طرقت الباب كان نائما. "ازيك يا طنط؟ "فاق امبارح بس. كلمتك كتير تليفونك مقفول." "اه، الشبكة كانت وحشة. وهو عامل ايه دلوقتي؟ بيتكلم وحاسس بيكم؟ "اه، هو كويس." استيقظ يزن واندش من وجودها وقال: "انت مين؟ انا اعرفك." "حمد لله على السلامة يا يزن. عامل ايه دلوقتي؟ "كويس. انت مين؟ شعرت ببعض الحزن، هل لأنه لا يتذكرها أم لأنها أضاعت من عمرها أيام في انتظاره. "انت مش فاكرني؟ "لا، مش فاكرك." أرادت الخروج من هذا الموقف، تحججت:
"طنط، انا هروح للدكتور اساله عن حالته." "طيب يا حبيبتي، ما تزعليش. ده يمكن من أثر الحادثة، بس هو فاكرنا وفاكر كل أصحابه." "مش هتاخر." خرجت وأغلقت الباب واستندت بظهرها عليه وهي تبكي. فاستمعت إلى حواره مع والدته. "ازاي يا يزن مش فاكرها؟ انت فاكر كل الناس." قال بمنتهى السخرية والاستهتار: "فاكرها، بس بقول لها كده عشان تمشي." "ليه يا حبيبي؟
دي أكتر واحدة وقفت جنبك وتقريبًا كانت بتيجي كل يوم في الوقت اللي كل أصحابك نسيوك. دي خطيبتك اللي اتخانقت معايا عشان تخطبها." "انت عارف الحادثة حصلت ازاي؟ "لا، هي قالت إنك اتخانقت مع صاحبك وكنت بتدافع عنها." "انا ما كنتش بدافع عنها ولا حاجة، كل الحكاية كنا بنتسلى بنختار واحدة نتعرف عليها وناخد مزاجنا منها، إذا ما كانش برضاها يبقى غصب عنها." "انت بتقول ايه؟ انا مش مصدقة. واشمعنى سهر؟
"مرة واحد صاحبي جالي المكتب شافها واتحداني أوقعها. طبعًا عشان هي محجبة وعاملة فيها شريفة. رحت خطبتها وأخدتها معايا الحفلة، ويومها كنا كلنا هنتسلى بيها. وخناقتي مع صاحبي إنه كان عايز يبدأ هو الأول، أنا رفضت لأنها خطيبتي ولازم أبدا أنا الأول لأنه حق... كاد أن ينتهي من كلامه ولكنه وجد صفعة قوية على وجهه. "ماما! انت بتضربيني! "أنا كنت عارفة إنك مقضيها وبتشرب، قلت شاب... لكن تلعب ببنات الناس المحترمة المتربية؟
في بنات تقبل على نفسها الكلام ده؟ مش هلومك تمشي معاهم، لكن سهر... خسارة تعبي عليك. هو ده عقاب ربنا؟ ومع ذلك تفوق بعد سنة من الغيبوبة بدل ما تحمد ربنا بتتباهى باللي كنت عايز تعمله. وذنبها إيه تضيع سنة من عمرها مستنية واحد ندل زيك؟ ذنبها إيه أول ما تفوق تمثل إنك مش عارفها؟
أنا كنت رافضة خطوبتك منها لأني كنت فاكراها اشتغلت عندك ولعبت عليك وطمعانة في فلوسك، لكن بعد الحادثة أثبتت إنها بنت أصول ومتربية. أتمنيت فعلاً إنك تفوق وتتجوزها. لكن بعد اللي قلته، واحدة في أخلاقها خسارة فيك." "خسارة فيا؟ وهو أنا أصلاً كنت عايزها؟ ده كان مجرد رهان."
