعال:
- فضحتكِ؟ عايزة ترجعي لي مع واحد وأخدك بالأحضان؟
- لا، أنت مريض ومش متربي.
قالتها بغضب سافر مما أفقده صوابه ليرفع يده كي يلطم وجهها. اتسعت عينا "قُسم" على مصراعيها حين رفع "حازم" يده كي يصفعها بمنتصف الطريق. لكن ما ألجمها وجعلها تنتفض ذعرًا حين ظهر "غفران" يسحبها من أمام "حازم"؛ لتقف خلفه وبيده الأخرى يمسك يد "حازم" قبل أن يفعل هذه الجريمة. نظر "حازم" إلى هذا الرجل الذي دخل بينه وبينها وتفوح منه رائحة عطره القوية وزيه فاحش الثراء ببدلته الزرقاء وقميصه الأبيض. عيني "غفران" تكاد تلتهمه من جراءته على ضرب فتاة وممارسة قوته البدنية عليها وليست بأي فتاة بل هي "قُسم". رمقه "حازم" بنبرة ثاقبة كالصقر الجائع وعلى وشك افتراسها ليقول بنبرة قوية مستفزة:
- هو ده بقى اللي جاي يوصلك لحد باب البيت بكل بجاحة. والله وعيارك فل يا قُسم وعرقك مد لبرا يا بنت الأصول.
ترك "غفران" يده ليسحبه من تيشيرته إليه وكز على أسنانه بينما يهدد "حازم" بوضوح قائلًا:
- كلمة تانية وهقل من رجولتك قدامها، وده لمصلحتك.
رفع "حازم" حاجبه بدهشة من تهديد "غفران" إليه وتحولت الدهشة إلى صدمة عندما التفت "غفران" وأخذ "قُسم" إلى باب العمارة فقابلت والدتها على الباب ومعها "ملك". أعطاها إلى والدتها بلطف واعتذار من والدتها ثم غادر في هدوء.
***
وصلت "كندا" إلى القصر ليلاً وأخبرتها "سمرة" بما حدث وقدوم "قُسم" إلى قصر اللؤلؤ. فأندهشت بقوة وقالت بتمتمة:
- دخلت قصر اللؤلؤ؟ أنا بقالي 10 سنين جواز في القصر ده متجرأتش أعدي من قصاد القصر. لا، ده قُسم دي حكايتها حكاية ووراها سر كبير.
تركت السيناريو على الطاولة وصعدت تبدل ثيابها. وصل "غفران" إلى القصر غاضبًا مما حدث ويتحدث في الهاتف مع "عُمر" قائلًا:
- اسمه حازم، معرفش إيه. عنده محل موبيلات في الحلمية. عايز كل المعلومات عنه الصغيرة والكبيرة. تكون عندي على المكتب الصبح.
وقعت عيناه على السيناريو فمسكه وأدرك أن زوجته عصت أمره من جديد وذهبت لهذا الرجل فقال بحدة:
- أقفل يا عُمر.
أغلق الخط وأخذ السيناريو معه للأعلى مُقتحمًا غرفة "كندا" بقوة فرآها تخرج من المرحاض بروب الاستحمام ليرفع يده بالورق وهو يقول:
- الورق ده وصل هنا إزاي؟
ابتلعت "كندا" لعابها بتوتر ثم قالت بتلعثم:
- ده شغلي يا غفران.
بتر حديثها بفزع حين أسرع بخطواته نحوها يمسكها من ذراعها بقوة ويتحدث بنبرة قوية وعيناه على وجهها الضبابي:
- روحتي له يا كندا، برضه بتعصيني!!
أخذت تنهيدة خافتة تبتلع الخوف ورفعت ذراعها الآخر إلى صدره تداعب بأناملها وتحدثت بنبرة دافئة:
- سيبك من الخناق يا غفران، أنت وحشتني، نفسي تضميني يا حبيبي.
هدأ من روعته وسارت القشعريرة بجسده، مسيطرة هذه المرأة على مشاعره وأشعلت نيران قلبه بذكائها ودلالها الناعم. ابتلع لعابه لطالما تمكن من مقاومة أنوثتها وإثارتها طيلة هذه الفترة. تبسمت بعفوية وعيناها ترى خمود نيرانه فرفعت يديها الاثنتين إلى كتفه تسقط سترته عن أكتافه بدلال وتقول:
- خليك معايا الليلة يا غفران وأنا هطمنك.
اقتربت أكثر منه حتى التصقت بجسده وارتجف قلبه برجفة الحب ليفقد عقله مسحورًا بجمالها. وتناثرت الأوراق على الأرض حين تركها ليضم زوجته بيديه ويشعر ببرودة جسدها وشعرها المبلل. وضعت قبلة على وجنته لينتفض فزعًا من القادم فأبعدها عنه بضيق وقال:
- مينفعش يا كندا.
غادر الغرفة لتغلق قبضتها بإحكام حتى جرحت أظافرها باطن يدها من قوة الضغط وقلبها قد دهسه "غفران" من جديد. فجلست على الأريكة وسكبت في كأسها الكثير من زجاجة الخمر الموجودة أمامها وبدأت دموعها تتساقط على وجنتيها بكسرة تعتصر قلبها وتمزق ما تكنه بداخلها إلى "غفران" وعينيها تنظر إلى سترته الموجودة على الأرض.
رواية غفران هزمه العشق الفصل السادس 6 - بقلم نور زيزو
كانت "قُسم" مُنهارة فى البكاء بين ذراعي "ملك" فى صالون شقتها بعد ما فعله "حازم" وصوت بكاءها يملأ المكان.
نظر "قاسم" إلى أخته بينما يقف متكأ على عكائزه الطبية بوجه عابس مُستشاط غيظًا من هذا الرجل ليقول بضيق:
- هو فاكر نفسه أيه؟ مهما كان اللى حصل يا أمى هو مالهوش الحق أنه يلم عليها الناس بالطريقة دى ولا يرفع أيده عليها دي ليها أهل برضه.
تنهدت "صفية" بضيق مُرتدية أسدال الصلاة بعد أن نزلت على سهو من رؤيتها لطفلتها فقالت بضيق:
- أدخل أوضتك يا قاسم.
- بس.
قالها مُعترضًا على حديث والدته لتقول "صفية" بانفعال:
- سمعت ولا هتقف ترد عليا وتعمل راجل علي.
تأفف "قاسم" بضيق ودلف إلى غرفته.
نظرت "صفية" إلى ابنتها المُنهارة وقالت بنبرة حادة صارمة:
- مين دا اللى كان بيوصلك يا بنت جميل؟
أبتعلت "قُسم" لعابها بتوتر وأخرجت نفسها من أحضان "ملك" وقالت بضيق:
- دا واحد متجوز يا ماما وبدي بنته درس، يعنى مفيش اى حاجة من اللى فى خيالك.
تحدثت "صفية" بضيق من تصرف أبنتها غاضبة:
- أه مفيش حاجة من اللى فى خيالي بس بقيت فى خيال خطيبك وخيال كل الناس فى الحتة اللى اتفرجوا علي السنيورة وهى بتنزل من عربية ما شاء الله سدت الشارع كله، عربية مبنشوفهاش غير فى الأفلام بس الحمد لله اتكتب لنا نشوفها على أيدك يا ست قُسم.
- يا ماما والله المكان هناك مفهوش موصلتش، دا مكان راقي جدًا ومبدخلهوش تاكسيات حتى ولو طلبت أوبر مش هيدخلوه من باب الكمبوند نهائيًا والرجل كتر خيره وصلني.
وقفت "صفية" من مكانها بانفعال تنزع خفها من الغيظ لكي تلتهم طفلتها وهى تصرخ بها بغضب:
- ولما يا بنت الـ... مكان راقي بتروحيه ليه؟ وكتر خيره أي دى ها، فضحتينا وجرستينا فى المنطقة.
فزعت "قُسم" تقف خلف "ملك" التى باتت درع الحماية لها من ضرب والدتها فقالت "ملك" بلطف:
- أهدي بس يا طنط، محصلش حاجة هى تقصد ان الراجل ذوق يعنى وبعدين بتقولك متجوز.
- أه والله يا ماما ومخلف ما أنا بدي بنته درس، واللى فضحك ابن أخوكي مش أنا.
قالتها بانفعال مما زاد غضب "صفية" التى جلبتها من شعرها لتصرخ "قُسم" من الألم خوفًا من والدتها فقالت "صفية" بضيق:
- يا أختى كنت أطلبي تاكسي ولا أوبر أول ما تخرج ما الزفت اللى بتقولي عليه كمبوند دا، اسمعي يا بت إحنا محلتناش غير شرفنا وسمعتنا وعزة وجلالة الله لو ما اتعدلتي يا قُسم لأحبسك فى البيت هنا تمسحي وتغسلي لحد ما تروحي بيت عدلك يا أختى.
دفعها بغيظ بعيدًا بعد أن أذاقتها مرارة هذا الخف على جسدها بطريقة عشوائية فتألمت "قُسم" من قساوة والدتها وصرخت بضيق:
- أنا مش هسيب شغلي يا ماما وأنتِ عارفة ليه؟
دلفت إلى غرفتها لتبحث "صفية" عن حقيبتها ورأتها على الأريكة لتأخذها ومنها أخذت الهاتف ثم فتحت درج المكتبة وأخرجت مفتاح لتغلق الباب علي "قُسم" بعد أن جعلتها سجينة غرفتها وتقول بنبرة عالية:
- أبقي وريني بقي هتروحي الشغل أزاى يا سندريلا ، كتكم البلاوي يا ريتني قعدت عليكم فطستكم لما ولادتكم كتكم القرف.
دلفت إلى غرفتها غاضبة وغادرت "ملك".
***
ولج "عُمر" إلى مكتب "غفران" بالشركة وكانت "ليلي" تقف جواره بينما "غفران" يوقع الأوراق لها فى هدوء فتحدث "عُمر" بهدوء:
- اسمه حازم الغريب، 29 سنة ابن خال قُسم وفاتح محل موبيلات وخاطبها بقاله 3 سنين.
رفع "غفران" رأسه بهدوء بعد أن أخبره "عُمر" أن هذا الشاب الغليظ هو خطيبها ، أعطى الأوراق إلى "ليلي" فغادرت ليقول "غُفران":
- وماله، شوفي ليا سواق كبير فى السن شوية.
دُهش "عُمر" من طلبه فسأل بقلق:
- ليه يا مسيو غفران هو سمير غلط فى حاجة؟
- لا أنا عايزه مع سمير، يعني عشان يوصل قُسم بعد كدة وميحصلش مشكلة.
قالها "غفران" بقلق عليها، ليؤمأ "عُمر" بنعم مُتعجبٍ أهتمام "غفران" الزائد بهذه الفتاة التى أقتحمت حياته فجأة وبدون سابق إنذار أحتلت عقله وجزء كبير من تفكيره.
ألتف "عُمر" لكي يغادر لكن أوقفه "غفران" يقول:
- أستن يا عُمر، أقعد أنا عايز أتكلم معاك شوية.
جلس "عُمر" على المقعد المقابل للمكتب.
رجع "غفران" بظهره للخلف بأسترخاء وقال بهدوء:
- أنا عايزك تشوف دكتور نفسي بس الموضوع دا يكون سري جدًا.
أتسعت عيني "عُمر" على مصراعيها من طلبه فسأل بفضول قاتل:
- أشمعنا؟
- عايز أشوف اللى فيا دا أي، كندا بتدأت تتعب يا عُمر من الصبر وحقها أستحملت كتير، مش عايز يجي اليوم اللى اخسر فيه أغلى إنسانة فى حياتي، لو فى علاج لحالتي وأقدر أستقر هيكون أفضل.
قالها "غفران" بتهكم وقد تعب فى رحلته الشاقة على مدار كل هذه السنوات ليؤمأ غليه "عُمر" بنعم فقال "غفران" بحذر:
- دكتر يتوثق فيه يا عُمر دا هيكون أول حد يعرف بمرضي بعدك.
أومأ "عُمر" بنعم ثم قال بحزم بينما يقف مُهندمًا سترته:
- أكيد يا مسيو غفران، عن اذنك.
غادر "عُمر" من أمامه.
فتح "غفران" هاتفه وتحديدًا على رقم "قُسم" أراد ان يطمن عليها بقلق يحتله من الأمس مما حدث أمامه ولا يعلم ماذا فعل بها هذا الأحمق وأهلها؟، تراجع عن الاتصال فى أخر لحظة حتى لا يسبب مشاكل أخرى لكنه تبسم بذكاء ووقف من مكانه بحماس.
كانت "ليلي" جالسة على مكتبها مُتبسمة وتُحدث "عُمر" قائلة:
- لا، كمان اشترت فستان تحفة جدًا هيعجبك ، اه صحيح أعمل حسابك هتوصلني عشان عربيتي فى المغسلة.
ضحك "عُمر" بعفوية بينما يرتشف القليل من كوب النسكافية الخاص بها أثناء جلوسه على حافة المكتب من الأعلي جوارها، قال بلطف:
- بقيتي طماعة أوى يا لولو.
ألتفت بمقعدها صاحب العجلات من الأسفل كي تنظر إلى "عُمر" وقالت بدلال:
- لا يا حبيبي الطماع الحقيقي لما تعمل حسابك تغديني برا النهار ده.
ضحك أكثر على طموحاتها الكثيرة، فهمت "ليلي" معنى طموحاته وأنه لن يتمكن من فعل أى شيء من رغباتها وأحلامها فأخذت كوب النسكافيه من يده بغلاظة وقالت بضيق:
- أضحك، أضحك شوية كمان.
- طب والله بحبك يا قطتي.
قالها بحُب وهو ينحني قليلًا إليها ويربت بيده على رأسها من فوق حجابها فدفعت يده بعيدًا مُتذمرة على رفضه الدائم.
فتح باب المكتب وخرج "غفران" ليقف الأثنين باستقامة فقال "غفران" بجدية:
- تعالى يا ليلي عايزاك، اه وهاتي تليفونك.
أومأت إليه بنعم ثم نظرت إلى "عُمر" مستغربة لطلب "غفراب الغريب، دلفت مع "عُمر" تحمل هاتفها، تنحنح "غفران" بحيرةٍ مُحرجٍ مما سيقول أمام هذان فقال بتلعثم:
- خليها تتصل بقُسم.
- قُسم؟
قالتها "ليلي" بتعجب وهذا الأسم أول مرة تسمعه ولم يمر عليها من أسماء العملاء أو غيره، تبسم "عُمر" بخفة على تصرف رئيسه المتعجرف وعقله مشغولًا بالأطمنئان عليها فأعطى الرقم إلى "ليلي" وقال بجدية:
- دى مُدرسة نالا بنت غفران بيه، كلميها أطمني عليها واسأليها العربية تروحلها فين.
لم تفهم "ليلي" شيء فأتصلت على الرقم، وضعت الهاتف على أذنها ليقول "غفران" بقلق:
- ردت ، ردت.
- مغلق.
قالتها "ليلي" مما زاد قلق "غفران"، غلق الهاتف بعد ما حدث شيء غير مُبشر بالخير أبدًا ولكن الأسوء حين تغيبت "قُسم" عن موعد الدرس وزال الهاتف مُغلقًا لليالي كثير.
وقف "غفران" قلقًا أمام نافذة الشرفة فى شركته التى تطل على ساحة مليئة بالسيارات المعروضة.
دلف "عُمر" إلى المكتب فألتف "غفران" سريعًا مُتلهفًا وقال:
- ها عملت اي؟ ليلي جت؟
أومأ إليه بنعم ثم قال بهدوء:
- اه قالولها فى المدرسة أن قُسم غايبة من الأسبوع اللى فات تعبانة.
أغلق "غفران" قبضته بضيق من أختفاءها ولأول مرة يشعر بغصة تضرب قلبه وعقله، عينيه المريضة أحبت رؤية وجهها وبعد أن فهم شعور رؤية تعابير وجه أحد كيف يكون الأبتسام والغضب، لم ينسي لوهلة غضبها وبسمتها مع "نالا" هذه التعابير كانت بمثابة النعمة له والآن قد سُرقت منه، لم يرى عيون بشرية من سنوات طويلة والآن سُرقت منه كل هذه النعم، حك جبينه بغيظ من شعور الفقد الذي يحتله فسار نحو مكتبه ليقترب "عُمر" بلطف يقول:
- بالمناسبة أنا لاقيت دكتور نفسي كويس.
قاطعه "غفران" يقول بضيق:
- بعدين يا عُمر، بعدين.
***
ترجلت "تيا" الدرج ركضًا بسعادة تغمرها بعد أن علمت بوصول "أنس" من رحلته الطويلة فى العمل، قلبها يرفرف ويسابق قدميها بنبضاته من أجل اللقاء وأخيرًا بعد ليالي طويلة.
فتح باب القصر وكان "أنس" يسحب حقيبته السوداء الضخمة معه حتى رأي زوجته تركض على الدرج مُرتدي فستان بألوان زاهية كثيرة بأكمام لكنه مفتوح من منتصف القدم للأسفل وشعرها مسدولا على ظهرها حافية الأقدام وتناديه بسعادة:
- أنس.
فتح ذراعيه لأجلها بسعادة تغمره من الشوق حتى ارتطام جسدها بصدره الصلبة فطوقها باستماتة مُستنشق عبيرها الناعم وقلبه أوشك على الأنفجار الآن بعد أن ألتقاء بمحبوبته التى تسكنه.
تحدثت بسعادة:
- وحشتني أوى يا حبيبي، وحشتني، حمد الله على سلامتك.
أخذ وجهها في يديه بسعادة ناظرٍ بعينيها الجمليتين وقال بنبرة دافئة:
- أنتِ وحشتني أكثر، وحشتيني أوووووى يا توتا ، أي الحلاوة دى يا بت، اي هو أنا كل ما أغيب شوية أرجع ألاقيكي بتحلوي أكثر.
ضحكت بعفوية على مغازلته إليه وقالت بلطف:
- بس يا أنس، أنت كل ما ترجع تسحرني بكلامك الحلو دا.
مرر يديه على وجنتيها بدلال ليقول بلطف:
- لا كلام اي، دا في اللى أكثر من الكلام، تعالي عايز أوريكي جايبلك أي بس مينفعش هنا.
ضحكت عليها وهى تفهم خباثة زوجها المُشتاق إليها فحملها على ذراعيها صاعدًا للأعلى فهمست بعفوية:
- مش هتجيب الشنطة اللى فيها الحاجة ولا اللى جايبهولى فى جيبك.
همس بأذنيه بإثارة يُذيب ما تبقي من قلبها البريء بنبرته الهائمة:
- لا فى قلبي.
دفنت رأسها بكتفه خجلًا من كلماته ليضحك أكثر على فتاته المُدللة لطالما كانت "تيا" مُدللته المحبوبة التى تستمد دلالها وجمالها من العشق، جمال لن يفهم سوى عاشقها وحدها ومالك هذا العشق الكامن بكل أنش فى جسدها وليس قلبها فقط.
