الفصل 27 | من 40 فصل

رواية غفران هزمه العشق الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
18
كلمة
4,895
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

تسللت "قُسم" إلى غرفة "غفران" بقلق يجتاحها خائفة أن يشعر بها. وصلت إلى فراشه لترمق وجهه النائم لثوانٍ، ثم أخذت الهاتف من فوق الكمودينو وفتحتـ ـه بأصبع "غفران" وبدأت تتفحص المحادثة بينه وبين "عُمر" حتى وصلت للمحادثة القديمة بينهما يوم اختطاف "نالا" و"كندا" لتجد العنوان والموقع الذي أرسلهما "عُمر". فنقلتهما إلى محادثتها، ثم مسحتـ ـها حتى لا تترك دليلًا خلفها. هربت من الغرفة وظلت تحملق في الرسالة كثيرًا، تُرسلها إلى "عفيفي" أم تذهب هي؟

كل ما يهمها في هذا الوقت الطفلة التي تصارع الموت ولا ذنب لها في هذه الحرب. لم تجبر "نالا" "كندا" على الخيانة، ولم تخبرها أن تتزوج بـ "غفران". لم ترتكب إثمًا في أحد حتى تعاقب بهذه القسوة. بدلت "قُسم" ملابسها وأخذت سيارتها لتغادر القصر فجرًا. انطلق خلفها "سليم" بسيارته متعجبًا لخروجها بهذا الوقت. أتصل رجال الأمن بالقصر بـ "فاتن" التي استيقظت من نومها على صوت الهاتف تقول بتلعثم وصوت مبحوح: -أيوة. -مدام قُسم خرجت لوحدها.

قالها الحارس لتنتفض "فاتن" من فراشها بصدمة ألجمتها وهي تنظر في ساعة الهاتف. كانت الثالثة والربع الآن. فترجلت من الفراش قائلة: -وأزاي تسيبها تخرج لوحدها؟ أمال أنت واقف على البوابة ليه؟ أجابها الحارس بقلق من غضب "غفران" حين يعرف: -سليم خرج وراها. -ربنا يستر من استهتاركم ده. قالتها وهي تضع الثوب على عباءتها بقلق وخرجت من الغرفة قاصدة غرفة نومه. دقت الباب بلطف قبل أن تدخل، ثم دلفت إلى القصر. نظرت "غفران" وهو نائمًا،

فهزت كتفه بهدوء ثم قالت: -غفران بيه، غفران بيه أصحي. -أيوة يا فاتن. أجابها بصوت مبحوح مدركًا هويتها من صوتها. لتقول بتلتعثم: -مدام قُسم. فتح عينيه مع صوتها حين لفظت باسم زوجته وقال: -مالها؟ -مدام قُسم خرجت من القصر. قالتها بهدوء ليعتدل في جلسته بصدمة ونظر في ساعة الحائط الموجودة على الكمودينو بجوار السرير. سأل بقلق شديد: -خرجت أزاي يعني؟ -معرفش، الأمن اتصل قالوا أنها خرجت وسليم طلع وراها.

قالتها بهدوء ليفرك عينيه بغيظ من تصرفها. واتصل على "سليم" ليقول: -هي فين؟ كان جواب "سليم" عبارة عن رسالة تحمل بداخلها الموقع المباشر. فظل يحملق بالطريق وهو لا يعرف إلى أين تذهب زوجته فجرًا. لكن سرعان ما فاق من نومه تمامًا حين ترجم عقله الطريق الذي تسلكه وأدرك أنها تتجه نحو منزل الصيد الذي يسجن به "كندا". فهلع من فراشه بغضب سافر وزوجته تقرر من نفسها وتتدخل في أموره. ليضع الهاتف من جديد على أذنه قائلًا:

-أمنعها يا سليم، إياك كندا وبنتها يطلعوا من البيت فاهم، على موتك. أغلق الهاتف وذهب إلى غرفته يبدل ملابسه سريعًا ليذهب إلى زوجته العنيدة. ***

