وقف "عُمر" أمامه منكمشًا في ذاته بسبب الخوف، يضم يديه المتشابكتين للأمام ويطأطئ رأسه للأسفل متحاشيًا النظر إليه. نظرت "فاتن" إلى رأسه، وهي في خدمته منذ أن كان في الثانوية وتعرفه جيدًا، فلن يغفر هذا الخطأ أبدًا. تحدثت بخفوت: -لو خايف عليها، روح لها قبل فوات الأوان. متزودش عليها المواقف الصعبة اللي متلاقيقش فيها جنبها، لأن لما تتقابلوا وتتعاتبوا، هتعد كل المواقف دي وهتقول لك: "أنا كنت لوحدي وأنت مكنتش موجود".
رفع "غفران" حاجبه بغرور شديد ثم قال بحزم: -اتجرأت أوي يا فاتن. طأطأت رأسها هي الأخرى أرضًا من ردّه الحاد وألتزمت الصمت، مما جعله يحلق بهم الاثنين وقال: -بقيتوا تقرروا المهم واللي مش مهم في حياتي، بتقرروا أرجع وأقول أي كأني ماليش لازمة وأنتم بتاخدوا قراراتي بدلي. -محصلش يا... قالها "عُمر" ليقاطعه "غفران" بحدة شديدة قائلًا: -اخرس يا عُمر. حدق الاثنين في أعين بعضهما بغضب ناري، ثم وقف "غفران" من مقعده ليقول:
-خلي سمير يجهز العربية، أنا طالع أغير هدومي. صعد للأعلى، فنكز "عُمر" هذه المرأة في ذراعها بضيق ثم قال بخنق: -عجبك كده؟ كله من لسانك يا فاتن. تأففت بضيق من حديث "عُمر"، وعينيها عالقة بالدرج حيث صعد "غفران"، وقالت بلطف: -بس في الآخر طلع يغير وهيروح لها. *** توقفت "ليلي" بسيارتها أمام منزل "قُسم"، ثم ترجلت والدتها مع "قاسم" يساندان "قُسم" ويديها بها الكانولا الطبي. فأقترب "حازم" بسرعة من "صفية" وقال بلهفة:
-عنك يا مرات خالي، أنا هسندها. دفعت "صفية" يده بضيق وهي تحمل بداخلها غضبًا يكفي ليزيده هذا الأحمق، وقالت: -شكرًا يا سي حازم، مش عايز منك حاجة. ترجلت "ليلي" بعد أن صفّت السيارة أمام العمارة وتحدثت بحدة مع "حازم" قائلة: -هو أي تلزيق وخلاص، ما تخلي عندك اللي خلف كرامة. اتسعت عيناه من شجاعة هذه الفتاة التي على وشك ضربه وسط الشارع، وقال بحدة: -أي دا، إنتِ عبيطة يا بت ولا أي؟ إنتِ مين أصلًا؟
-أنا اللي هديكي بالشبشب على خلقتك لو محترمتش نفسك. قالتها بحدة وجرأة لم تخشه أو تخشى سجله الإجرامي، بعد أن سمعت من "قُسم" حكايته سابقًا. دلفت معهم إلى العمارة وهي تسمع يصرخ من الخارج قائلًا: -طب لو بنت راجل انزلي وأنا هوريكي مين اللي هيدي مين بالشبشب. لم تجب عليه وصعدت للأعلى مع صديقتها وجعلتها ترتاح في سريرها، ثم خرجت من الغرفة تتحدث مع "صفية" و"جميل" الذي يجلس على الأريكة بسبب ضعف جسده:
-أنا هنزل أجيب لها الأدوية وأشوف أي حد في الصيدلية يعلق لها المحلول. أوقفتها "صفية" بخوف من جلف "حازم" وقذرته حين مسكتها من يدها وقالت بقلق: -لا، خليكِ إنتِ يا بنتي وقاسم هينزل هو راجل أهو، بلاش تنزلي إنتِ حازم قليل الأدب وأنا أخاف عليكِ. تبسمت "ليلي" بعفوية دون خوف ثم قالت بشجاعة: -متخافيش يا طنط، أنا بنت أه لكن بمية راجل. البنت اللي تنزل من بيتها وتحفر في الصخر زي الراجل وتعافر عشان لقمة العيش ميتخافش عليها.
