الفصل 24 | من 40 فصل

رواية غفران هزمه العشق الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
22
كلمة
3,062
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

التف إلى الطبيبة بصدمة ألجمته وعيناه متسعتان على مصراعيها من هول الصدمة التي لحقت به وهي تخبره بخيانة زوجته له منذ زواجه ونسبت له بنت ليست بنته. دمعت عيناه بسرعة البرق من فزعه وظل يحلق بالطبيبة غير مصدقًا ما سمعه. فنظر إلى إلفي "عمر" الذي يقف مذهولاً، وهكذا "قسم". فأشار إلى "عمر" بهدوء قبل أن يفقد أعصابه كاملاً الآن وقال: _خدها يا عمر. سحبها "عمر" من ذراعها لترتجف فزعاً وهي تقول بخوف متمتعة:

_غفران أكيد في حاجة غلط مش اللي في بالك يا غفران والله. لم يتمالك أعصابه أكثر والتف إليها يصفعها بقوة حتى ارتطمت رأسها بالحائط من قوة صفعته وقال بتهديد واضح: _أدعي أنها متكنش اللي في بالي. دفعها بقوة إلى "عمر" فأخذها وذهب. كانت "قسم" مصدومة فيما تسمعه وكيف يمكن أن تكون هذه الزوجة خائنة من لحظة زواجها حتى أنها أنجبت طفلة من رجل آخر ونسبتها لزوجها. دلف "غفران" بحزن شديد إلى المعمل ليجري تحليل DNA حتى يقطع الشك باليقين.

لم تتحمل "قسم" الصدمة أكثر من ذلك والقلق يحتل قلبها خوفاً عليه من الصدمة وخوفاً منه على ما سيفعله لينتقم. فقالت بتمتمة خافتة: _ربنا يستر. خرج "غفران" من المعمل وسار في طريقه. فذهبت "قسم" خلفه ولاحظت أنه يتجه نحو طريق الخروج متجاهلاً "نالا" الطفلة الصغيرة الموجودة في المستشفى تصارع الموت. صعد إلى سيارته فركبت معه حتى قال بجدية: _انزلي يا قسم. سيبني لوحدي.

هزت "قسم" رأسها بالنفي رافضة تركه وحده بهذه الحالة والحزن يفتك به ويقتل قلبه وعقله الذي لا يتخيل أنها تخونه منذ زواجهما لأكثر من 10 سنوات. تأفف بضيق شديد وانطلق بسيارته وشريط ذكرياته يمر أمام عينيه عوضاً عن الطريق. طوال العشر سنوات كان يدللها ويلبي كل طلباتها. لطالما نصرها على والدته رغم قوتها لكن "كندا" كانت سيدة القصر وزوجة غفران الحديدي التي لا يهزمها أحد. اسمه وحده وكونها زوجته كانوا قوتها الحقيقية. دمعت عيناه وهو يتذكر محاولاته الدائمة في إسعادها وحنانه مع "نالا" التي نسبت إليه غدراً. لم يبخل عليها بشيء ولم يعارضها بكلمة. زاد من سرعة سيارته مع دموعه التي تزداد في جفنه أكثر وأكثر حتى تحدثت "قسم"

وقالت: _غفران براحة. سمع صوتها ليفوق من شروده وضغط على المكابح مرة واحدة بقوة مما جعلت رأسها ترتطم بالسيارة. نظرت "قسم" إليه فرأته يترجل من السيارة منفعلًا وعلى وجهه بركان ناري من الغضب والكره. ليفتح باب السيارة ويسحب "قسم" من ذراعها بقوة وهو يقول: _انزلي. دُهشت "قسم" من رد فعله وقالت: _غفران أنت كويس؟ التف إليها بعينيه الدامعة لترى الضعف والهزيمة يحتلان وجهه. برمقته في صمت بينما هو انفجر كالبركان