"يا ابني حرام عليك. ربنا ردك من الموت وأدالك فرصة ثانية. بلاش تضيعها. ربنا بيقول لك فوق من غفلتك. اسمع، لو استمريت في الطريق ده هتندم عمرك كله. واحدة زي سهر دي ما تضيعهاش من إيدك." "سهر دي في زيها كتير وأحسن منها كمان. أنا إيه اللي يربطني بواحدة معقدة ومحجبة وعاملة لي فيها شريفة." "أنا نصحتك وأنت حر، بس أوعى تفكر إنك ممكن في يوم من الأيام تتعرض لها أو تأذيها. أنا اللي هقف لك."
صعقت سهر بعد سماعها لكلام يزن. مسحت دموعها وطرقت الباب. "انا آسفة يا طنط، ما لقيتش الدكتور." وقامت بخلع خاتم الخطوبة ووضعته في يد والدة يزن. "ليه كده يا سهر؟ ليه يا حبيبتي؟ "كده أحسن لينا إحنا الاتنين." "انت زعلتي عشان ناسيكي؟ بكرة يفتكرك."
"لو كان حبني ما كانش نسيني. أنا كمان الحقيقة يا طنط ما حبيتهوش، وما قدرتش آخد الخطوة دي قبل ما يفوق لأنها كانت هتبقى قلة أصل. لكن دلوقتي أقدر أسيبه وأنا مطمئنة. حمد الله على سلامته مرة ثانية. ادعي له كتير وطلعي صدقة حلاوة رجوعه. هتوحشيني." "انت كمان هتوحشيني. اسألي علي، أنت بقيتي زي بنتي وغلاوتك كبيرة في قلبي." "اكيد يا طنط هسأل عليك. اسمحي لي أمشي، وبكرة هبعت باقي الذهب." "لا، ده هدية مني لك."
"معلش، كده هبقى مستريحة أكتر. سلام يا يزن." خرجت وبكت وهي تمشي طوال الطريق. لم تكن تعلم كيف وصلت إلى المنزل، كم ساعة مشتها حتى وصلت، لكن ما تعلمه أن الدموع لم تفارقها طوال هذا الطريق الطويل. دخلت المنزل منهكة ومتعبة. توضأت وصّلت ركعتين شكر لله ودعته: "الحمد لله يا رب، أنا راضية. سنة ضاعت مني ومنعت عني مصير بشع كنت هقع فيه. مصير مجهول آخره. الحمد لله، أنا راضية."
انتهت من دعائها ومناجاتها لربها وندرت بإخراج صدقة شكر على نجاتها من ذلك المصير. رن جرس هاتفها فأجابت وصوتها متعب مليء بالحزن ويختنق بالدموع. "مالك يا سهر؟ معقولة زعلانة كل ده عشان اتعصبت عليك شوية امبارح؟ "لا أبداً، أنا كنت لسه هبعت لحضرتك رسالة. أصل شكلي أخدت برد ومش هقدر أجي بكرة. ممكن آخد إجازة؟ وكويس إن إيناس أجازتها خلصت وهتبدأ بكرة." "انت المرض عندك مظبطها ولا إيه؟
"الحمد لله إنه ظبطها، أحسن كنت هضطر آجي وأنا تعبانة." "انت متأكدة إنك تعبانة؟ حاسس إن في حاجة تانية." "لا، تعبانة جدا." "أجيب لك دكتور؟ "لا، ده دور برد عادي بعرف أتعامل معاه." "خلاص، أبعت لك حاجة؟ عارف إنك لوحدك." "لا، أختي هتيجي بكرة. شكراً." "طب ابقي طمنيني عليك." "حاضر، مع السلامة." "سهر استني، انت لسه زعلانة مني؟ "ليه؟ "لما اتعصبت امبارح عليك." "آسف، مش عارف عملت كده إزاي."