ربتت "ليلي" على ذراعها بلطف وخرجت من الشقة، لتنادي "صفية" بقلق على طفلها وقالت: -قاسم... ولا يا قاسم. خرج من المرحاض بتعجل خائفًا أن يكون حدث شيء لأخته ويقول: -أيوه يا ماما. -أجري ألحق ليلي ومتسبهاش لوحدها لحد ما ترجعوا، أنا مش عايزة مشاكل مع حازم كفاية وقفت البنت معانا. قالتها بجدية ليركض "قاسم" للخارج. نزلت "ليلي" الدرج بهدوء وهي تلعب في هاتفها وتتصل على "عُمر" حتى أجاب عليها وقالت:
-أي يا بيه، طب أتصل وأسأل عليا مش كده... اهتم يا عُمر شوية، هو أنا اللي هعلمك. تحدث بضيق وهو يقف أمام سيارة "غفران" ينتظره بغضب: -معلش يا ليلى، خبر مرض قُسم قلب الدنيا وخلّاه يشيط فينا كلنا. تبسمت "ليلى" بلطف وقالت: -لا يا سيدي طمنه، أنا لسه رايحة قُسم البيت والدكتور طمننا الضغط واطي شوية بسبب المجهود وقلة الأكل وعلقنا محاليل بسبب مقاطعتها للأكل. خرج "غفران" من القصر مع حديثها، فتبسم "عُمر" بلطف وصعدوا للسيارة معًا
وهو يقول: -طب كويس طمنتيني يا ليلى، يعني أنتوا في البيت دلوقتي. أومأت إليه بنعم وهي تخرج من العمارة في اللحظة التي وصل فيها "قاسم" إليها. وقفت أمام سيارتها بغضب يأكل قلبها حين رأت مرآة السيارة مكسورة، فكزت على أسنانها بغيظ وتحولت نبرتها الهادئة إلى غضب وقوية حين قالت: -هو متخلف!! أجابها "قاسم" بدهشة من فعل "حازم" وقال: -حازم اللي كسرها مش كده. ألتفتت إلى محل "حازم" ورأته يقف بالخارج مبتسمًا وهو يشاهدها، و"عُمر"
يتحدث على الهاتف بقلق: -في أي يا ليلى؟ لم تجب عليه بعد أن أنزلت الهاتف عن أذنها، ثم أقتربت من "حازم" بضيق شديد وقالت: -أنت قد اللي عملته دا؟ -مش عملته يبقى قده، ولا إنتِ يا صعلوقة فاكرة إن الأفعال بوق وإنكِ تعرفي تديني بالشبشب. رفعت سبابتها في وجهه ثم قالت بتهديد واضح: -وأديك بالجزمة كمان لأنك راجل قليل الأدب... لا، راجل أي دا أنا آسفة للرجالة. رفع يده من الغضب وأوشك على لطمتها، لكن وقف "قاسم" بالمنتصف ومسك
يده بغضب ثم قال بتهديد: -لحد هنا وكفاية... أنت راجل قليل الأدب ولم دنيتك كده عشان ميتقلش منك أكتر من كده... يلا يا ليلى. أخذها بعيدًا عنه فقالت بضيق: -يلا أي، دا كسر لي عربيتي والله ما هسكت. -خلصنا بقي، هبقى أصلحهالك يا ستي من مصروفي. قالها "قاسم" بضيق فضحكت رغمًا عنها من ردّه وتذكرت أن "عُمر" على الهاتف لتُجيب: -عُمر. اتسعت عيناها على مصراعيها حين صرخ في أذنها قائلًا: -دا حازم صح؟
أومأت إليه بنعم، فضرب المقبض بيده وهو سمع إهانة خطيبته بنفسه وقال بحدة: -متتحركيش من عندك يا ليلي، أنا جايلك. -غفران بيه معاك؟ سألته بمكر وصوت هامس بعد أن دخل "قاسم" إلى الصيدلية، فأجابها "عُمر" بضيق وعيناه تحملق بـ "غفران" الذي يجلس في الخلف من المرآة: -أه. تحدثت بخباثة ونبرة عالية قوية: -اه حازم كسر لي مراة العربية الغبي. -وأنت أي اللي خلاكي تتعرضي لحازم عشان مجيش أفلق رأسك نصين.
