رأى يزن سهر بالصدفة فنادى عليها: سهر… سهر. التفتت له: نعم. أنت تعرفني. على فكرة أنا اللي كنت في غيبوبة. آه، ما أنا عارفة. خير، في حاجة؟ أنا افتكرت كل حاجة. وأسف إني نسيت. عادي، ولا يهمك. ما حصلش حاجة. أنت مش زعلانة إنك فسخت الخطوبة؟ إذا افتكرت كل حاجة زي ما بتقول، يبقى هتفتكر إني كنت رافضة الخطوبة من الأول وأنت اتحايلت عليا. والأسبوع اللي اتخطبناه ما لحقتش أحبك ولا حسيت بمشاعر ناحيتك. امال فضلت جنبي ليه؟
تقدر تقول رد جميل، نوع من أنواع الإخلاص والوفاء، لأنك دافعت عني واتخانقت مع صاحبك عشاني. إلا صحيح، ما قلتليش هو كان عايز مني إيه واتخانقتوا ليه؟ الحقيقة مش فاكر. ردت بسخرية: لما تفتكر ابقى قول لي. أحسن فضولي قاتلني. أنت نازلة هنا؟ آه، جاية المؤتمر مع المدير بتاع الشركة، مستر كريم الألفي. طول عمرك شاطرة في شغلك. مش حابة ترجعي الشركة؟ ولا عمري فكرت إني أرجع لها. ليه؟
مع إن بابا قال لي إنك رفضتي تشتغلي فيها بعد الحادثة بسببي. كان إحساس بالذنب من ناحيتك إن اللي حصل حصل بسببي، وخصوصاً لما كنت بشوف باباك ونظرة الحزن في عينيه. بس ربنا عوضني بشركة أحسن. أحسن من شركتنا؟ أكيد. عندك شك؟ شركة الألفي من أكبر شركات البلد، وشرف لأي حد ينضم ليها. ومقدرني وعارفين قيمتي. ما أنا كنت عارف قيمتك وأنت بتشتغلي معايا. متأكد؟ واضح إنك لسه ما افتكرتش كل حاجة. لا، فاكر. بدليل المكافآت اللي كنت بتاخديها.
المكافآت اللي كنت باخدها والدك اللي كان بيصرفها لي. أنت كنت بتتخانق معاه؟ ولا الذاكرة عندك لسه بتسقط ذكريات؟ كريم: سهر، اتفضلي. مفتاحك مستنيكي من بدري، بس واضح إنك مطولة والحوار شدك. أبدا يا باشمهندس. ده مستر يزن، مديري السابق. كان بيسلم بس. لو خلصتي، يلا عشان تلحقي تنامي. المؤتمر هيبدأ بدري. استأذن يا مستر يزن. فرصة سعيدة، أتمنى ما تتكررش. في الأسانسير: كريم، أنت زعلان؟ رد ببرود: هزعل ليه؟
ده كان خطيبك. عادي لما تتكلمي معاه. أنا قدمته ليك كمديري السابق. وهو كان بيعرض عليا أرجع الشغل عنده. وردتي عليه قلت إيه؟ فهمته إن ربنا عوضني بشركة أحسن، عارفة قيمتي، مش كده؟ رد بلا مبالاة: آه، طبعاً. أمسكت يده لتحايله:
كريم، لو سمحت. أنا عارفة إنك بتضايق من اسمه. ما بالك تشوفه قدامك شخصياً. بس ده موقف اتعرضت له غصب عني، وممكن أتعرض له كتير. أرجوك ما تزعلش وقدر موقفي. وأظن أنا ما تجاوزتش حدودي معاه ولا بتجاوز حدودي مع أي حد. ما زال مستمراً في التعامل معها ببرود: أنا ما اتكلمتش ولا قلت حاجة. شايلة همي ليه؟ تركت يده وتحدثت بحدة وضيق منه: وهشيل همك ليه؟ أنا بس لقيتك متضايق. عموماً، الصبح هبقى جاهزة. تصبح على خير.
