تحميل رواية «غناء الروح» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جفنيه وهو مستلقي بأريحية فوق فراشه ينعم بدفئه بعيدًا عن متاعب العمل وصراعات النسوة عليه، شعر بأصابع رقيقة ناعمة تحمل رائحة طيبة، بل كانت رائحة شهية تثير داخله مشاعر جمة، تتبع فضوله وفرق جفنيه ليطالع فتاة جميلة تقف بثياب أنثوية فاضحة، شهقة كادت تخترق جوفه، اتساع بؤبؤيه يشبه متفرج أبله يرتعد من أفلام الرعب، تلقائيًا قبض بكفيه فوق غطائه الازرق يجذبه على جسده كمن قُبض عليه بالجرم المشهود! وهتف بنبرة غليظة تنافي ردود أفعال جسده المرتعبة:-أنتي مين؟!تلون ثغرها المغطى بلون أحمر ناري بابتسامة ناعمة رقيقة...
رواية غناء الروح الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم زيزي محمد
كانت سيرا تسير في الطريق المؤدي إلى منزلها بعقل شارد وملامح حزينة، وكأن الخبر الذي عرفته من حورية قد سرق منها القدرة على الفرح. كانت تظن أن الحكاية ستنتهي بسعادة، لكنها اكتشفت أنها لم تكن بطلتها أبدًا.
اقتربت من منزلها، وعندما دخلت إلى المدخل الواسع المؤدي إلى الدرج، وجدت فاطمة صديقتها أمامها، فتكشرت فاطمة بضيق وهي تقول:
- كنتي فين يا ست سيرا؟!
رفعت سيرا عينيها لتقابل وجه صديقتها الغاضب، وما إن التقت أعينهما، حتى انهارت باكية، فبدت هشة وضعيفة، على غير عادتها، فقد كانت دائمًا قوية، تدير أمورها بعزم ورزانة.
- مالك يا بت يا سيرا؟ يخربيتك خضتيني!!
جلست على أقرب درجة أمامها وظلت تبكي في صمت، حتى احتضنتها فاطمة بحب وربتت على رأسها قائلة بحنان:
- يا بنتي في إيه؟ وكنتي فين؟
همست بنبرة مبحوحة، وكأنها كانت تبكي طوال الطريق:
- عند حورية.
انعقد حاجبا فاطمة بقلق، وسألت بنبرة جامدة:
- عملت فيكي إيه بوز الإخص دي!
مسحت سيرا دموعها، وقررت أن تفرغ ما في صدرها المثقل بمشاعر متناقضة كادت تزهق روحها:
- لما عرفت إن أنا اتخطبت ليزن اتصدمت، وزعلت إن أنا مقولتلهاش...
قاطعتها فاطمة وهي تنظر إليها بشك مقتضب:
- ليه كانت حاطة عينيها على يزن؟!
زفرت سيرا بضيق وهي تجيب:
- حورية بتحب غيث خطيبها يا فاطمة وانتي عارفة كده، الموضوع أكبر من كده أصلاً، حاجة مكنتش اتخيلها، ومكنتش اتخيل اسيب يزن عشانها.
اقتربت فاطمة منها أكثر، وسألت بحيرة:
- تسيبي يزن؟ إيه طلع ابن امه؟
هزت سيرا رأسها نفيًا في صمت، فتابعت فاطمة سؤالها:
- طلع بخيل؟ بس ميبانش عليه!
عادت تهز رأسها نفيًا، فزفرت فاطمة بقوة وهي تقول:
- امال إيه، إيه جو السسبنس ده، انتي غلبتي المسلسلات التركية!
عادت سيرا تبكي وهي تقول بحزن:
- بتاع بنات يا فاطمة، بيتسلى بالبنات زي ما بيتسلى باللب كده، فاطمة قالتلي كده وهي واثقة، أكيد السافل حاول معاها وهي صدّته، وعارفة بقى مين اللي قالها كل بلاويه مرات أخوه زيدان، يعني الكلام موثوق منه اوووي.
وضعت فاطمة يدها فوق فمها بصدمة ثم همست بتعجب:
- بس ميبانش عليه خالص؟!
- لا كان باين بس أنا اللي كنت مغفلة وحمارة وفاكرة قال إيه أنه أُعجب بيا زي ما أنا اعجبت بيه، كان عقلي فين بس! لسانه الحلو وطريقته معايا ومحاولاته إننا نخرج مع بعض، كلها محاولات ماتصدرش إلا عن واحد قليل الادب زيه.
توترت فاطمة من حديث سيرا الغاضب، وخاصةً أنها تعلم أنها تكره ثلاث صفات في الرجل اولها زير النساء، ثانيها "ابن امه"، ثالثها البخل!
- طيب وهتعملي إيه؟
- وهي دي فيها سؤال، طبعًا هفركش الخطوبة.
همست فاطمة بحزن واندهاش:
- يعني مش هتكملي؟
نظرت إليها سيرا باستنكار وهي تقول:
- طبعًا لا، انتي مجنونة، أنا ماستحملش كده على نفسي أبدًا.