قالها بغضب وهو لا يفهم ما ترمي له فتاته المشاغبة، ومجرد ذكر اسم "حازم" سرق انتباه "غفران" الذي يجلس في الخلف، فسحب الهاتف من أذن "عُمر" ليسأل بنفسه، لكنه قبل أن يسأل جاءه الجواب منها حين وضع الهاتف على أذنه وسمعها تقول: -والله ما اتعرضت له يا عُمورة، هو اللي راجل قليل الأدب وكان عايز يشيل قُسم ويتلزق فيها وهي تعبانة وليه وليه إني بقول أحترم نفسك، شاط فيا وقل أدبه وكسر لي عربيتي ويقولي: "إنتِ مني أصلًا دي حبيبتي"...
حبه برص الصراحة عصبني وهو بيقول عن قُسم حبيبته وبيصطاد في المية العكرة. كان يستمع للحديث وأغلق قبضته بإحكام مما تقوله، وهذا الرجل يعترض طريق حبيبته وتجرأ على الرغبة في حملها وضمها، ولم يكتفِ بل يقول عنها حبيبة لقلبه، فكز على أسنانه من شدة الغضب ونار الغيرة تحرق قلبه من الداخل، فقال بحدة: -هو قال كده. انتفضت من مكانها حين سمعت صوته، فهي تحدثت حتى ينقل "عُمر" الحديث له ولم يسمعه بنفسه، وقشعر جسدها بقوة من صوته القوي،
ثم تلعثمت في حديثها قائلة: -اه وأكتر والله يا مسيو غفران. خرج "قاسم" من الصيدلية وقال: -يلا بينا، البنت دي هتيجي تعلق لها المحلول. أومأ إليه بنعم وصارت مع "قاسم" للمنزل ومعه الفتاة. تحدث "قاسم" بحدة قائلًا: -لما نوصل ملاقكيش دعوة بحازم، مش هحوشه عنك تاني هسيبه يضربك. -طب خليه يجرب يضربني وأنا أقطع له إيده. قالتها بعناد ليُجيب "قاسم" بحدة:
-ما خلصنا بقي، هو شوية إنتِ وشوية قُسم، أرحموني أنا بقيت عامل زي البود جارد وموريش غير خناق مع حازم. كانت "ليلى" تستمع لأنفاسه الغاضبة في الهاتف وهو على وشك التهام "حازم" من أفعاله لتقول بخباثة: -ما هو اللي راجل زبالة وبيصطاد في المية العكرة وعمال يتلزق في قُسم، ما يخلي عنده دم واحدة ومش عايزاه.
-بس هو هيموت عليها، واه معندوش دم يا ليلى، بس حازم عمره ما سابها في ضيقة زي ما البيه بتاعكم عمل وسابها. ولو حازم بيصطاد في المية العكرة يبقى سي غفران بتاعكم هو اللي عكرها وفتح له الباب إنه يتلزق لما ساب قُسم. حازم زبالة وفيه كل العبر المعفنة، لكن البيه بتاعكم أزبل منه ودس على قلبها بالجزمة وبجبروته.
قالها بضيق مما أشعل نيران غضب "غفران" أكثر، وهذا الولد يقارنه بحثالة كـ "حازم"، بل يفضل الحثالة عنه. أنهى الاتصال مع وصول سيارته أمام منزلها ليرى "ليلى" التي تعرف عليها من ملابسها تقترب من المنزل مع "قاسم" والصيدلانية. تحدث "عُمر" بهدوء قائلًا: -ممكن أنزلها. -حقك.
قالها بهدوء وجلس يقرب الوضع من بعيد. وهناك رجال كثيرة لا يستطيع أن يميز "حازم" منهم، لكن مع وصول "عُمر" سيعرفه جيدًا، فحتمًا سيرد "عُمر" حق محبوبته. رأت "عُمر" أمامها فتبسمت بعفوية وقالت: -عُمر. -بدأنا.. تعالي يا دكتورة.
قالها "قاسم" وصعد مع الفتاة. وقف "عُمر" يحلق بفتاته وبسمتها تنير وجهه بينما هو الغضب يحتله. حلق في سيارتها والمرآة المكسورة على الأرض وتذكر فرحتها حين اشترت سيارتها بالتقسيط من شركة "غفران" ورفضت أخذها كمكافأة، وهذا الأحمق تجرأ على كسرها. سألها بهدوء شديد: -هو اللي كسرها؟ تلاشت بسمتها بلطف وخوف، فهل جاء لأفتعال شجار؟ لتقول: -خلاص يا عُمر، أنا هزيته بما يكفي.
