ظلت "قُسم" شاردة برسالة طيلة الليل حتى شروق الشمس. لم تكن تعلم ماذ تفعل؟ تذهب لمقابلته أم لا؟ حياة والدها على المحك لقرارها. لم تشعر بشيء سوى وهى تخرج ملابسها من الخزانة. ارتدت بنطلون جينز وتي شيرت وردي اللون طويل يصل لركبتها بكم. أخذت هاتفها في يدها ثم خرجت من شقتها كي تذهب إليه.
كان "غفران" نزيلًا بالفندق الذي جمعهما لاول مرة. دلفت "قُسم" إلى المطعم لتراه جالسًا هناك على الطاولة يتناول فطاره مع "عُمر" الذي وقف فور وصولها. بينما "غفران" تابع تناول الطعام بكبرياء. تحدث "عُمر" بهدوء: -اتفضلي يا آنسة قُسم. جلست "قُسم" ليغادر "عُمر" الطاولة. رفع "غفران" نظره إليها وكان وجهها ضبابي جدًا لا تملك أي ملامح، فقط شعرها مُصفف على الجانبين بحرية. قال ببرود شديد أحتله: -كُلي.
وضعت الهاتف أمامه على الطاولة بضيق من بروده وهى كالجمر تحترق بنار رسالته. فقالت بغلاظة: -ممكن أفهم معني الرسالة دي؟ أخذ المنشفة الصغيرة ليمسح كفيه بها ثم نظر إلى وجهها بلا مبالاة فبات لا قيمة لهذا الوجه. وقال: -رسالتي واضحة جدًا، أنا عندي قلب لباباكِ أستاذ جميل ومستعد أعمله العملية بكرة لو تحبي. ضحكت "قُسم" بسخرية من أمره ومسكت الهاتف بيدها مُشيرة به على "غفران" بذهول. قائلة:
-بالضبط، أنت هتستفاد أي بمساعدة زي دي، لا مساعدة دي اللي تكلف فوق الربع مليون جنيه؟ هو أنت ليه محسسني إنك بتعرض عليا كيس شيبسي بـ 10 جنيه. عاد بظهره للخلف من انفعالها ومرر سبابته على فنجان قهوته بهدوء شديد يزيد من استزازها. ثم قال بكبرياء: -أكيد مفيش حاجة في الزمن ده من غير مقابل. رمقته "قُسم" بدهشة من كلمته وقالت بهدوء: -ودا اللي أنا خمنته، عندك مقابل؛ اللي هو؟
-تعملي اللي بتعرفي تعمليه، تدي نالا دروس لأنها ما ارتاحتش لأي مدرسة غيرك وسعادة بنتي ونفسيتها أهم بكتير من كنوز العالم كله. أنتِ هتساعدي بنتي وأنا هساعد باباكِ، كل واحد فينا هيعمل اللي يعرف يعمله بقدراته. قالها بهدوء شديد. أربكت "قُسم" من كلماته. ربما حقًا تهمه ابنته بقدر ما يهمها والدها. فهي طفلته الوحيدة وهو رجل يملك المال لذا يحاول جاهدًا العثور على سعادة طفلته بالمال الذي يملكه.
قاطع تفكيرها قدوم "عُمر" الذي وضع ملف أمامها. بيه ورقة لتفتحها وهى تسمع صوت "غفران" يقول: -دا عقد تدريس مدته 4 سنوات لحد ما نالا تخلص ابتدائي. في المقابل أنا هدفع تكاليف العملية. نظرت "قُسم" إلى "غفران" مطولًا بحيرة من أمرها ولا تفهم شيء في القانون وهل سيضرها هذا العقد بشيء في المستقبل أم لا. توقيعها يعني نجاة والدها من الموت. وهذا الشيء الوحيد الأكثر واقعية وجدية لتوقع العقد بيدي مرتجف دون أن تقرأ شيء به.