وقع خبر موت "ملك" على أذني "أنس" بصدمة قاتلة ألجمته حتى أنها أسقطته أرضًا على ركبتيه في مكتب مأمور السجن. لم يتحمل فراقها وكيف سيعيش بدون محبوبته الجميلة. لطالما أحبها وسكنت قلبه الصغير حتى تجرأ على زواجها سرًا ولم يطلق دون أن يخشى عائلة الحديدي بأكملها. وأستمد قوته وجراءته من حبه لها. تساقطت دموعه بغزارة ويديه تضرب صدره من الوجع الذي حل عليه مع كلمات ضابط الشرطة. حدق الضابط به متعجبًا، فإذا كان هو القاتل وطعن زوجته بهذه الوحشية، فكيف انهار الآن أمامه هكذا؟

ظل يبكي بألم ووجع ولأول مرة يرى رجل يبكي بهذه الطريقة الذي غلب بها الطفل الرضيع الذي فارق أمه الآن. وقف بمساعدة العسكري وقال بتلعثم شديد: -ملك مماتتش، هي متعرفش تسيبني وتمشي؟ هتخاف تسيبني لوحدي وهي عارفة أني ماليش غيرها، لا ملك عايشة، أنا حاسس بيها هي عايشة و...

فقد وعيه كليًا من هول الصدمة وقلبه لا يصدق ما سمع وعقله لا يستوعب هذا الفراق. نُقل إلى مستشفى السجن وضابط الشرطة متعجبًا لحالته. فهذه الحالة ليست سوى حالة عاشق قطع وتين قلبه. خرج الطبيب له وقال: -للأسف هيفضل معانا شوية لأنه دخل في حالة انهيار عصبي، واضح أن الصدمة شديدة عليه. نظر الضابط له باستغراب أكثر وقال: -لو كانت الصدمة عملت فيه كدة أزاي هو اللي حاول يقتلها؟

نظر الطبيب إلى الخلف حيث الغرفة يفكر، فهذا السؤال الذي طرحه الضابط. وقال بحيرة: -حسب خبرتي كطبيب دا واحد ميقدرش يتحمل فراقها ولا أذيتها أزاي يقتلها. بالنسبة لعقلي هقولك مش هو أكيد يا وحيد بيه، لكن بالنسبة لتحرياتكم والأدلة بتاعتكم ونظرتكم كضباط شرطة هو القاتل. تنهد "وحيد" بجدية صارمة لا يصدق سوى عينيه وإحساسه الذي أشفق على هذا الرجل. عقد ذراعيه أمام صدره بضيق وقال بتوتر:

-أنا ممكن أصدق مقولة يا ما في السجن مظاليم، لكن أكذب عيني والحالة اللي وصلها قصاد عيني بمجرد سماعه لخبر موتها. لا مستحيل أكذب ده. -هتعمل أي يا وحيد بيه؟ قالها الطبيب بحيرة بعد أن رأى التوتر والتردد في عيني هذا الرجل. ليجيب عليه "وحيد" بنبرة خافتة بينما يفرك لحيته البنية بأنامله: -الله المستعان، ربك مبيرضاش بالظلم، دا اسمه العادل وأكيد لو مظلوم هينصره. لما يفوق ابعتلي.

أومأ إليه الطبيب بنعم ثم خرج "وحيد" من المستشفى وصعد بسيارته والتفكير سيقتله. فأخرج هاتفه وبداخله صوت يصرخ بداخله بألا يقف مكتوف اليدين ويتجاهل ما رآه. أتصل بصديقه في الشرطة وقال: -أنت نايم يا عاصي؟ -لا، لا يا وحيد بيه أمرني. قالها "عاصي" بينما اعتدل في جلسته حين رأى اسم مرؤوسه على الهاتف ويفرك عينيه بتعب. تحدث "وحيد" بجدية صارمة: -قضية أنس نسيب عائلة الحديدي. -مالها؟ -عايزك الصبح تبدأ تحرياتك وتحقيقك من جديد.