***
فتحت "صفية" الباب بوجه عابس لترى "قُسم" جالسة على الأريكة المجاورة للشرفة بحزن من معاقبة والدتها لها فقالت بضيق:
- حازم برا.
- مش هشوفه، برضو مش عايزة أشوفه مش كفاية أنه السبب فى القرف اللى أنا فيه ده.
تحدثت "قُسم" بنبرة عالية لعل "حازم" يسمع غضبها من الخارج لتقول "صفية":
- جرا أي يا قُسم، من أمتي وأنتِ قليلة الأدب كدة، والقرف دا يا هانم أنتِ السبب فيه ولا يكنش حازم اللى ركبك العربية مع راجل غريب.
ألتفت "قُسم" لها بغيظ من حديثها وقالت بضيق:
- يعنى هو لو طلبت أوبر مش هركب مع راجل غريب، دى توصيلة يا ماما والراجل كان ذوق جدًا.
- شكل شبشبي وحشك يا قُسم، بدفعني عنه برضو يا بت دا أنتِ فى الأنفرادي بسببه ولسه مطلعتيش.
قالتها "صفية" بغيظ ليقاطع حديثهما "حازم" الذي دلف للغرفة وقال بهدوء:
- ممكن أتكلم معاها شوية يا عمتي.
- ماشي هروح اعملكم شاي.
قالتها "صفية" بلطف ومرت من جواره لتهمس فى أذنيه قائلة:
- حاولى تخليها تأكل حاجة.
غادرت "صفية" الغرفة فنظرت "قُسم" للشرفة مُتحاشية النظر إليه بتجاهل يقتله فجلس أمامها على الأريكة وعينيه على الصينية الموجودة على الطاولة بالطعام كما هو لم يتلمسه "قُسم" فقال بهدوء:
- هتفضلي زعلانة كدة؟
- أطلع برا يا حازم لأن معنديش كلام أقولهولك ولا ينفع أنك تكون هنا لأان زيك زى الغريب اللى وصلني وبسببه أنا هنا بفضلك.
أشار على صدره بغلاظة من حديثها وقال بضيق:
- أنا زي زيه !!
- أه ولا مكنتش تعرف يعنى أنك اجنبي عني زيه بالضبط.
قالتها بضيق وغادرت الأريكة من أمامه ليقف "حازم" بهدوء يكبح غضبه لأجل مصالحتها فقال:
- ماشي يا قُسم، أنا غلطان عشان عليت صوتي فى الشارع كان لازم نتكلم فى البيت مش أفرج الناس علينا، خلاص بقي متزعليش وبعدين المفروض تفرحي أني بغير عليكِ.
رفعت "قُسم" حاجبها بدهشة من كلمته وقالت بغلاظة وهو يفقدها أعصابها أكثر مُنفعلة:
- أفرح!! أنت كنت هتضربني لولا الراجل مسك أيدك.
تأفف "حازم" من حديثها ونفد صبره من عنادها أكثر ليقول:
- ما قولنا خلاص يا قُسم، أنتِ مش شايفة غلطك خالص لكن شايفة غلط الناس بس، شايفة أنى كنت هضربك وشايفة أن عمتي حبساكِ لكن أنتِ ملاك مبتغلطتيش.
أقتربت خطوة منه بعنادٍ وتحدٍ ثم قالت بغرور:
- أنا شيطان يا حازم وأديني رميتلك دبلتك، أفرح أنك خلصت من شيطانة زى.
بقيت تدفعه تجاه الباب لتشعر بدور فى رأسها بسبب أنقطاع الأكل فقال "حازم" بغلاظة:
- أنتِ حرة يا قُسم، أنتِ فاكرة نفسك أى عشان تقرفي اللى خلفوني معاكِ وأنا كدة عملت اللى عليا وجت أعتذرتلك لحد عندك بس أنتِ متستاهليش.
لم تهتم بكلماته كثيرًا والدوار يزداد أكثر فأتكأت بيديها على الفراش لكن غلبها جسدها الهزيل بعد أنقطاع 10 أيام بدون طعام، فلتت يديها لتسقط أرضًا فاقدة للوعي مما أفزع "حازم" حين سمع صوت أرتطام جسدها بالأرض وألتف رآها هكذا، صرخ باسمها قائلًا:
- قُسم.
- الشاي.
قالتها "صفية" وهى تتدخل من باب الغرفة لتصرخ حين رأت ابنتها هكذا، حاول "حازم" إفاقتها لكن لا جدوى من المحاولة فحملها على ذراعيها وخرج من الشقة مع والدتها ليأخذها لأقرب مُستشفي.
***
فى حالة من الصمت الذي يعم المكان كان "غفران" جالسًا على السفرة يتناول العشاء مع "كندا" و"نالا" فتحدثت طفلته ببراءة:
- بابي مش ممكن تيجي معنا الملاهي بكرة.
أجابها ويديه تقطع شطيرة اللحم السميكة بلطف:
- مرة تانية يا نالا، معلش بابي عنده شغل.
رمقته "كندا" بلا مبالاة وتمتمت بضيق أكبر:
- بابي مشغولة يا روحي، سيبه أنا هجي معاكي زي ما أتفقنا.
رمقها "غفران" بضيق رغم وجهها الضبابي فى عينيه لكن فى عينيها ترى غضبه بوضوح من نبرتها الغليظة، وقفت من مكانها تاركة الطعام إلى الحديقة فقالت "نالا" بهدوء:
- هي مس قُسم مش هتيجي تاني؟
نظر إلى فتاته حين ذكرت أسمها بدهشة وذكر أسمها وحده كفيل بأثارة أفكار عقله التى يكبحها قدر الإمكان فقال بهدوء:
- لا، يا حبيبتي هتيجي بإذن الله، كملى أكلك وأنا هروح لمامي.
ذهب خلف "كندا" ليراها تسير فى الحديقة معقدة الذراعين أمام صدرها وشعرها يتطاير مع نسيم الهواء فتقدم نحوها بلطف وقال:
- كندا.
نظرت إليه بصمت فرأت بعض الصوص على لحيته قرب شفتيه، تحدث "غفران" بهدوء:
- ممكن أتمشي معاكي شوية.
هزت رأسها بنعم مُبتسمة على طلبه فمد يده إليها لتنظر بدهشة إليه، وضعت يدها فى راحة يده ليعانقها بدفء مما أشعل نبضات قلبها العاشق مر وقت طويل على أخر مرة مسك يديها هكذا فسار جوارها بهدوء وقال:
- اتكلمي، أفتحي أى موضوع حابب أسمعك وأتكلم معاكي، حاسس صوتك واحشني يا كندا.
سارت معه فى الحديقة مُتشابكين الأيادي وبدأت "كندا" تتحدث عن ذكريات الماضي عنهما كثيرًا وهو يستمع فقالت بعفوية وحماس بنبرة عالية:
- فاكر لما جبتلى ورد فى المسرح ، يومها بوظت المسرحية ودخلت بدل البطل ببوكيه ورد وقولتلي بحبك قصاد كل الناس.
تبسم وهو يتذكر أفعاله العفوية ثم قال:
- كانت أول مرة أقولك بحبك.
توقفت عن السير لتقف أمامه مباشرة حادقة بوجهه بحُب لتقول:
- كانت اجمل وأحلى بحبك أتقالت يا غفران، يومها كنت طايرة من الفرحة.
رفع يده إلى وجنتيها يلمسها بأنامله لتغمض عينيها مُستسلمة لهذا الدفء والشعور الذي يضرب قلبها المُتراقص الآن بداخلها، قال "غفران" بنبرة خافتة:
- أنتِ جميلة أوى يا كندا وأنا بحبك.
- وأنا كمان بحبك يا غفران، بحبك اوى.
قالتها "كندا" ثم رفعت يدها تلمس لحيته وتمسح الصوص عنها بسبابتها ليدق قلبه كالمجنون أمامها لأول مرة منذ سنوات طويل يبدأ هو بالحُب وسرق تلك القبلة من شفتيها لتنتفض "كندا" من الدهشة وتشبثت به بقوة حتى قاطعهما رنين هاتفه ليبتعد عنها وهو يمسح على شعرها بحُب ثم قال:
- أطلعي أستنيني فى أوضتي.
- على طول يا حبيبي متتأخر.
قالتها بشغف مشتاقة لهذه اللحظة منذ أن تزوجته وأخيرًا سيضمها اليوم، ركضت كالمجنونة من أمامه فنظر بهاتفه وكان "عُمر" الذي قال:
- اى يا عُمر؟
- فى خبرين عندين وحشين.
- قول يا عُمر، أنجز.
- الأول أن قُسم محجوزة فى المستشفي.
قالها بهدوء ليفزع "عفران" مما سمعه وشعر بغصة بداخله وكأن ضميره يمزقه أربًا الآن مُدركًا أنه حتما السبب فى ألت إليه الأمور معها، فركض نحو سيارته لينطلق بها كالمجنون وهو يقول:
- مستشفي أي؟
لم ينتبه إلى زوجته التى قطع لها وعدًا الآن وتنتظره على أحر من الجمر.
***
صدقيني يا أمي هى كويسة والصبح ممكن تخرج معاك لكن دلوقت مينفعش، لازم نعملها التحاليل عشان نطمن عليها.
قالها الطبيب مُحدثًا "صفية" التى ترتجف فزعًا على طفلتها لتقول:
- يعنى بنتي هتخرج بكرة كويسة معندهاش حاجة خطيرة.
- لا متقلقيش، ممكن تروحوا وتيجوا الصبح تأخدوها.
قالها الطبيب بلطف ثم غادر المكان.
دلفت "صفية" إلى الغرفة وكان بها مريضتين مع أبنتها التى نائمة على الفراش والمحلول الطبي مُعلق فى الكانولا بيدها وبجوارها "ملك" تقف قربها، سألت بقلق:
- عاملة أي دلوقت يا حبيبتي.
- كويسة.
قالتها بهدوء لم تنسي غضب والدتها عليها فقالت "صفية" بهدوء:
- قومي يا ملك روحي مع حازم وأنا هقعد معها.
كادت "ملك" أن تتحدث ليقاطعها "قُسم" بضيق تقول:
- تروح مع راجل غريب لوحدها ميصحش ولا عايزها تيجي تنام جنبي الصبح.
فهم الجميع أن "قُسم" ترمي بالحديث عما حدث معها وأن الظروف ما أجربتها على الركوب معه، تابعت "قُسم" الحديث تقول:
- روحي يا ماما وكمان مفيش مكان تقعديه فيه هنا ولا حتى كرسي هتفضلي واقفة طول الليل ، روحي وتعالى الصبح.
وبعد ألحاح كبيرة وعناد من "قُسم" رحل الجميع لتبقي وحدها لتبدأ فى نوبة من البكاء على خسارة عملها وسجن والدتها لها و"حازم" التى باتت ترتعب منه وعقلها يفكر فى المستقبل إذا تجرأ على رفع يديه الآن ماذا سيفعل بعد أن تكن زوجته، كانت الأفكار المُخيفة تمزقها وتضرب بعقلها حتى دق الباب ودلفت الممرضة تنادي باسمها:
- أنسة قُسم جميل الطاهر.
- أيوة.
قالتها "قُسم" وهى تجفف دموعها بحزن لتفتح الممرضة الستارة التى تفصلها عن المرضي ودُهشت عندما رأت "غفران" قادمًا مع الممرضة، غادرت الممرضة وأقترب "غفران" أكثر كان مُرتديًا تي شيرت كحلى اللون وبنطلون جينز لأول مرة تراه بدون بدلته الرسمية، أحضرت الممرضة مقعدًا حديدًا لأجله بعد أن أعطاها الكثير من المال ليري "قُسم"، جلس على المقعد بهدوء عينيه لا تفارقها فحاولت الجلوس ليقول بهدوء:
- خليكِ مرتاحة.
نظرت "قُسم" إليه بحيرة وكيف علم بمرضها؟ وسبب حضوره لها بعد منتصف الليل؟ تنحنح "غفران" بهدوء وتحدث بنبرة خافتة:
- أنا حاولت أتصل بيكِ كتير عشان أعتذارلكِ على اللى حصل بسببي، بس معرفتش أوصل.
تنحنحت "قُسم" بصعوبة وعينيها ما زالت الدموع عالقة بها فقالت بتعب:
- لا مش بسببك بسبب بنى أدم متخلف ومخافش عليا ولا على سمعتي وهو واقف يزعق فى نص الشارع.
زادت غصته لتتحول لألم شاق بقلبه من رؤية دموعها لأول مرة يرى عيونًا باكية وكان الحزن وخيمًا بهما وتساءل بسرود هل تكن عيني "كندا" هكذا كلما بكت بسبب؟ فاق من شروده على صوتها تقول:
- عذبت نفسك.
- لا، متقوليش كدة، اللى يبوظ حاجة لازم يصلحها وأنا بوظت حياتك.
قالها "غفران" بنرة لطيفة نادمًا على ما حدث وشعور الذنب يراوده الآن بسبب وجودها هنا.
رق قلبها الناعم الذي لمس الأسف فى نبرته وعينيه لتقول:
- هي كانت بايظة أصلًا.
- لا متقوليش كدة إن شاء الله تخرجي من هنا وترجعي شغلك، نالا كمان بتسأل عليكِ.
قالها بجدية لتهز رأسها بلا رافضة القدوم إلى منزله مرة أخرى فقال بحزم:
- متقلقيش اللى حصل مش هتكرر والسواق هيوصلك لأقرب محطة اتوبيس أو مترو.
صمتت "قُسم" بحيرة من أمرها حتى سمعت صوت "عُمر" الذي ظهر من العدم ولديه الكثير من الطعام الجاهز ووضعه على طاولة الطعام الموجودة بجوار السرير وقال:
- تأمرني بحاجة تانية يا مسيو غفران.
- لا أستناني برا يا عُمر.
غادر "عُمر" فقال "غفران" بعيني لامعة ترمقها بلطف:
- الدكتور قالي أن سبب وقوعك منع الأكل، يا ريت تاكلى وتشدي حيلك عشان تقومي بالسلامة.
تذكرت "حازم" الذي لم يجلب لها كوب ماء حتى، لم يهتم بشيء أو لرعايتها، بل حسم أمره بالمغادرة مع والدتها لتذرف الدموع من عينيها فسأل "غفران" بقلق:
- ما لكِ؟
- مفيش.
أومأ إليها بنعم ثم وقف جوارها لكي يغادر فقال بجدية:
- هستناكِ لما تقومي بالسلامة تكلمنى عشان أبعت لك العربية فى المكان اللى تحبيه.
أومأ إليه بنعم فغادر "غفران" تاركها خلفه تبدأ رحلة المقارنة بينه وبين "حازم" ولا تُدرك أن باب المقارنة أول باب يُفتح للخسارة وأنكسر القلب ودهس مشاعره الجميلة.
خرج "غفران" من المستشفي مع "عُمر" ليقول بجدية:
- وصلني للقصر بسرعة بس قبلها نعدي على أى محل هدايا أشتري هدية لكندا عشان تقبل أعتذاري.
- صحيح أي الخبر التانى؟
توقف "عُمر" بخوف ظهر فى ملامحه لكن لحُسن حظه أن "غفران" لن يرى هذا الوجه المُرتعب وأبتلع لعابه قبل أن يتحدث ليقول:
- شك حضرتك أتقطع باليقين من يومين.
توقف "غفران" عن السير بصدمة ألجمته وضرب عقله بالأرض وشعر بخنجر غرس فى قلبه للتو وبات يلفظ نبضاته الأخير حين قال بتلعثم:
- كندا بتخوني؟!!
أومأ "عُمر" بنعم بحزن شديد خائفٍ من القادم لطالما حذرها بأنه سيحرقها بنيرانه حين يتأكد من خيانتها، ألتقط أنفاسه بصعوبة غير مُصدقة أن النار التى لطالما ركض بعيدًا عنها مُحاولًا إصلاح حياته وتجاهلها قد حرقته للتو وألتهمت قلبه عقله ليقول:
- عفيفي صح؟
هز "عُمر" رأسه بنعم ليغلق "غفران" قبضته بأحكام شديد ربما يعتصر عظام أصابعها من شدة الغضب التى ألتهمه للتو وأنطلق إلى القصر وهو يقول:
- طلبتها وهتنولها .... والله لأقتلها.