أخذت تمشي في الغرفة ذهاباً وإياباً وتحدث نفسها: هو أنا متضايقة ليه؟ ما يتفلق. هو بيعاملني كده ليه؟ أنا هطنشه. هو فاكرني تحت أمرة. هو أنا عملت حاجة؟ ماشي يا كريم، من هنا ورايح المعاملة الرسمية وهتشوف وش تاني. هتقدري؟ آه، هقدر. مش هقدر ليه؟ طب فكري نفسك بالكلام ده. هفكر نفسي. وبكرة هتظهر سهر تانية. هو لما يزعل هتحايل عليه كتير؟ المفروض وضحت موقفي، يفهم ويقدر. لا، بس زعله وحش قوي. تفتكري ده زعل ولا غيرة؟ غيرة إيه؟
انت كمان هتوهمي نفسك إن في حاجة بينكم وبيغير كمان؟ رن هاتفها برقم كريم: اتفضلي ردي عليه. رد رسمي. لا، مش هرد. هقول له الصبح إني نمت على طول عشان يحس إنه ولا في بالي. كذابة. هو مش في بالك. رنة كمان وهتردي. مش هرد. مش هرد. آهو بطل رن. وما ردتش. شفتي أنا قوية إزاي؟ قوية قوي. انتي عايزة مني إيه؟ أنا هنام.
في صباح اليوم التالي، في مطعم الفندق، كانت سهر تتناول قهوتها في زاوية بعيدة عن الناس وتعمل على اللاب توب. شاهدها كريم فتوجه إليها، وقف بجانب طاولتها، لكنها لم ترفع عينيها عن اللاب. لم يجد مفر، فتحدث: سهر، صباح الخير. أجابته وهي ما زالت تعمل: صباح الخير يا مستر كريم. بتعملي إيه؟ بحضر شغل النهارده. تسمحي لي أقعد معاكي؟ ردت ببرود كما فعل معها بالأمس: آه، طبعاً. اتفضل. كلمتك امبارح بالليل. كنت نمت. كان في حاجة؟
أنا كنت بكلمك وأنا واقف في البلكونة ونور غرفتك كان مفتوح. ممكن؟ كنت بصلي وبخلص، اطلع على السرير على طول. بحب أنام وأنا متوضية ومش بمسك حاجة بعد الصلاة، فبعمل الموبايل صامت وبظبط المنبه قبل ما أصلي. هتفضلي زعلانة ورافضة تبصي لي كتير؟ تحدثت بكل رسمية كما قررت:
أنا مش زعلانة، لأن ما فيش سبب للزعل. وبخلص شغلي، لأن إيناس نبهت عليا إنها هترفض أي غلط مني في المؤتمر ده. مش عايزة تندم إنها بعتتني بدالها. خمس دقايق وهكون مع حضرتك على ما تخلص فطار. أكون خلصت. ما تشيلش همي. ما أشيلش همك؟ اممم. طيب، وأنت ما فطرتيش ليه؟ ما ليش نفس. أخذت قهوة وخلاص. المؤتمر وقته طويل. معقول هتقعدي كل ده من غير أكل؟ ما تشغلش بالك بيا. أنا واخده على كده. أنا جبت لك معايا حاجة بسيطة ممكن تاكليها.
ما كانش له لزوم تتعب نفسك. ومش بقدر آكل أي حاجة ونفسي مسدودة. بس أنا مصر. ليه؟ هو إيه اللي ليه؟ ليه مصر وليه مهتم؟ أنا مجرد موظفة. ما تشغلش بالك بيا. أنت شايفه إنك بس مجرد موظفة؟ آه. بعد تصرفك امبارح معايا، أظن كده النقط اتحطت على الحروف. انت عملت منها موضوع ومشكله. لا موضوع ولا مشكلة. أنا خلصت شغل. هسبق حضرتك على قاعة المؤتمر، لأن إيناس قالت إنك بتحب تقعد قدام.
تركته وذهبت. طول فترة المؤتمر لم تنطق بكلمة واحدة، لكن الحزن مسيطر عليها طوال الوقت. بعد انتهاء فعاليات اليوم الأول للمؤتمر: مستر كريم، أنا سجلت كل حاجة. هطلع غرفتي أكتبهم على اللاب، وخلال نص ساعة هرسلها على الإيميل بتاعك. أنت مش هتتغدى الأول؟ الساعة بقت 6:00 ولسه ما أكلتيش حاجة من الصبح. قلت لحضرتك الصبح ما تشغلش بالك بيا، لأن فعلاً ما ليش نفس. مش هتأخر نص ساعة وهارسل الميل.