فتبسم "غفران" وقال بتحدٍ وثقة: -يا دوب تجهزي شنطتك لأن عملية باباكِ بكرة الساعة 9 في فرنسا. اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها. وقالت بتلعثم: -فرنسا!! إزاي أنت.... قاطعها وهو يقف من أمامها بكبرياء متغطرس: -أحسن وأكبر دكتور في جراحة القلب. عمر بعتله الأشعة والتقارير عن حالة جميل وأكد نسبة نجاح العملية وحددنا ميعاد بكرة لأن حسب ما الدكتور قال إن الوقت مش في صالح والدك. -بس دي تكاليف كبيرة قوي.
قالتها "قُسم" بتوتر شديد من غموضه وخباثته في إخفاء الأمور. ليبتسم "غفران" بخفة: -مال الدنيا كله ميساويش حاجة في سبيل سعادة نالا، زي بالضبط ما أنتِ مستعدة تعملي أي حاجة عشان تنقذي أبوكِ. يلا شدي حيلك لأن لازم نكون في فرنسا الصبح. عمر هيعدي عليكِ بعد ساعة تكوني جهزتي نفسك. أومأت إليه بنعم فغادر مع "عُمر" الذي تحدث بفضول: -حضرتك مش قلقان إن مامتها اللي تيجي وبعد كل دا قُسم متجيش؟ تبسم "غفران" بخباثة ومكر يمتزج عقله به.
وقال: -أنت مش سألت في الجوازات وعرفت إن مامتها متطلعتش جواز سفر، مفيش جواز سفر هيطلع في سفر يا عُمر، معندهمش خيار تاني غير إن قُسم اللي تيجي. أومأ إليه بنعم شاهدًا بذكاء رئيسه وطريقته في نيل ما يريده. تنحنح بحرج وقال بقلق: -قُسم مقرأتش بنود العقد. تبسم "غفران" بمكر شيطاني ونظر إلى "عُمر" بانتصار. ثم قال بهدوء: -لأ.
-إنها بريئة يا عُمر، قلبها رقيق مش شايف غير مرض أبوها، القلق عماها عن التفكير وخلاها توقع من غير ما تقرأ هي بتمضي على إيه؟ دخل الاثنين إلى المصعد بهدوء ليغلق بابه من جديد عليهما. بينما "عُمر" يضغط على زر طابق 20. وقال بفضول يقتله: -بس قُسم حسب اللي أعرف عنها مش هتسكت لما تعرف. -القانون لا يحمي المغفلين يا عُمر، مسمعتش عن دا.
قالها "غفران" بفخر ولأول مرة يُعجب بمكر عقله الذي جعله أنجح رجل أعمال. لكن الآن هذا العقل جعلها أسيرة إليه دون أن تُدرك وفرسته البرية باتت سجينة اسطبله ولا تملك فرصة للخروج من قيوده. *** كانت "صفية" في حالة من الفوضى وهي تقف على باب غرفة "قُسم" وترى ابنتها تجمع ملابسها في الحقيبة بتعجل وتروي لها ما حدث. قالت بغضب سافر:
-أنا مش موافقة أبدًا، إزاي دا وإيه المقابل عشان يعمل عملية بمبلغ وقدره، إيه بيستعبطنا ولا نيته فيها إيه؟ -أرجوكِ يا ماما، الراجل بيشتري سعادته بنته، هم الناس الأغنياء كدة بيشتروا أي حاجة بالفلوس، وعادي ما دام دول شوية دروس هيديهم لبنته. قالتها "قُسم" بسعادة تغمرها من أجل إنقاذ والدها. فتأففت "صفية" فقالت بلطف: -خلاص خليكِ هنا، أنا هسافر مع أبوكِ. التفتت "قُسم" إلى والدتها وقالت:
-إزاي وحضرتك معكيش جواز سفر، أنا كويس قوي أنا مطلعة الجواز عشان شهر العسل أهو جاله فايدة، أنا هبقى أطمنك عليا وعلى بابا متقلقيش. -لا، قُسم. قالتها معترضة لتأخذ طفلتها الحقيبة وغادرت بتعجل لتصرخ "صفية" بطفلتها المتمردة التي تعصي أمرها. هربت "قُسم" قبل أن تكمل والدتها الجدال. ووجدت "عُمر" بانتظارها في الأسفل بسيارته لتصعد معه. وتعمد "عُمر" القيادة مسرعًا قبل أن يأتي "حازم" الذي لمحها تصعد بالسيارة. ***
نزلت "تيا" من الأعلى تحمل بيدها الهاتف الخاص بزوجها ويدق مرات عديدة. لترى "أنس" جالسًا على الأريكة ينظر بكتاب منغمسًا به. تبسمت وهي تقول: -أنس، تليفونك عمال يرن مكتوب القبض. انتفض فزعًا من كلماتها وأخذ الهاتف سريعًا بتوتر. خرج إلى الحديقة واستقبل الأتصال وهو يقول: -في إيه يا ملك؟ أجابته على الهاتف بهدوء: -إيه يا أنس، عايزة أشوفك؟ مخنوقة وعايزة أتكلم معاك. تنهد "أنس" بهدوء شديد وعينيه تبحث حوله حتى لا تراه زوجته.
وقال: -طب يا حبيبتي مش قولنا أنا كل مرة قبل ما أسافر هاجيلك أسبوع كامل قبلها وأقعد معاكِ وبعدين أسافر. صرخت "ملك" بضيق عبر الهاتف تقول: -ما أسمع يا انس أنا كمان من حقي زيها بالظبط لما أحتاج جوزي ألاقيه جنبي، وبعدين بقولك محتاجاك يا أخي حس بيا مرة. شعر بغصة في قلبه تألمه. ثم قال بلطف رافضًا حزنها بشدة: -خلاص يا ملك اسبقيني على الشقة وأنا ساعة بالكثير هاكون عندك يا حبيبتي.
أومأت إليه بنعم ثم أنهى الأتصال. دلف للقصر ووجد "تيا" تجهز الغداء على السفرة. فقالت بعفوية: -تعال يا حبيبي، الغداء جاهز. تنحنح "أنس" بجدية مصطنع الحزن على وجهه. ثم قال بتذمر: -معلش يا توتا، أنا لازم ألبس وأمشي واحد صاحبي والدته تعبت جدًا وهسافر أنا مكانه. نظرت "تيا" إليه بحزن وقوست شفتيها للأسفل بضيق واضح في ملامحها. ثم قالت بهدوء: -بس أنا ملحقتش أقعد معاك. اقترب نحوها ووضع يديه على كتفيها بدلال. ثم قال:
-معلش يا حبيبتي ظرف طارئ وليكِ عليا أول ما أرجع المرة دي هاخدك ونسافر أي مكان نقضي شهر عسل من جديد. داعب ذقنه بعفوية ثم قال بحنان: -اتفقنا!؟ أومأت إليه بنعم. تبسم لأجلها ثم وضع قبلة على جبينها وصعد لكي يهيئ للرحيل تاركًا خلفه هذه الزوجة المغرمة به لأجل خيانته وأنانيته. *** وصلت "قُسم" إلى المطار لترى سيارة الإسعاف التي نقلت والدها بالأجهزة تغادر. فصعدت على متن الطائرة وكان "غفران" بها مما أذهلها. قالت بتلعثم:
-أنت هتسافر معايا؟ لم يُجيب "غفران" عليها وظل ينظر إلى الهاتف مُندمجًا بعمله. في حين أن دهشتها بوجوده ألجمتها وحدها وخصوصًا بسفرهما في طائرة خاصة. أرشدتها المضيفة إلى المقعد المقابل له حتى جلست في صمت والتوتر يحتلها ممزوجًا بالقلق والخوف.