الناري في وجهها وقال: _كويس؟ أزاي وأنتوا كلكم زبالة وخونة. هكون كويس وأنا مأصوب ليا بنت مش بنتي. وأنا بتخان رغم كل حلو عملته ليها من يوم ما اتجوزتها. صدري عامل زي البركان. بدأ يصرخ بانفعال أكثر وقبضته القوية تضرب صدره من الألم الذي لا يتحمل وجوده بداخل ضلوعه وقلبه المحترق. تابع بنبرة أرعبتها أكثر:

_أنتوا كلكم زبالة وخسارة فيكم الرمة والحب. أنتوا تستاهلوا اللي يدوس عليكم ويذلكم لكن اللي يقدركم ويحترمكم تكسروه. لكن لا يا قسم. لا عاش ولا كان اللي تكسر غفران الحديدي ولا تستغفله. ورب العرش لمحيها من على وجه الأرض هي وبنتها لو طلعت النتيجة سلبية. والله ما هرحم حد والكل هيدفع ثمن وجعي وقهرتي وكسرتي.

اقتربت "قسم" نحوه خطوة رغم صيغته في الحديث كانت تشمل الجميع من ضمنهم "قسم" لكنها قدرت وجعه ورفعت يدها إلى وجنته تلمسها بلطف وقالت بعيني دامعة وقلبها يتمزق لأجله: _حقك بس ..... دفعها بقوة بعيداً عنه وقال بغلاظة: _حقي أنا هجيبه حتى لو ههدت المعبد كله. عاد إلى سيارته وحرك سيارته تاركاً خلفه "قسم" التي صدمته منها وهو يحرك السيارة. فركضت خلفه بهلع خائفة من غضبه وقالت: _غفران... غفران استنى.

ظلت تركض مع السيارة حتى غلبها الأمر وسقطت أرضاً من سرعة السيارة لتصرخ بألم من سقوطها على ذراعها. سمع صرختها من نافذتها المفتوحة فنظر في المرآة رآها تجلس على ركبتيها وتثني ذراعها تحدق بجرحه بعبوس والألم في عينيها ويحتل وجهها. شعرت بغصات في قلبه تمزقه وهو يراها تتألم وعقله يفتك به جنون الخيانة و"كندا" التي أخلص لها لسنوات وأحبها بروحه وعقله وقدم لها كل ما تريده كانت خائنة. أغمض عينيه عن "قسم" بجحود ومرة أخرى هزمه العشق حين ترجل من سيارته وذهب نحوها. مسكها من أكتافها وجعلها تقف فحدقت بوجهه بعبوس شديد وعينيها دامعة على وشك البكاء. أخفض نظره تجاه ذراعها المثني للأعلى ينظر بجرحها وقطرات الدماء التي خرجت منه. تحدثت "قسم"

بهدوء شديد ولهجة دافئة: _غفران.

ضمها إليه بمنتصف الشارع دون أن يبالي بأحد يستنشق عبيرها ويشعر بضربات قلبها العاشق إليه ويبكي وجعاً على محبوبه المجروح. كانت تدرك أن أسدها جريح الآن فرفعت يدها إلى ظهره تطوقه بحنان كأنها تطفئ نيران الوجع التي نشبت في ضلوعه الآن. ليسحب يدها بقوة ويأخذها إلى سيارته ثم عاد إلى القصر. فراقبته "فاتن" من بعيد بخوف من انفعاله وعصبيته خصيصاً حين صرخ بالخادمة التي قدمت له القهوة وألقاها على الأرض فتمتمت "فاتن"

بهدوء شديد قائلة: _ربنا يستر. نظرت إلى "قسم" وسألت بقلق: _هو حصل أي؟

ظلت "قسم" ترمقه في صمت وهو ينتظر الاتصال من "عمر" يخبره بنتيجة التحليل التي تدمر 10 سنوات من عمره وكأن الهلاك سيقضي على 10 سنوات مروا في عمره. كان يجلس على الأريكة عاقد يديه في بعضهما وظهره منحني قليلاً للأمام. الغضب يحتله ولا يحمل أي شيء حتى فنجان قهوته كان ثقيلاً عليه. مرت الخادمة من جوار "فاتن" بفنجان قهوة آخر على ما رفضه بيدي مرتجفة من خوفه وغضبه. اقتربت مرتعشة وهى تقول: _اتفضل القهوة مظبوطة.