"لا، مش زعلانة. في هدايا ربنا بيبعتها لنا بتقول لنا ما فيش حاجة تستاهل الزعل عليها." "مش فاهم تقصدي إيه." "بس أنا فهمت. تصبح على خير." "وانت من أهله. أرجوك لو احتجتي حاجة كلميني." "حاضر." نامت هذه الليلة بعمق وكأن جبلاً كان فوق قلبها. في الصباح اتصلت عليها والدتها. "سهر، في إيه؟ "في إيه يا ماما؟ "امبارح قلبي كان مش مطمن وقلقانة عليك. استنيت الصبح يطلع عشان أكلمك أطمن عليك." "اطمني يا حبيبتي، أنا كويسة قوي قوي كمان."
"خير، فرحيني." "يزن فاق والحمد لله مش فاكرني، ففسخت الخطوبة." "إيه؟ هو ده الخبر اللي يفرح؟ ليه كده؟ "ما كنتش بحبه." "وضيعت سنة من عمرك مخطوبة له ليه؟ "لأنه كان بيدافع عني، ما قدرتش أطلع قليلة الأصل. ربنا بيكتب لنا الخير في كل وقت." "وايه الخير في كده؟ "إني نقلت شركة أحسن وراتب أعلى. خدنا إيه من الجواز غير عينة عادل." "انت لسه شايلة منه؟ "ده كرهني في الجواز نهائي وخلاني أجلته لأجل غير مسمى." "ليه كده؟
"سيبيني براحتي يا ماما، ووقت النصيب ما ييجي ما حدش هيقول له لأ. المهم طمنيني، انت عاملة إيه عند أخويا؟ "مبسوطة وشايلني شيل." "طب كويس، راحة لك وعقاب لسمر وجوزها." "انت مصرة؟ وأخوك رأيه كده بيقول لو أرملة أو جوزها فقير نشيلها، إنما شغل استنطاع لأ." "عرفتي بقى إني صح؟ "آه، أنتم صح وأنا غلط. مبسوطين؟ روحي أحسن تتأخري على شغلك وتقولي عطلتك." "لا، خدي راحتك." "من إمتى؟ "أصل واخدة النهاردة إجازة." "ليه؟ خير فيك حاجة؟
أنا قلبي كان حاسس." "ماما... ماما اهدي، أنا كويسة. بس بقالي يومين بشتغل مع الضيوف في القرية الريفية فتعبت، قلت أريح. ومستر كريم مقدّر ده وداني إجازة." "كثر خيره. وهتعملي إيه في إجازتك؟ "هنام وبس." "ما تروحي شوية عند اختك وخذي لها معاكي شوية حاجات." "ماما." "عشان خاطري." "حاضر، هاخد معايا أكل جاهز ليها ولعيالها وبس. حلو كده؟ "عيب عليك." "مش هصرف جنيه على النطع جوزها ولا بلاش أروح." "خلاص روحي." "مخلفة يهودية."
"ده أنا اليهودية برضه؟ خلاص مش هزعلك. هطلبها تيجي هي والعيال ياكلوا هنا. وبرضه بلاش هو. كويس كده." "دماغ جزمة." "شكراً، بس على فكرة ده عيب مصنع." "يا قليلة الأدب." "الحمد لله إني مش قدامك كنت حدفتيني بالشبشب." اتصلت على سمر. "اسمعي، عازماك انت والعيال بس على أكل جاهز. شوفي يحبوا ياكلوا إيه عشان أطلبه وتعالوا متأخر شوية." "طب وعادل." "ردت بسخرية: ماله يا حبيبتي؟ "مش هتعملي حسابه؟
"صحيح، من عاشر القوم هو علمك البجاحة. أنا قلت انت والعيال، مش عايزة، خليك في بيتك معززة مكرمة." "لا جايه يولع. هو أحسن، أنا والعيال هفتانين منه لله." "أيوه كده أحبك. تاكلوا إيه بقى؟ "بروست وفراخ مشوية وكباب." "ده انتوا جعانين مش هفتانين بقى. حاجة واحدة يا أجمل أخواتك. هو المرتب فيه كام للبهدلة دي؟ "هو انت بتصرفي مرتبك على إيه؟ "وانت مالك؟ هتشاركيني في مالي؟
ده انت بقيتي نسخة منه خلاص. أنا هختار، هو أنا اللي غلطانة أنا بسألك ليه أصلاً." دخل كريم المكتب وجد إيناس، لكنه أحس أن المكتب ينقصه شيء بعدم وجود سهر. فهنأ إيناس على عودتها ودخل مكتبه يحمل حزنًا غير مفهوم بداخله. دخل سامي وأخبره أن خطيب سهر قد استعاد وعيه وأن الجميع يهنئ والده بشفاء ابنه، ولابد أن سهر عنده الآن. ازداد حزنه، لكنه سيطر عليه حتى لا يظهر وانشغل في عمله واجتماعاته.