أخذ المرآة من الأرض بهدوء وأقترب من "حازم" وحين وقف أمامه، عرف "غفران" أخيرًا من هؤلاء هذا الأحمق الذي يتصدر لحبيبته وتجرأ على طلب حملها. وقف "عُمر" أمام "حازم" بالمرآة وقال بهدوء يكبح خلفه بركان غضبه: -أنت اللي كسرت المرآة؟ نظر إلى "ليلى" بضيق ولم يكن يعرف أنها حبيبة هذا الرجل، لكنه يتذكر وجه "عُمر" جيدًا، فهذا الرجل هو من ضربه وأوشك على قتله بأمر من "غفران". رفع رأسه بغرور مصطنع وقال:
-اه عشان متطولش لسانها بعد كده وتتعلم... لم يكمل كلمته بسبب لكمة "عُمر" التي أوقعته على الكرسي الخشبي الذي كان يجلس عليه، فمسكه "عُمر" من قميصه مرة أخرى وقال: -أنا بقى لازم أعلمك متطولش لسانك ولا عينيك على واحدة. لكمه مرة أخرى وبدأ الجميع يتجمعون حولهم وصوت الشجار ملأ المكان، و"عُمر" لم يغفر له أو يرفق به للحظة، فظل يلكمه بقوة وقال:
-ما دام البلطجة هي الحل عندك، أنا بقى جاي أربيك التربية اللي خلفوك مربوهالكش، عشان لو كنت اتربيت كنت عرفت إنك متستقويش عضلاتك على بنت. لكمة مرة أخرى وقال بجدية: -هي البلطجة الحل لأمثالك. أخذها من يدها إلى السيارة وشغل محركها بقوة، وهي تقول بقلق: -أنت هتعمل إيه يا عُمر؟
لم يُجبها بل أدار السيارة ودخل بها في محل "حازم" الزجاجي حتى أصبح مجرد حفرة من الزجاج المنثور. نظر من النافذة على "حازم" وهو جالسًا على الأرض من كثرة الضرب وقال ببرود شديد مقلدًا إياه: -سوري عشان تتعلم متطولش لسانك بعد كده.
غادر بالسيارة مع محبوبته بعد أن هدم المحل على رأس "حازم" فقط مقابل مرآة سيارتها، فلم يخلق بعد من يتجرأ على محبوبته. ورغم دهشة "ليلى" مما فعله الآن ومشاهدتها لـ "عُمر" وهو يضربه، لكنها قطعت الصمت بينهما بضحكة قوية، فنظر إليها وهو يقود السيارة بدهشة من سبب ضحكها: -بتضحكي على إيه؟ -عُمر أنت بتضرب حلو أوي، وشكلك مثير جدًا وأنت بتضرب.
قالتها بحماس شديد وسعادة تغمرها، فأوقف السيارة جانبًا ونزع حزام الأمان بينما يقترب منها بعفوية وقد تلاشى غضبه الآن. قال بنبرة هادئة وعيناه تحملق بفتاته المشاغبة: -شكلي إيه؟ تنحنحت بحرج منه وعيناها تتجول بعيدًا عنه بعد أن احمرت وجنتاها من شدة الخجل وقالت بهمس: -بس يا عُمر، اتلم. تأفف بضيق شديد مصطنع ثم عاد إلى مقعده وقال: -اتلم يا عمر... اتلمت أه.
ضحكت بعفوية خجلة من قربه، لينظر إلى بسمتها الجميلة التي أثرت قلبه، فشغل محرك السيارة من جديد وقال بحماس: -لا مش قادر على كده، أنا لازم أحدد ميعاد للفرح ده عشان مش هحوش نفسي أكتر من كده. -أنت مجنون. غمز إليها بحب وقال: -بيكي.
أخذ يدها في يده وتشابكت بإحكام في عناق طويل دافئ. ظل "غفران" يراقب منزلها من بعيد، وخصوصًا بعد أن طلعت محبوبته من النافذة مع صوت تكسير المحل والزجاج. رآها تقف في الأعلى ويدها بها المحلول الطبي بسبب مرضها. ظل يحلق بها باشتياق ناري يحرق صدره الآن، لتسرق منه النظر إليها حين عادت للداخل، فتحدث بهدوء: -اطلع يا سمير.