قالها "وحيد" بنبرة حادة وكلماته الصادمة أفاقت "عاصي" من نومه تمام ليفتح عينيه على مصراعيها وظهر الاهتمام عليه من الحديث المفاجئ ليقول: -نعم! أعيد أي؟ القضية اتحولت للنيابة والنيابة حولتها للمحكمة أسبوع دا. احتـ ـدت نبرة "وحيد" بقسوة وحزم يقول بحنق: -سمعت يا حضرة الضابط ولا لا؟ -تحت أمرك يا فندم. قالها "عاصي" بغضب مجبورٍ على تنفيذ أوامر رئيسه. أغلق "وحيد" الهاتف وانطلق بسيارته بأريحية خافتة. ***

حملت "كندا" طفلتها على ذراعيها وخرجت مع "قُسم" من هذا المكان لترى "سليم" أمام باب المنزل واقفًا. لتقول "قُسم" بضيق: -أي اللي جابك هنا؟ -معنديش تعليمات أن حضرتك تخرجي لوحدك.

قالها بهدوء وعينيه ترمق "قُسم" التي تأففت بضيق من كلماته. وأخذت "كندا" إلى السيارة وفتحت لها باب السيارة، لكنها صُدمت حين اقترب "سليم" وأغلق باب السيارة قبل أن تصعد "كندا". فنظرت إليه بذهول من تجرؤه على تخطيها. لكن قبل أن تتحدث هذه الفتاة العنيدة المتمردة تحدث هو قائلًا: -معنديش تعليمات أنها تخرج من هنا. نظرت "كندا" إليه بصدمة وطفلتها على وشك الموت بين ذراعيها. فقالت بترجٍ:

-أرجوك، أنا بس أوديها المستشفى ورجعني تاني مش هتكلم ولا هعارضك. أجابها بنبرة حادة قائلًا: -أسف مينفعش. دفعته "قُسم" من طريقها بقوة وقالت بغيظ شديد: -طيب هتخرج ولو تعرف توقفني أبقى وقفني.

أدخلتها إلى السيارة تحت ناظره وهو لا يجرؤ على الوقوف أمامها بسبب دلال "غفران" له. صعدت بمقعد السائق وانطلقت بالسيارة. وقبل أن يتابعها "سليم"، ظهرت سيارة "غفران" أمام سيارتها تمنعها من الحركة. حملقت "قُسم" في عينيه قبل أن يترجل من السيارة بخوف يحتلها بعد أن جاء. ابتلعت لعابها بخوف حين فتح باب سيارته لينزل منها. فقالت "كندا" بخوف منه:

-أرجوكي، متسبيش بنتي، خديها حتى للمستشفى وأحرموني أني أشوفها عمري كله لكن متسبيهوش تموت هنا. أوصل "غفران" إلى سيارتها ومسك مقبض الباب وعيني "قُسم" ترمقه بخوف شديد. فمسكت "كندا" يدها من الجهة الأخرى بأستماتة وقالت: -أرجوكي متسبيش نالا، افتكري هي كانت بتحبك قد إيه. فتح باب السيارة بغضب سافر وعينيه يتطاير منها الغضب وبركان ناري بداخله يقتله من تصرف "قُسم". تحدث بنبرة خافتة لكنها أرعبت قلبها الصغير حين قال بهدوء: -انزلي.

لم تستجب لكلمته. فقال بصراخ يبوح بالقليل من غضبه الكامن بداخله: -بقولك انزلي. ترجلت من السيارة بعد أن انتفض جسدها من صرخته. حملق بوجهه وهو يتنفس بصعوبة شديدة وقال: -خُدها يا سليم. اتجـ ـه "سليم" إلى الباب الأخرى وأخرج "كندا" التي تصرخ بقهرة وطفلتها بين ذراعيها. فقالت "قُسم" بعناد: -سيبني أوديها المستشفى. لم يجب عليها، بل سحبها من ذراعها بالقوة إلى سيارته وقال بغضب: -اركبي. لم تبلِ طلبه وظلت كما هي تقف

أمامه وتحدثت بلباقة عنيدة: -هوديها المستشفى، خد كندا وأديني البنت. فتح باب السيارة بضيق شديد وقال: -اركبي مش هقولها تاني. -مش هركب ومش همشي من هنا غير لما أودي نالا المستـ.... قاطعها ضربه لمرآة السيارة الجانبية حتى كسرت لأشلاء تحت قدميها وقال بغضب أكبر: -متعنديش معايا يا قُسم، وحسابك في البيت. انتفضت رعبًا من غضبه ويديه التي تنزف قطرات دماء بغزارة بينما عينيه يهب منها نار بركاني بلغ أقصى درجات غليانه. فقالت: -لا.