في آخر النهار اتصل بسهر كي يسمع صوتها بحجة أنه يهنئها بسلامة خطيبها. في ذلك الوقت وهو يتصل، كانت سهر تحاسب عامل التوصيل. فرد ابن أختها بدلاً عنها وعندما رأى الطعام هلل: "الأكل... هناكل... هناكل! هييييه! "يا سمر، هو عيالك كأنهم ما شافوش أكل من زمان؟ هتفضحونا. وانت مين قالك تمسك تليفوني! وأخذت الهاتف وردت: "أهلاً يا مستر كريم." "عاملة إيه دلوقتي؟ "بقيت أحسن، وأختي جت هي وعيالها وأهم قالبين دماغي بدل ما أريح."
"هو انت ما خرجتيش النهارده؟ "لا طبعاً، أنا تعبانة مش قادرة. أمال أخذت إجازة ليه؟ خجل أن يسألها عن خطيبها وأحس براحة لحد ما لعدم خروجها. "هتقدري تيجي بكرة ولا تاخديه إجازة كمان؟ "آه جاية بدل المدرسة اللي أنا فيها." "مستنيكي، سلام." في اليوم التالي كانت ترتدي ملابس بيضاء زاهية كأنها ملابس العيد. تعجب كريم من رؤيتها وظن أنها سعيدة بعودة خطيبها. عندما دخلت مكتبه: "مبروك." "على إيه؟ "خطيبك فاق." "يزن...
ااااه، فاق بس مابقاش خطيبي." وجدت لمعة غريبة في عينيه وبدأ يتفحص يدها، وجدها دون دبلة. "بجد حصل إزاي؟ ضحكت من طريقته في السؤال: "صحى من الغيبوبة مش فاكرني، اتلككت وقلت لمامته لو كان حبني كان افتكرني. وأخدت ديلي في لساني وقلت يا فكيك وقد كان والحمد لله. مش عارفة حسيت إنه هم كان طابق على نفسي." "إمتى حصل ده؟ "يوم ما وصلني السواق المستشفى." "يعني أول امبارح؟ ما بلغتينيش ليه؟ "أبلغك بإيه؟ "إنه فاق وإنك فسختي الخطوبة."
"كل حاجة حصلت بسرعة وتعبت بعدها." وقالت ببعض الحدة وكأنها تذكرت كيف تحدث معها: "وابلغك ليه أصلاً؟ هو كان في بينا معاد ولا ناسي إنك اتعصبت عليا؟ "مش اعتذرت وانت قبلتي؟ "إمتى ده؟ "هو خطيبك يفوق من الغيبوبة، انت تقعي فيها." "سابقاً خطيبي سابقاً، لو سمحت." "تعرفي إني حبيت كلمة سابقاً دي قوي." "نعم يا باشمهندس كريم، عندنا شغل كتير النهارده وانت معطلني." خرجت والابتسامة لا تفارق شفتيها. "أيوه، مين قدك؟ خطيبك فاق."
"سابقاً يا حبيبتي، دلوقتي بقيت سنجل." "ومبسوطة قوي كده ليه؟ الندل سابك أول ما فاق؟ "لا، أنا اللي سبته. هحكي لك." #هل ستخبر إيناس بالحكاية الصحيحة أم ستخفي الحقيقة عن الكل؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!