شعرت بملل شديد طيلة مدة سفرهما بينما هو يتحدث كثيرًا مع "عُمر" عن العمل. لتغمض عينيها بعد أن وضعت سماعة الأذن في أذنيها. وبعد فترة ليست بقصيرة غرقت في سبات النوم العميق وهي من الأمس لم تغفو لها عين بسبب رسالته. جاءت المضيفة لتقدم له مشروبًا. حينها رفع رأسه قاطعًا العمل ليراها نائمة وتحتضن الوسادة الصغيرة بين يديها. فقال "عُمر" بخفوت: -دي نامت.
أشار له "غفران" بأن يذهب للجلوس في مقعده. وظل شاردًا بـ "قُسم" التي سرقت عقله باستثنائيتها. بدايةً من اسمها النادر ووجهها الذي تمكن من رؤيته. ظل يحدق بها مطولًا حتى وصلت الطائرة إلى أرض باريس. ونُقل والدها إلى المستشفى وذهبوا إلى الفندق. فأحضر "عُمر" مفاتيح الغرف وأخذها إلى حيث غرفتها المجاورة إلى غرفة "غفران". *** تحدث "حازم" بصراخ منفعلًا: -يعني إيه سافرت، وإزاي أصلًا تسافر لوحدها مع راجل غريب يا عمتي.
تنهدت "صفية" بضيق من حديث "حازم" وهو لديه كل الحق في كلماته الحادة. لتقول بضيق: -جوز عمتك لازم يعمل العملية دي ضروري يا حازم. ضرب كفيه ببعضهما ثم وضع يديه في جيوبه بغرور والغضب تمكن منه جدًا. ثم قال بانفعال: -ويا ترى بقى البيه هيعمل العملية دي مقابل إيه؟ مسألتش نفسك بنتك قدمت له إيه عشان يدفع تكاليف سفر وعملية زي دي إحنا نفسنا مكناش قادرين على تكاليفها جوا مصر عشان يعملها بره مصر.
وقفت "صفية" بغضب قاتل من مقعدها بسبب حديثه الحاد عن ابنتها وأحتدت عينيها الثاقبتين صارخة به: -اخرس يا حازم، دي قُسم ها، وأنت اللي مربيها على يدك وعارف كويس هي إيه وأخلاقها إيه؟ أنا بنتي أشرف من أي حد ومتربية غصب عن عين التخين. وقفت "نجلاء" والدة "حازم" السيدة سمنة البدن ترتدي عباءة سوداء وتلف خمارها الأزرق بحزم وعينيها البنيتين يتطاير منهم المكر والخبث. تقول ببرود شديد:
-وهي المتربية تسافر مع راجل غريب لوحدها كده، مقالتش لخطيبها ليه تأخده معاها ما دام المشكلة كانت في جواز سفرك يا عمتي. حدقت "صفية" بزوجة أخيها الماكرة ولسانها عاجزًا عن الرد بعد أن وضعتها "قُسم" بهذا المأزق وفرت هاربة. تنحنح "حازم" بضيق شديد ويقول: -خلاص يا أمي خلاص، بس خلي بالك يا عمتي أنا بعدي كتير أوي لقُسم ومش هعدي أكتر من كده.
أخذ والدته الحرباء وغادر الشقة لتجلس "صفية" مختنقة على المقعد. أغلق "حازم" الباب بعد خروجهما ووالدته تتبطأ ذراعه فهمهمت بأذنيه تقول: -قُلتلك من الأول عمتك مربية بنتها على التفتح كأنها خواجية، دا كفاية أنها ملبستهاش الحجاب لحد دلوقتي وأنت زي الأهبل تقولي أنا لما أتجوزها هلبسها الخمار. -خلاص يا أمي بقي. أكملت "نجلاء" بسمها في أذنيه أكثر لتقول:
-هو إيه دا اللي خلاص، أنت عبيط يا واد ولسه مفهمتهاش إن قُسم مش شبهك ولا تنفعك، مالها غالية بنت خالتك ها منتقبة ومؤدبة وهتكون زي الخاتم في أصبعك وعلى الأقل مش هتخرج من غير إذنك، مش دي تقولي مسافرة مع واحد فرنسا ليه فاكرة نفسها في شهر العسل.