رمشت فاطمة عدة مرات بعينيها الحزينتين، حزنًا على ضياع فرصة ذهبية من يد صديقتها، التي سأمت من العيش في "سوق الجمعة"، حيث شقة والدها التي لطالما أرادت الخروج منها.
- طيب ما يمكن يا سيرا هو فعلاً حبك عشان كده هو اتقدملك رسمي دونًا عن البنات كلهم؟
- لا يا فاطمة، حورية قالتلي هو أكيد ماعرفش يوصلك وحاول يدخل لي من الطريقة دي.
- الله يخربيت حورية على اليوم اللي جت فيه، ما كانت متنيلة في فرح قرايبها واحنا مرتاحين منها ياستي ومن قرفها.
نهضت سيرا بنزق وهي توجه عتابها لفاطمة:
- متضايقة منها عشان بتحبني وخايفة على مصلحتي يا فاطمة؟ لا طبعًا حورية مش غلطانة، حورية صاحبتي بجد!
حزنت فاطمة قائلة وهي تنهض بالمقابل:
- وأنا كيس جوافة يعني يا سيرا، أنا مش هعاتبك بس عشان انتي متضايقة وزعلانة دلوقتي!
كتمت سيرا غضبها بقدر الإمكان، عندما شعرت بحبال غليظة تلتف حول عنقها، تزيد من اختناقها، فقالت بصوت متحشرج:
- متزعليش مني يا فاطمة، بس أنا مخنوقة دلوقتي.
ربتت فاطمة على كتفها وقالت بتفهم:
- عادي، أنا هروح عشان أتاخرت على ماما، بكرة هبقى اجيلك سلام.
ودعتها سيرا، وأكملت صعودها الدرج، وهي تمسح دموعها جيدًا قبل أن يلاحظها أحد، فقد قررت أن تخبرهم برغبتها في إنهاء خطبتها من يزن، التي لم يمر عليها سوى يومين دون إفشاء أي سبب من أسبابها.
وعندما وصلت إلى شقة أبلة حكمت، وقبل أن تضع قدمها على الدرجة الأخيرة، بحثت في حقيبتها عن مرآة صغيرة، لتتأكد من خلو وجهها من آثار الدموع، إلا أن صوتًا أفزعها وجعلها تفقد اتزانها، وتعود للخلف بصدمة:
- كنتي فين ده كله؟
تراجعت سيرا للخلف بقوة، فكادت تسقط على الدرج، إلا أنه كان أسرع، واحتضن خصرها الصغير بذراعيه القويتين، فنهرها بنبرة قلقة:
- حاسبي يا سيرا.
لم تتخيل قط وجوده في منزلها في هذا الوقت، لذا اختل توازنها، ولكن قربه الشديد منها، وتلامس جسديهما غير المقصود، جعلاها تدفعه للخلف بقوة وهي تنهره بنبرة غليظة:
- يزن، أنا مبحبش حد يتعدى حدوده معايا أبدًا.
رفع أحد حاجبيه وهو يرمقها باستنكار:
- يعني كنت اسيبك تقعي على ضهرك وتتكسري!
انكمشت ملامحها بغضب وهي تقول:
- اه ومتلمسنيش.
ثبت بصره عليها لثوانٍ، فلاحظ شيئًا جديدًا طرأ على ملامحها وهي تحادثه، شيئًا مثل… مثل النفور، فقال بحرج لم يكن معهودًا عليه إطلاقًا:
- أنا مكنتش اقصد أكيد، أنا خوفت عليكي، وبعدين لو قصدك على هزاري معاكي الصبح فأنتي أكيد عارفة أنه هزار!
هندمت حجابها وهي تقول بضيق:
- حتى ده مابحبوش!
- طيب اهدي هي مش حرب على فكرة، الكلام اخد وعطا، وبعدين ماتكلمنيش تاني بنرفزة، مابحبش البنت اللي خلقها ضيق!
عقدت ذراعيها أمامها، وهي تنظر إليه بنظرات غامضة، ثم قالت بنبرة متهكمة:
- ما شاء الله شكلك اتعاملت مع بنات كتير!
- بعدد شعر راسك.
قالها ببسمة ساخرة جانبية، هذه المرة حقًا استفزتها، فقالت باستهجان ناري:
- ده انت جريء اوي، وبتقولها عادي كده مش خايف؟
- خايف!!! سيرا فوقي يا ماما أنا راجل، مش عيل توتو، وبعدين ما اقولها عادي تحبي امسكها في ميكرفون واقولها، ما انتي غريبة جدًا.
كزت فوق أسنانها بغيظ، وقالت بنبرة مكتومة من فرط غضبها:
- وأنا يعني عادي اجي اقولك إن أنا بتعامل مع رجالة بعدد شعر راسك؟
- لا انتي تاخدي على دماغك لو قولتي كده، فوقي وركزي واعرفي الفرق بين الراجل والست، عشان تعرفي تكلميني ازاي، ومتحاوليش تحطي راسك براسي عشان انتي اللي هتزعلي في الآخر!