أجبرها على ركوب السيارة بالقوة وأخذها معه إلى القصر وهي تكتم غيظها بداخلها. وعادت "كندا" إلى المنزل مع "سليم" بعد أن فشلت محاولة "قُسم" في تهريبها. *** وقف "عاصي" أمام "وحيد" الذي ينظر إلى أوراق التحقيق. فهمس صديقه "خالد" الضابط الأقل رتبة: -هو في أي؟ إحنا ما بنصدق نقفل قضية يجي هو يفتحها؟

نكزه "عاصي" في خصره بصمت وعينيه تحملق بـ "وحيد". رجل في منتصف الثلاثينات بجسد عريض وشعر رأسه البني الغامق فوضوي كأنه لا يملك الوقت ليصفف شعره الناعم بكثافته، ولحيته الكثيفة يحكها كلما قرأ جملة في الورق بعينيه الواسعتين العسليتين وملامح وجهه الجادة بغلاظتها كشخصيته تمامًا. تحدث "وحيد" بكلماته الهادئة دون أن يرفع نظره عن الورق:

-عشان كده وقف محلك سر يا خالد. أهي حاجة وخلص المهم القضية تتقفل ونعدي. إحنا مالنا بقي بريء يتعدم ولا مجرم يطلق سراحه مش مهم المهم راح بال سعادتك. تنحنح "خالد" بنبرة هادئة محرجًا. ألقى "وحيد" الأوراق على المكتب وقال بنبرة غليظة: -أنتوا لو شوية ضباط في كلية الشرطة مش هتقفلوا قضية دليلكم الوحيد على جريمة القتل أنه الجيران شهدوا على خناقة دارت بين الزوجين يوم الجريمة. -يا فندم. قالها "عاصي" ليتحدث "وحيد" مقاطعًا

إياه بغضب: -يافندم أي وزفت أي؟ أنت مبتتخانقش مع مراتك يا عاصي في اليوم مرتين ولا حضرتك يا حضرة الضابط مبتتخانقش مع خطيبتك؟ -أيوة بس مبهددش بالقتل. قالها "خالد" بضيق ليقول "وحيد" بجدية صارمة:

-حضرتك دا راجل متجوز اتنين وواحدة فيهم بنت عائلة الحديدي أكبر عائلة في البلد والتانية بنت فقيرة وأتقتلت وأقولك المفاجأة بعد ما الخناقة حصلت خرج أنس والصبح سكان العمارة اكتشفوا أن مراته أتقتلت. بعدها رحتوا تقبضوا عليه لاقته في بيته عادي جدًا مهربش ولا حاولوا عائلة الحديدي يتصرفوا قبل انتشار الخبر. لا وأقولك مفاجأة أكبر بعد مدة من التحقيقات المجني عليها توفاها الله ولما طلبتوا تأخدوا كلمتين مرة تانية من تيا الحديدي لاقيته برا البلد سافرت تغير جو بعد صدمتها من خبر جواز جوزها عليها. دا المذكور في التحقيق بالنص. بالله عليكم يا حضرات الضباط دا مقلقكوش وأنتم بتكتبوا. المتهم أتقبض عليه في بيته ومراته هربت برا البلد.

اتسعت عيني "عاصي" على مصراعيها بصدمة ألجمته وقال بتلعثم: -حضرتك عارف بترمي التهمة على مين؟ رفع "وحيد" حاجبه وهو لا يهاب شيئًا ثم قال بغلاظة:

-لو كان المتهم هو غفران الحديدي بشحمه ولحمه هرميه في السجن. ثم أنا برمي اللي فهمته من اللي قرأته. مهمتكم بقي تعيدوا التحقيق وتقطعوا الشك باليقين وتركزوا في تحرياتكم بقى عن تيا الزوجة الثانية لأن حسب تواريخ الزواج المذكورة ملك هي الزوجة الأولى. وتبلغوني أول بأول باللي توصلوا له. اتفضلوا. خرج الاثنان من المكتب بصدمة قاتلة وهم لا يعرفون ماذا يفعلون مع رئيسهم الذي يتهم شخص لن يحدث خيرًا بتفكيره. *** [[ قصر الحديدي ]]