رواية غفران هزمه العشق الفصل السابع 7 - بقلم نور زيزو
خرجت "قُسم" من المستشفي صباحًا مُنهكة بتعب، مُتكئة بيديها على "ملك" و"صفية"، لترى "حازم" يقف أمام سيارة الأجرة بانتظارها. لتنظر لهما، فهمست "صفية" إليها بلطف تقول: - خلاص يا قُسم، سامح المرة دي. تنهدت "قُسم" بنعم مُستسلمة لأمرها، فتبسم "حازم" بعد أن غمزت "صفية" له كأنها تخبره بموافقة ابنتها، هرع نحوها بلطف يقول: - الحمد لله على سلامتك يا قُسم. - الله يسلمك. قالتها بهدوء، ليأخذها إلى السيارة وجلسوا النساء بالخلف وهو جوار السائق. ظلت "قُسم" تنظر من النافذة شاردة بالسماء الصافية صباحًا، وهل ما تفعل صحيح؟ أم سيجعل من مستقبلها هلاك؟ مُنذ نعومة أظافرها وهى لا تعرف رجل غير "حازم"، ولم تتخيل أن تكن مع رجل غيره، لكن الآن لا تفهم سبب تمردها عليه. هل حقًا لأنها كانت جاهلة عن شخصيته فى تحمل المسئوليّة أم ماذا؟ وصلوا إلى المنزل وترجل الجميع من السيارة، وصعدوا إلى شقة "قُسم" بينما أتجهت "ملك" إلى شقتها. دلفت "صفية" إلى المطبخ تقول: - هحضرلك حاجة تأكليها، أديكي سمعتي كلام الدكتور ولازم تأكلي. تركتهم جالسوا فى الساحة (الصالة)، ليأخذ "حازم" يدها بلطف بين يده وقال بنبرة خافتة ناعمة: - حقك عليا يا قُسم، تقطع أيدي قبل ما تفكر تتمد عليكِ. - خلاص يا حازم بس بشرط. قالتها "قُسم" بعنادٍ ورثته من والدها، لطالما كانت فرسة برية لم يروضها أحدها مما كان قُربه من قلبها. ليرفع "حازم" حاجبه بضيق تاركًا يدها مُدركًا بكبرياءها، وأنها لن تتخطي هذا الأمر بمجرد أعتذار، فقال بجدية: - طول عمرك يا قُسم ما بتتنازليش، كبريائك وعنادك اللى ورثتها من أبوكِ مبتتخليش عنهم حتى لو فى سبيل أن علاقتنا تكمل وفرحنا اللى قربت. جاهرت "قُسم" حديثه بغرور وتمرد لتقول بفخر: - ومش هتنازل يا حازم لأن مش أمينة ولا أنتِ سي السيد، وأنا فخورة أوى أنى ورثت من أبويا عزة النفس والكرامة وأني مسمحمش لحد مين ما كان أنه يتحكم فيا ولا يمشي على كيفه. تأفف "حازم" غيظًا يمقنها بعينيه الحادتين الآن من الغيظ، ثم قال بضيق: - قولي يا قُسم، شرطك أي؟ أتكأت بظهرها للخلف تسترخي، ثم رفعت عينيها الخضراء به بكبرياء وقالت: - أنا مش هسيب الشغل عند غفران. كاد أن يتحدث بغضب أحتل ملامحه وأحتدت عينيه من ذكرها لاسم رجل أخرى بشفتيها، لكن قاطعته "قُسم" بحدة بعد أن رفعت يدها أمام وجهه تمنعه وتقول: - وقبل ما تعترض يا حازم، أنا محتاجة الشغل دا لأن الدنيا صعب ولأني عمود البيت وشغل ماما يوم في ويومين لا ومصاريف دراسة قاسم وقسط البنك ومصاريف المستشفي وغيره من مصاريف البيت، كل دا وأنت أكتر واحد عارف بيه وعشان كدة أنا محتاجة الشغل دا، أم بقي لو الموضوع بالنسبة لك قلة ثقة فيا فـ دا شيء يحتاج أننا نقف عنده. تأفف بضيق وهو مُدرك كم الأحمال التى ترفعها على عاتقها، لكن غيرته من هذا الرجل تكاد تفتت قلبه العاشق لها ليقول: - بس أنا بغير يا قُسم. - أنا مبشوفهوش يا حازم أرتاح، دا راجل أعمال وملياردير مش فاضي للي زي متخافش ولو على التوصيل ولا ممكن تجي تودي وتأخدني وأهو بالمرة نعتبرها فسحة ونخرج سوا نشمي الهواء. قالتها بجدية قاصدة كل كلمة تفوهت بها، فرمقها "حازم" بضيق وعينيها كانت مطفأة وباهتة لا تحمل بريق الحُب الذي لطالما رآه فى عيني محبوبته. كل ما رآه للتو فى عينيها الأنكسار والخذلان من تصرفه معها، فقال بهدوء: - ماشي يا قُسم، بس دا مش عشان شرط أنتِ حطتيه لرجوعنا....، لا يا حبيبتي دا عشان أثبت لكِ أنى واثق فيكِ لو كنتِ فين؟ وأن اللى حصل دا كان نابع من غيرتي عليكِ وحُبي لكِ، روحي يا قُسم ومن غير ما أوصلك عشان أثبت لكِ أنى واثق فيكِ. تبسمت "قُسم" بخفةٍ وتهكمٍ لتقول بسخرية دافئة: - لا، دا عشان أنت معندكيش وقت ليا يا حازم، أنا وأنت عارفين كويس أنت مش هتودينى وتجيبني ليه؟ لأنكَ بتهرب من أى مسئوليّة. أخرج دبلتها من جيب بنطلونه مُتجاهل كل هذا الحديث، ليأخذ يدها ويضع بها دبلة خطوبتهما ثم وضع قبلة على يدها بدلال، ورفع رأسه حين عينيها الجمليتين وقال بدفء ونبرة ناعمة تُثير قلبها: - بحبك يا روح قلبي، متقلعهاش تاني يا قُسم. أومأ إليه بنعم ثم قالت بهدوء باردة لا تشعر بنبضات قلبها كما كانت من قبل: - حاضر، عن أذنك هقوم أغير هدومي عشان كلها رائحة المستشفي. أومأ إليها بنعم مُبتسمًا، فغادرت من أمامه كأنها كانت بانتظار اللحظة التى تفارقه فيها. دلفت إلى غرفتها تفتح هاتفها بعد أن أعطتها والدتها إياه فى المستشفي، وأرسلت إلى "غفران" بحماس رسالتها ....... ____________________________ ترجلت "كندا" من الأعلى ببيجامتها الوردية وتفرك عينيها من النوم، وتنادي على خادمتها بصوت ناعس: - سمرة ... سمرة أعمليلي فطار. - مش هناقالها "غفران" بنبرة حادة، لتلتف "كندا" إلى صوته وتذكرت انتظارها الطويل له أمس، وتحولت ملامح وجهها الناعس إلى غضب قاتل لعلها تلتهم "غفران" بهذه اللحظة وتحرقه بنيران قلبها المحترق من دهسه لها ولمشاعرها فقالت: - أنتَ!! - مش كنتِ تعزمينى معاكم. قالها بنبرة حادة غليظة ويديه تلاقي ظرفًا على الأرض بقوة حتى وصل أسفل قدم "كندا". لم تفهم كلماته الغامضة فأنحنت لتأخذ الظرف وتفتحه، فكان به ورقة من سجل الفندق بحجز الغرفة باسم "عفيفي" وصور كثيرة من كاميرات المراقبة لها وهى تدخل نفس الغرفة وبعدها "عفيفي". أتسعت عينيها بصدمة ألجمتها ورفعت نظرها إلى "غفران" زوجها الجالس على مقعده ويضع قدم على الأخرى بغرور سافر ويكبح غضبه بمهارة بين ضلوعه فقال: - كان ناقصك صورة واحدة وأنتِ فى السرير معاه. تنحنحت "كندا" بفزع وتمتمت بتلعثم شديد هاتفة: - لا يا غفران أنت فاهم غلط. وقف من مكانه بهدوء جعلها تعود خطوة للخلف خوفًا من هذا الرجل، لطالما كانت تسمع عن غضبه وما يمكنه فعله، لكنها ولا مرة رأت وجهه الأخر، وجه الشيطان الكامن بداخله وما يقظه هو العصيان. وصل "غفران" أمامها وعينيه تكاد تمزقها أربًا للتو فقال: - فى أوضة واحدة وفى فندق وفاهم غلط، أنتِ صح؟ بس دا مش معناه أنكِ هتفلتي من العقاب يا كندا حتى لو ملمسكيش كفاية وجودك معاه فى أوضة واحدة وجراءتك على عصياني، الخدم كلهم مشيوا وطبعًا زوجتي العزيزة هى اللى هتقوم بدور البيت، مسئوليتك ولا أي؟ أبتلعت لعابها بفزع من أول خطوة فى انتقامه ليقول: - أنتِ هنا كنتِ ملكة متوجة قبل ما تشوري بأصبعك بتحقق أحلامك وأنتِ اللى أخترتي تكوني خادمة يا كندا، باب القصر دا رجلك مش هتعدي ولو فكرتي تفتحيه هقتلك يا كندا... فاهمة هقتلك. أنتفض جسدها فزعًا من تصرفه وتهدده الواضح بالقتل لتقول بصوت مبحوح خائفة من نظراته الثاقبة: - والله يا غفران ما حد لمسني، أديني فرصة أشرحلك أنا ..... لم يتمالك أعصابه أكثر ليقتل حديثها الباقي قبل أن تتفوه به بلطمة قوية نزلت على وجنتها اليسرى، أخرجت من ضلوعها صرخة قوية من قوتها مع سقوطها أرضًا، ليمسكها "غفران" من شعرها بقوة ويسحبها للأعلى كي تقف من جديد وقال: - الفرصة الوحيدة اللى زبالة زيك هتأخدها هى أنكِ تعيشي هنا خادمة، تتذلي وتتهاني زى الجزمة ودا عشان خاطر بنتك. جهشت فى البكاء بألم شديد وأنكسار من قساوته، قاطع ألتهامه إليها وقساوته أقترب "عُمر" الذي كان يقف بعيدًا كأنه لم يرى شيء ما دام "غفران" لم يأمر بأن يرى. أقترب يمد له هاتفه الذي أنقذ "كندا" من يديه للتو بمجرد رؤيته لاسم "قُسم"، فدفعها بعيدًا بيد والأخرى تحمل الهاتف من "عُمر" ويقول بحدة: - أمشي غورى أعمليلي فطار وقهوة سادة زي اللى هشربها على روحكِ قُريب. دفعها بقوة لتتألم "كندا" من تحول حبيبها إلى هذا الحد، نظر "غفران" للهاتف وكانت رسالتها جميلة رغم صغرها ( _ صباح الخير ، أنا مُتشكرة جدًا على اللى عملته معايا وعلى الأكل حبيت البيتزا أن شاء الله مش هتأخر على درس نالا بكرة) تبسم "غفران" بسعادة وسار بعيدًا بهاتفه يكتب رسالته لها بلطف:- ( _ لو لسه تعبانة مش مهم حصة بكرة ) وصلتها رسالته بينما تجلس على السفرة تتناول الطعام مع "صفية" و"حازم" و"قاسم"، نظرت للهاتف وكانت رسالته حقًا فتبسمت خلسًا ووقفت تقول بهدوء: - الحمد لله. جلست على الأريكة بعيدًا تُجيب على رسالته برسالة جديدة ( _ لا، أنا أحسن وخرجت من المستشفي الصبح ) جلس "غفران" على مقعده وشعور بالآمان والراحة يلازمه، وملامح وجهها الجميل مُرسومًا فى ذهنه الفارغ وأرسل لها من جديد ( _ حمد الله على سلامتك، يا قُسم) رأت "حازم" يقترب منها فأغلقت الهاتف بحرج حتى لا يرى ما تفعله، ظل "غفران" ينتظر رسالتها كثيرًا لكنها لم تُجيب فتأفف بغيظ... __________________________ [[ قصـــــــر الحــــديقــــة ]] كانت "تيا" تقف أمام المرآة تصفف شعرها حتى شعرت بيديه تحيط بخصرها، فتبسمت بعفوية حين عانقها "أنس" من الخلف وهى تنظر إلى وجهه الملاكي فى المرآة، وعينيه الرمادتين وبشرته بيضاء، شعر رأسه البني قصير بدون لحية وجسده العريض الذي يحيطها حتى أخفي جسدها النحيل بين عضلاته. طويل القامة مُرتدي بنطلون أسود وتي شيرت رمادي اللون، وضعت يديها فوق يديه المُحيطة بها بدلال ثم قالت: - حمام الهنا يا روحي. تبسم "أنس" بحب وقبل رأسها من الخلف وقال: - أي الحلاوة دى، معقول القمر دا كله بتاعي. ألتفت "تيا" إليه بحب ووضعت يديها فوق صدره، وكان جسده يفوح منه رائحة الليمون بسبب غسول الاستحمام لتقول بلطف: - أنا كلي لكَ يا حبيبي، عارف... شعرت بغثيان فى معدتها لتضع يديها على فمها وتغيرت تعابير وجهها، ليقول "أنس" بقلق: - ما لكِ ؟ فى حاجة؟ زاد الغثيان أكثر فركضت للمرحاض ليفزع "أنس" وذهب خلفها، وهو يسمع صوتها تستفرغ كل ما بباطنها فقال بقلق: - اي يا حبيبتي؟ خرجت إليه مُنهكة وجها شاحب ليأخذها "أنس" من يدها بهدوء وقال بذعر: - أي يا حبيبتي؟ أنا هبعت للدكتور يجي يشوفك. - لا، لا يا أنس مفيش داعي، تلاقيهم شوية برد وهيروح. قالتها بهدوء ليضمها إليه بلطف حتى يحملها، لكن رائحة الليمون كانت تُثير معدتها أكثر فدفعته بعيدًا وركضت للمرحاض من جديد ليقول مذعورًا: - لا، دا شيء ميتسكتش عليه. اتصل بالطبيب حتى يأتي ويطمئن على زوجته، وقف بالخارج ينتظر بقلق خائفٍ على زوجته ومحبوبته بجسدها الضعيف، ويسير ذهابًا وإيابًا ويفرك جبينه بحيرة بعد أن سيطر القلق على عقله وقلبه، حتى خرج الطبيب إليه فهرع إليه مهرولًا ويقول: - خير يا دكتور، طمني إن شاء الله ميكنش فى حاجة خطر. - أطمن يا أستاذ أنس، مدام تيا كويسة جدًا. قالها الطبيب ببسمة ويديه تكتب بعض الأدوية لها فقال "أنس" بحيرة: - كويسة!! ، أمال الترجيع دا من أي؟ دا وشها أصفر زى الليمونة. أعطاه الطبيب الورقة ببسمة وقال: - دا شيء عادي فى حالتها. لم يفهم "أنس" حديثه فهز رأسه باستفهام ليسأل بعدم فهم: - حالتها!! أنا مش فاهم حاجة، هى عندها اي. - معقول متعرفش أنها حامل، دا مدام تيا حامل فى 3 شهور ونص. قالها الطبيب مُتعجبًا لعدم معرفته بالحمل رغم مدته الطويل، لتتسع عيني "أنس" بدهشة ألجمته ولم يستوعب هذا الأمر ليقول بتلعثم: - حامل!! أنت متأكد. - هو أنا سباك، بقول لحضرتك حامل فى ثلاث شهور ونص. قالها الطبيب بهدوء ليتركه "أنس" ويركض للداخل حيث زوجته، ليراها نائمة فى فراشها بتعب فأسرع نحوها بسعادة تغمره فقالت بحماس: - هتبقي بابي يا أنس. قبل جبينها ويديها بفرحة تغمره ثم قال بلطف: - يا روحي أنتِ ، ربنا يقومكِ ليا بالسلامة يا فرحة أيامي وسعادتي. ضحكت بحماس ويديها تلمس طفلها الكامن بداخلها و"أنس" يضم رأسها لصدره مُطوقًا إليها، لتتلاشي البسمة من فوق شفتيها ويقتحم عينيه القلق من القادم، فرسم بسمته بسعادة من جديد حين أبتعدت "تيا" عنه وقالت: - فرحان يا أنس. - طبعًا يا حبيبي. قالها بلطف ثم تابع بحماس: - أنا هروح أخليهم يعملولك حاجة تاكليها وأصرف لك العلاج، لازم تخلي بالك من صحتك يا حبيبتي. أومأت إليه بنعم ليغادر الغرفة، وفور مغادرته فتح هاتفه واتصل بأحدهن يقول: - أنا لازم أقابلكِ النهار دا ضرورى ، أنا كمان ساعة هكون فى الشقة ألاقيكي هناك. أغلق الهاتف بقلق شديد مما حدثوسيغير مجرى حياته ويبدل كل خططه..... ___________________________ وصلت "قسم" إلى قصره بالموعد المحدد ولم تجد الخدم اللاتي لطالما تفاخرت "كندا" بوجودهم،
لم تجد سوى "فاتن" في استقبالها، دلفت للقصر معها لتقول "فاتن":- الحمد لله على سلامتك يا مس، عرفت من نالا أن حضرتك تعبانة وكمان واضح أنك خسيتي.
تبسمت "قسم" بلطف وقالت بعفوية:- الله يسلمك، مشكرة لسؤالك.
نالا بتتغدى مع مسيو غفران.
قالتها "فاتن" بهدوء ليقاطعهما صوت "نالا" تصرخ باسمها قائلة:- مس قسم!
التفتت "قسم" تجاه الصوت لترى "نالا" تغادر مقعدها وركضت إليها حتى وصلت إلى "قسم" وتعلقت بخصرها، لتطوقها "قسم" بذراعيها ببسمة مشرقة وعينيها تحدق بها.
تقابلت عيونهما معًا فوقف "غفران" من مكانه باسم لأجلها.
تحدثت "نالا" بعفوية وحماس:- كنت هزعل لو مجتيش.
وأنا مقدرش على زعلكِ.
قالتها "قسم" ليقول "غفران" بكبرياء متجاهلاً حماسه لرؤيتها:- نالا تعالي كملي أكلك، أتفضلي يا قسم.
شعرت بحرج من طلبه وبعد ألحاح طويل من "نالا" ذهبت "قسم" لتجلس معها على السفرة وعينيها تبحث عن "كندا".
وضع "غفران" شريحة من الدجاج وبعض الأرز في طبقها لتنظر إليه بدهشة خصيصًا أن مكانته لم تسمح له بخدمتها هكذا، همست إليه بخفوت:- أنا مش جعانة.
رفع حاجبه إليها بينما ركضت "نالا" بعيدًا متجهة إلى الدرج، رفع نظره إلى "قسم" بهدوء وقال:- ممكن أسألك سؤال؟
أومأت إليه بنعم فتنحنح بحرج من غياب "عمر" وقال بتوتر:- نالا، باين عليها فرحانة ولا زعلانة؟
لم تفهم سؤاله ربما لأنها تجهل عن مرضه، شعر بغصة في قلبه من توتره لكنه كان قلقًا جدًا على فتاته الصغيرة بعد شجاره مع "كندا" وقسوته عليها وغياب "عمر" لطالما جعله يشعره كأنه أعمى لا يرى شيء أو عاريًا أمام الجميع فتحدثت "قسم" بهدوء:- لا، كويسة وبتضحك عادي يعني، ربنا يحميه.
كأن اقتربت "كندا" بفنجان قهوته ودهشت من وجود "قسم" معه على السفرة وحدهما، أخذ فنجانه بهدوء وعيني "كندا" تلتهم "قسم" بينما تحدثت الفتاة بلطف:- إزاي حضرتك؟
كويس... آه!
قاطع حديثها حين سكب "غفران" القهوة على يدها من الغيظ وقال بغضب:- دي قهوة زيادة!
فزعت "قسم" من فعلته وخصيصًا بعد أن صرخت "كندا" من الألم وقالت بعناد متألمة من جبروته:- أنت قولت سادة!
وقف من مكانه يمسكها من ذراعها بقوة وعينيه يتطاير منها الشر لتقول:- كذاب أنا مثلًا!
هرعت "قسم" إليها تقف بينهما بتلقائية وقالت:- أنت مجنون، سيبها!
دفعها "غفران" من طريقه نحو السفرة، رافضًا معارضة أي شخص على ما يفعله بـ"كندا" ليقول بغيظ ونبرة مخيفة:- اتصلي بيه يجي ينقذك يلا، ولا أبعتك له تكملوا خيانتكم ها!
شهقت "قسم" بألم من يدها التي جُرحت من كسر الفنجان وقطعة الزجاج التي اخترقت كفها، وأذنيها تستمع لحديثه وفهمت أن "كندا" تخونه مع آخر.
دفعها "غفران" بألم يمزقه وبيديها حولت الحب لكره غليظ بداخله ليقول:- غوري من وشي ومتخلينيش أشوف خلقتك دي تاني!
التفت ليرى "قسم" تحدق بهما وهي تمسك يديها ببعضهما وقطرات الدماء تتساقط منها، اقترب بقلق منها ليأخذ يدها فصرخت بألم فرفع نظره بها بأسف وهي من تسبب بهذه المشكلة وصنع الجرح لها.
نظر بيدها التي يحملها بلطف وكان قطعة زجاج كبيرة بباطن يدها مزقت لحمها، سحب مقعد السفرة وجعلها تجلس بلطف وجثا هذا الوحش على ركبتيه أمامها وينادي على "فاتن" حتى جاءته مهرولة بذعر:- هاتي صندوق الإسعافات!
غادرت بذعر من جرح "قسم"، لمس قطعة الزجاج لتتألم "قسم" وتمسك يده بالأخرى تمنعه من لمسها فنظر إليها ليرى دموعها تتساقط من الوجع فقال بلطف:- معلش أستحملي.