حسنًا، تلك فرصة ذهبية لإلقاء الخاتم في وجهه، ولا مانع من ضربة قوية بحقيبتها فوق رأسه، لتنتهي تلك الحكاية قبل بدايتها!
ولكن خروج أبلة حكمت قطع عليها أمانيها، التي كادت تتحقق الآن، قائلة بنبرتها السعيدة، والتي بالتأكيد كانت نابعة من وجود يزن في منزلها:
- بتعملوا إيه قطاقيط الغرام على السلم، ادخلوا يلا أنا حطيت الأكل!
الآن فهمت سيرا لماذا يوجد يزن في منزلها، والسبب أصبح واضحًا… أبلة حكمت، قاهرة أحزانها ومفرقة أحلامها! فسمعته يقول بضيق:
- لا أنا شبعت وماشي.
توسعت عيناها باندهاش:
- يوه! شبعت قبل ما احط الاكل!! ده اللي هو ازاي بقى؟
نظر إلى سيرا نظرة شبه غاضبة وهو يردّد بجرأة:
- لا ما هي سيرا سددت نفسي، سلام.
شهقت أبلة حكمت بقوة وهي تمسك بذراعه قائلة بإصرار رهيب:
- والله ما يحصل أبدًا يا يزن، امال العزومة دي كلها على مين، ده أنا عملتلك طاجن بامية باللحمة مخصوص عشانك، لو مش انت والله ما كنت هعبرهم واعملهم حاجة، قدر إن أنا خرجت من المستشفى وعملت الاكل!
حاول يزن أن يفتح فمه ليصرح برفضه، إلا أنها رفضت وأصرت أكثر وهي تجذبه للداخل:
- ادخل يلا بابا وصافي مستنينك، ادخل.
دخل بالفعل بعد إصرارها، فهو لم يشعر حقًا برغبته في الأكل بعد مشاجرته مع سيرا، تلك المتقلّبة المزاج.
بينما سيرا كانت ستتحرك للصعود، هربًا من أبلة حكمت، إلا أنها تلقت ضربة فوق رأسها، فالتفتت بغضب:
- عملتي أيه يا مقصوفة الرقبة يا قليلة الادب في خطيبك.
- ماتضربنيش يا ابلة، أنا مش عيلة صغيرة.
قالتها سيرا بعبوس، فقالت أبلة حكمت بصرامة، وقد عادت إلى شخصيتها المتحكمة:
- شكلك عكيتي الدنيا معاه، بس حسابك معايا بعدين، ادخلي يلا جوه، عشان الاكل هيبرد.
- مش عايزة، بالهنا انتوا.
- والله يا سيرا لو ما تعدلتي لاظبطك أنا بمعرفتي، وبعدين بقولك إيه بابا جوه ومصدقت إنه راضي عليا، ماتبوظيش علينا فرحتنا، ادخلي.
دفعتها أبلة حكمت إلى الداخل بقوة، فتلقت سيرا تنبيهاتها الصارمة بوجه مستنكر وعابس، دخلت وهي تلقي سلامها على والدها، وقبلت يديه أمام نظرات يزن المراقبة، ثم أشارت إلى صافي وقالت بخفوت:
- ازيك يا أبيه؟
- الحمد لله يا سرسورة، قومي اعملي عصير المانجة ليزن عشان بيحب يشربه مع الاكل.
نظرت إلى يزن وهي ترمقه بنظرات غامضة، متسائلة باستنكار:
- بتحب عصير المانجة مع الأكل؟
وضع ساقًا فوق الأخرى، قائلًا بهدوء أثار استفزازها:
- اه، اعمليه بسرعة بقى!
أشارت نحو عينيها، قائلة برقة مفتعلة:
- من العين دي قبل العين دي!
ثم كادت تتوجه نحو المطبخ، إلا أن دهب خرجت وهي تحمل كوب العصير، قائلة بنعومة:
- أنا عملته ليزن، متتعبيش نفسك يا خالتو.
همست سيرا بغيظ منها، لأنها أفسدت عليها خطتها في الانتقام منه:
- يا فرحة أمك بيكي يا حبيبتي.
التقط يزن الكوب وهو يتوجه نحو طاولة السفرة، مرتشفًا القليل من العصير، ثم قال لدهب:
- تحفة تسلم ايدك يا دودو، حقيقي لو خالتك اللي كانت عملته مكنتش هحبه كده.
اندفعت دهب بحماقة وهي تبتسم فخرًا بنفسها:
- خالتو أصلاً ما بتعرفش تدخل المطبخ، ولا بتعرف تعمل أكل ولا أي حاجة.