تركته وذهبت تحت مراقبة يزن المعجب بها وبملابسها المتناسقة المحترمة. كان يرتدي بدلة رسمية وحجاب مناسب ويتعامل باحترافية، فقال لنفسه: إزاي ما كنتش واخد بالي من جمالها وأخلاقها… حمار. بعد نصف ساعة، وجد كريم أن الميل أرسل له مع رسالة منها: محتاج مني حاجة تانية النهارده؟ أرسل لها: لا، شكراً. بس ابقي ردي على التليفون، لأن احتمال أحتاج حاجة. أنا دلوقتي قاعد مع رجال أعمال بنتكلم. تمام. هبقى قاعدة على البحر لو احتجت حاجة.
ذهبت إلى البحر وهي ترتدي بدلة رياضية جميلة وجلست على كرسي البحر المفرود ووضعت السماعة في أذنها لتستمع إلى بعض الأغاني. وجدها يزن فرصة للتحدث معها: ممكن أقعد معاكي؟ لا. ليه؟ انت شايفني قاعدة لوحدي يعني محتاجة أقعد لوحدي؟ وبعدين، ما فيش بيني وبينك أي تعامل دلوقتي أو أي حاجة نتكلم فيها. أنا كنت خطيبك لو أنت فاكرة، وأنت اللي أخذتي قرار الانفصال. أظن من حقي فرصة، ومش غلطتي إني فقدت الذاكرة وفقدت وأنا ناسيكي.
مستر يزن، خطوبتي ليك ما كانتش مريحاني نفسياً. وأظن يوم الحادثة قلعت الدبلة، يعني كان عندي استعداد أسيبك وقتها. أنا كنت بتلكك. بتتلككي؟ آه. خليني صريحة معاك، وخليك صريح مع نفسك. أنت ما حبيبتنيش، ولا أنا كمان حبيتك. ممكن تسيبني بقى؟ لا، أنا حب… قاطعته وقالت بحدة: لو سمحت، محتاجة أبقى لوحدي. أنا سايبالك المكان. قامت لتبتعد، فامسك يدها. فنفضتها وقالت بصوت عالٍ ورفعت سباباتها كتحذير له:
أوعى تفكر تمسك إيدي مرة تانية أو تتكلم معايا تاني. أنت بقى مش عايزة ترجعي لي؟ لقيتي حد أغنى طبعاً؟ كريم الألفي وشركته أحسن من شركتنا. وجد صفعة قوية على وجهه، وكأنها تخرج كامل غضبها مما فعل. وتحدثت بحدة وهي تبكي: أنت هتكذب الكذبة وتصدق نفسك؟ أنا عرفت الحقيقة. سمعت كل حوارك مع والدتك وعرفت أنت كنت خاطبني ليه. أكملت بسخرية: هو الرهان لسه شغال ولا إيه؟
أنا عمري في حياتي ما احتقرت حد أكتر منك. ضيعت سنة من عمري مستنية واحد سافل معدوم الضمير زي الهبلة. كنت مفكرة إنه بيدافع عني، لكن أثاري ذئب بشري وكان هيقدمني لأصحابه كأني سلعة رخيصة. وتقول لمامتك عاملة نفسها شريفة؟ أنا أشرف منك وأنت عارف ومتأكد. قال وأنا اللي كنت بعتب على أهلك إنهم سابوا حقك ورفضوا يبلغوا عن صاحبك. شكلهم كانوا عارفين إنك أكيد كنت بتتخانق على حاجة ممكن تدينك أنت كمان، ولما تفوق تترمي في السجن معاه.
قالت بكل غضب داخلها: أوعى مرة تانية عينك تيجي في عيني. امشي من هنا. دفعته بكلتا يديه في صدره. تركها وذهب. كان كريم يراقبها من بعيد، وقد رأى يزن وهو يمسك يدها وهي تسحبها، وبعدها تصفعه وانهيارها بالبكاء بعد انصراف يزن. ظل متحيراً، هل يقترب منها أم يتركها وحدها؟ بداخله عدة أسئلة ونار الغيرة تلتهمه من الداخل. ما الذي جعلها تنهار بهذا الشكل؟ ما الذي دفعها لصفعه؟ هل بكاؤها لأنها تحبه وهو نسيها، فاضطرت لفسخ الخطبة؟
هل يذهب إليها ويسألها ويطفئ النار التي تحرقه؟ ظل ذهنه شارداً محتاراً ما بين يذهب أم يتركها. لكن قبل أن يتخذ القرار، وجدها انصرفت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!