اشعلت نيران الغيرة في قلبه من حديث والدته الحادة عن "قُسم" وكونها الآن مع غيره وحدهما. فتأفف "حازم" بضيق شديد. ثم ترك يد والدته وغادر أمامها كالبركان الذي على وشك الانفجار من قوة نيران باطنه. ***
دَلفت "ملك" إلى الغرفة مُرتدية روب من الدانتيل الأحمر فوق قميص نومها وشعرها الأسود مسدولًا على ظهرها مبلل بسبب الاستحمام وحافية القدمين. فلم ينتبه "أنس" إلى قدومها. تحمل بيدها طبق من الفاكهة الطازجة. أطفأ سيجارته سريعًا بعد قدومها واعتدل في جلسته بصدره العاري مُرتدي بنطلونه فقط. تبسمت "ملك" بلطف إلى وجه حبيبها. وقالت: -أنا عملتلك طبق سلطة فواكه هيعجبك يا روحي. أخذ يدها ليرسم بها قبلة ناعمة. وقال بدفء:
-تسلم أيدك يا حبيبتي. رفعت يدها إلى وجهه تلمسحنته الناعمة بحب يغمرها وتحملق في عينيه الجميلتين. ثم قالت: -أنت كنت هموت من الرعب لما جابولي العريس ده، متسبنيش يا أنس أنا ماليش حد غيرك وجوز أمي سند مكسور عاوز يجوزني لأي حد عشان يخلص مني، أنت سندي الوحيد في الدنيا دي. أخذ يدها بين راحتي يديه بلطف يطمئنها بنظراته الدافئة ونبرته اللطيفة حين قال بحب:
-متخافيش يا ملوكة أنا معاكِ يا حبيبتي ومش هسيبك أبدًا، أنا مقدرش أعيش من غيرك يا بت، دا أنتِ بنت قلبي وحب عمري كله. قوست شفتيها بضيق مصطنع مستديرة تعطيه ظهرها وتمتمت بعبوس: -أه يا أخويا عشان كده روحت اتجوزت عليا مراتك البرنسيسة. اقترب أكثر منها ووضع رأسه على كتفها يطوقها بذراعيه من الخلف. ثم قال بلطف مداويًا جروحها ويطفئ نيران غيرتها بحديثه:
-تاني يا روح قلبي، قُلتلك إن جواز بزنس، شغل يا حياتي كنت مجبور عشان خاطر أبويا وشغله مع أخوها الملياردير، فهمتك كذا مرة إن مكنش عندي خيار وأبويا حطني قدام الأمر الواقع عشان ينقذ شركته وشغله، لكن محدش في القلب غيرك يا بت، دا أنتِ الأولى يا ملك. التفتت إليه بعبوس أكبر تصطنع الحزن رغم ثقتها بأنها الوحيدة في قلبه. لتقول:
-أيوة ما ده اللي قهرني إن أنا الأولى، يعني هي اللي خدتك مني وهي الجديدة يا بيه ومع ذلك مراتك الأولى مستخبية والتانية هي اللي عايشة في النور. قبل رأسها بحب مدللًا إياها ويده تمسك ذقنها بلطف وضربات قلبه تتسارع بجنون بفضل هذا العشق الكامن بداخله لأجلها. أميرته ومدللته الأولى والأخيرة. فهمس بنبرة دافئة تذيب حزنها وتمتص غيرتها: -وغلاوتك يا ملك ما حبت ولا هحبك غيرك أبدًا، أنتِ حبيبتي يا بت والله بحبك.