رمقها جدها بضيق، وحرك رأسه بيأس، فحفيدته نسخة مصغرة من والدتها الحمقاء، التي تعشق التفاخر بنفسها على حساب الآخرين، بينما سيرا لم تهتم، وجلست بالقرب من يزن، متعمدة لمس كوب العصير بخفة، فأسقطته على ثياب يزن بأكملها، فوضعت يدها على فمها بصدمة زائفة:
- يا نهار ابيض وقع ازاي ده؟!
رفع يزن نظراته المستشيطة وهو يرمقها بغيظ:
- معرفش وقع ازاي!!
- قوم معايا، قوم ادخل الحمام.
كادت دهب تتحرك معهما بلهفة، إلا أن سيرا أوقفتها بنظرة واحدة حادة:
- اقعدي مكانك وماتتعبش نفسك.
ثم نهض صافي قائلاً:
- هجبلك لبس من عندي.
بينما والد سيرا جلس يأنب دهب على كلامها، مقررًا تهذيبها هو وحكمت، التي قرصتها في فخذها:
- بتطيري العريس من خالتك يا حيوانة.
أما في الممر، وتحديدًا قرب دورة المياه، همس يزن لسيرا متوعدًا:
- والله ما هعديها الحركة دي يا سيرا!
توقفت وهي ترسم على وجهها البراءة:
- حركة إيه يا يزن؟
- وقعتي العصير عليا عشان ضايقتك، شغل عيال صغيرة يعني!!
رمشت بأهدابها، قائلة برقة لم يتقبلها يزن، وجعلته ممتعضًا منها:
- ظلمتني يا يزون، بقى أنا هعمل كده، أنا هدخل اظبطلك الميه.
- والله!
دخلت نحو الحوض وفتحت الصنبور، وهي تنظر إليه ببراءة، بينما هو كان منشغلًا بإزاحة بقايا العصير عنه، فسمعها تقول برقة:
- تعال يا يزون ادخل لغاية ما اجيبلك الهدوم من أبيه!
دخل يزن، وخرجت هي، فأغلق الباب وخلع قميصه الباهظ الثمن، ومد يده أسفل المياه، ولكن سرعان ما انتفض عندما وجدها ساخنة جدًا، لدرجة أنها كادت تصيبه بحروق، فهمس بغيظ:
- يا بنت الـ..... آه، ايدي.
أبعد يده وظل يتفحصها، فكانت حمراء جدًا، فأغمض عينيه بوجع، لأنه كان مغفلًا وأنزلها كاملةً أسفل المياه، ثم سارع بتحويلها إلى الباردة، شاعرًا ببعض الراحة!
أما سيرا، فنظرت إلى الثياب التي جلبها صافي، والتي كانت عبارة عن سروال وقميص أزرق بخطوط بيضاء، فقالت بضيق:
- لا يا أبيه الهدوم دي ماتنفعش، اقولك هات جلابية حلوة كده من جلبياتك الحلوة دي الفخمة!
- تصدقي صح، ماشي استني.
ذهب لثوانٍ، ثم أتى بواحدة، ونظرة الفخر بعينيه وهو يقول:
- دي من السعودية يعني غالية بس متغلاش على خطيبك.
تفحصتها سيرا وهي تقول بمكر:
- امال شكلها من الصعيد ليه؟
توتر صافي وهو يقول:
- القماشة من السعودية بس هي تقفيل صعيدي، مش عاجبكي، اجبلك اللي من الكويت استني.
قاطعته سيرا، قائلة بابتسامة صغيرة:
- لا لا دي تحفة، سيب بتاعة الكويت لمرة تانية.
- ماشي اديهاله وأنا هروح اساعد حكمت وخلصوا بقى في العزومة اللي مش باينلها اول من آخر دي.
ذهب صافي نحو المطبخ، الذي كان في الجهة الأخرى، بينما هي وقفت تفكر كيف لها أن تطرق الباب وتقدم ذلك الجلباب، حتى رأت حودة يلعب بالكرة أمامها، وفجأة ألقى الكرة في وجهها بسرعة البرق، فأمسكت رأسها، قائلة:
- اه يا حودة يا كلب.
- معلش يا خالتو، مكنتش اقصد اجييها فيكي!
قالها ببراءة زائفة، فردت بغيظ:
- ده على أساس إنها أول مرة، ده أنت مبهدلنا يا أخي، عاملنا احنا المرمى، المهم خد الهدوم واديها لعمو يزن جوه واطلع اجري ماشي.
ابتسم بخبث قائلاً:
- عشان عيب ابص على حد.
- اسمالله عليك، ابلة حكمت عرفت تربي.
همست بها في سرها بسخرية، فوجدت حودة يقترب منها يهمس برجاء:
- ممكن أخد العيال ونركب على عربية عمو يزن يا خالتو.
لمعت ابتسامتها الماكرة وهي تقول:
- يا روح خالتو خد راحتك، اعتبر العربية عربيتك.
تهلل وجهه، وقرر تنفيذ طلب سيرا أولًا بحماس، ثم تجميع أصدقائه للهو فوق سيارة يزن الباهظة الثمن.