رفع عينيه للأعلى نحو الخادمة كالرمح الذي غرس بها من حدته وقال بهمس: _أنا قلتلك اعملي واحدة تانية.... امشي غورى من وشي. قالها بينما يدفع بيده الصينية كاملة بعيداً فسقطت فنجان القهوة مرة أخرى وهذه المرة حرق يد الفتاة. تركهما ودلف إلى المكتب فأندهشت "فاتن" من شدة غضبه وقالت: _لا... والله حصل حاجة ولازم أفهم أي اللي حصل في المستشفى لكل ده. ما هو مش معقول القلبة دي كلها بسبب خناقتك مع كندا.

صحيح هي فين لتكون نالا جرالها حاجة وهو روحه فيها. نظرت قَسم إلى فاتن وقالت بهدوء: _ربنا يستر وتطلع بنته وإلا روحه هتروح فيها. صُدمت فاتن من حديثها وترجمت سريعاً سبب حالته واكتشافه للماضي التي لطالما هربت كندا منه طيلة السنوات الماضية، فتمتمت بدون وعي من الصدمة: _هو عرف؟ ابتلعت بقية كلماتها بسرعة جنونية لتنظر قَسم نحوها سريعاً، ولسوء حظها أن قَسم سمعت تمتمتها بكل وضوح، فقالت بجدية وعينيها مُتسعة على مصراعيها:

_أنتِ قصدك إيه؟ ألتفتت فاتن لكي تغادر من أمام قَسم بخوف من ذلة لسانها، لكن أمسكتها قَسم من يدها بقوة لتمنعها من الرحيل، واحتَدت عينيها بغلاظة وقالت بحدة: _انطقي يا فاتن، الموضوع مفيهوش سر وكله خلال دقائق هيتكشف بمجرد ما التحليل يطلع. تنهدت فاتن بهدوء خائفة من البركان الذي سيلتهم القصر بهذا الحديث والماضي الذي سيحول القصر لرماد كالبيت المحترق، وسيهجره الحب والدفء ويعم الوجع والقسوة. رمقت قَسم بخوف شديد وقالت بهدوء:

_والله يا قَسم هانم الموضوع كله... قاطعتها قَسم بحدة شديدة وقالت بغلاظة: _الموضوع كله أنكِ دراتي عليها وشوفتي قذارتها وقبلتي تسكتي، خِنتي ثقة الراجل اللي وثق فيكِ وأمانك على حياته ولحم أكتافك من خيره عشان واحدة زبالة زيها مش كده؟ شُكوكه كانت في محلها وهي بكل بجاحة كانت واقفة تناطح وترد عليا بكل بوقاحة. _والله أبداً، دي هي مرة وكانت غصب عنها، اللي يسامحه اللي عملها وخدرها بالعصير، لكن عمرها ما كانت زي ما في خيالك.

قالتها فاتن بحزن شديد، لتقول قَسم بغيظ ولا تصدق هذا الشيء: _هههه غصب عنها وخدرها، مجريتش على جوزها غفران بيه الحديدي ليه عشان يجيب لها حقها دي مش متجوزة أي حد، ولا هي أي حد، أمال لو كانت بنت فقيرة وأهلها على باب الله وبيخافوا من كلام الناس، دي واحدة زبالة وتستاهل اللي هيحصل فيها... قاطع كلماتها الحادة صرخة غفران من الداخل وهو يقول بانفعال شديد: _ادفنها حية يا عُمر.

خرج من غرفة المكتب بعد كلماته، لتهرع قَسم نحوها وهو يُسرع من خطواته كأنه يُسارع الزمن، حتى قطعت قَسم طريقه للخارج تمنعه من الخروج وقالت: _استنى يا غفران. _سيبني يا قَسم، هقتلها والله لأقتلها.