رفعت عينيها تتقابل مع عينيه في برهة من الوقت غارقة بدفء هذا القلب وقلبها لم يكن أقل شوقًا من حال قلبه. سرق عقلها وسلب روحها من هذا العالم إلى عالم آخر لا يعرفه سوى العشاق فقط. هائمة في سحر لمساته وصوتها الهامس الذي يقشعر بدنها وجعلها ذائبة بين ذراعيه. فهمهمت بصوت هامسًا جدًا وهي تلهث من شغف العشق الكامن بداخلها: -وأنا بحبك يا أنس. ***
أخذ غفران حمامه الدافئ قبل أن يعود "عُمر" من المستشفى. فشعر بدوران في رأسه بسبب إصابة وهو ما زال مصابًا من الحادث. فحاول الوصول للفراش ليهتز جسده وأوشك على فقد الوعي. حتى اتكأ بذراعيه على الطاولة المجاورة فسقطت المزهرية من فوق الطاولة وانكسرت لإشلاء تناثرت على الأرض. وصل إلى باب الغرفة بصعوبة بالغة وجسده أوشك على الانهزام أمام المرض. ليدق باب غرفة "قُسم" المجاورة ويتمتم بصوت مبحوح: -قُسم افتحي.
أغمض عينيه مستسلمًا للمرض باللحظة التي فتحت بها "قُسم" الباب لترى جسده يحتك بالباب ساقطًا أمامها. فصرخت "قُسم" بذعر من إغماء "غفران" على باب غرفتها. لم تكن تعلم شيئًا في هذه البلد ولا تعرف كيف تتحدث بلغتهما. تحملت قدر الإمكان وهي تسنده حتى وصلت إلى سريرها واسقطته بقوة وهي تلهث بذعر من التعب والخوف. جلست أمامه وهي تناديه بفزع: -غفران... غفران افتح عينيك ارجوك، غفران متسبنيش هنا لوحدي.
بدأت تبكي بذعر من الخوف وهي في الغربة هنا لا تعرف شيئًا ولا تملك شيئًا حتى جواز سفرها بحوزته. دلكت يديه بلطف وأنفه وفعلت كل شيء يمكنها لإيقاظه لكن لا جدوى. جهشت "قُسم" باكية بخوف احتملها كليًا من الداخل. لتقول بتلعثم: -غفران والنبي... فوق بقى.
وضعت العطر على يدها ثم قربتها من أنفه وهو غائبًا عن الوعي. أخذت هاتفه وفتحتة ببصمة يده لتبحث عن رقم "عُمر" مساعده والشخص الوحيد الذي تملكه في هذه البلد العجيبة لتخبره بما حدث. وجلست كما هي قرب "غفران". عينيها تحدق به بخوف وكان يشبه الملاك في نومه. لترفع يدها إلى رأسه تتحسس حرارته حتى شعرت بنفضة قوية في جسده ومسك يدها فجأة لتفزع من يقظته على سهو. تمتمت بسعادة: -غفران.
تشبث بيدها بقوة ثم نظر إلى وجهها بحزن وهو لا يعرف إذا كانت تبكي أم سعيدة؟ ، خائفة أم غاضبة؟ ، لا يعرف شيء مما يثقل قلبه. فقال بهدوء: -هششششش، اسكتِ يا قُسم.
تنفست بأريحية رغم قبضته القوية على يدها التي ضمها أكثر كوسادة بين ذراعيه وأغمض عينيه. فكان من الأفضل له أن يكن كفيفًا لا يرى شيئًا عن هذه المعاناة التي يعيشها. شعرت برجفة جسده في ذراعها الذي يضمه فرفعت يدها الأخرى تمسح على رأسه وأصابعها تتغلغل بين خصلات شعره. فشعر "غفران" بالأمان ولأول مرة يشعر بأنه ليس منبوذًا من الجميع. بل هناك شخص واحد يرغب به وهو كفيف.