عادت سيرا إلى مكانها، وفتحت هاتفها، وفعلت وضعية التصوير في خباثة، منتظرة خروج يزن الذي طال لدرجة أنهم جميعًا شعروا بالقلق، وما إن خرج حتى انتابتهم نوبة ضحك خافتة، ما عدا هي التي علت ضحكتها، بعد أن التقطت له صورتين.
فاليزن كان عبارة عن أضحوكة بجلباب قصير قليلًا، بسبب فرق الطول بينه وبين صافي، حتى أكمام الجلباب كانت قصيرة! عبس بوجهه وهو يرمقها بانتقام ساخر:
- مالقتش يا حج صافي حاجة اقصر كده تجيبها.
لكزت حكمت صافي في كتفه، قائلة بعتاب، في ظل محاولاتها كتم ضحكتها:
- اخس عليك يا صافي، ثواني يا يزن هجبلك أنا هدوم.
- ومرهم حروق عشان خاطري، في حد ابن حلال كان مظبط الميه على الساخن.
هنا صدح صوت سيرا وهي تنظر إليه باستهجان:
- اتحرقت!! الف سلامة.
همس يزن في سره بقهر وهو ينظر ليده التي تألمه:
- الله يحرقك، والله ما أنا سايبك.
تحرك يزن خلف حكمت التي جلبت له جلباب آخر طويل ومناسب إليه، فبدا وكأنه تاجر فاكهة في أحد الأسواق الشعبية.
همس بحسرة وهو ينظر للطعام الذي لن يستمتع به وهو في ذلك الحال:
- حسبي الله ونعم الوكيل، مش هعرف آكل البامية بنفس.
وقبل أن يضع في فمه قطعة لحم وجد دهب تصرخ وهي تقول:
- الحقي يا ماما! حودة والعيال كلهم على عربية يزن، وفي عيال تانية زَقوا عليها طماطم.
بلع يزن الطعام بصعوبة، واتسعت عيناه قهرًا، متمتمًا بخوف:
- المِرسيدس دي بتاعت سليم!!
مالت عليه سيرا تهمس بمكر:
- وصاحب أجانص قد الدنيا وانت بتشحت عربية اخوك الكبير؟ اخص مكنتش اعرف عنك كده!
رمقها بسخرية وانزعاج من تلك الشماتة المتجسدة في عينيها:
- تعرفي إيه أنا الـ BM بتاعتي في التوكيل بظبط كام حاجة فيها.
- طيب انت لو منزلتش حالاً ولحقت عربية اخوك، احتمال يعملوا عليها عصير فراولة وصينية بطاطس باللحمة.
ود لو يمتلك القدرة على جلب رأسها اللعين ووضعه في صحن الشوربة الساخن، ليتخلص منها ومن محاولاتها المستميتة لاستفزازه، استأذن دون أن يُكمل طعامه، تاركًا عائلة سيرا تشعر بالحزن والإحراج، بينما كانت هي تشعر براحة كبيرة لاقتناص ثأرها منه.
***
صعدت يسر بخطوات سريعة لتصل إلى عيادة نوح، وكانت ملامح وجهها متهجمة، ودقات قلبها تتسارع بجنون، دخلت إلى العيادة وجسدها يتشنج بقوة، واقتربت من باب غرفة نوح، إلا أن حسناء اعترضتها بقوة وهي تقول بنبرة لبقة وابتسامة أثارت جنون يسر:
- دكتور نوح مش فاضي دلوقتي يا مدام.
وفي لمح البصر، جذبت "يسر" "حسناء" من خصلات شعرها، وأرجعت رأسها للخلف بقوة، وهي تهمس بنبرة خانقة يفوح منها فحيح مخيف:
- أنا عفاريت الدنيا بتتنطط في وشي، بلاش أنتي تكوني ضحيتي، انتي مش قدي.
تعمدت حسناء الصراخ والتألم من قبضة يسر القوية، فتجمهر المتواجدون حولهما، وحاولوا إبعاد يسر، إلا أنها زادت من قبضتها، خرج نوح متذمرًا، وما إن رأى الوضع أمامه حتى اقترب من يسر محاولًا جذبها، لكنها دفعته بقوة وقالت بنبرة غاضبة متوهجة:
- عايــزك يا دكتور.
دفعت حسناء بقوة وهي ترمقها باشمئزاز، فبكت حسناء وهي تمسك برأسها متألمة، قائلة بصوت باكٍ:
- والله يا دكتور، كل اللي قولته ليها إنك مش فاضي.
فتدخلت سيدة تشهد مع حسناء:
- الصراحة الست اللي دخلت دي متوحشة، هجمت عليها الاول.
- خلاص يا جماعة، حصل خير، وانتي يا حسناء أنا هصرفلك تعويض عن الاذى ده.
صدح صوت "يسر" بغيظ وصياح أرعب الجميع:
- نـــــــــــــوح.
التفت نوح ينظر إلى الغرفة الموجودة بها، شاعرًا بالإحراج الشديد من المتواجدين، فقالت إحدى السيدات بعدم رضا:
- ربنا يعينك يابني على اللي انت فيه!