لم تتحمل الألم ويدها شُقت بفضلها لا تعلم أتوبخه أم تشفق عليه من خيانة زوجته له؟، نزع الزجاج لتصرخ "قسم" بألم شديد وضغطت بقوة على يده حتى جرحته بأظافرها.
نظر إلى وجهها الباكي فقال بهدوء:- الجرح عميق، أنا هربطهولك ونروح أي مستشفى عشان لو محتاج خياطة.
جاءت "فاتن" بالإسعافات وجاءت "نالا" بسعادة تحولت للخوف حين رأت الدماء الغزيرة التي خرجت متدفقة بقوة بعد نزع القطعة منها، تناثرت الدماء على قميصه والورقة التي جاءت "نالا" بها.
عقم "غفران" الجرح بقدر استطاعته فاقتربت طفلته بحزن مما حدث لمعلمتها وقالت:- براحة يا بابي، بصي!
أعطتها الورقة لترى "قسم" وجهها مرسومًا بها لم يشبهها نهائيًا لكن "نالا" كتبت اسم "قسم" على الفتاة لتدرك أنها حاولت رسمها فضحكت رغم دموعها وقالت:- جميلة أوي!
خديها ليكِ.
قالتها "نالا" بلطف، تحدث "غفران" بقلق يحتله ونبرة جادة:- أطلعي ألعبي في أوضتك يا نالا، أنا لازم أودي مس قسم للمستشفى.
أومأت إليه بنعم فوقفت "قسم" معه لتقول "نالا" بحب:- هتيجي تاني مع بابي؟
هحاول.
قالتها "قسم" بلطف ليأخذها بسيارته إلى أقرب مستشفى، كان يقود سيارته بصمت ووجهه عابسًا فتحدثت "قسم" بلطف:- تعبتك معايا دايما؟
نظر "غفران" إليها ثم إلى يدها المجروحة وكانت الدماء تسللت من الشاش الطبي بسبب عمق الجرح، تحدث بضيق وعينيه تنظر للطريق:- أنا اللي تعبتكِ ومسبب لكِ مشاكل دايما.
ضحكت "قسم" على كلماته العابسة ثم قالت:- لا، أنا اللي فقيرة والمشاكل ورايا في كل مكان، بايني نحس ولا إيه؟
أدار رأسه إليها حين سمع ضحكتها ليرى هذه الضحكة الناعمة، كان وجهها جميلًا بحقًا ووجنتها حمراوين من البكاء وعينيها التي تحمل أثر الدموع تتلألأ ببريق الاستسلام وكأنها استسلمت للأمر ومعاناتها في الحياة.
شعرت "قسم" بنظراته لتنظر نحوه وتقابلت عيونهما فشعرت بدقة تطرق باب قلبها مما أفزعها وجعلها تنتفض ذعرًا وكيف لقلبها أن يدق لهذا الرجل.
خرجت من السيارة حين وصلوا إلى المستشفى وبعد أن رأى طبيب الطوارئ الجرح بدأ يخيطه بلطف بعد أن وضع المخدر عليه وهي تضع يديها على عينيها لا تتحمل رؤيته.
دفع "غفران" الفاتورة وخرج معها ففتح باب السيارة لتقول "قسم" بجدية:- أنا هاخد الباص، الوقت اتأخر.
نظر "غفران" إليها بهدوء وهز رأسه موافقًا على الحديث ورحيلها فقال بهدوء:- ماشي، لما توصلي كلّميني... قصدي طمنيني برسالة حتى.
أومأت إليه بنعم فالتفت لكي يصعد بسيارته فقالت "قسم":- غفران!
استدار إليها بلهفة وهو يسمع منها اسمه بصوتها الدافئ الذي يريح القلب ويغمره بالأمان فقالت "قسم":- شكرًا.
أومأ إليها بنعم لتغادر من أمامه.
فتح باب الشقة فاستدار "أنس" بلهفة وهو يقول بقلق:- اتأخرتي ليه؟
ركضت فتاته الجميلة نحوه لتعانقه بحب مشتاقة إليه بعد غياب طويل في العمل فأبعدها "أنس" عن صدره بضيق وهو يقول بحدة:- اتأخرتي ليه يا ملك؟
أجابته "ملك" بعفوية وبسمتها المشرقة تنير وجهها قائلة:- الطريق كان زحمة يا أنس، وحشتني يا حبيبي.
تأفف بضيق والتفت لكي يدخل إلى الداخل فنزعت حجابها بحيرة متعجبة من لقائه البارد معها فقالت بقلق:- ما لكَ يا أنس؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟
تيا حامل!
قالها بحيرة من أمره وكأن هموم العالم كله نزلت على عاتقه وحده الآن، اتسعت عيني "ملك" على مصراعيها بصدمة ألجمتها واحتلت الغيرة قلبها من زوجته التي باتت تحمل طفلًا له بداخلها فقالت بتلعثم:- حامل!! يعني إيه؟
جلس "أنس" على الأريكة بخنق وشعور بالثقل والعبء يضغط على صدره يخنقه أكثر فقال:- مش عارف يا ملك؟ أنا خايف ومكنتش عامل في حسابي أن يكون في طفل في الوقت ده ذاتًا، كنت محتاج تأخر الحمل حجة عشان أصارحها بجوازنا بحجة إني عايز طفل.
جلست "ملك" جواره بقلق يحتلها ورفعت يدها إلى رأسه تداعب خصلات شعره بحنان ثم قالت بحزن:- خلاص يا حبيبي، مش مهم تصارحها دلوقتي، أجّل موضوع إعلان جوازنا ده لحد ما تلاقي حجة تانية وأنا مش مستعجلة.
نظر إلى وجه "ملك" فتاته الجميلة التي سرقت قلبه من "تيا" بنظرة واحدة من عينيها، بل رقة قلبها وضعفها الذي جعله يشعر برجولته واحتياجها إليه على عكس "تيا" التي تتحمل مسؤولية كل شيء ولا تحتاج إليه إلا من أجل علاقتهما الزوجية فقط.
أخذ وجه "ملك" بين يديه ليقول بحب متناسيًا كل همومه:- أنا بحبك أوي يا ملك، بحبك ومقدرش أعيش من غيركِ، عارف إنكِ مستحملاني كتير أوي بس والله لأعوضكِ يا روحي.
نظرت "ملك" بعينيه التي تتلألأ ببريق العشق فقالت بهيام غارقة بحبه:- أنت عوضي يا أنس، أنت عوضي على كل حاجة وحشة في الدنيا دي.
ضمها إليه بحب مشتاقًا إليها لتتشبث بيه بقوة بكلتا يديها وتستنشق رائحته الرجولية ويديه التي تسللت إلى سحاب فستانها مع أنفاسه الدافئة يسرقوها إلى عالم آخر لا تعرف فيه سوى أنها عاشقة لهذا الرجل وقد فتن قلبها بزوجها الدافئ ليحملها معه إلى غرفتهما هائمًا بعشقهما متناسي "تيا" وغيابه عنها وقد ذاب قلبه وعقله للتو مع محبوبته الرقيقة كفراشة زينت بستانه تقبل وردة الجميلة.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثامن 8 - بقلم نور زيزو
تحدثت "قُسم" بلطف مُصطنع مُحرجة من والدتها:
- أعمل أي يا ماما، باب العربية كان فيه حديدة دخلت فى أيدي مشوفتهاش، يلا الحمد لله على كل حال.
تنهدت "صفية" بأريحية على طفلتها ثم قالت:
- ماشي، أنا هقوم أحضر العشاء يكون قاسم جه من الدرس كمان.
نظرت "قُسم" حولها بدهشة من غياب أخاها فقالت بمرح:
- صحيح، هو فين؟ هو فك الجبس ولا أي؟
أجابتها "صفية" وهى تقف فى المطبخ بصوت مرتفع:
- اه راح الصبح مع صاحبه فكه ورجع نام شوية وصحي على العصر ذاكر وعمل الواجب قبل ميعاد الدرس، الواد دا مغلبني معاه مش قادرة عليه يذاكر بضمير عشان مُستقبله، لا... يصحي يقرأ الملزمة ويحل الواجب قبل الدرس بساعة وكدة يبقي كتر خيره.
تحدثت "قُسم" بجدية صارمة تقول:
- مفيش الكلام دا، أبنك لازم يتشد عليه عشان مستقبله، أمال هيعمل السنة الجاية شهادة.
دلفت إلى غرفتها مُنهكة لتبدل ثيابها الملوثة بالدماء فجلست على الفراش بعباءة البيت الوردي بنصف كم ونظرت إلى ملابسها وأثر الدماء عليها لتتذكر وجه "غفران" وهو يعالج جرحها قدر المُستطاع بلطف فى حين أنه كان غاضبًا كالثور الهائج فى وجه زوجته، وضعت يدها على قلبها بحيرة من امرها والخوف تسلل إلى جوفها وقلبها من القادم لكنها لا تملك خيار أخر، ظهور "غفران" كطوق النجاة لها من أجل علاج والدها والديون الموجودة على عاتقها، لا خيار فى الهرب من هذا العمل فتحلى عقلها بالصمود وقلبها بالقوة لأجل الاستمرار من أجل قشاوة الحياة، وضعت الملابس بلا مبالاة فى صندوق الملابس المتسخة وخرجت إلى والدتها تساعدها فى المطبخ، وقفت تغسل الأطباق الموجودة فى الحوض لتسمع صوت "صفية" تقول:
- أنا بكرة هروح أدفع مصاريف المستشفى وأطمن على أبوكِ.
أومأت "قُسم" لها بنعم لتسرع "صفية" لها بهلع تمنعها من وضع يدها فى الماء لتقول:
- أنتِ مش وعيك ولا أي، حد أيده متخيطة يحطها فى مياه كدة، ما لكِ يا قُسم جرا لعقلك أي؟
نظرت "قُسم" إلى وجه والدتها بحيرة والفوضي العارمة بداخلها الآن تنهش بكيانها كالدودو ببطء شديد، أبعدتها والدتها لتقول بحدة:
- روحي حطي الأطباق على السفرة ومالكيش دعوة بالمواعين دي؟، يلا أمشي هتفضلي متنحة فى وشي كدة.
أخذت "قُسم" الأطباق وخرجت لتسمع إنذار هاتفها مُستلم رسالة جديدة بأشعار تطبيق المراسلة (واتس اب)، كانت مُدركة من قبل أن تراها أن هذا أما "حازم" أو "غفران" وليس ثالث لهما، فتحت الهاتف وكان كما توقعت رسالة من "غفران" يسأل عن حالها قائلًا:
( _ عاملة أى دلوقت، أنا أسف جدًا على اللى حصل).
كتبت رسالة إليها بهدوء ولا تعلم سبب أنجذابها للرد عليه وضعفها لرفض الرد أو تجاهله:
( _ أحسن الحمد لله، بالعكس أنا اللى أسفة أنى عطلتك معايا اليوم كله).
بدأت الرسائل فى الذهاب والعودة بينهما مُجيبين على بعضهما:
( _ عطلتيني أي بس، اللى يغلط لازم يستحمل غلطه وأنا اللى كسرت الفنجان وأنا برضو اللى وقعتك عليه فالغلط كله عليا).
نظرت "قُسم" حولها بقلق أن تأتي والدتها وعادت للنظر إلى الهاتف وكتبت رسالة جديدة إليه:
( _ عادي ولا يهمك أنا مقدرة الموقف اللى كنت فيه، طبيعي لحد أعترض للخيانة حسب ما فهمت، أنا كمان لو أتعرضت لنفس الموقف ممكن يكون ردي أكبر من كدة).
أتسعت عيني "غفران" بصدمة ألجمته من كلمتها الأخيرة، أدرك أنها فهمت أنه تعرض للخيانة من زوجته ولسانه الذي باح بهذا الأمر أمامها ليلقي بالهاتف على سطح المكتب بغيظ شديد ووقف ينظر إلى الحديقة من خلف الجدران الزجاجي بشرود قاتل، يمزقه الفكر خصيصًا أن أفكاره كلها سيئة وغليظة، خيانة "كندا" التى باتت واضحة أمامه و"قُسم" التى تجرأت على التحدث عن امر خاص هكذا بعفويتها البريئة، فكر فى معاقبتها على تخطي الأمر لكنه لا يملك عقاب لها سوى منعها من القدوم إلى القصر وهذا يعنى أنه لن يراها أبدًا وهذا العقاب سيحل به هو وليس هي فقط.
تعجبت "قُسم" لتأخره فى الرد على رسالتها الأخيرة، أغلقت الهاتف سريعًا عندما فُتح باب الشقة لترى "قاسم" عاد للمنزل وخرجت والدتها بطاجن المكرونة البشاميل وجلسوا ثلاثتهما يتناولوا العشاء معًا وعقلها شاردًا وعينيها تمقن الهاتف من تارة إلى أخرى مُنتظرة رسالته ليقتل الهاتف صمته الساكن وأعلن عن أستلم رسالة فأخذته بلهفة جعلت "صفية" و"قاسم" ينظران إليها من لهفتها عليه، وجدت رسالة من "حازم" وكأنها جاءت لتنقذ أمر لهفتها أمامهما فقالت بهدوء وهى تغادر السفرة:
- حازم.
أدارت الهاتف لهما مبرر سبب لهفتها لترى والدتها اسم "حازم"، دلفت "قُسم" للشرفة الخارجية وتنفست الصعداء بأريحية من نجاحها فى التخلص من عيني والدتها، قرأت رسالة "حازم" وكان محتواها:
( _ أنتِ غيرتي لون الصالة من غير ما تقوليلي ليه؟).
تنهدت بضيق وأتصلت به بعد قرأت الرسالة فقالت:
- أي يا حازم.
أجابها الطرف الأخر بضيق واضح فى نبرته الحادة:
- أنا اتفقت معاكِ على اللون الجيري للصالة، أروح النهار دا مع أمى ألاقي الراجل عامله فانيليا وقولي أنكِ طلبتي منه دا.
تنهدت بأختناق من نبرته وأحتدت نبرتها ككلماتها حين تحدثت "قُسم" بضيق قائلة:
- قُلتلكَ يا حازم الجيرى هيضيق الصالة لأن فى الأصل مساحتها صغيرة والفانيليا لايت حلو وهيوسعها ومسمعتش مني، وأفتكر انى كذا مرة قُلت أنى دى شقتي أنا من حقي أعمل فيها اللى يعجبني لأن ببساطة أنا اللى هعيش فيها مش الست الوالدة، مرات خالي على عيني ورأسي لكن فهمها تبطل تتدخل فى حياتي بالشكل دات.
تحنح "حازم" بضيق عاجزًا عن الرد بسبب وجود والدته بجانبه فى الشقة وفهمت "قُسم" هذا الأمر لتقول بجدية:
- هى جنبك؟!!، متصل بيا تتخانق وأنت قاصدها عشان تثبت لها أنكَ مسيطر فى العلاقة دى ولا عشان تحرجني أنا قصاده، على كلا مش فارقة كتير أنا عملت اللون الى عاجبني فى بيتي اللى أنا هعيش فيه ووصلها تبطل تتدخل فى كل حاجة تخصنا لأن دى حياتنا إحنا وأنا فاض بيا التصرفات دى... سلام لما تبقي فاضي تكلمني وأنت لوحدك أبقي أتصل.
أغلقت معه الخط بضيق ونظرت إلى الشارع بحيرة من أمرها.
***
[[ قصر الحديدي ]]
تسللت "كندا" من باب المطبخ الخلف وهى تملك هاتفها فى يدها الذي يرن برقم "عفيفي" ووقفت مُختبئة خوفًا من "غفران" الذي أنقلب عليها لتُجيب عليه بضيق قائلة:
- مش كنسلت عليك مرة وأتنين وعشرة، أنت عايز توديني فى داهية.
- داهية!!
قالها "عفيفي" على السماعة مُندهشة من طريقتها ونبرتها الخافتة بخوف لتقول بحدة تهمس إليه:
- غفران شاكك فيا، متتصلش تاني وأنا لما أعرف أتصل بك هأتصل.
تأفف "عفيفي" بضيق من تصرفها حتى أنها سمعت الأففة بوضوح ثم قال بجدية:
- ماشي يا كندا وأنجزي فى موضوع الفيلم عشان لو هتفضلي بالحال دا وكل شوية تقرفني بغفران هشوف بطلة غيرك، ما هو أنا مش هعيش عمري كله على قرار سي غفران بتاعك.
- أمممم حاضر، هجيلك بعد بكرة الساعة 3، غفران بيكون مشغول مع نالا ودروسها... يلا سلام.
قالتها بضيق شديد وأغلقت الخط ثم مسحت المكالمة من سجل المكالمات ودلفت للداخل بذعر قبل أن يراها أحدها.
***
[[ شركة الحديدي ]]
دلف "عُمر" إلى المكتب بصحبة رجل خمسين يرتدي قميص أبيض بخطوط سوداء وبنطلون أسود سمين قليلًا ليقول:
- صابر، السواق اللى حضرتك طلبته.
رفع "غفران" نظره إلى هذا الرجل وكان وجهه كالمعتاد ضبابي ولا يرى منه شيء فلم يهتم كثيرًا ليقول:
- عرفه التعليمات كويس والمطلوب منه وسلمه عربية جديدة لـ قُسم وعرفوا مواعيدها وهيجيبها منين ويوصلها فين؟
أومأ "عُمر" إليه بنعم ثم غادر المكان فى صمت تاركًا "غفران" مندمج فى عمله كالمدمن وهو الشيء الوحيد الذي يشعر بالأمان به، بل خوف أو تردد من عيون الناس، لن ينظر إليه أحد بأشمئزاز ويتساءل أحد عن غموضه وتجاهله للأشخاص الموجودين من حوله، نظر فى ساعة يده الفضية المرصعة بالألماس وكانت الثانية عشر ظهرًا وبعد ساعتين تقريبًا ستأتي "قُسم" إلى قصره من أجل موعدها مع "نالا" لكن هذه المرة تعمد "غفران" البقاء فى الشركة والهروب من لقاءها.
***
ركضت "قُسم" إلى المستشفي بعد خروجها من المدرسة من أجل اتصال والدتها لتراها تقف هناك تبكي مع الطبيب ففزعت خوفًا أن يكون اصاب والدها المريض شيء فسمعت الطبيب يُحدث والدتها قائلًا:
- إحنا عملنا كل اللى نقدر عليه لكن صدقيني هو مش هيقدر يستني دوره على نفقة الدولة، جميل محتاج العملية دى ضرورى فى أسرع وقت ممكن ولازم نلقي قلب.
غادر الطبيب بعد حديثه المُخيف لتربت "قُسم" على كتفي والدتها بحزن ودموع تلألأت فى جفنيها خوفٍ من فقد والدها، يقتلها الوجع من رؤية والدها يصارع الموت وهى عاجزة أمامه على فعل أى شيء له فدلفت إلى غرفته بعد أذن من الممرضة وكان جسده مُحاط بالأجهزة الطبية وهو غائبًا عن الوعي لتترك العنان إلى دموعها حتى تنال حُريتها فى السقوط والهروب من أسرها فقالت ببكاء:
- أعمل أي؟ بابا رد عليا؟ أعمل أي؟ أديك قلبي طيب.