ترجل "غفران" صباحًا من الأعلى مرتديًا بدلة باللون الزيتي وقميص أبيض مع ربطة عنق بلون البدلة ويده اليمنى محاطة بالشاش الأبيض بعد جرح الأمس. وجد الخادمة انتهت من تحضير السفرة فجلس على المقعد ووجد "فاتن" على وشك المغادرة ليقول: -قُسم مصحيتش. -صحيت بس رافضة الأكل. قالتها بهدوء ليترك السكين من يده من جديد قبل أن يأكل شيئًا. وتنهد بهدوء بعد فعلتها أمس هي الغاضبة والمتمردة عليه. وقف من مكانه وقال بكبرياء ونبرة قوية:

-سيبها على راحتها. غادر القصر متوجهًا إلى الشركة دون أن ينتبه إلى وجودها على الدرج من الأعلى وقد سمعت كلماته بوضوح مما أشعل الغضب بداخلها لتقول: -والله لأوريك يا غفران.

صعدت إلى حيث غرفته وهي في أقصى درجات الغضب ليسمع الجميع من الأسفل صوت تكسير شيء. ركضت "فاتن" إلى الأعلى حيث الصوت وكان باب غرفته مفتوحًا وصُدمت حين رأت "قُسم" تكسر مزهريات الورد وكل صور معلقة على الحائط. مسكت مزهرية بيضاء منقوشة باللون الأسود فهرعت "فاتن" نحوها وهي تقول بخوف: -أرجوكي بلاش دي، أنتِ متعرفيش ثمنها كام دي؟ دا يخرب بيتي فيها.

تركتها "قُسم" بهدوء وهي تمرر يدها على شعرها وتلتقط أنفاسها بأريحية بعد أن أنفثت عن غضبها وأفرغته في تكسير كل شيء بغرفته وهتفت: -طيب خلاص ما دام غالية أوي كده بلاش. أحتضنت "فاتن" المزهرية بأريحية وقد أنقذت من نار العناد المشتعلة بداخل هذه الفتاة. لكنها صُدمت عندما رأتها تحمل المقص في يدها وتتجه إلى غرفة ملابسه. فوضعت المزهرية على الأريكة وقالت بغيظ من تصرفاتها الطفولية: -أنتوا بتتفرجوا عليا، نضفوا الأرض بسرعة.

دلفت لتراها تمزق كل بدلة وقمصانه البيضاء قد وضعتها في إناء ملأ بالماء الملون وهكذا بقية القمصان وضعتها في إناء ملأ بالكلور لتمزق كل شيء يخصه. لتمتم "فاتن" بصدمة ألحقت بها قائلة: -أنتِ علمتي كل دا امتى؟ -من ساعة ما صحيت. قالتها "قُسم" بلا مبالاة وكأنها لم تفعل شيء ولم تحل الكارثة. لتصرخ "فاتن" بذعر قائلة: -أنتِ بتقولي أيه؟ أنتِ متعرفيش غفران بيه، دا بيكره أن حد يلمس حاجاته. لما يسألني مين اللي عمل كل دا؟ ااااه.

وضعت يدها على رأسها من الصداع الذي أصابها مع الصدمة وكيف ستتحمل غضبه حينما يعلم. اقتربت خادمتان يمسكان بذراعي "فاتن" قبل أن تفقد الوعي من الضغط الذي أصابها. هرعت "قُسم" للخارج وأخذت المزهرية بعناد أكبر وألقت بها من النافذة بحماس يقتلها. لتُصدم عندما صرخ رجل حراسة من الأسفل. فنظرت ورأت رأسه ينزف دماء بعد أن سقطت المزهرية على رأسه. فأرتجفت خوفًا وقررت أن تهرب من القصر مجددًا. فصرخت "فاتن" بجنون أصابها:

-أمسكوها قبل ما تولع في القصر بينا. ركض الخدم بأكمله خلفها بينما أتصل رئيس الأمن بهاتف "عُمر" ليخبر بما يحدث في القصر بعد أن سقطت المزهرية على رأس أحد الحرس. سمع "عُمر" ما حدث ليُدهش من طاقتها وأعطى الهاتف إلى "غفران" يقاطع اجتماعه قائلًا: -تليفون من القصر. نظر "غفران" إلى "عُمر" وكان وجهه يحمل تعابير الدهشة. فأخذ الهاتف وقال بينما يغادر طاولة الاجتماعات: -نعم؟

حملق الرجل بوجه "قُسم" وقد مسكها الرجل وتقف أمامه بلا خوف تخرج لسانها تغيظه بطفولية. فقال بهدوء: -مدام قُسم. حرك "غفران" رأسه يمينًا بأستغراب وقال: -مالها؟ لم يتوقع أبدًا أن يسمع عن طفولتها الشرسة. ما بدأ يقوله رئيس الحرس هاتفًا: -فتح رأس واحد من الرجالة ومسكت المقص وجرحت كل العربيات وكسرت مرايات عربيتين و... سرقت "فاتن" الهاتف من يده بغيظ وهي لا تقوى على السيطرة عليها. فقالت بعجز هي الأخرى:

-يا مسيو غفران خربت القصر كله وخصوصًا جناح حضرتك مبقاش فيه حتة سليمة و... صمتت حينما سمعت صوت ضحكة خافتة منه. خرجت منه ضحكة رغم من صدمته وهو لا يتخيل ما فعلته وكيف ضربت حارس الأمن وجرحت رأسه وسياراته التي تبلغ ملايين. ولما كل هذا الغضب الكامن بداخله ولأجل ماذا تنتقم منه؟ كل هذا فقط لأنه أجبرها على ركوب السيارة معه. قال بتمتم: -يا لها من طفلة. -نعم! قالتها "فاتن" بدهشة وكيف يكن سعيدًا بعنادها. فقال بجدية وحزم:

-أديها التليفون. نظرت إليها والحرس يمسكان يديها. ثم قالت: -اتفضلي. -مش هكلمه وخليهم يسيبوني أنا مش حرامي قبضين عليا. قالتها بعناد ونبرة شرسة. فضحك "غفران" بينما أجابته "فاتن": -زي ما حضرتك سمعت. -افتحي المايك. قاطعها "فاتن" بغيظ وضغطت على الزر كما طلب. ليقول "غفران" بجدية: -كسري زي ما تحبي وأحرقي قد ما تعوزي يا قُسم، فداكِ القصر كله. لكن إياكِ تتأذي بسبب عنادكِ.

اتسعت أعين الجميع على دلاله لها. تابع حديثه الموجه للجميع بنبرة خشنة والغيرة تأكل قلبه من لمسهم لها قائلًا: -أبعدوا أيدكم عنها اللى هيلمسها هقطع أيده، دي مش حرامية بالعكس دي سيدتكم مرات غفران الحديدي وحبيبة قلبه.

فور كلمته تركوها بخوف من تهديده وعادوا خطوة للخلف بعيدًا عنها. أغلقوا الهاتف لتعود إلى القصر. بينما "فاتن" والخدم على وشك الانفجار من أفعالها. صعدوا الخدم لتنظيف الفوضى التي أضرمتها في القصر. لتصرخ "قُسم" بهن بغضب وهي تشعر أنه من انتصر عليها: -إياك تلمسوا حاجة.

تركوا كل شيء محله وبداخلها الغضب يقتلها. ورغم كل ما فعلته لم تنجح في أغضابه أو فقده لأعصابه. كانت تريد الانتقام منه لكن نارها لم تحرق أحدًا سواها. ظلت تحملق في كم الزجاج المنثور على الأرض بغلاظة وقالت: -يا أنا يا أنت يا غفران. سارت بين الزجاج المكسور حتى وصلت إلى صورته الموجودة على الأرض وجلست تحملق بها وكلما نظرت إليه جن جنونها.