ابتسم نوح لها مقتضبًا، ثم دخل سريعًا إلى الغرفة باندهاش، مغلقًا الباب خلفه بقوة:
- في إيه؟ انتي إزاي تدخلي كده، وإيه اللي عملتيه في حسناء ده؟
اقتربت منه وعلى وجهها علامات الانفعال، فبدت شرسة كنمرة قررت أخيرًا الهجوم على سائر قطيعها:
- بنـــتــــي فـــيـــــن يــــا نــــوح؟
نظر إليها مستنكرًا وسأل بعدم فهم:
- مالها لينا؟
ضمت شفتيها بغيظ، ثم نظرت إليه بغموض أربكه، وفي لحظة، انقضت عليه بجنون، تقبض فوق ملابسه، وهي تهمس بغل وقهر:
- أنا ممكن أعديلك أي حاجة غير إنك تقهر قلبي على لينا يا نوح.
فقد أعصابه وأصابه التوتر وهو يسألها بحنق:
- مالها لينا ما تنطقي!
وكأنها لم ترَ صدق ملامحه، فانعزلت في سجون الانتقام، لدرجة أن أنفاسها الملتهبة لفحت برودة وجهه المتخوف مما قد يكون أصاب ابنته بمكروه:
- بتمثل عليا وانت خاطف البت مني، أنا بقولك اهو لو بنتي مارجعتش أنا هعمل....
دفعها عنه بقوة وهو يصيح فيها بجنون، وعدم التصديق ينبثق من عينيه المذعورتين:
- إيه؟ لينا مخطوفة؟ ازاي وامتى وفين، انطقي!
أصابها الحيرة عندما لمحت توتره وذعره المتجسد على ملامحه، فتبسمت بتهكم، وعبراتها تنسال فوق صفحات وجهها:
- انت عايز تفهمني إنك ماتعرفش حاجة؟
خرجت نبرته مذبوحة حانقةؤ منفعلة:
- أنا فعلاً ماعرفش عن بنتي حاجة، وكنت فاكر إنها مع أم واخدة بالها منها، بس طلعتي أم مهملة....
- ماسمحلكش، أنا عمري ما كنت مهملة.
صرخت بها بألم وقهر، عندما مال ميزان الاتهام نحوها وصارت مذنبة، فقطع صراخها صوت رنين هاتفها، وعندما رأت اسم والدها، أجابت بلهفة:
- إيه يا بابا لقيتوها؟
- لا، بس انتي فين؟
ارتسمت ملامح الإحباط على وجهها وهي تقول بصوت مهزوز:
- عند نوح.
- تعالي حالاً.
أغلق الاتصال في وجهها، فزفرت بقوة وهي تبكي قلقًا بانهيار، لم يكن في وسعها سوى البكاء، بكاء أمٍّ كُسِرَ قلبها، فصار نزيفًا صامتًا يقتات على روحها في كل لحظة يمر فيها الوقت دون صغيرتها.
- أنا عايز افهم في إيه، بنتي فين؟
رفعت عينيها تطالعه بصمت وعجز، لكن عقلها لا يزال يفرض تخيلاته بأنه السبب في اختطاف صغيرتها ليعاقبها على فعلتها، فتحركت من أمامه، ودموعها تحفر أخاديد الألم، وصوتها المبحوح يتوسل إليه:
- عشان خاطري يا نوح، قولي بنتي فين؟ وانت لو عايزني ارجعلك معنديش مشكلة، بس قولي هي فين؟
- انتي مجنونة أنا عمري ما اعمل كده أبدًا، ده بنتي وانتي مراتي مهما مشاكلنا زادت عمري ما أدخل لينا بينا، أنا عايز أعرف إيه اللي حصل!!
لم تشعر به وبما يتعمل داخله، فكان هناك قيد من نار يلتف حول قلبه، يشده حتى يكاد يتمزق خوفًا على ابنته الوحيدة، فانهارت وهي تقول:
- ماما سابتها تنزل تشتري من السوبر ماركت اللي تحت زي كل يوم، وبعدها مطلعتش على طول، ماما قلقت عليها نزلت سألت البواب مالقتهوش أصلاً فضلت تدور في الشوارع ملقتهاش، والراجل بتاع السوبر ماركت قال إنها هي اشترت فعلاً ومشيت ناحية العمارة بس محدش يعرف إيه اللي حصل، والبواب طلع كان في السوق وسايب العمارة من ساعتين.
أول شيء خطر على خاطر نوح، الذي أصابته رجفة هلع ووغز مستمر في قلبه:
- والكاميرات يا يسر؟
- ماعرفش سيبت بابا يتصرف، وجيتلك.
ضغط فوق أسنانه بغيظ وهو يقول بنبرة معاتبة، تحمل نيران الهجر والبعد:
- جيتي عشان شكيتي فيا إن أنا السبب صح!