جاء "عُمر" مسرعًا بعد تلقي اتصالها. ليراه في الفراش نائمًا وهي تجلس على المقعد المجاورة تراقبه في صمت خائفة. حتى ولج "عُمر" فوقفت بفزع وهي تقول: -خده وديه مستشفى، أنا معرفش ماله ولا أكل حاجة بايظة لاقيته واقع قدام الباب. حمله "عُمر" بصعوبة وأخذوه إلى المستشفى. وهناك جاء "ألبيرت" لفحصه. فأمرها "عُمر" بالخروج من الغرفة. وبعد المغادرة تحدث "ألبيرت" باللهجة الفرنسية قائلًا:
-يبدو أن الحادث ضر بمنطقة المغزلية أكثر وهذه المنطقة المسؤولة عن تعرف الوجوه. سأله "عُمر" بقلق مشيرًا على الباب بلهجة فرنسية: -لكن مسيو غفران قدر يشوفها بوضوح وهو اللي وصف وشها بدقة ومغلطش في تفصيلة واحدة. تحدث "ألبيرت" غير مصدق هذه المعجزة يقول: -مستحيل، ربما سمع وصفها من أحد فبدأ يتخيلها في عقله، لكن الضرر الموجود في المنطقة دي يمنعه من التعرف على الوجوه نهائيًا.
-بعد حادثة إمبارح اعترف إنه مش شايفها زي البقية لكن قبلها كان مدرك تمامًا ليها وقدر يشوف ضحكتها ودموعها. قالها "عُمر" بضيق من حديث "البيرت" أن "غفران" أصابه الهلوسات وهو لم يخطأ بالتعرف عليها مرة واحدة من قبل. ليتحدث "البيرت" بضيق: -هذه معجزة، على كل حال سنعمل الفحوصات اللازمة وبعد الأشعة سنتأكد أكثر.
غادر الغرفة ليخرج "عُمر" من الغرفة بضيق ورأى "قًسم" جالسة أمام الغرفة لا تعرف أحد سواه هنا ولا تعرف كيفية العودة للفندق وحدها. فتحدث بجدية: -معلش، أنا لازم أروح أخلص شوية إجراءات، خليكي هنا ولما أرجع هاوديكِ الفندق. أومأت إليه بنعم ودلفت إلى الغرفة. فرآه نائمًا في سبات عميق مُنهكًا وبشرته شاحبة وباردة الثلج. جلست على المقعد المجاور له. وقالت بعبوس:
-بيكفيني أبويا مريض كمان أنت، غفران رجاءًا أنا أضعف بكتير من إني أتحمل كل ده لوحدي، رجاءًا عشان خاطر نالا فُق واستعد قوتك، أنت قوي وشجاع أرجوك. كانت تحدثه بخوف أن يُصيبه شيء بعد أن جلب والدها إلى هذه البلد الغريبة من أجل الجراحة ويخلف وعده معها. ربما كانت تتمنى إفاقته لأجل والدها ولم تهتم لهذه الأنانية البادرة منها. لأول مرة تشعر "قُسم" بأنها أنانية حين تعلق الأمر بوالدها.
أخذ يده المجمدة تدلكها بلطف فدمعت عينيها الخضراء بحزن شديد كطفلة صغيرة. وتتمتم بعجز وصوت مبحوح: -سامحني على أنانيتي يا غفران. أغلق قبضته على يدها فنظرت إلى يديهما المتشابكة بعناق قوي لم يتسلل الهواء بينهما. ورفعت نظرها إليه حين قال بصوت واهن ومبحوح: -خلاص سامحتك يا قُسم. خرجت شهقة منها بسعادة على يقظته. فهمهم بضعف وما زال مغمض العينين: -بس كفاية بكاء، صوتك عامل لي إزعاج.
ضحكت بخفة رغم حدته وحديثه أنها تسبب الإزعاج له لكنها كانت كطفلة تتشبث بطوق نجاة والدها. *** بفيلا في الزمالك تحمل اسم "عفيفي" على لافتها. رغم هدوء المكان الخالي من البشر وهكذا الخدم. فكان "عفيفي" جالسًا على البار الموجود في زاوية البهو يرتشف جرعة من الكأس الملأ بالخمور مستمعًا إلى حديث "كندا" الغليظ ببرود وهي تقول: -السيناريو عندك أهو، غفران عينه عليا الفترة دي ورافض تمامًا أني أشتغل وخصوصًا بقى معاك.