جهشت فى البكاء بينما تجلس جواره وتأخذ يده فى يديها الأثنين تتشبث بهما بضعف وجسدها الهزيل قد تخلى عن صموده الآن، تمتمت بضعف وصوت واهن:
- أنا شيلت كتير يا بابا على أمل أنك تخدني فى حضنك من تاني، أرجوك وحياة غلاوة قُسم عندك ما تعمل فيا كدة وتمشي، أنا أستحملت كل التعب دا عشان خاطرك وعلى أملك متسرقش منى الأمل دا، أنا ماليش غيرك سند فى الدنيا دى، أوعى تكسر ضهري أو تسيبني من غير سند فى الدنيا دى.
أنهارت من البكاء فوضعت رأسها على صدر والدها بحزن شديد تفرغ كل ضعفها بين أحضانه حتى تستمد القوة منه لأجل البقاء فى محاربة الحياة.
***
سقط القلم من يد "غفران" بصدمة ألجمته حين وقف من مقعده مُصدومٍ وقال بتمتمة لا يُصدق:
- خرجت من القصر.
- للأسف، الحارس شافها فى الكاميرا وهى بتخرج ولابسة لبس من بتوع الخدم وركبت عربية أوبر قدام القصر.
قالها "عُمر" بضيق شديد ليصرخ "غفران" بغيظ شديد:
- وأزاى الأوبر دا دخل الكمبوند هاااا، وأزاى المُتخلف دا ممنعهاش.
قالها بضيق شديد وهو يأخذ هاتفه من فوق المكتب ليغادر المكتب منُسرعًا كالمجنون وفى عقله فكرة واحدة أنها ذهبت لتخونه من جديد ولم تتحمل البُعد عنه، صعد بسيارته كالمجنون وقادها بنفسه دون أن ينتظر "عُمر" الذي صعد بسيارته مع "سمير" خلفه، قاد بسرعة جنونية ولسانه يتمتم بخيبة وخنجر الخيانة يمزقه من الداخل:
- كدة يا كندا، برضو بتخونيني..... والله لأقتلك المرة دى.
كان يقود كالمجنون وتخطي بسرعته 220 مما جعل سيارته كالصاروخ المُنطلق على الأرض يطويها طيٍ، حصل على الكثير من المخالفات برداد لكنه لا يبالي لأى شيء حتى مرت من جاورة درجة نارية بها شابين وكاد أن يدهسهما؛ ليُدير مقودته مُتجنبهما فأصطدمت السيارة بحافة الطريق لتُدمر كليًا وباتت تشبه عبلة دهسها المارة بأقدامها، ترجل "عُمر" من السيارة كالمجنون والدخان يخرج منها بغزارة وتجمع الجميع حوله وتوقفت بعض السيارات، أخرجه "عُمر" مع "سمير" بصعوبة والدماء لوثت وجهه كاملًا ولحُسن حظه أن السيارة أنفجرت بعد أن خرج، تنهد "عُمر" بذعر وهو جالسًا على الأرض من أنتفاضته بسبب الأنفجار، حمل "غفران" إلى سيارته وأنطلق كالمجنون به إلى أقرب مُستشفي بخوف مع "سمير".
- عند ارتجاج بسيط، الحمد لله مفيش حاجة خطرة.
قالها الطبيب بعد فحصه ليتنهد "عُمر" بأريحية رغم خوفه من جلب "غفران" إلى المستشفي وقد يُكشف مرضه من أشعة المخ، اتصل بعائلته ليخبرهما بالحادثة خوفًا من غضب والدته الصارمة وأثناء حديثه رأى "كندا" تدخل من باب المُستشفي ليسرع إلى غرفة "غفران" وقال بهدوء:
- مدام كندا تحت.
كان خائفًا أن يفضح أمره أمام "كندا" فأخبره بهوية المرأة التى ستدخل الآن إلى غرفته ليغضب "غفران" بحدة وإذا رآها الآن سيقتلها حقًا.
وصلت "قُسم" للطابق الأول مع والدتها مغادرة المُستشفي حتى أستوقفها حديث الممرضة تقول:
- مش عايزة المستشفي تتقلب بيقوله أن الرجل اللى جه فى حادثة من شوية رجل مهم فى البلد.
أجابتها الأخرى بدهشة من رؤية شخص مثله هنا تقول:
- أيوة غفران الحديدي، دا راجل ملياردير بقوله أن ملِك العربيات فى الشرق الأوسط كله.
أتسعت عيني "قُسم" بفزع شديد لا تعلم سببه رغم أنها غاضبة منه بسبب تجاهله لرسالتها لأيام، أستدارت إلى والدتها تقول بهدوء:
- أقعدي أستنيني هنا، أنا نسيت تليفوني عند بابا هجيبه وأجي على طول.
أومأت "صفية" بحزن مُخيم على قلبها وصدرها بسبب حالة زوجها، هرعت "قُسم" إلى الممرضة تسأل عن غرفته وأخذت الدرج بسبب زحمة المصعد، دقت باب الغرفة ودلفت لتراه وحيدًا بها وجالسًا بالفراش وحول رأسه شاش طبي فنظر "غفران" نحوها بضيق وغضب يفتت قلبه وصدره فقال بضيق:
- جيتي ليه؟ ما تروحي تكملي نجاستك معاه، مرة تانية بقطع لحظاتكم بس سؤال أنتِ بتحسي بأيه وأنتِ بتخونيني معاه هاااا.
صرخ بقوة جعلتها تنتفض من أرضها وشهقت بينما عينيها تحملق به بدهشة عن أى خيانة يتحدث ومن هذا الذي ذهبت إليه؟ لم تفهم شيء فأقتربت خطوة وكادت أن تسأله عن معني كلماته فقال بحدة صارمة:
- أنا هقتلك يا كندا، هقتلك على كل لحظة خونتني فيها ودُستي على كرامتي وكبريائي ورجولتي، هقتلك على الزن اللى بتعمليه ومش هأخد فيكي يوم واحد.
لم تفهم لما حديث معها عن زوجته وعيونهما قد تقابلت بوضوح فى نظرة طويلة لتدمع عينيها بألم من رؤيته مكسورٍ وجريحٍ هكذا، صرخ بوجهها وهو يقول:
- أطلعي برا، وفكرى فى مكان تهربيه فيه قبل ما أخرج من هنا، أطلعي برررررا.
فتح باب الغرفة ودلف "عُمر" غلى الغرفة على صوته العالي ليُصدم عندما سمعه يقول:
- أنتِ خاينة يا كندا والخاينة بتموت ويا ويلكِ من وشي التاني، أنا غفران الحديدي.
أتسعت عيني "عُمر" على مصراعيها من كلماته بينما "قُسم" من تقف أمامه وشعر أن أمره قد فضح أمامها ليقول بتلعثم:
- أنسة قُسم.
ألتفت "قُسم" إليه باكية وتمتمت بحزن شديد:
- أنا كنت عايزة أطمن عليه.
أتسعت عيني "غفران" على مصراعيها بصدمة ألجمته كليًا من سماع صوتها الذي ميزه بوضوح وقد أدرك أن من تقف أمامه هي "قُسم" وقد قتلته الصدمة من وجهها الذي بات ضبابي الآن وهذا الوجه الوحيد الذي رآه فى حياته فأدرك أن هذه الحادثة سرقت منه وجه "قُسم" كما سرقت الحادثة السابقة وجوه الجميع منه، هرعت إلى الخارج بخوف مما سمعته وصراخه الذي أفزعها مع تهديد القتل، مع خروجها دلفت "كندا"، منعها "عُمر" من الدخول وظل مع "غفران" وحدهما فى الغرفة ينظر إليه بصمت، تحدث "غفران" بهدوء شديد:
- كلم الدكتور فى فرنسا يا عُمر وسيبني لوحدي دلوقت.
أومأ إليه بنعم وغادر الغرفة وكان حارسه الشخصي قد وصل فأمره ألا يجعل أحد يدخل الغرفة نهائيًا.
***
[[ قصر اللؤلؤ ]]
فزعت "نورهان" من فراشها بعد أن القت عليها "رزان" خبر حادثة "غفران" فقالت بفزع:
- غفران!!، جرا له حاجة... اجري خليهم يجهزوا العربية.
أومأت "رزان" بنعم وقالت بقلق:
- أنا طلعت لحضرتك الهدوم ومستعدين.
ترجلت "نورهان" من الفراش بقلق فرغم حجود قلبها ألا أن هذا القلب الغليظ هو قلب أم تخشي الخدش على أطفالها، أرتدت ثيابها وأستعدت للرحيل فرأت "تيا" تفتح باب السيارة وتصعد معها فقالت بهدوء:
- خُديني معاكِ يا مامان.
نظرت "رزان" التى تحتل مقعد السائق إلى الخلف حيث "تيا" رافضة رفضًا قاطع وجود "تيا" بالسيارة حسب تعليمات "نورهان" الصارمة فأومأت "نورهان" بقلق وقالت:
- أتحركي يا رزان.
قادت السيارة إلى المستشفي حيث "غفران" لتقول "نورهان" بضيق:
- أمال جوزك فين؟ هو مش المفروض اللى مرمي فى المستشفي دا أخ مراته ولا هو وجوده زى عدمه، أطمن بس على أخوكي وبعدين أنا ليا تصرف مع أنس على طريقتي.
قاطعتها "تيا" بخوف على زوجها من غضب والدتها الشراسة فقالت بترجي:
- لا يا ماما أرجوكِ متعملهوش حاجة.
رمقتها "نورهان" بحدة وتأففت بضيق ثم نظرت للنافذة مُتحاشية النظر إليها ثم قالت بغيظ:
- أنا خبتي فيكِ أنتِ وأخوكِ، واحد متجوز واحدة زبالة والتانية واخدة واحد مبيهموش ألا مصلحته وكله بسبب الحب وكل ما أتكلم مبسمعش غير كلمة بحبه وبحبها كتكم القرف.
نظرت "تيا" إلى النافذة دون أن تجيب وتجادل والدتها الجادة وشخصيتها القوية سترفض الجدال تمامًا والإقناع بشيء هى لا تقبل به من البداية.
***
كان "غفران" فى حالة من الصدمة التى خيمت على عقله مُنذ خروج "قُسم" من الغرفة، لا يستوعب هذه الحالة تمكن من رؤية وجهها والآن أصبحت كالبقية بلا ملامح أو وجه فى عينيه، لن يستطيع رؤية دموعها من جديد أو بسمتها وعينيها الخضراء، سُلب من عينيه كل شيء بفضل زوجته الخائنة مما جعله يكن الكثير من الغضب وأكثر بعد ما حل به وسرق الأمل من عينيه من جديد، دلف "عُمر" إلى الغرفة بهدوء وحده وكان معه ملابس جديدة لرئيسه وقال:
- أنسة قُسم كانت فى المستشفي وسمعت بوجودك أكيد من أى حد، باباها فى حالة حرجة مُتأخرة ومحتاج عملية زرع قلب فى أسرع وقت، الدكتور بيقول مش هيستحمل أسبوع كمان.
كان "غفران" يستمع لحديثه وهو يقف فى المرحاض يبدل ملابسه فتابع "عُمر" بهدوء معلوماته التى جمعها:
- أنا هتصل أصلح الأمر معها وهقولها أن الحادثة دى سببت عمي موقت من الخبطة والموضوع أتحل بعد ساعات وهنتعمل زى ما بنتعمل مع أى حد.
خرج "غفران" وهى يغلق أزرار قميصه بضيق ليقول:
- متكلمهاش لا، عملت اى مع الدكتور.
- اتكلمنا ودكتور ألبيرت حابب يشوفك أكتر وخدت ميعاد بعد بكرة بس موضحتش له أى حاجة عن حالة قُسم زى ما حضرتك أمرت، هخليهم يجهزه الطيارة بكرة الصبح على طول.
قالها "عُمر" بجدية ليفاجئه "غفران" بحديثه حين قال:
- أتصل به خليه يوصلك لدكتور قلب كويس وتأخد ورق اللى اسمه جميل دا وتبعته النهار دا قبل طول الشمس يكون عندي الجواب فيه أمل فى حالته ولا لا.
أتسعت عيني "عُمر" على مصراعيها وهو لا يستوعب هذا الأمر ولما "جميل" وطبيب فى فرنسا فقال "غفران" مبرر طلبه لاول مرة إلى "عُمر":
- دى الطريقة الوحيدة اللى هقدر أخد بيها قُسم لدكتور ألبيرت.
قالها بحدة صارمة فسمع ضجة أمام باب غرفته تمنعه من استكمال الحديث.
وصلت "نورهان" إلى غرفته لترى الحارس يقف عليها و"كندا" بالخارج محلها مُنذ أن جاءت فقالت "نورهان" بحدة:
- الله يرحمني منكم، عديني.
- ممنوع.
قالها الحارس بوجه حاد أمام "نورهان" التى أتسعت عينيها على مصراعيها من هول الدهشة بسبب جراءة الحارس وشجعته للوقوف أمامها ومنعها من الدخول فقالت "كندا" بقلق:
- ومش عايز يدخلني أنا كمان، أرجوكِ خليني أدخل معاكِ أطمن على غفران، من ساعة ما جيت وأنا واقفة كدة.
رمقتها "نورهان" بصدمة لكن صدمتها كانت بسبب منعها من الدخول فقالت بنبرة غليظة:
- قُلت ممنوع.
- أرجوكِ يا دكتورة تتفهمي وضعي أنا هنا عبد المأمور، مُنفذ أمور رئيسي بس.
قالها بترجي فى نبرته ألا تأذيه على جراءته وقبل أن تتحدث فُتح الباب ليخرج "غفران" منها وقال:
- نعم، مش جيتوا تطمنوا عليا، أنا كويس.
قالها وأنطلق بطريقه للخارج مُتجاهل الجميع ومعه حارسه و"عُمر" مما أصاب "نورهان" بدهشة من تجلد ابنها وحتى محبوبته التى لطالما وقف أمام والدته لأجلها تركها خلفه فقالت بتمتمة:
- لا، دا في حاجة وكبيرة.
***
جلست "ملك" فى الشرفة مع "قُسم" تحدثها عن "غفران" بقلق فقالت "ملك" بضيق:
- أنتِ غلطانة يا قُسم، مكنتيش روحتي شوفتيه أصلًا، أي يعني مُدرسة لبنته، دا أسمه عك.
تنهدت "قُسم" بحيرة من أمرها وهى نفسها لا تفهم سبب ركضها إليه بمجرد سماعها لخبر أصابته، لاحظت "ملك" شرود صديقتها فى التفكير فقالت بتمتمة:
- اي روحتي بعقلك لحد فين؟
رفعت "قُسم" نظرها إلى صديقتها وقالت:
- مش عارفة يا ملك؟ مش عارفة القدر واخدني لحد فين؟ ربنا يستر، سيبك مني أنا، عملتي أي فى العريس اللى جالك؟
تنحنحت "ملك" بتوتر شديد ثم قالت بلطف:
- مرتاحتش له لما شوفته، تقيل كدة فى نفسه ودا شيء مش مريحني.
أومأت "قُسم" لها بنعم وقالت بلطف:
- ولا يهمك يا حبيبتي ربنا هيعوضك وأكيد شايلك الأحسن، أنا هقوم أعمل شوية فشار وعصير.
وقفت "قُسم" فقاطعها رنين الهاتف الخاص بـ "ملك" فأستدارت حتى لمحت الرقم مُسجل بقلب فقط دون أسم فرفعت نظرها إلى صديقتها التى توترت جدًا وقالت بتوتر:
- لا متتعبيش نفسم أنا همشي.
غادرت المكان مُسرعة مما أدهش "قُسم" وخرجت خلفها بقلق فسمعتها تُجيب على الهاتف وتقول:
- أي يا انسة.
تأكدت "قُسم" من شكوكها حول صديقها وأنها على علاقة برجل ولم تخبرها وقبل أن تواجهها أوقفها هاتفها الذي وصلت رسالة جمدت "قُسم" محلها وأتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها وحدقت بالهاتف مُطولة مع أرتجف قلبها وجسدها وعينيها تحملق برسالة "غفران" الذي كان محتواها:
( _ أنا عندي قلب لباباكِ).
رواية غفران هزمه العشق الفصل التاسع 9 - بقلم نور زيزو
ظلت "قُسم" شاردة برسالة طيلة الليل حتى شروق الشمس. لم تكن تعلم ماذ تفعل؟ تذهب لمقابلته أم لا؟ حياة والدها على المحك لقرارها.
لم تشعر بشيء سوى وهى تخرج ملابسها من الخزانة. ارتدت بنطلون جينز وتي شيرت وردي اللون طويل يصل لركبتها بكم. أخذت هاتفها في يدها ثم خرجت من شقتها كي تذهب إليه.
كان "غفران" نزيلًا بالفندق الذي جمعهما لاول مرة. دلفت "قُسم" إلى المطعم لتراه جالسًا هناك على الطاولة يتناول فطاره مع "عُمر" الذي وقف فور وصولها. بينما "غفران" تابع تناول الطعام بكبرياء.
تحدث "عُمر" بهدوء:
- اتفضلي يا آنسة قُسم.
جلست "قُسم" ليغادر "عُمر" الطاولة. رفع "غفران" نظره إليها وكان وجهها ضبابي جدًا لا تملك أي ملامح، فقط شعرها مُصفف على الجانبين بحرية. قال ببرود شديد أحتله:
- كُلي.
وضعت الهاتف أمامه على الطاولة بضيق من بروده وهى كالجمر تحترق بنار رسالته. فقالت بغلاظة:
- ممكن أفهم معني الرسالة دي؟
أخذ المنشفة الصغيرة ليمسح كفيه بها ثم نظر إلى وجهها بلا مبالاة فبات لا قيمة لهذا الوجه. وقال:
- رسالتي واضحة جدًا، أنا عندي قلب لباباكِ أستاذ جميل ومستعد أعمله العملية بكرة لو تحبي.
ضحكت "قُسم" بسخرية من أمره ومسكت الهاتف بيدها مُشيرة به على "غفران" بذهول. قائلة:
- بالضبط، أنت هتستفاد أي بمساعدة زي دي، لا مساعدة دي اللي تكلف فوق الربع مليون جنيه؟ هو أنت ليه محسسني إنك بتعرض عليا كيس شيبسي بـ 10 جنيه.
عاد بظهره للخلف من انفعالها ومرر سبابته على فنجان قهوته بهدوء شديد يزيد من استزازها. ثم قال بكبرياء:
- أكيد مفيش حاجة في الزمن ده من غير مقابل.