أخفضت بصرها أرضًا بخجل، فقال بنبرة مقهورة:
- حقيقي أنا كل يوم بتصدم فيكي، ومش متخيل انتي ازاي ماتعرفنيش كده.
ألقى قنابله المدوية، وجذب متعلقاته، ثم جذبها خلفه رغمًا عنها، خرج من الغرفة، وتوجه نحو الباب الرئيسي، فصاحت إحدى السيدات بتأفف:
- كده مايرضيش ربنا يا دكتور احنا ملطعوين من العصر، وانت ماشي بسهولة كده!
التفت إليها نوح وحدجها بغضب، وهو يقول بنبرة يغمرها الغل من الصدمات التي يمر بها:
- أنا بنتي مخطوفة، مش ماشي بمزاجي، ده ظرف غصب عني.
ثم نظر إلى حسناء التي كانت متوترة من نظرات يسر:
- رجعي فلوس كل الموجودين.
ثم غادر وبيده يسر التي كادت تتعثر عدة مرات من شدة وقع خطواته الواسعة والقوية!
***
كانت سيرا جالسة في غرفتها وسط عتمة أفكارها، تتلاعب بها الحيرة كريشة في مهب الريح، هل تستمر في خطبتها لرجل لا يعرف الولاء لقلب واحد؟! فصدح صوت داخلها يصرخ "لن يتغير!" وبعد حيرة طويلة، قررت اتخاذ قرارها بالابتعاد عنه بقلب شجاع.
دخلت كريمة وهي تبتسم ابتسامة عريضة، ممسكة بسترة بها ترتر لامع، لونها أزرق، قائلة:
- سيرا البلوزة دي حلوة ولا اشوف حاجة تاني لخطوبتك.
ابتسمت بحزن وهي تقول بصوت متحشرج:
- ما تتعبيش نفسك يا كريمة خلاص الموضوع خلص.
رفعت كريمة أحد حاجبيها باندهاش واقتربت بقلق:
- معلش يعني؟ ده اللي هو ازاي؟ هو إيه اللي خلص!!
تنهدت سيرا بعمق وهي تقول بنبرة حاولت أن تبدو عادية:
- يعني أنا هفركش الخطوبة، مابقتش عايزة يزن خلاص.
هزت كريمة رأسها عدة مرات في محاولة لاستيعاب حديث سيرا، لكنها بدت حمقاء وهي تستمع إليها، فقالت:
- مابقتيش عايزة مين يا سيرا؟
- يزن يا كريمة، مش مناسب ليا، وكفاية كلام عشان خاطري عندي صداع وعايزة أنام.
أومأت كريمة برأسها عدة مرات وهمست ببلاهة:
- اه وماله، وماله، نامي يا حبيبتي.
أغلقت الأضواء خلفها وخرجت من الغرفة، وفور خروجها، أراحت سيرا جسدها فوق الفراش وقررت النوم بعدما انتهى انتقامها من يزن، إذ نشرت له صورة بجلباب قصير من حساب وهمي باسم حركي، وفعلت خاصية الإشارة، ولم تكتفِ بذلك، بل وضعت صورًا مضحكة لفنانين مصريين، فيما يسمى بـ"الميمز"، ساخرةً منه على الملأ، مكتفيةً بذلك العقاب.
ثم همست بحقد لم تولده تجاه رجل من قبل:
- اشرب يا قاهر قلوب العذارى، بقى كنت عايز تتسلى بيا، فاكرني من البنات السيكي ميكي!!
فجأة، فُتحت الإنارة، وحدث هجوم مفاجئ مخيف من قِبَل أخوات سيرا، وعلى رأسهن أبلة حكمت ووالدتها بنفسها!!
جلست سيرا فوق الفراش بقلق، وهي تعيد ظهرها للخلف بخوف عندما رأتهن يقتربن منها وكأنهن ينوين قتلها، وأول من تحدثت كانت أبلة حكمت، التي تولت دفة الهجوم:
- إيه الكلام اللي قولتيه ده يا مقصوفة الرقبة لكريمة!!
رفعت سيرا إصبع السبابة في وجه أختها الكبرى قائلةً بتحذير صارم:
- أبلة ماسمحلكيش لو سمحتي!
- ولما اعضهولك مش هتزعلي!!
أنزلت سيرا إصبعها سريعًا خوفًا من تهديد أبلة حكمت الشرس، لكنها وجدت وجهها يتوجه نحو فريال، التي كانت على الجانب الأيمن، بابتسامة ناعمة، لكنها هذه المرة كانت شائكة ومخيفة:
- عايزة تفركشي خطوبتك من يزن ليه يا حبيبتي، قولي متخافيش!
شعرت بضغط قوي من قبل عائلتها، وراية الرفض لقرارها حلقت عاليًا، فانفجرت ببكاء حاد وهي تقول:
- أنا حرة مش عايزة اكمل مع حد، محدش يغصبني على حاجة!