قالها بغضب سافر كالمجنون على وشك فقد البقية من أعصابه. لم ترَ غضبه من قبل وجسده القوي لا تقوى على منعه من الحركة، لتستسلم للأمر الواقع وتضمه بقوة وعينيها تبكي بحزن على حاله، فتشبث بها كطفل رضيع وجهش في البكاء، لتنصرف فاتن وبقية الخدم من البهو، وبدأت تربت عليه بيديها بلطف وهو يبكي بقهرة وألم تمزقه، 10 سنوات مخدوعاً في زوجته وابنته. لوهلة من الوقت خسر ابنته وزوجته وبات مغفولاً. أدرك للتو لما كانت معه رغم علاقتهما المتوترة وقبولها بوجوده بغرفة وحده لأنه كان المغفول الأكبر بهذه العلاقة. جلس على الأرض لتشعر قَسم بهزيمته وسقطت معه في حضنه لتضم رأسه إلى صدرها وهو يبكي بوجع يدمره من الداخل.

*** كانت كندا ترتجف في غرفة الممرضة، كم الخوف وحدها من تعرف الحقيقة التي ستظهر الآن في التحليل، وكون نالا ابنة لرجل غيره سيقتلها حية بالتأكيد، والتحليل لن ينكر الحقيقة التي أخفتها لعشر سنوات. دلفت الممرضة تأخذ الأدوات الطبية من الغرفة لتسرع كندا نحوها وتمسك في ذراعها بهلع تقول: _أرجوكِ تساعديني؟ تنهدت الممرضة بشفقة على حالة هذه الزوجة الباكية، وبكاؤها كان إجابة عن التحليل قبل أن تظهر نتيجته. فقالت الممرضة بخوف:

_كان نفسي أساعدك بس رجالة غفران بيه محوطين المكان وأنا واحدة على قد حالي مش قد غفران بيه ولا اللي هيعمله فيا لو ساعدتك. أنا مقدرش أهربك من هنا. جففت كندا دموعها التي لوثت وجنتيها الحمراوتين من شدة البكاء والخوف، ثم قالت بلطف: _وأنا مش عايزكِ تهربيني، أنا مكان ما هروح هيجيبني، دا غفران الحديدي زي ما أنتِ لسه قايلة. بس ممكن تديني تليفونك أعمل مكالمة؟

نظرت الممرضة إليها بحيرة في البداية، و كندا تمسك بذراعيها بيديها المرتجفة مما أثار عاطفة الممرضة، ومدت لها الهاتف بقلق أن تكون هذه المساعدة البسيطة سبب في غضب غفران بعد قليل. تركت لها الهاتف وخرجت تكمل عملها، فأرسلت كندا رسالة صوتية إلى عفيفي الذي حفظ رقمه جيداً في عقلها حتى لا تحتفظ به في هاتفها خوفاً من غفران. بدأت تتحدث في رسالتها ببكاء ونبرة مُتلعثمة وخائفة:

_عفيفي أنا كندا، معنديش وقت أفسرلك أي حاجة، لكن غفران عرف الحقيقة وأن نالا مش بنته ومتحفظ عليا. أرجوك أنا عارفة أنه مش هيسيبني غير ميتة، لكن بنتي أمانة عندك يا عفيفي. نالا بنتك وأنت الوحيد اللي هتقدر تخاف عليها وتحميها في الدنيا دي من كره غفران. أوعي تسيبهاله زي ما سبتها زمان، أرجوك. أنا بترجالك متبقاش ندل معانا للمرة الثانية. غفران ناره هتأكل الكل وأنا بنتي مريضة ومحتاجة تتعالج.