ترك الكأس على البار ببرود ورفع عينيه إلى الورق الذي وضعته بلا مبالاة. وشعر أنه سيفقد نجمته المفضلة وسبب نجاح أفلام. ليقول:
-ليكون بعلمك أنا غفران ومشاكل دي متخصنيش، أنا اللي يخصني النجمة اللي أنا عملتها، النجمة اللي كان آخرها تقف على مسرح الجامعة وطلاب الجامعة اللي ميتوش مائة واحدة يشوفها، اللي أنا اللي عملتك نجمة يا كندا وطلعتك لفوق وخليت جمهورك في الوطن العربي كله مش بس مصر، أنا اللي ركبتك على نجوم كتير ويحلموا إن عفيفي بس يفتح لهم الباب ده. تأففت "كندا" من حديثه الغليظ. وقالت بعناد:
-أنا طلعت ونجحت بمجهودي ولا تكون فاكر إنك كنت بتقف قصاد الكاميرا مكاني وتمثل، مش هنعملهم على بعض وبلاش تكذب الكذبة وتصدقها. وقف من مكانه والتف حول البار حتى بات أمامها ليمسكها من ذراعها بقوة غاضبًا من إنكارها لكل شيء فعله لأجلها. وقال: -وعشان مش هنعملهم على بعض ولا هكذب الكذبة، الفيلم ده محدش هيعمله غيرك يا كندا وإلا عليا وعلى أعدائي. ارتجفت خوفًا من تهديده لها. وقالت بتلعثم:
-عفيفي فوق أنت بتهدم حياتي للمرة الثانية، غفران المرة دي جوزي، اديني فرصة أصلح علاقتي به وأقنعه أرجع الشغل، لكن العناد معاه دلوقتي معناه إني بأكد له كل الشكوك وإني خاينة. نظر لها "عفيفي" باشمئزاز من الرأس لأخمص القدم. وقال بتهديد واضح هذه المرة: -أنا هديكي فرصة شهرين لأني مش هغير مواعيد التصوير عشانك، لكن مش أكتر من كده وإلا برسالة صغيرة توصل لغفران بيه وأقوله فيها على المستخبي والسر إنك مستحملاه السنين دي كلها.
جهشت في البكاء بإذلال وضعف. بينما ترمقه بعينيه بندم شديد. ثم قالت: -كان يوم أسود يوم ما قابلتك. قهقه ضاحكًا وهو يلتف إلى البار من جديد بسخرية. وقال: -دلوقتي بقى أسود، مش كان يوم سعدك وحظك، مش ده اليوم اللي حققتي فيه كل أحلامك ولا أنتِ فاكرة إن كل حاجة مجانا في الحياة مش لازم ندفع.
-أبوس إيدك يا عفيفي، غفران بيشك فيا وأمه نورهان مش هتسكت لو اتأكدت من أي حاجة دي هتدمرني أنا وأهلي وكل اللي يعرفوني حتى أنت مش هتسلم من شرها، دي ست قادرة. قالتها "كندا" بضعف تترجاه أن يتوقف عن عناده وتهديداته المستمرة لها. فقال بحدة وهو يسكب بعض الخمر في الكأس:
-يبقي اسمعي الكلام وخافي من شري اللي هيوديكي الجحيم ولا تحبي يعرفوا المستخبي من سنين وإن اللي بينا مش مجرد خيانة لجوزك وإن قذرتك أكبر من مجرد علاقة بمخرج زي ما هو فاكر. انتفضت فزعًا من الخوف. وقالت بتلعثم: -حاضر، حاضر هعملك اللي أنت عايزه بس خلال الشهرين دول بقي متتصلش بيا نهائيًا ممكن. أومأ إليها بنعم ببرود مُتحاشيًا النظر إليها. فغادرت بخوف يحتلها من هدم حياتها والجحيم الذي يقترب منها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!