أومأ إليه بنعم وتحرك بالسيارة، بينما "غفران" يغمض عينيه يسترخي. عاد للقصر وكانت "نالا" تتحرك ببطء شديد وخلفها "همس" تراقب حركاتها، وبمجرد أن رأى "نالا" قال بحدة: -فاتن. جاءت ركضًا من الداخل ليقول بغضب: -خدي نالا وديها لأمها، أنا مش عايزها في قصري. عقدت "فاتن" حاجبيها بعدم فهم وقالت متمتمة: -أمها إيه؟ الله يرحمها. -نالا أمها قُسم. قالها بحدة ويكز على أسنانه بغضب سافر، ومنذ أن دخلت "قُسم" حياته وأصبحت هي أم "نالا"،
فأومأت إليه بنعم وقالت: -حاضر الصبح أوديها. صعد إلى الأعلى وألقى بجسده على الفراش بتعب شديد ونظر إلى صورة "قُسم" الموجود على الحائط باشتياق وجسده مُنهك من الفراق ولم يعد يحتمل هذا البُعد. ***
توقفت سيارة "نورهان" أمام الشركة لتترجل "نورهان" منها و"رزان" تغلق الباب وراءها. تقدمت "نورهان" خطوتين فأهتز جسدها بتعب وبدون مقدمات سابقة سقطت على الأرض فاقدة للوعي، مما جعل "رزان" تصرخ بذعر وتجمع رجال الأمن حولها وهي على الأرض فاقدة للوعي. فصرخت "رزان" في رجال الأمن ليحملوها قائلة: -هاتوها على العربية بسرعة.
وضعوها في السيارة وأنطلقت "رزان" بسرعة جنونية على المستشفى، فوحدها من تعرف بمرضها والخوف تملكها أن يكون الورم قد بدأ يقتلها بالبطئ. *** وقفت "قُسم" أمام "فاتن" بدهشة و"نالا" معها، مندهشة من طرده لطفلته وهو لا يرغب بها. تحدثت "فاتن" تقاطع شروده وصدمتها: -أنا مقدرش أرجع بيها، غفران بيه حالف لو رجعت بيها أنا وهي هنحصل كندة. تحدثت "صفية" بحدة صارمة قائلة:
-ما يكش تموتوا إحنا مالنا، مش كفاية اللي عملوه في بنتي كمان هربوا له بنته. قاطعت "قُسم" بحزن شديد قائلة: -نالا بنتي يا ماما، ومحدش بيرمي ضناه. فتحت ذراعيها بتعب إلى الطفلة لتركض "نالا" إليها تعانق نصفها السفلي باستماتة، حتى سمعت "صفية" تقول: -ما هو بيرمي ضناه أهو. -وحشتيني يا مامي.
قالتها الطفلة بهدوء لتدمع عيني "قُسم" بحزن، فكل ما حدث فقط لأنها تمنت طفل صغير يناديها بماما، والآن قد خسرته وخسرت حبيبها، لكن جاءت هذه الطفلة تعوضها عن الوجع القائم بداخلها، فجلست على ركبتيها بلطف وقالت: -حقك عليا، أنا كان لازم آخدك وأنا ماشية، أنا آسفة إني سبتك هنا مع راجل ميعرفش يعني إيه يحافظ على حبايبي. -أحم أنا لازم أرجع القصر، خلي بالك من نفسك يا مدام قُسم.