قاطع حديثها فتح الباب لتخفي الهاتف خلف ظهرها بخوف عندما رأت عُمر بوجهه الحاد وغلاظته. تحدث بهدوء شديد: _تعالي معايا بهدوء وإلا متلومنيش على اللي هيحصل في نالا. نظرت له بخوف وقالت بترجي مُتلعثمة: _هاجي معاك، لكن يا عُمر بلاش تأذي نالا، البنت صغيرة ومريضة ومالهاش ذنب في كل اللي بيحصل دا ولا تفهمه. عقد يديه أمامه بهدوء مُتشابكتين، ثم قال بجدية رغم نبرته المُنخفضة لكنها ثابتة بوقاره:

_حضرتك أكتر حد عارف إني عبد المأمور وبنفذ وبس. أرجوكِ اتفضلي معايا بكل هدوء ومتنسيش إنك وجه معروف في البلد. أعطاها قبعة للرأس وقناع للوجه ترتديهما، ثم خرجوا معاً وهي ترتجف فزعاً من القادم ويحيطها حراسة مُشددة من رجاله، بعد أن تركت الهاتف على المكتب في السر للممرضة. كانت تدرك أن ذهابها مع رجاله لا عودة منه، ومع ذلك نفذت بلا مجادلة أو مقاومة لهما. تمنت أن يرحم غفران طفلتها، لتصعد بالسيارة معهما، فقال عُمر بجدية صارمة:

_مكنتش ينفع تصنعي عداوة مع غفران بيه الحديدي. تعجبت من نبرته الغليظة وتهديده لها، فشعرت بغصة في ذعرها، لتنظر ووجدت الرجل قد حقنها بمخدر بالفعل، فأشار عُمر لها على السيارة الأمامية لترى سيلم يحمل طفلتها الفاقدة للوعي ويصعد بها، لتصرخ باسم ابنتها "نالا"، لكن منعها الرجل الموجود جوارها حين وضع يده على فمها وهي تقاومه حتى فقدت وعيها تماماً من تأثير المخدر، لينطلق عُمر والرجال في طريقهما. ***

في حديقة عامة كان عفيفي جالسٌ مع فريق عمله ينهي تصوير المشهد الأخير في فيلمه، حتى قاطعه صوت هاتفه بعد أن استلم رسالة، فتح الرسالة وسمعها ليُصدم مما سمعه، فهب من مكانه واقفاً بفزع ويحاول أن يرن على الهاتف، ليناديه مساعده بدهشة من مغادرته للتصوير: _عفيفي. لم يجيب، لينهي التصوير، بينما صعد عفيفي لسيارته وهو يستمع للرسالة مرة أخرى ورن على الهاتف لتجيب عليه الممرضة، فقال: _فين كندا؟ ممكن أكلمها. أجابته

الممرضة بهدوء شديد تقول: _في رجالة أخدوها من المستشفى هي وبنتها.

جن جنونه وأغلق الهاتف وهو يحاول الاتصال بهاتفها، لكنه مُغلق، ليضرب المقود بيده، ولأول مرة تأكد له كندا أن نالا طفلته. لطالما كانت تكذب وتخبره أنها أجهضت الطفل الذي حملت به وأن نالا ابنة غفران. لم تقلها صريحاً إلا اليوم. ليتواعد بالانتقام منها ومن غفران إذا تجرأ على أذى طفلته الصغيرة. ذهب إلى المستشفى الذي أخذ عنوانها من الممرضة، وهناك طلب رؤية كاميرات المراقبة، وبنفوذه والمال تمكن من ذلك. شاهد عُمر وهو يدفعها داخل السيارة، الصدمة أن عفيفي شعر بغصة في قلبه من رؤيتها تتلقى هذه المعاملة القاسية. وتسارعت نبضاته خوفاً عليها، فأغلق قبضته تلقائياً من الغضب الكامن بداخله لأجلها، ليأخذ رقم السيارة ونسخة من المقطع وغادر.

*** خرج عُمر من منزل في أرض داخل الصحراء مهجوراً وصعد بسيارته لكي ينطلق من المكان، وتحدث في الهاتف بجدية صارمة: _عينيك متترفعش من عليهم. أنهى الاتصال بجدية، ثم أرسل رسالة إلى غفران محتواها: (كندا ونالا خلاص) اتسعت عيني قَسم على مصراعيها بصدمة قاتلة حين رأى الرسالة على شاشة هاتفه، وارتجفت خوفاً من معنى الرسالة، فهل حقاً قتلها هي وطفلتها المريضة؟