وصل إلى القصر ليلًا. ترجل من سيارته مع "عُمر" أمام البوابة فرأى الحارس المصاب. وكانت رأسه ملفوفة بشاش طبي وكأن هو أول كارثة فعلتها يراها. ليقول "غفران" بجدية: -راضيه يا عُمر. التفت لكي يغادر من أمامه. فأوقفه الرجل بنبرته الهادئة: -أنا مش عايز فلوس يا غفران بيه، يكفي أن مدام قُسم تعرف أزاي تعاملنا وأننا بشر. استدار "غفران" له وكأنه فهم أن هذا الرجل يريد معاقبة زوجته. فقال بحدة:

-بشر وعلى رأسنا ويكفي أنكم هنا لحمايتنا. لكن فتاتي مش للعقاب. غادر من أمامه وخلفه "عُمر" الذي رن هاتفه برقم "سليم" فأنهى الحديث بكلمة واحدة: -ماشيين. نظر إلى "غفران" بينما يضع الهاتف في جيبه ووصلوا إلى مرآب السيارات. وكأنه يبحث عما فعلته زوجته الطفولية. ليرى الزجاج أرضًا وقد خدشت سياراته بقوة. فلمس الخدش بأغلى سيارة يملكها تجاوز سعر فوق الـ10 ملايين وقال: -طفلة.

-نالا اتحجزت في المستشفى ولازم تجري العملية ومحتاج لأبوها عشان يتبرع. وكندا اتنقلت من مكانها زي ما حضرتك أمرت. هز "غفران" رأسه بضيق من فعله لها فقد لأجل إرضاء زوجته. ثم قال: -بس لأجل قُسم. -تحب أبلغها بطريقة غير مباشرة أن حضرتك وافقت على علاج نالا؟ قالها "عُمر" بنبرة خافتة حتى تخمد نيران غضبها وهو يرى الكوارث التي فعلتها. لكن "غفران" مرر سبابته على الخدش والغريب أنه كان سعيدًا بتنفيس غضبها وقال:

-لا، متقولهاش حاجة خالص، خليني أكتشف جانب جديد في حبيبتي وأقصى درجات غضبها. أومأ "عُمر" بنعم ثم وصلوا إلى القصر لتستقبله "فاتن" وقال: -حمدًا لله على السلامة، أنا جهزت الجناح الغربي لحضرتك. التفت إليها مندهشًا من تغيير غرفته. فقالت "فاتن" قبل أن يسأل: -جناح حضرتك ميسمحش أبدًا أن حضرتك تدخله.

دُهش من كلماتها ولم يسأل. بل ركض الدرج بحماس ليرى ماذا فعلت به. فتح باب الجناح ليجد الفوضى تعم المكان والزجاج بكل مكان. لم يتخيل أنها تفعل هذا الجنون؟

توقف عن التحليق عندما رأى فتاته نائمة أرضًا وسط الزجاج. فأقرب وصوت تكسير الزجاج لجزيئات أكثر تحت حذائه يطرب أذنيه. وصل إليها ليرى صورته في يدها وهي نائمة مرتدية فستان نومها القصير المصنوع من القطن وفوقه روب قطني أبيض اللون يصل لركبتيها وشعرها مسدول بفوضوية. قدميها متسخة من الأسفل وبه بعض العشب الأخضر. ليمسح قدميها بيديه بحنان مدركًا أنها ركضت بالحديقة بهذه الملابس مما أشعل نيران الغيرة بداخله. وكيف تخرج أمام الرجال

بهذه الملابس وتذكر حديثها صباحًا عن القبض عليها. فهل أمسكوها وهي بهذا الجمال مما جعله يكز على شفتيه بأسنانه من الغيظ. حملها بلطف من بركة الزجاج التي تنام بها ووقف بها لترتطم رأسها بكتفه وغطى وجهها شعرها الحرير. رفعها بإحكام قاصدًا تحريكها حتى يظهر وجهها الملاكي. خرج بها من الغرفة وكان

الخدم أمام الغرفة ليقول: -نظفوا الأوضة. دل بها إلى الغرفة المجاورة التي جهزتها "فاتن". وضعها بالفراش برفق. ففتحت عينيها ورأته أمامها. لتعـ ـتدل في جلستها بعيني شبه مغمضتين وتتمتم بصوت مبحوح: -أنت بتعمل أيه في أوضتي؟ نظر حوله ثم إلى صغيرته الجميلة وقال: -يعني مش أنتِ اللي في أوضتين؟ نظرت حولها بعد أن فتحت عينيها جيدًا ووجدت نفسها بغرفة جديدة. لتقول بعناد:

-لا، أنا كنت في أوضتك التانية أنت اللي جبتني هنا، بس أحسن بتستاهل اللي أنا خربته. رفع يده إلى وجنتها يداعب خصلات شعرها وعينيه تتفحصها مجيبًا عليها بنبرة خافتة: -بستاهل. رمقته بعناد وقالت بنبرة شريرة وقوية: -أنت بتقول كده لأنك متعرفش أنا عملت إيه؟ فاتن قالت لي إن الفازة بتسوى مبلغ كبير أوي وأنا كسرتها عندك. أقترب منها برأسه ليشعر بأنفاسها الدافئة مع غضبها الجذاب بوجهها الطفولي. قال بهمس يضرب وجهها بدفء أنفاسه:

-فداكِ يا قُسم. ابتـ ـلعت لعابها من قربه الشديد ويده التي تلمس وجنتها وتتسلل إلى عنقها الناعم ببرود أنامله الذي يضرب الكهرباء بعنقها الدافئة. فتحدثت بنبرة هادئة وعينيها تحملق بعينيه: -وكسرت عربيتك الطويلة. رفع عينيه بجمال عينيها الخضراء الخلاب وقال بهمس أكثر: -تحت رجلك يا قُسم، المهم تكوني ارتحتي بعد كل دا. -لسه متغاظة منك وحابة أضربك.

قالتها بعناد أكثر فضحك بعفوية عليها. وهذه الفتاة جريئة بدرجة لم يتخيلها. لم تكتفِ بجراءتها في الكوارث التي تفعلها والآن تصبو لضربه. ولم يجرأ أحد بالنظر إليه لكنها تطمح بالضرب. ضربت كتفه بقبضتها الصغيرة بقوة وهي تقول بغيظ: -ضحكك ده اللي بجنني، كأن كل اللي بعمله ولا فارق معاك ودائمًا أنت اللي منتصر وأنا مش عارفة أعصبك. ابتسم "غفران" أكثر وقال:

-ليشهد التاريخ أنك الأولى اللي أجريتِ وضربتي غفران الحديدي، لكن ضربي له عقاب. صمتت بدهشة وهو يتحدث عن معاقبتها. لتقول: -تعاقبني، طب جرب وأنا بحرق القصر على رأسك يا غفران لتكن فاكر.

أسكتها بقبلة ناعمة تخمد نيران قلبها المحترق من الغضب والغيظ ويروض عقلها الطفولي المتمرد. انتفض جسدها بقشعريرة العشق التي أصابتها بقبلته وشرارة الحب تغتصب روحها التي ذابت كليًا بقربه. تسللت يديه إلى خصرها يجذبها بقوة نحوه حتى التصقت به. لترتطم يديها بصدره حتى شعرت بنبضات قلبه القوية لأجلها. وتحولت قبلته إلى وجنتها وعنقها. حتى شعرت أنه يهزمها مرة أخرى بعشقه. لتسمعه يقول بكلمات متقاطعة بين قبلاته الناعمة:

-أعملي اللي أنتِ عايزة وقد ما تحبي بس ارجعي لحضني في الآخر. تبسمت من هذا الاعتراف وهو يقدم لها طريق انتقامها الجديدة على طبق من فضة دون وعي. فهمست بتلعثم وهي تلهث بقوة من أنفاسها التي كادت تنقطع من قوة التهامها إليها: -انتقامي الجاية هيكون طلبي للطلاق. توقف عن تقبيلها بصدمة ألجمته وأبعد قليلًا ينظر بعينيها. لتبتسم بانتصار وشعرت بيده تترك أثر خصرها. وقال بجدية: -إياكِ تفكري تلفظي الكلمة دي مرة تاني فاهمة يا قُسم.

-طلقني. قالتها بعناد وتحدٍ أكثر. وكأنها وجدت الطريقة الأمثل حتى تضغط عليه وتجبره على الإفراج عن "كندا" وطفلتها. فوقف من مكانه وعينيه يتطاير منها الشر. ثم قال: -إياكِ يا قُسم وإلا.....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...