أومأت إليها بنعم لتغادر "فاتن"، فحملت "قُسم" الطفلة على ذراعيها رغم تعبها فلم تشفى بعد. تنهدت "صفية" بضيق وقالت: -والله ما حد هيشيلني غيرك يا قُسم. دلفت "قُسم" الفراش بتعب وصعدت به لتنام، فجلست "نالا" قربها وبدأت تمسح على رأسها بحنان وقالت: -متزعليش يا مامي. هزت "قُسم" رأسها بنعم، فضمتها "نالا" بسعادة وحنان يغمر قلبها البريء. ***
وصل "غفران" للمستشفى هادئًا بعد أن وصل إليه خبر نقل والدته إلى المستشفى وهو لا يبالي شيئًا. فقابلت "رزان" تبكي بقوة وشهقاتها تملأ المكان مع أخته "تيا" التي جاءت إلى المستشفى مثله بعد أن اتصلت "رزان" بها. تحدثت "رزان" بهدوء: -دكتورة نورهان عايزة تتكلم معاك. -متخافيش يا رزان، دكتورة بسبع أرواح. قالها ببرود شديد ودلف إلى غرفة والدته ليجدها نائمة على الفراش والأجهزة تحيط بها. سحب المقعد وجلس بجوار والدته ليقول ببرود:
-قالولي إنكِ عايزة تقابلني ضروري. حدقت بأبنها، ورغم حالتها السيئة وهي تصارع الموت أمامه، لكنه ما زال باردًا معها ولم يهتم لأمرها، فقالت بتعب: -أنا السبب في قسوتك دي، لو أنا السبب يبقى أنا أستاهل معاملتك دي. صمت ولم يُجيب عليها، فقالت متمتمة: -أنا عمري ما كرهتك يا غفران، عمري ما قسيت عليك ولا بعدت عنك، مفيش أم بتكره عيالها. -مكنتش القطة أكلت عيالها. قالها ببرود شديد، لتقول بجدية:
-القطة بتأكل عيالها عشان فاكرة إنها كده بتحميهم من قسوة العالم. ما علينا عشان أنا ما أحبش إنك تشوفني كده، خلي رزان توديك الصحراوي، الناس اللي هناك أديهم فلوس كتير تأمن حياتهم وفض المسكن كله واديهم حريتهم. -نعم. لم يفهم شيء من حديثها، فقالت بهدوء:
-أنا لو طلبت كده من تيا هتأخدهم ليها وهتتعامل معاها بشر. أنا عارفة إنك مش هتقابل بالأعمال دي وعارفة إن قوتك في طريقك المضبوط. دي أمانة، وأدي رزان فلوس كتير يا غفران، امن لها حياتها الجاية كلها مقابل خدمتها ليا، شالتني وعيطت عليا أكتر من عيالي اللي المفروض يورثوني. تنحنح بهدوء وهو يستمع لوالدته التي تنقل له وصيتها وكأنها تودعه، فقال ببرود:
-إنتِ هتقومي يا دكتورة ولما تقومي أعملي اللي عايزاه كله وأبقى احرمني من الورث لأني معيطتش عليكِ. ضحكت بخفة عليه وقالت: -قال يعني غفران الحديدي محتاج إنه يورثني، أنت اسمك لوحده ثروة. أنت تملك ثروة أنا وأبوك وأجدادنا معملنهاش، أنا معملتش ربع ثروتك لكني عملت الصحراوي اللي يدوس على أي حد يقف قصادي... رجالة تأكل الحديد. -بعدين!! تحدثت بحزن شديد ونبرة دافئة كانها تودعه وداعها الأخير:
-متزعلش مني يا غفران، أنا حقيقي عمري ما عرفت إني أذيتك أوي كده، أنا مش مدركة شعورك وأنت قاعد قصادي ومش قادر تشوفني ولا قادرة أستوعب إن طول السنين دي والعمر كله بتعاني بسبب أمك الغبية، لكن صدقني وقتها أنا كنت مكسورة وموجوعة من خيانة أبوك، مكنش قصدي أذيك. -كلنا بنغلط ونقول مكنش قصدي، مبتفرقش كتير يا دكتورة. قالها بهدوء، فدمعت عينيها بحسرة وقالت: -حتى دلوقتي رافض تقولها، قولي يا أمي مرة واحدة يا غفران، أنا أمك.
-أنا أمي راحت مع عيني اللي راحت. قالها بقسوة وتحجر قلب، لتدمع عينيها أكثر وقالت: -مش مهم، مش مهم أنا برضه مش زعلان منك وبتمنى ربنا يعوضك بعيل عشان تعرف غلاوة الضنى يا غفران، يمكن وقتها تسامحني مع إنّي جايباك هنا عشان نفسي تسامحني، مش عايزة أمشي من هنا وأنت زعلان مني، سامحني.
وقف لكي يغادر الغرفة ببرود مشاعر وهو لم يرى عينيها المنكسرة بفضلها، لم ولن يجرأ على رؤية شيء من الملامح. دلفت "رزان" و"تيا" إليها، وقبل أن يغادر الرواق سمع صراخ أخته وهي تنادي باسم أمها، ليدرك أن هذا كان اللقاء الأخير وكلماتها الأخيرة كانت طلبت الغفران، لكنه أخر شخص يستطيع فعل ذلك، فلم يكن كاسمه "غفران".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!