صعدت إلى غرفته وولجت غاضبة من تصرفها، لكن حين رأته تلاشى الغضب وحل مكانه الشفقة والحزن على حال حبيبها. رمقته قَسم بعين دامعة لا تُصدق أنها ترى هذا الرجل الذي أقسم الجميع على جبروته وقوته ضعيفاً هكذا. مكسوراً وقد هزمه القدر. اقتربت بهدوء شديد نحو أريكته ثم جلست جواره لترى دموعه الحارة بللت لحيته السوداء وعينيه حمراوتين من شدة البكاء، مُنكمشٌ في نفسه عاقداً كفيه ببعضهما بعد أن تعرض لهذا القدر من الخيانة. لم تكتفِ كندا بخيانته مع رجل آخر، بل تجرأت على الإنجاب من غيره ونسبت الطفلة إليه. تمتمت قَسم

بنبرة خافتة هامسة إليه: _غفران. رفع عينيه ورأسه المُنحني بإنكسارٍ بها. تحدثت بضعفٍ مُشفقة على حال عقله الذي جن جنونه بسبب الصدمة وقلبه المهزوم: _أنت كويس؟ حابس نفسك من الصبح هنا لوحدك، متقلقنيش عليك، أرجوك. دُهشت حين جذبها من ذراعها بقوة نحوه حتى التصقت به، فوضع رأسه على كتفه يدفنها بهذا العنق الدافئ، وسمعت صوت بكاءه ودموعها الساخنة تبلل عنقها. قشعر جسدها من كم الضعف الذي رأته به، ورفع يدها إلى ظهره تربت عليه بحنان،

فقالت بلطف: _أنا هنا يا غفران معاك، بس عندي سؤال. رفع رأسه بضعف شديد ثم قال: _ياريت ميبقاش اللي في بالي يا قَسم، ومتتدخليش في الموضوع دا نهائياً. _يبقي هو. كندا فين؟ ونالا عملت فيها إيه؟ أنا مقدرة وجعك وخذلانك وقد إيه أنت اتغشيت فيها، لكن نالا طفلة عندها 10 سنين متعرفش حاجة في الدنيا دي غير إنك أبوها. صرخ غفران بجنون وهو يقف من محله ويدفع الطاولة الزجاجية بكل قوته بعيداً: _مش بنتي.

انتفضت قَسم من قوة ضربته والطاولة التي انكسرت لآلاف الجزئيات على الأرض بشهقة قوية. التفت إلى محبوبته بوجه ناري يشبه الجحيم ويقول بنار بركاني يحرقه من الداخل: _ولازم يدفعوا ثمن خديعتي هي وبنتها. مفيش قوة في الكون هترحمهم مني. كندا وبنتها اعتبريهم ماتوا يا قَسم، مع أن الموت رحمة عن اللي هيشوفوه على أيدي. _هتأذي طفلة مالهاش ذنب. قالتها بذعر بعد أن وقفت أمامه ليقول بتحدٍ وعينيه المُتسعة تلتهم قَسم:

_دفنها حية أرحم من أنها تعيش في عالم هي فيه عدوة لغفران الحديدي يا قَسم. ابتلعت لعابها من قدر قسوته على طفلة بريئة كل ذنبها أنها ابنة امرأة خائنة. اقتربت منه خطوة تقول: _غفران أنا مش هاناقشك في كندا أو اللي تعمله فيها، لكن الطفلة ذنبها إيه؟ صرخ بحنان وقد جن حقاً قائلاً: _ذنبها إنها شالت اسمي يا قَسم وهي مش من دمي.