رمقته "قُسم" بدهشة من كلمته وقالت بهدوء:
- ودا اللي أنا خمنته، عندك مقابل؛ اللي هو؟
- تعملي اللي بتعرفي تعمليه، تدي نالا دروس لأنها ما ارتاحتش لأي مدرسة غيرك وسعادة بنتي ونفسيتها أهم بكتير من كنوز العالم كله. أنتِ هتساعدي بنتي وأنا هساعد باباكِ، كل واحد فينا هيعمل اللي يعرف يعمله بقدراته.
قالها بهدوء شديد. أربكت "قُسم" من كلماته. ربما حقًا تهمه ابنته بقدر ما يهمها والدها. فهي طفلته الوحيدة وهو رجل يملك المال لذا يحاول جاهدًا العثور على سعادة طفلته بالمال الذي يملكه.
قاطع تفكيرها قدوم "عُمر" الذي وضع ملف أمامها. بيه ورقة لتفتحها وهى تسمع صوت "غفران" يقول:
- دا عقد تدريس مدته 4 سنوات لحد ما نالا تخلص ابتدائي. في المقابل أنا هدفع تكاليف العملية.
نظرت "قُسم" إلى "غفران" مطولًا بحيرة من أمرها ولا تفهم شيء في القانون وهل سيضرها هذا العقد بشيء في المستقبل أم لا. توقيعها يعني نجاة والدها من الموت. وهذا الشيء الوحيد الأكثر واقعية وجدية لتوقع العقد بيدي مرتجف دون أن تقرأ شيء به.
فتبسم "غفران" وقال بتحدٍ وثقة:
- يا دوب تجهزي شنطتك لأن عملية باباكِ بكرة الساعة 9 في فرنسا.
اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها. وقالت بتلعثم:
- فرنسا!! إزاي أنت....
قاطعها وهو يقف من أمامها بكبرياء متغطرس:
- أحسن وأكبر دكتور في جراحة القلب. عمر بعتله الأشعة والتقارير عن حالة جميل وأكد نسبة نجاح العملية وحددنا ميعاد بكرة لأن حسب ما الدكتور قال إن الوقت مش في صالح والدك.
- بس دي تكاليف كبيرة قوي.
قالتها "قُسم" بتوتر شديد من غموضه وخباثته في إخفاء الأمور. ليبتسم "غفران" بخفة:
- مال الدنيا كله ميساويش حاجة في سبيل سعادة نالا، زي بالضبط ما أنتِ مستعدة تعملي أي حاجة عشان تنقذي أبوكِ. يلا شدي حيلك لأن لازم نكون في فرنسا الصبح. عمر هيعدي عليكِ بعد ساعة تكوني جهزتي نفسك.
أومأت إليه بنعم فغادر مع "عُمر" الذي تحدث بفضول:
- حضرتك مش قلقان إن مامتها اللي تيجي وبعد كل دا قُسم متجيش؟
تبسم "غفران" بخباثة ومكر يمتزج عقله به. وقال:
- أنت مش سألت في الجوازات وعرفت إن مامتها متطلعتش جواز سفر، مفيش جواز سفر هيطلع في سفر يا عُمر، معندهمش خيار تاني غير إن قُسم اللي تيجي.
أومأ إليه بنعم شاهدًا بذكاء رئيسه وطريقته في نيل ما يريده. تنحنح بحرج وقال بقلق:
- قُسم مقرأتش بنود العقد.
تبسم "غفران" بمكر شيطاني ونظر إلى "عُمر" بانتصار. ثم قال بهدوء:
- لأ.
- إنها بريئة يا عُمر، قلبها رقيق مش شايف غير مرض أبوها، القلق عماها عن التفكير وخلاها توقع من غير ما تقرأ هي بتمضي على إيه؟
دخل الاثنين إلى المصعد بهدوء ليغلق بابه من جديد عليهما. بينما "عُمر" يضغط على زر طابق 20. وقال بفضول يقتله:
- بس قُسم حسب اللي أعرف عنها مش هتسكت لما تعرف.
- القانون لا يحمي المغفلين يا عُمر، مسمعتش عن دا.
قالها "غفران" بفخر ولأول مرة يُعجب بمكر عقله الذي جعله أنجح رجل أعمال. لكن الآن هذا العقل جعلها أسيرة إليه دون أن تُدرك وفرسته البرية باتت سجينة اسطبله ولا تملك فرصة للخروج من قيوده.
***
كانت "صفية" في حالة من الفوضى وهي تقف على باب غرفة "قُسم" وترى ابنتها تجمع ملابسها في الحقيبة بتعجل وتروي لها ما حدث. قالت بغضب سافر:
- أنا مش موافقة أبدًا، إزاي دا وإيه المقابل عشان يعمل عملية بمبلغ وقدره، إيه بيستعبطنا ولا نيته فيها إيه؟
- أرجوكِ يا ماما، الراجل بيشتري سعادته بنته، هم الناس الأغنياء كدة بيشتروا أي حاجة بالفلوس، وعادي ما دام دول شوية دروس هيديهم لبنته.
قالتها "قُسم" بسعادة تغمرها من أجل إنقاذ والدها. فتأففت "صفية" فقالت بلطف:
- خلاص خليكِ هنا، أنا هسافر مع أبوكِ.
التفتت "قُسم" إلى والدتها وقالت:
- إزاي وحضرتك معكيش جواز سفر، أنا كويس قوي أنا مطلعة الجواز عشان شهر العسل أهو جاله فايدة، أنا هبقى أطمنك عليا وعلى بابا متقلقيش.
- لا، قُسم.
قالتها معترضة لتأخذ طفلتها الحقيبة وغادرت بتعجل لتصرخ "صفية" بطفلتها المتمردة التي تعصي أمرها. هربت "قُسم" قبل أن تكمل والدتها الجدال. ووجدت "عُمر" بانتظارها في الأسفل بسيارته لتصعد معه. وتعمد "عُمر" القيادة مسرعًا قبل أن يأتي "حازم" الذي لمحها تصعد بالسيارة.
***
نزلت "تيا" من الأعلى تحمل بيدها الهاتف الخاص بزوجها ويدق مرات عديدة. لترى "أنس" جالسًا على الأريكة ينظر بكتاب منغمسًا به. تبسمت وهي تقول:
- أنس، تليفونك عمال يرن مكتوب القبض.
انتفض فزعًا من كلماتها وأخذ الهاتف سريعًا بتوتر. خرج إلى الحديقة واستقبل الأتصال وهو يقول:
- في إيه يا ملك؟
أجابته على الهاتف بهدوء:
- إيه يا أنس، عايزة أشوفك؟ مخنوقة وعايزة أتكلم معاك.
تنهد "أنس" بهدوء شديد وعينيه تبحث حوله حتى لا تراه زوجته. وقال:
- طب يا حبيبتي مش قولنا أنا كل مرة قبل ما أسافر هاجيلك أسبوع كامل قبلها وأقعد معاكِ وبعدين أسافر.
صرخت "ملك" بضيق عبر الهاتف تقول:
- ما أسمع يا انس أنا كمان من حقي زيها بالظبط لما أحتاج جوزي ألاقيه جنبي، وبعدين بقولك محتاجاك يا أخي حس بيا مرة.
شعر بغصة في قلبه تألمه. ثم قال بلطف رافضًا حزنها بشدة:
- خلاص يا ملك اسبقيني على الشقة وأنا ساعة بالكثير هاكون عندك يا حبيبتي.
أومأت إليه بنعم ثم أنهى الأتصال. دلف للقصر ووجد "تيا" تجهز الغداء على السفرة. فقالت بعفوية:
- تعال يا حبيبي، الغداء جاهز.
تنحنح "أنس" بجدية مصطنع الحزن على وجهه. ثم قال بتذمر:
- معلش يا توتا، أنا لازم ألبس وأمشي واحد صاحبي والدته تعبت جدًا وهسافر أنا مكانه.
نظرت "تيا" إليه بحزن وقوست شفتيها للأسفل بضيق واضح في ملامحها. ثم قالت بهدوء:
- بس أنا ملحقتش أقعد معاك.
اقترب نحوها ووضع يديه على كتفيها بدلال. ثم قال:
- معلش يا حبيبتي ظرف طارئ وليكِ عليا أول ما أرجع المرة دي هاخدك ونسافر أي مكان نقضي شهر عسل من جديد.
داعب ذقنه بعفوية ثم قال بحنان:
- اتفقنا!؟
أومأت إليه بنعم. تبسم لأجلها ثم وضع قبلة على جبينها وصعد لكي يهيئ للرحيل تاركًا خلفه هذه الزوجة المغرمة به لأجل خيانته وأنانيته.
***
وصلت "قُسم" إلى المطار لترى سيارة الإسعاف التي نقلت والدها بالأجهزة تغادر. فصعدت على متن الطائرة وكان "غفران" بها مما أذهلها.
قالت بتلعثم:
- أنت هتسافر معايا؟
لم يُجيب "غفران" عليها وظل ينظر إلى الهاتف مُندمجًا بعمله. في حين أن دهشتها بوجوده ألجمتها وحدها وخصوصًا بسفرهما في طائرة خاصة. أرشدتها المضيفة إلى المقعد المقابل له حتى جلست في صمت والتوتر يحتلها ممزوجًا بالقلق والخوف.
شعرت بملل شديد طيلة مدة سفرهما بينما هو يتحدث كثيرًا مع "عُمر" عن العمل. لتغمض عينيها بعد أن وضعت سماعة الأذن في أذنيها. وبعد فترة ليست بقصيرة غرقت في سبات النوم العميق وهي من الأمس لم تغفو لها عين بسبب رسالته.
جاءت المضيفة لتقدم له مشروبًا. حينها رفع رأسه قاطعًا العمل ليراها نائمة وتحتضن الوسادة الصغيرة بين يديها. فقال "عُمر" بخفوت:
- دي نامت.
أشار له "غفران" بأن يذهب للجلوس في مقعده. وظل شاردًا بـ "قُسم" التي سرقت عقله باستثنائيتها. بدايةً من اسمها النادر ووجهها الذي تمكن من رؤيته. ظل يحدق بها مطولًا حتى وصلت الطائرة إلى أرض باريس. ونُقل والدها إلى المستشفى وذهبوا إلى الفندق. فأحضر "عُمر" مفاتيح الغرف وأخذها إلى حيث غرفتها المجاورة إلى غرفة "غفران".
***
تحدث "حازم" بصراخ منفعلًا:
- يعني إيه سافرت، وإزاي أصلًا تسافر لوحدها مع راجل غريب يا عمتي.
تنهدت "صفية" بضيق من حديث "حازم" وهو لديه كل الحق في كلماته الحادة. لتقول بضيق:
- جوز عمتك لازم يعمل العملية دي ضروري يا حازم.
ضرب كفيه ببعضهما ثم وضع يديه في جيوبه بغرور والغضب تمكن منه جدًا. ثم قال بانفعال:
- ويا ترى بقى البيه هيعمل العملية دي مقابل إيه؟ مسألتش نفسك بنتك قدمت له إيه عشان يدفع تكاليف سفر وعملية زي دي إحنا نفسنا مكناش قادرين على تكاليفها جوا مصر عشان يعملها بره مصر.
وقفت "صفية" بغضب قاتل من مقعدها بسبب حديثه الحاد عن ابنتها وأحتدت عينيها الثاقبتين صارخة به:
- اخرس يا حازم، دي قُسم ها، وأنت اللي مربيها على يدك وعارف كويس هي إيه وأخلاقها إيه؟ أنا بنتي أشرف من أي حد ومتربية غصب عن عين التخين.
وقفت "نجلاء" والدة "حازم" السيدة سمنة البدن ترتدي عباءة سوداء وتلف خمارها الأزرق بحزم وعينيها البنيتين يتطاير منهم المكر والخبث. تقول ببرود شديد:
- وهي المتربية تسافر مع راجل غريب لوحدها كده، مقالتش لخطيبها ليه تأخده معاها ما دام المشكلة كانت في جواز سفرك يا عمتي.
حدقت "صفية" بزوجة أخيها الماكرة ولسانها عاجزًا عن الرد بعد أن وضعتها "قُسم" بهذا المأزق وفرت هاربة. تنحنح "حازم" بضيق شديد ويقول:
- خلاص يا أمي خلاص، بس خلي بالك يا عمتي أنا بعدي كتير أوي لقُسم ومش هعدي أكتر من كده.
أخذ والدته الحرباء وغادر الشقة لتجلس "صفية" مختنقة على المقعد. أغلق "حازم" الباب بعد خروجهما ووالدته تتبطأ ذراعه فهمهمت بأذنيه تقول:
- قُلتلك من الأول عمتك مربية بنتها على التفتح كأنها خواجية، دا كفاية أنها ملبستهاش الحجاب لحد دلوقتي وأنت زي الأهبل تقولي أنا لما أتجوزها هلبسها الخمار.
- خلاص يا أمي بقي.
أكملت "نجلاء" بسمها في أذنيه أكثر لتقول:
- هو إيه دا اللي خلاص، أنت عبيط يا واد ولسه مفهمتهاش إن قُسم مش شبهك ولا تنفعك، مالها غالية بنت خالتك ها منتقبة ومؤدبة وهتكون زي الخاتم في أصبعك وعلى الأقل مش هتخرج من غير إذنك، مش دي تقولي مسافرة مع واحد فرنسا ليه فاكرة نفسها في شهر العسل.
اشعلت نيران الغيرة في قلبه من حديث والدته الحادة عن "قُسم" وكونها الآن مع غيره وحدهما. فتأفف "حازم" بضيق شديد. ثم ترك يد والدته وغادر أمامها كالبركان الذي على وشك الانفجار من قوة نيران باطنه.
***
دَلفت "ملك" إلى الغرفة مُرتدية روب من الدانتيل الأحمر فوق قميص نومها وشعرها الأسود مسدولًا على ظهرها مبلل بسبب الاستحمام وحافية القدمين. فلم ينتبه "أنس" إلى قدومها. تحمل بيدها طبق من الفاكهة الطازجة. أطفأ سيجارته سريعًا بعد قدومها واعتدل في جلسته بصدره العاري مُرتدي بنطلونه فقط.
تبسمت "ملك" بلطف إلى وجه حبيبها. وقالت:
- أنا عملتلك طبق سلطة فواكه هيعجبك يا روحي.
أخذ يدها ليرسم بها قبلة ناعمة. وقال بدفء:
- تسلم أيدك يا حبيبتي.
رفعت يدها إلى وجهه تلمسحنته الناعمة بحب يغمرها وتحملق في عينيه الجميلتين. ثم قالت:
- أنت كنت هموت من الرعب لما جابولي العريس ده، متسبنيش يا أنس أنا ماليش حد غيرك وجوز أمي سند مكسور عاوز يجوزني لأي حد عشان يخلص مني، أنت سندي الوحيد في الدنيا دي.
أخذ يدها بين راحتي يديه بلطف يطمئنها بنظراته الدافئة ونبرته اللطيفة حين قال بحب:
- متخافيش يا ملوكة أنا معاكِ يا حبيبتي ومش هسيبك أبدًا، أنا مقدرش أعيش من غيرك يا بت، دا أنتِ بنت قلبي وحب عمري كله.
قوست شفتيها بضيق مصطنع مستديرة تعطيه ظهرها وتمتمت بعبوس:
- أه يا أخويا عشان كده روحت اتجوزت عليا مراتك البرنسيسة.
اقترب أكثر منها ووضع رأسه على كتفها يطوقها بذراعيه من الخلف. ثم قال بلطف مداويًا جروحها ويطفئ نيران غيرتها بحديثه:
- تاني يا روح قلبي، قُلتلك إن جواز بزنس، شغل يا حياتي كنت مجبور عشان خاطر أبويا وشغله مع أخوها الملياردير، فهمتك كذا مرة إن مكنش عندي خيار وأبويا حطني قدام الأمر الواقع عشان ينقذ شركته وشغله، لكن محدش في القلب غيرك يا بت، دا أنتِ الأولى يا ملك.
التفتت إليه بعبوس أكبر تصطنع الحزن رغم ثقتها بأنها الوحيدة في قلبه. لتقول:
- أيوة ما ده اللي قهرني إن أنا الأولى، يعني هي اللي خدتك مني وهي الجديدة يا بيه ومع ذلك مراتك الأولى مستخبية والتانية هي اللي عايشة في النور.
قبل رأسها بحب مدللًا إياها ويده تمسك ذقنها بلطف وضربات قلبه تتسارع بجنون بفضل هذا العشق الكامن بداخله لأجلها. أميرته ومدللته الأولى والأخيرة. فهمس بنبرة دافئة تذيب حزنها وتمتص غيرتها:
- وغلاوتك يا ملك ما حبت ولا هحبك غيرك أبدًا، أنتِ حبيبتي يا بت والله بحبك.
رفعت عينيها تتقابل مع عينيه في برهة من الوقت غارقة بدفء هذا القلب وقلبها لم يكن أقل شوقًا من حال قلبه. سرق عقلها وسلب روحها من هذا العالم إلى عالم آخر لا يعرفه سوى العشاق فقط. هائمة في سحر لمساته وصوتها الهامس الذي يقشعر بدنها وجعلها ذائبة بين ذراعيه. فهمهمت بصوت هامسًا جدًا وهي تلهث من شغف العشق الكامن بداخلها:
- وأنا بحبك يا أنس.
***
أخذ غفران حمامه الدافئ قبل أن يعود "عُمر" من المستشفى. فشعر بدوران في رأسه بسبب إصابة وهو ما زال مصابًا من الحادث. فحاول الوصول للفراش ليهتز جسده وأوشك على فقد الوعي. حتى اتكأ بذراعيه على الطاولة المجاورة فسقطت المزهرية من فوق الطاولة وانكسرت لإشلاء تناثرت على الأرض.
وصل إلى باب الغرفة بصعوبة بالغة وجسده أوشك على الانهزام أمام المرض. ليدق باب غرفة "قُسم" المجاورة ويتمتم بصوت مبحوح:
- قُسم افتحي.
أغمض عينيه مستسلمًا للمرض باللحظة التي فتحت بها "قُسم" الباب لترى جسده يحتك بالباب ساقطًا أمامها. فصرخت "قُسم" بذعر من إغماء "غفران" على باب غرفتها. لم تكن تعلم شيئًا في هذه البلد ولا تعرف كيف تتحدث بلغتهما.
تحملت قدر الإمكان وهي تسنده حتى وصلت إلى سريرها واسقطته بقوة وهي تلهث بذعر من التعب والخوف. جلست أمامه وهي تناديه بفزع:
- غفران... غفران افتح عينيك ارجوك، غفران متسبنيش هنا لوحدي.
بدأت تبكي بذعر من الخوف وهي في الغربة هنا لا تعرف شيئًا ولا تملك شيئًا حتى جواز سفرها بحوزته. دلكت يديه بلطف وأنفه وفعلت كل شيء يمكنها لإيقاظه لكن لا جدوى. جهشت "قُسم" باكية بخوف احتملها كليًا من الداخل. لتقول بتلعثم:
- غفران والنبي... فوق بقى.
وضعت العطر على يدها ثم قربتها من أنفه وهو غائبًا عن الوعي. أخذت هاتفه وفتحتة ببصمة يده لتبحث عن رقم "عُمر" مساعده والشخص الوحيد الذي تملكه في هذه البلد العجيبة لتخبره بما حدث. وجلست كما هي قرب "غفران". عينيها تحدق به بخوف وكان يشبه الملاك في نومه. لترفع يدها إلى رأسه تتحسس حرارته حتى شعرت بنفضة قوية في جسده ومسك يدها فجأة لتفزع من يقظته على سهو.
تمتمت بسعادة:
- غفران.
تشبث بيدها بقوة ثم نظر إلى وجهها بحزن وهو لا يعرف إذا كانت تبكي أم سعيدة؟، خائفة أم غاضبة؟، لا يعرف شيء مما يثقل قلبه. فقال بهدوء:
- هششششش، اسكتِ يا قُسم.
تنفست بأريحية رغم قبضته القوية على يدها التي ضمها أكثر كوسادة بين ذراعيه وأغمض عينيه. فكان من الأفضل له أن يكن كفيفًا لا يرى شيئًا عن هذه المعاناة التي يعيشها. شعرت برجفة جسده في ذراعها الذي يضمه فرفعت يدها الأخرى تمسح على رأسه وأصابعها تتغلغل بين خصلات شعره. فشعر "غفران" بالأمان ولأول مرة يشعر بأنه ليس منبوذًا من الجميع. بل هناك شخص واحد يرغب به وهو كفيف.
جاء "عُمر" مسرعًا بعد تلقي اتصالها. ليراه في الفراش نائمًا وهي تجلس على المقعد المجاورة تراقبه في صمت خائفة. حتى ولج "عُمر" فوقفت بفزع وهي تقول:
- خده وديه مستشفى، أنا معرفش ماله ولا أكل حاجة بايظة لاقيته واقع قدام الباب.
حمله "عُمر" بصعوبة وأخذوه إلى المستشفى. وهناك جاء "ألبيرت" لفحصه. فأمرها "عُمر" بالخروج من الغرفة. وبعد المغادرة تحدث "ألبيرت" باللهجة الفرنسية قائلًا:
- يبدو أن الحادث ضر بمنطقة المغزلية أكثر وهذه المنطقة المسؤولة عن تعرف الوجوه.
سأله "عُمر" بقلق مشيرًا على الباب بلهجة فرنسية:
- لكن مسيو غفران قدر يشوفها بوضوح وهو اللي وصف وشها بدقة ومغلطش في تفصيلة واحدة.
تحدث "ألبيرت" غير مصدق هذه المعجزة يقول:
- مستحيل، ربما سمع وصفها من أحد فبدأ يتخيلها في عقله، لكن الضرر الموجود في المنطقة دي يمنعه من التعرف على الوجوه نهائيًا.
- بعد حادثة إمبارح اعترف إنه مش شايفها زي البقية لكن قبلها كان مدرك تمامًا ليها وقدر يشوف ضحكتها ودموعها.
قالها "عُمر" بضيق من حديث "البيرت" أن "غفران" أصابه الهلوسات وهو لم يخطأ بالتعرف عليها مرة واحدة من قبل. ليتحدث "البيرت" بضيق:
- هذه معجزة، على كل حال سنعمل الفحوصات اللازمة وبعد الأشعة سنتأكد أكثر.
غادر الغرفة ليخرج "عُمر" من الغرفة بضيق ورأى "قًسم" جالسة أمام الغرفة لا تعرف أحد سواه هنا ولا تعرف كيفية العودة للفندق وحدها. فتحدث بجدية:
- معلش، أنا لازم أروح أخلص شوية إجراءات، خليكي هنا ولما أرجع هاوديكِ الفندق.
أومأت إليه بنعم ودلفت إلى الغرفة. فرآه نائمًا في سبات عميق مُنهكًا وبشرته شاحبة وباردة الثلج. جلست على المقعد المجاور له. وقالت بعبوس:
- بيكفيني أبويا مريض كمان أنت، غفران رجاءًا أنا أضعف بكتير من إني أتحمل كل ده لوحدي، رجاءًا عشان خاطر نالا فُق واستعد قوتك، أنت قوي وشجاع أرجوك.
كانت تحدثه بخوف أن يُصيبه شيء بعد أن جلب والدها إلى هذه البلد الغريبة من أجل الجراحة ويخلف وعده معها. ربما كانت تتمنى إفاقته لأجل والدها ولم تهتم لهذه الأنانية البادرة منها. لأول مرة تشعر "قُسم" بأنها أنانية حين تعلق الأمر بوالدها.
أخذ يده المجمدة تدلكها بلطف فدمعت عينيها الخضراء بحزن شديد كطفلة صغيرة. وتتمتم بعجز وصوت مبحوح:
- سامحني على أنانيتي يا غفران.
أغلق قبضته على يدها فنظرت إلى يديهما المتشابكة بعناق قوي لم يتسلل الهواء بينهما. ورفعت نظرها إليه حين قال بصوت واهن ومبحوح:
- خلاص سامحتك يا قُسم.
خرجت شهقة منها بسعادة على يقظته. فهمهم بضعف وما زال مغمض العينين:
- بس كفاية بكاء، صوتك عامل لي إزعاج.
ضحكت بخفة رغم حدته وحديثه أنها تسبب الإزعاج له لكنها كانت كطفلة تتشبث بطوق نجاة والدها.
***
بفيلا في الزمالك تحمل اسم "عفيفي" على لافتها. رغم هدوء المكان الخالي من البشر وهكذا الخدم. فكان "عفيفي" جالسًا على البار الموجود في زاوية البهو يرتشف جرعة من الكأس الملأ بالخمور مستمعًا إلى حديث "كندا" الغليظ ببرود وهي تقول:
- السيناريو عندك أهو، غفران عينه عليا الفترة دي ورافض تمامًا أني أشتغل وخصوصًا بقى معاك.
ترك الكأس على البار ببرود ورفع عينيه إلى الورق الذي وضعته بلا مبالاة. وشعر أنه سيفقد نجمته المفضلة وسبب نجاح أفلام. ليقول:
- ليكون بعلمك أنا غفران ومشاكل دي متخصنيش، أنا اللي يخصني النجمة اللي أنا عملتها، النجمة اللي كان آخرها تقف على مسرح الجامعة وطلاب الجامعة اللي ميتوش مائة واحدة يشوفها، اللي أنا اللي عملتك نجمة يا كندا وطلعتك لفوق وخليت جمهورك في الوطن العربي كله مش بس مصر، أنا اللي ركبتك على نجوم كتير ويحلموا إن عفيفي بس يفتح لهم الباب ده.
تأففت "كندا" من حديثه الغليظ. وقالت بعناد:
- أنا طلعت ونجحت بمجهودي ولا تكون فاكر إنك كنت بتقف قصاد الكاميرا مكاني وتمثل، مش هنعملهم على بعض وبلاش تكذب الكذبة وتصدقها.
وقف من مكانه والتف حول البار حتى بات أمامها ليمسكها من ذراعها بقوة غاضبًا من إنكارها لكل شيء فعله لأجلها. وقال:
- وعشان مش هنعملهم على بعض ولا هكذب الكذبة، الفيلم ده محدش هيعمله غيرك يا كندا وإلا عليا وعلى أعدائي.
ارتجفت خوفًا من تهديده لها. وقالت بتلعثم:
- عفيفي فوق أنت بتهدم حياتي للمرة الثانية، غفران المرة دي جوزي، اديني فرصة أصلح علاقتي به وأقنعه أرجع الشغل، لكن العناد معاه دلوقتي معناه إني بأكد له كل الشكوك وإني خاينة.
نظر لها "عفيفي" باشمئزاز من الرأس لأخمص القدم. وقال بتهديد واضح هذه المرة:
- أنا هديكي فرصة شهرين لأني مش هغير مواعيد التصوير عشانك، لكن مش أكتر من كده وإلا برسالة صغيرة توصل لغفران بيه وأقوله فيها على المستخبي والسر إنك مستحملاه السنين دي كلها.
جهشت في البكاء بإذلال وضعف. بينما ترمقه بعينيه بندم شديد. ثم قالت:
- كان يوم أسود يوم ما قابلتك.
قهقه ضاحكًا وهو يلتف إلى البار من جديد بسخرية. وقال:
- دلوقتي بقى أسود، مش كان يوم سعدك وحظك، مش ده اليوم اللي حققتي فيه كل أحلامك ولا أنتِ فاكرة إن كل حاجة مجانا في الحياة مش لازم ندفع.
- أبوس إيدك يا عفيفي، غفران بيشك فيا وأمه نورهان مش هتسكت لو اتأكدت من أي حاجة دي هتدمرني أنا وأهلي وكل اللي يعرفوني حتى أنت مش هتسلم من شرها، دي ست قادرة.
قالتها "كندا" بضعف تترجاه أن يتوقف عن عناده وتهديداته المستمرة لها. فقال بحدة وهو يسكب بعض الخمر في الكأس:
- يبقي اسمعي الكلام وخافي من شري اللي هيوديكي الجحيم ولا تحبي يعرفوا المستخبي من سنين وإن اللي بينا مش مجرد خيانة لجوزك وإن قذرتك أكبر من مجرد علاقة بمخرج زي ما هو فاكر.
انتفضت فزعًا من الخوف. وقالت بتلعثم:
- حاضر، حاضر هعملك اللي أنت عايزه بس خلال الشهرين دول بقي متتصلش بيا نهائيًا ممكن.
أومأ إليها بنعم ببرود مُتحاشيًا النظر إليها. فغادرت بخوف يحتلها من هدم حياتها والجحيم الذي يقترب منها.
رواية غفران هزمه العشق الفصل العاشر 10 - بقلم نور زيزو
خرجت "قُسم" من المرحاض بالغرفة ووجدت "غفران" غادر الفراش ويقف أمام الشرفة ينظر على الطريق.
تنحنحت "قُسم" بلطف قبل أن تتحدث ثم قالت:
_ صباح الخيـر
ألتف "غفران" على صوتها الذي ميزه بوضوح. رآها تقف بمنتصف الغرفة مُرتدية بنطلون جينز وتي شيرت أبيض اللون بنصف كم، شعرها مسدول بعفوية على الجانبين. وكما اعتاد لم يرى من ملامحها شيء فبات معتادًا على رؤية وجهها الضبابي وحرمانه من عينيها الخضراء.
أقترب إلى الفراش يجلس عليه ببرود. فأقتربت هى الأخرى منه لتهمهم بنبرة خافتة مُحرجة من وجودها معه:
_ أنت كويس
أومأ إليها بنعم. فسأل بقلق أستحوذ عليه من وجودها خوفٍ أن تكن علمت بشيء عن مرضه:
_ أنتِ هنا من أمتي؟
وقفت قربه فى المقابل تحدق بوجهه ثم قالت بلطف:
_ من امبارح، لقيتك واقع على الأرض قدام باب أوضتي ومكنتش عارفة أعمل حاجة، خضيتي عليك
رفع عينيه إليها مُندهشًا. أقتربت "قُسم" أكثر ورفعت يدها إلى جبينه تعيد اللاصقة الطبية إلى جرحه بعد أن فُتحت. فظل صامتًا يشعر بملمس يدها الناعم بينما يرسم عينيها الخضراء فى ذهنه. ورغم أن عينيه تراها ضبابية ألا أن عقله يري وجهها بوضوح بعد أن حُفر فى ذاكرته لتظل رغم كل شيء هى الوجه الوحيد الذي يراه بباطنه.
أنهت ما تفعله وقالت:
_ سامحينى أنا لازم أسيبك وأمشي عشان ميعاد عملية بابا، خلي بالك من نفسك
فتح باب الغرفة بلطف ودلف "عُمر" ليراه مُستيقظًا فقال بهدوء:
_ صباح الخير يا ميسو غفران، مستعدة يا أنسة قُسم
أومأت إليه بنعم. فوقف "غفران" من محله يهندم قميصه ويغلق بقية أزراره ولسانه يقول:
_ أنا جاي معاكِ
_ أنت تعبان؟!
قالتها "قُسم" بلطف فرغم أنانيتها لكنها ليس بهذا السوء لتجعله يشاركها مشوارها بينما هو مريض كان طريح الفراش أمس.
هز "عُمر" رأسه بلا كأنه يخبرها أن لا جدوى من محاولتها طالما عزم أمره على فعل هذا الشيء. خرجوا ثلاثتهما ووقعت على الأوراق الخاص بالجراحة ثم أخذه والدها الغائب عن الوعي وسط دموعها ويديها التى ترتجف بقوة وجسدها البارد كالثلج من الخوف. أرسلت لوالدتها على تطبيق المراسلة أن زوجها دلف للتو إلى العملية.
***
دلفت "رزان" إلى مكتب "نورهان" وكانت منغمسة فى عملها الشاق وتتحدث مع موظفها بحدة صارمة:
_ أنا محدش يلوي ذراعي يا بيه، البنت دى تمشي فور والعقد بتاعها تفسخه تمامًا، هو فاكرة نفسها مين عشان تتشرط عليا، بكرة الصبح كل الإعلانات بتاعتنا تتغير وصورتها تنزل من كل الإعلانات ويتعلق وجه جديد مع المنتج بتاعتنا
_ أيوة يا دكتور لكن بيلا دى من أشهر الوجوه الإعلانية فى شركتنا وشغلها لا يعلى عليه
عادت "نورهان" بظهرها للخلف بإقتضاب وعينيها تحدق بوجه هذا الموظف ثم قالت بجدية صارمة:
_ بيلا دى أنا اللى عملتها ولا ناسي أن اسمها تحية، أسمع اللى أقوله يتنفذ بكرة الصبح ألاقي إعلانات وجه تاني فى محطات المترو والطرق، كمان عايزاك وانت بتختار بنت تختار واحدة تانية تشاركها الإعلان مُحجبة، إحنا كمان بنخاطب فى منتجاتنا المحجبات وبلاش النبذة البذيئة اللى بشوفها فى المسلسلات أن المحجبة شعرها وحشها وهى وحشة أنا عايزة بنت محجبة زى البدر واضح
أومأ إليها بنعم. فأشارت إليه بأن يغادر لتقترب "رزان" نحوها ووضعت التابلت على سطح المكتب أمامها وبدأت تتحدث قائلة:
_ غفران بيه وصل باريس أمبارح ومعه مس قُسم
أتسعت عيني "نورهان" على مصراعيها بصدمة ألجمتها وأخذت التابلت لتتأكد بنفسها من الصور. لا تُصدق أن ابنها سافر للخارج مع فتاة أخرى فقالت بتمتمة:
_ قُسم... معقول دا؟
رفعت "نورهان" نظرها إلى مساعدتها مُندهشة حقًا وكادت تدهشها تنير المكان كالأضواء وسألت بفضول:
_ تفتكرى أتجوزها على كندا؟ لا، البت اللى أسمها قُسم متعملش كدة، متتجوزش فى السر أنا نظرتي فى الناس متخبش أبدًا، دى بنت قوية وجريئة وحرة، نظرة عينيها وهى بتتحداني بالكلام لما فصلت الموظف بتقول أنها برية حرية، عينيها وقتها فكرتني بنفسي زمان ودخول غفران قصري يومها من غير أذن عشانها أكد ليا أن فى حاجة غلط أنا مش عارفاها لكن البنت دى ذكية وأنا حبتها... خلى عينيك عليها وكلمى الناس بتوعنا فى باريس يعرفوا السبب وراء سفرهما
أومأت "رزان" بنعم وغادرت المكتب. لتحدق "نورهان" بصورة "قُسم" بحيرة وبسمة مُشرقة لمعت فوق شفاهها كأنها نالت جائزتها التى بحثت عنها كثيرًا. فتمتمت بهدوء ونبرة واثقة:
_ قُسم... والله وجت اللى هترميكي يا كندا برا القصر من غير ما أتعب أنا
أرتشفت قهوتها بسعادة تغمرها وبداخلها حسد يخبرها أن "قُسم" ستفعل ما عجزت كل الفتيات عن فعله مع "غفران".
***
رأها تفرك أصابعها بتوتر شديد مُنذ دخول والدها للجراحات. أخذ نفس عميق بتنهيدة قوية ثم لفظ أسمها بنبرة خافتة:
_ قُسم
نظرت إليه بعيني دامعة وجسدها يرتجف من الخوف بعد أن رأت والدها يغادر مع الطاقم الطبي إلى غرفة العمليات. رفع يده إلى ذقنها بلطف يلمسها بدفء ثم قال:
_ متخافيش يا قُسم، أنا مستحيل أسرق منك الأمل وهعمل أى حاجة عشان خاطر ينور وشك من تاني زى ما نورتي حياتي بوجودك... مع نالا يعنى
نظرت له مُندهشة من دفء كلماته. كان يحدق بها رغم وجهها الضبابي لكن عينيه عالقة بها يتعهد بإعطائها الأمل الذي أنارت به حياته حين رأى وجهها وعينيها الخضراء. لم تكن ابنته نهائيًا، بل مقصده الأول والأخير كان عن عينيه المرضية التى شُفيت لبرهة من الوقت بفضلها.
أومأت إليه بنعم ثم قالت بضعف:
_ بابا هيكون كويس صح؟
أومأ إليها بنعم ثم قال بلطف لأجل نبرتها الضعيفة التى أخبرته بوهنها أنها تبكي ويحتل قلبها الحزن:
_ إن شاء الله يا قُسم
جلست قربه على المقاعد الحديدية تنتظر خروج والدها من غرفة العمليات. الجراحة التى أستغرقت الكثير من الساعات ونار الأنتظار تحرق ضلوعها بالقلق والخوف. بكت كثيرًا ودعت أكثر، تارة تنهار باكية وتارة أخرى تصمد الحديد.
نظر "غفران" ليديها المُتشابكة ببعضهما وترتجف بقوة من القلق فأبتلع لعابه بتوتر ثم رفع يده ووضعها فوق يديها يضمهم الأثنين بين أنامله. رفعت رأسها إليه حادقة به وقشعريرة جسدها تستمر لكن مزج قلقها رجفة أخرى ناعمة حين شعرت بالآمان تجاه رجل لا يجب أن تقترب منه ولن يجمعها طريق واحد معه أبدًا. لكن للقدر رأي أخر لطالما كانت القلوب بلا سلطان ولن يحكمها أحد فأشعل القدر فتلة الحُب داخل هذان القلبان، قلبان أختر القدر أن يجمعهما بنبضة واحدة رغم أختلاف طريقهما.
فُتح الباب بعد ساعات طويلة فهرعت إليه كالرضيعة التى تصبو إلى والدها. تقدم "غفران" ليتحدث مع الطبيب بينما هى تحدق بوالدها الغائب عن الوعي حتى وصل إلى العناية لتُحرم من رؤيته من جديد. فألتفت باكية بحزن يغمرها من القلق ليتحدث "غفران" بهدوء:
_ كفاية عياط بقى، الدكتور طمني وقال أن العملية نجحت وكلها أيام وباباكي يفوق
_ بجد؟!