خرج من الغرفة كالمجنون والغضب يأكل ما تبقى من عقله وقلبه، لتدمع عيني زوجته على حاله، وظل ينتظر عودتها طيلة الليل ولم يعود، حتى فُتح باب القصر صباحاً ودلف عُمر، لتسرع قَسم إليه بخوف وقالت: _غفران فين؟ _متقلقيش عليه، هو كويس وفي الشركة. فاتن لو سمحتي هتديلي بدلة لغفران بيه. صعدت فاتن تجهز ما طلبه، فرمقته قَسم بقلق، وكيف شخص منهار مثله ذهب للعمل؟ فقالت بقل: _كويس إزاي؟ وإزاي يروح الشركة وهو في الحالة دي؟

تنحنح عُمر بهدوء، ثم قال بثقة وجدية: _بالعكس، وجوده في الشركة هيخفف كتير عن وجعه، لكن القاعدة في البيت هتخلي التفكير يودي للجحيم. حضرتك بس لسه متعرفيش غفران الحديدي ويقدر يعمل إيه ولا بتخطي أوجاعه إزاي؟ لكن من عشرتي له بقول لحضرتك إنه هيبقي كويس متقلقيش. لسه متخلقش اللي يكسر غفران الحديدي. جنابه ياما شاف ومر عليه واتخطى وعدى، وإلا مكنش وصل للمرحلة اللي تخلي الكل يترعب من غضبه ويتجنب الجدال معه.

_أنت فاكر إنك كده طمنتني؟ أنت قلقتني أكثر. معنى إنه يتخطى ويكمل إن الوجع متراكم جواه ودا بيزود القسوة ويخلي قلبه حجر حتى لو أقرب الناس. قالتها بخوف شديد من القادم، ليبتسم بخفة على كلماتها، ثم قال: _من البداية وهو قلبه حجر مع كل الناس إلا كندا، ودا اللي وجعه، لأن حضرتك متعرفيش هو كان بيحبها إزاي ولا بيعمل عشان إيه. لكن فترة إنه يشك في خيانتها وظهور جنابك دا هيخفف عن صدمته كتير، عشان كده بقول لحضرتك متقلقيش عليه.

نزلت فاتن بالأغراض ليأخذها عُمر ويغادر القصر بعد ترك قَسم في حيرة من أمرها. *** [[ شركة الحديدي للسيارات ]] دَلفت ليلى إلى مكتب غفران بهدوء، لتراه ينفث دخان سيجارته لأول مرة، مما أدهش ليلى وغضبه الصامت أرعبها وجعل أطرافها ترتجف. تنحنحت بهدوء ثم قالت: _في واحد برا مصر يقابل حضرتك ضروري. _بعدين يا ليلى. قالها بضيق شديد مُسيطرٌ على غضبه، فتابعت بنبرة هادئة: _أديله ميعاد إمتى مع أنه رافض أي تأجيل. صرخ بوجهها بغضب سافر:

_أنتِ غبية ولا مبتفهميش؟ هو مين اللي كلامه بيمشي في المخروبة دي أنا ولا أي حد معدي عليكِ؟ قلتلك مش وقتي. ابتلعت لعابها بصدمة ألجمتها من صرخته وإهانته لها، لأول مرة يفقد أعصابه هكذا، فاستدار بعيني دامعة خائفة من الدخول في جدال آخر معه، ليقول بضيق: _ليلى. ألتفت إليه بصمت شديد، فأطفئ سيجارته بضيق متحكمٌ في غضبه، حتى قال: _متزعليش، أنا مضغوط النهار ده جداً و.... قاطعه دخول عُمر مُندهشاً بفزع وقال:

_هو عفيفي بيعمل إيه برا؟ اتسعت عيني غفران على مصراعيها بصدمة قاتلة، وكيف تجرأ على القدوم إليه؟ ظل يرمق عُمر بصدمة وكأن صاعقة كهربائية ضربت صدره مع كلمة عُمر، وقال بتعلثم غير مستوعبٍ جملته: _مين اللي برا؟ تنحنح عُمر بذعر وقال بهدوء شديد: _عفيفي، أنا هتصل بالأمن يمشوا. قاطعه غفران بغضب شديد بعد أن تأكد مما سمعه في المرة الأولى، وقال بغضب سافر: _جاي يدور عليها، دخله.

نظر عُمر له بصدمة من موافقته على اللقاء وهو في قمة غضبه وناره مُلتهبة لم تخمد بعد، ليكرر غفران كلمته وقال: _خليه يدخل يا عُمر، جه لقضاءه برجله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...