قالتها بحماس شديد. فأومأ إليها بنعم ثم قال:
_ دلوقت بقي نروح نرتاح شوية وتأكليه حاجة أنتِ ماكلتيش حاجة من امبارح
أومأت إليه بنعم. ثم عادوا إلى الفندق معًا وصعدت "قُسم" تبدل ملابسها. ثم ترجلت للأسفل حيث المطعم الذي ينتظرها به. تبسمت إليه بلطف وذهبت نحو طاولته وهى تقول:
_ أتاخرت ؟
سمع صوتها ليميز كونها فراشته المجهولة. تبسم بخفة ثم قال:
_ أقعدي
جلست أمامه وكان ينظر بهاتفه منغمسًا فى متابعة أحوال شركته من خلاله. حتى جاءت "قُسم" ترك الهاتف وظلت يرمقها فى صمت بفستانها الوردي بأكمامه الفضفاضة وشعرها المصفف على هيئة كعكة من الخلف وغرتها الطويلة مسدولة على الجانب الأيسر وترتدي حلق أذن فضية به أحجار وردي.
جاء النادل ليضع الطعام على الطاولة. وكانت تعتبر أكبر وليمة طعام رأتها فى حياتها. تحدث "غفران" بحرج قائلًا:
_ معرفش بتحبي أي؟ خليتهم يجهزوا معظم الأكل
_ كنت أسألني بدل ما يترمي باقي الأكل حرام
قالتها "قُسم" بضيق. ليُجيب "غفران" بعفوية:
_ مش هيترمي يا قُسم، كُلي
ناولت طعامها وقاطع صمتهما صوت رنين الهاتف باسم "كندا". مما جعله يغلق الهاتف كليًا بسببها وتحولت ملامح وجهه إلى العبوس والغضب الكامن بداخله. لم ينسي خيانتها وخروجها من القصر وبسببها تعرض إلى الحادث وفقد وجه "قُسم" بهذا الحادث بفضل زوجته الخائنة.
نظرت "قُسم" نظرها إليه بتوتر. فأنتبهت انه توقف عن الطعام بعد اتصال زوجته. فتمتمت بلطف:
_ الأكل مش عاجبك
_ لا، كويس كملى أنتِ أكلك
غادر المطعم وخرج إلى الخارج. نظرت حولها بحرج وتركت الطعام هى الأخرى لتخرج خلفه. ورأته يقف فى الحديقة على العشب الأخضر ينفث دخان سيجارته. فتنحنحت بحرج.
أستدار "غفران" إليها وعلم من فستانها أنها "قُسم". فقال بهدوء:
_ فى حاجة؟
تبسمت بعفوية بينما تقول بلطف:
_ أنا مش عاجبني الأكل دا، بصراحة
أنا مش متعودة على الأكل أبو شوكة وسكينة دا والصوصات الغريبة دى، أنا بنت بلد بأكل أكل الشارع والمكرونة بصلصة والمحشي
ضحك على براءتها وعفويتها. فتاة جميلة تتمرد على الأكلات الفاخرة لأجل أكلاتها الشعبية. لم تكترث للمال أو ما يمكن شراءه بأغلى الأسعار. لو تعلم أن وجبة واحدة فى هذا المطعم كتفي لمرتبها فى سنة كاملة لفقدت وعيها.
تحدثت "قُسم" تقتل شروده بها قائلة:
_ بصراحة أنا جعانة جدًا ومش عارفة أكل الأكل دا، تعال أنا هدور على الأكل اللى ينفع ليا وأنت تترجم زى المرشد كدة فى البلد العجيبة اللى معرفش فيها حاجة دى
ألقي سيجارته أرضًا ليطفئها ثم سار معها فى الشارع. لم تكن تعرف إلى أين تذهب؟ أو إلى أين تقودها قدمها. لكنها تتبع الجهل معه، تصبو إلى المجهول بثقة كأنها تلعب فى الشوارع معه. رأت عربة مثلجات فركضت نحوها وهى تأخذ يده فى يدها ببراءة وتقول:
_ تعال
ركضت بسرعة جنونية دون أن تنتبه إلى هذا الرجل الوقور الذي يسير معها. لا يعرف كيفية الركض وسط الطرقات مثلها. أسرع فى خطواته الثابتة حتى وصلت إلى العربة وأشارت بأصابعها على المثلجات الى تُريدها وفهم البائع رغبتها. أخذت أثنين من المثلجات وأعطته واحدة بحماس تقول:
_ تصدق نسيت أسألك بتحب طعم أى
ضحك عليها وأخذ المثلجات وبدأوا يسيرون معًا. تحدثت "قُسم" بنبرة خافتة:
_ تعرف أنا اكتشفت أن الواحد لما يكون معاه فلوس، حياته بتكون صعبة أوى
نظر إليها مُتعجب كلماتها. جلست على مقعد خشبي فى الطريق وجلس جوارها فقالت:
_ أنت حياتك صعبة أوى، مبتضحكش ومبتتفسحش ومبتعملش أى حاجة مجنونة نفسك فيها، ولا مامتك ياااا لما شوفتها قولت يا رب ما يبقي معايا فلوس أبدًا، جبروت رهيب وقوية لدرجة مُرعبة وعشان أبنها يشوفها لازم يأخذ ميعاد، هى دى حياة... حياتكم صعبة أوى مفهاش حياة وروح كدة الأيام روتينية جدًا مبتمشيش بالعكس كل يوم محفوظ هتعمل أى الساعة 9 تكون فى الشركة الساعة 11 تفطر والقهوة بميعاد وأنك تشوف بنتك بميعاد... أي الحياة المملة دى
ضحك "غفران" علي كلماتها ليُشير نحوها بالأيس كريم ويقول:
_ والأيس كريم من الشارع ممنوع
أنفجرت ضاحكة عليه وهى تضع يدها على فمها من شدة ضحكاتها. ليشرد "غفران" فى صوت ضحكاتها العالي وبدأ يتخيل شكلها وهى تضحك بقوتها هذه. تحدثت بمكر:
_ ليه الأيس كريم هيسمك مثلًا... خليها على الله
أومأ إليها بنعم وشرد بزوجته "كندا" فتاته التى أحبها بقوة كالمجنون. أحبها حقًا حُبًا عفيفى طاهر لم يملأه الشهوة أو الرغبة بها. تحدث بحزن واضح بنبرته الواهنة:
_ ممكن أسألك سؤال بخبرة أنك بنت؟
أومأت إليه بنعم أثناء تناولها للمثلجات. نظر نحوها وقال:
_ أي اللى يخلي بنت تبطل تحب جوزها؟ أو تميل لراجل تاني؟
توقفت "قُسم" عن الأكل وهكذا الضحك حين شعرت أن مجرى الحديث بينهما تحول للجدية. وفهمت أنه يبحث عن سبب يبرر فعل زوجته معه والخيانة التى لا تعرف عنها شيء؟ فقالت بجدية:
_ أى كان السبب أولًا خليني أقولك ان مفيش سبب لدا، لأن إحنا البنات غير الرجالة تمامًا إحنا ربنا حلل لينا راجل واحد بس وما دام أنا مراته مقدرش أبص ولا أدور على راجل تاني، غير الرجالة ممكن يبصوا لواحدة تانية لأن الشرع محلل لهم أربعة، لكن خلينا نقول أن اللى يخليها تتغير ناحية جوزها أنه يكون بخيل معاها، إحنا ربنا خلقنا عاطفيين قلوبنا بتسيطر علينا يعنى بكلمة واحدة نديكم عينيا، عشان كدة لو الست ملاقتش الحُب والدفء فى بيتها ممكن تضعف قصاد أى كلمة حلوة مع العلم أن دا غلط بس دا للأسف اللى بيحصل
_ يعنى كلام الحُب سبب كافي للخيانة ؟
قالها بضيق ثم وقف من مكانه لتقف "قُسم" معه وبدأت تسير جواره فقالت بتمتمة:
_ الخيانة ملهاش مبرر عند الراجل والست، الخيانة بتوجع أوى وبتقتل كل المشاعر الحلو والذكريات الجميلة المتشالة فى القلب
أومأ إليها بنعم وظل صامتًا. رن هاتفها على تطبيق المراسلة باسم "حازم". فأخذت نفس عميق بلطف ونظرت إلى "غفران" بحرج ثم استقبلت الأتصال بحماس وفرحة تغمرها حين قالت:
_ حزومي بعتلك كتير، بابا عمل العملية والدكتور قال أن أيام وهفتح عينيه وفوق
تلاشت بسمتها وقُتلت فرحتها حين سمعت صوت "حازم" يقول بنبرة غليظة:
_ كويس عشان يقوم ويشوف تربيته ليكي ويشوف بنته اللى بقيت ماشية على حل شعرها يمكن ربنا عمل كدة عشان تلاقي اللى يربيكي من أول وجديد يا قُسم
أبتلعت لعابها بعد أن قتل فرحتها بشفاء والدها ولم تعري أهتمام إلى "غفران" الموجود جوارها. وأخذت تنهيدة قوية تحكم بها غضبها قبل أن تتحدث لتقول:
_ هتفضل زى ما أنت، هتفضل بنفس العقلية الزبالة دى، هتفضل الست الوالدة قاعدة توسوس فى عقلك وتمليك من ناحيتى يا حازم، هتفضل كل لحظة حلوة بنا تكسرها بسبب كلام مامتك، ليكن فى علمك ماما كلمتني وقالتلى على اللى حصل بس أنا عشان باقية عليك عديت الموقف وقُلت مش مهم ومش وقت زعل وأول ما أطمنت على بابا بعتلك أفرحك بس من الواضح أن دى شيء ميهمكش أصلًا
أقهقه ضاحكًا عليها بسخرية. بينما "غفران" يسير جوارها ويستمع للحديث من طرفها وغضبها الذي قتل فرحتها. تحدث "حازم" بضيق شديد قائلًا:
_ أنا اللى يهمني خطيبتى اللى هتبقي مراتي ومسافرة مع راجل غريب من غير ما تحط فى عينيها حصوة ملح وبكل بجاحة
صرخت بانفعال من كلماته الحادة:
_ وشكلها عمرها ما هتبقي مراتك بأسلوبك دا
أغلقت الخط معه غاضبة ولا تتحمل أفكاره. لم يفهم موقفها ما دام هو ليس صاحبه. أغلقت "قُسم" الهاتف تنهي هذا النقاش. صعدت إلى غرفتها. لم تتحمل أكثر وفور دخولها إلى الغرفة وحدها جهشت باكية بقوة تطلق العنان لضعفها وحزنها اللذان أثقل كاهل قلبها وصدرها. ظلت تبكي بقوة تمزقها الأوجاع والخذلان الذي تتعرض له من "حازم" فى كل مرة تتوهم أنه سيكون سندًا لها ويدعمها. كثرت الخلافات بينهما مؤخرًا رغم أقرب زواجهما.
فاتصلت بوالدتها "صفية" ليُجيب عليها "قاسم" الذي كان يقفز فرحًا من شفاء والده يقول:
_ طمنيني يا قُسم، ماما قالتلي أن الدكتور طمنك؟
أومأت إليه بنعم ويديها تجفف دموعها بلطف. تحدثت بعفوية:
_ أه يا قاسم، وقالى كلها أيام والقلب الجديد يستعيد وظائفه كاملة وبابا هيفوق ويرجع يعيش وسطنا ومعانا
تنفس الصعداء بأريحية وقال بلطف:
_ امممم وأخيرًا يا قُسم، ربنا يباركلك والله وأنتِ تعبانة معانا
أعطى الهاتف إلى والدته "صفية" وبدأ حديث الأم وابنتها لتقول:
_ طمنيني يا ماما عنك وعن قاسم، بيروح دورسه ولا لا؟
_ اه بيروح، طمنيني انتِ عنك فى الغُربة؟
تبسمت "قُسم" بلطف وقالت:
_ هو أنا لحقت يا ماما؟ يا دوب لسه راجعة من المستشفي أهو، فضلت واقفة هناك لحد ما أطمنت على بابا وصحته
_ ربنا يقومه بالسلامة ويرده لينا سالم، قوليلي يا قُسم كلمتي حازم تطمنيه؟
تنهدت "قُسم" بضيق شديد وقصت لوالدتها ما حدث مع "حازم" وكلماته الحادة إليها فقالت "صفية" بضيق:
_ سفرك لوحدك كان غلط من البداية يا قُسم، بس أنا سكت عشان أبوكِ وعشان أنتِ تربيتي وأنا عارفة مربية بنتي أزاى وواثقة فيكِ لكن حازم راجل يا قُسم ومعندهوش الكلام دا ومش هيفهمه أبدًا
أومأت إليها بنعم بحيرة وبدأت تفكر إذا كانت هى المُخطئة حقًا فى قبول عرض "غفران" وإنقاذ والدها. أنهت الأتصال بعد نوبة كبيرة من العتاب واللوم.
***
كانت "ملك" واقفة فى البهو حزينة من فراق زوجها. عينيها تبكي بحزن شديد ليقترب "أنس" ببدلته الرسمية للبحرية وقال بلطف:
_ وبعدين يا ملك، مش معقول كل مرة تنهاري من العياط كدة عشان مسافر
أومأت إليه بنعم ورفعت يديها تضعهما فوق صدره بتشبث لا تقوي على فراق زوجها والشوق بكل مرة يمزقها اربًا فقالت بلطف:
_ خلاص مش هعيط، بس خلي بالك من نفسك وتطمني عليك
أومأ إليها بنعم فتبسمت "ملك" وسط بكاءها الناعمة. فأقترب "أنس" منها يقبل جبينها بحُب شديد ثم قال بنبرة دافئة:
_ خلى بالك من نفسك يا ملوكة ، هتوحشيني يا بت وهتوحشني شقاوتك
ضحكت بعفوية ثم قالت بدلال ويديها تداعب أزرار سترته:
_ لو شقاوتي هتوحشك بجد، يبقي أول ما توصل تيجي تقعد معايا هنا يومين قبل ما تروح للمحروسة
ضحك على كلماتها ويده تبعثر غرتها بعفوية ثم قال بلطف:
_ يا خراشي، أنتِ عايزها تشك فيا بجد، مش كفاية أنا سايبها بقالي أسبوع أهو وقاعد معاكِ وكمان أتاخر عليها وقت شغلي وكمان يومين يا حبيبتي، إحنا عايزين ربنا يسترها لحد ما يجي الوقت المناسب
أستدارت تعطيه ظهرها بغضب مصطنع وقالت بضيق:
_ أيوه قول بقي أنها واحشتك؟
أقترب "أنس" من خلفها يمسكها من أكتافها وقال بدلال ونبرة ناعمة:
_ ملوكة يا روحي قلبي، أنتِ مراتي وهى مراتي وأوعي تفتكري أنى ممكن أتخلي عن واحدة فيكم، أنا مستني الوقت المناسب عشان أعلن جوازنا للنور وأنتوا الأتنين تتقبلوا وجود بعض، لكن لا أنا هطلقك ولا هطلقها، سبحان الله أنا ربنا خلقني كدة بحبكم أنتوا الأتنين وهى أم ابني وأنتِ كمان هتكوني أم ابنى ، وطبعي أنها توحشني لأني بحبها وعمري ما مثلت عليها الحُب ... فاهمة يا حبيبتي
أومأت "ملك" إليه بنعم. فوضع قبلة فوق رأسها وغادر لتستشاط "ملك" غضبًا من هذه الزوجة التى تشاركها زوجها وستظل مشاركة لها طيلة العمر. لكن لا مفر من قبول الواقع المفروض عليها.
***
تناولت "قُسم" فطارها فى الغرفة وجلست على الأريكة بكوب النسكافيه فى يدها وتنفست الصعداء لتحمل الهاتف بيدها وجمعت شجاعتها لإرضاء "حازم" وأرسلت له رسالة لطيفة فى الصباح:
( _ صباح الخير يا حبيبي )
فتح "حازم" الرسالة ولم يُجيب عليها. تنهدت بضيق من بروده معها وأرسلت رسالة أخري له بكلمة واحدة:
( _ بحبك )
أجابها برد بارد مُتجلد قائلًا:
( _ وتحبني ليه، حبي اللى عندك ومعاكِ)
أتصلت "قُسم" به غاضبة من كلماته. وفور أستقبله للأتصال قالت بضيق:
_ أنا هحجزلك على طيارة بليل يا حازم، تعال أقعد معايا
_ مش فاضي
ضحكت "قُسم" على رده وقالت بغضب سافر يحتلها ونبرة قوية أرعبت "حازم":
_ ومن امتى كنت فاضي لأي وقت كنت محتاجة ليك فيها، عرفت ليه أنا مطلبتش منك تيجي معايا مش عشان أسافر مع راجل لوحدي ولا عشان أنا مش متربية، دا عشان أنت مطلع عيني عشان توصل للشقة تتابع التجهيزات مع الصنايعية هترضي تيجي معايا باريس، أنت عمرك ما كنت سند يا حازم، عمرك ما كنت عكاز أتسند عليه وبعد أبويا أنا ماليش سند وعشان كدة لما وقع أنا اللى سندته ومستنيتش منك أى سند، إذا كان اللى عليك مبتعملهوش هتعمل اللى مش عليك
شعر "حازم" أنه أوشك على خسارة "قُسم" من تجاهله لها ورفضه الدائم لطلباتها ومطلباتها ليقول بتوتر:
_ يا قُسم أنا .....
قاطعته "قُسم" بنبرة حادة وقوية:
_ أنت أي؟ ، أنت أناني ومتعرفش قُسم غير فى الكلام الحلو، متعرفش أن انا كبنت محتاجة وجودك عشان تكون سند وآمان ليا، تكون ضهر ليا فى الحياة ولأى موقف صعبة يمر عليا مش عشان أسمع كلمتين حلوين وبحبك ووحشتيني، أنت فاهم الحُب والجواز غلط يا حازم بس العيب مش عليك، العيب عليا أنا اللى قبلت من أول مرة أروح أقف مع صنايعية فى شقة أنت اللى مُلزم تجهزها مش أنا، أنا اللى غلطانة من الأول لما أتنازلت وعديت كتير عشان بس بحبك، يا أخى ملعون أبو الحُب اللى ذلني وتعبني نفسني وخلاني محتاجة أبرر كل حاجة منك وخلاني أسمع منك كلام يوجع وأعدي.... أسمع يا حازم أنا بحبك أه لكن بحب نفسي وكرامتي أكتر
_ يعنى اي؟
سألها بتلعثم شديد. لتُجيبه بنبرة قاسية:
_ يعنى كل شيء قسمة ونصيب يا حازم، أنا مش هكمل فى الجوازة دى وحاجاتك كلها عند عمتك ولو على الدبلة أول ما أرجع هبعتها لك، سلام يا ابن خالي
أغلقت الخط دون أن تنتظر جوابه. ليرن مرة أخرى فرفضت الأتصال وأغلقت الهاتف تمامًا. بعد أن أنقذت روحها من حُب أستنفد مشاعرها وطاقتها وروحها. أنقذت نفسها من علاقة سامة تؤذي بقلبها وروحها وتلتهم حياتها.