أبعدت أبلة حكمت كريمة، التي كانت على جانبها الأيسر، واحتضنت سيرا بحنو وهي تردد بنبرة هادئة:
- ليه قوليلنا واقنعينا، يمكن نقتنع ويمكن لا، احنا بردو عارفين مصلحتك يا سيروو، احنا عندنا خبرة عنك...
قاطعتها سيرا بحنق وسط بكائها، قائلةً:
- طلع بتاع بنات يا أبلة، بيتسلى بيهم زي ما بيتسلى باللب السوبر كده!
ساد صمت ثقيل، وكأن صوت صرصور الحقل صدح عاليًا عندما رأت وجوههن مبهمة، وكأنها تتفوه بأمر تافه لا يستدعي كل تلك الدموع!
وأول من تدخلت كانت والدتها، قائلةً بنبرة رزينة:
- مين اللي قالك يا حبيبتي؟، هو لحق خانك ده انتوا لسه مخطوبين امبارح!
مسحت سيرا دموعها المنهمرة وهي تقول:
- لا مخانيش دي واحدة صاحبتي اللي قالتلي كده.
صفقت ابلة حكمت عاليًا وهي تقول بضيق وغل:
- هي أكيد البت فاطمة، البت دي أصلاً حقودة وبتغير منك عشان انتي جميلة واتخطبتي لعريس لُقطة، بتكرهك فيه يا غبية عشان تشقطه منك.
رفعت سيرا حاجبيها مندهشةً من ذلك الهجوم، فقالت بضيق:
- لا يا أبلة مش فاطمة، دي حورية.
عادت لتصفق من جديد وقالت بنفس النبرة المغلولة:
- أنا قولت بردو الكلام ده مايطلعش إلا من واحدة حربوئة زي الزفتة حورية، والله انتي مالكيش صحاب جدعة إلا البت فاطمة، محترمة وطيبة وبتحبلك الخير.
اندهشت شاهندا من تحولها السريع، فقالت:
- يا أبلة ده انتي لسه شاتمة في فاطمة حالاً من ثانية!!
كتمت غيظها وهي تقول بترفع:
- سمعت غلط اسم فاطمة قريب من حورية، ثم إن....
التفتت إلى سيرا وقالت بضيق، موجهةً دفة العتاب إليها:
- هو انتي يا سيرا أي حد يقولك كلمتين على شريك حياتك تصدقيه، وتهدي حياتك، مش تشوفي وتجربي الاول.
- أنا حياتي مش تجربة يا أبلة، أنا يا اختار صح من الأول يا إما ماختارش، وبعدين ده فيه اكتر صفة بكرهها في الرجالة، انتي عارفة يعني إيه بتاع بنات، يعني قلبه قلب بطيخ في بذر كتير.
- بس بيترمي ولا لأ.
قالتها كريمة معقبةً سريعًا، فقالت سيرا بنزق:
- طيب ما أنا هبقى بذرة بردو بتترمي.
- يا حبيبتي ان يقلب خوخ ماتزعليش نفسك واديله فرصة.
قالتها والدتها بهدوء وهي تربت على وجه ابنتها، فبكت سيرا مجددًا عندما شعرت أنهن جميعًا ضدها:
- يا ماما هو الحوار حوار فاكهة، الحوار حوار مستقبل وحياة.
زمت حكمت شفتيها بضيق وهي تضرب كفًا بآخر:
- أما انتي عقلك خايب بصحيح، يعني لو نفترض هو بتاع بنات مع إني مش مصدقة الواد كُمل وحاجة آخر آلاجة، وكان عايش فترة شباب زي ما كل الناس بتعيشها، بس في الآخر قرر يستقر واختارك انتي دونًا عن البنات كلهم، وعايز يكمل حياته معاكي بإرادته، فين الغلط؟
- في شباب مابتتسلاش بالبنات يا ابلة، في شباب محترمة.
عبست كريمة وهي تقول:
- مفيش الكلام ده يا سيرا، انتي عايشة في قصص وخيالات.
- على رأيك يا كريمة، ده الواد حودة ابني بيكلم خمس بنات صحابه في المدرسة.
زفرت سيرا بغيظ وهي تعيد خصلات شعرها للخلف قائلةً:
- انتوا مايهمكوش الا انتوا عايزينه، عريس حلو وغني مابتبصوش بقى في عيوب إيه!!
هنا تدخلت والدتها بضيق وهي تردد:
- ما كل الناس يا بنتي فيها عيوب ومميزات، هو في حد كامل، الكامل لله وحده!
- وأنا مش عايزة يا ماما، أنا حرة، مش عايزة، أنا اللي هعيش وهكمل حياتي معاه، أنا اللي قلبي هيوجعني.
- والله انتي قاطعة أرزاق، يا بت بطلي نبر بقى.
قالتها حكمت بغيظ، فعقبت شاهندا بهدوء رزين:
- طيب فكري تاني يا سيرا، يمكن تغيري رأيك.
صاحت حكمت بنبرة حادة:
- لا طبعًا تفكر إيه!!
أشرن إليها بحدة وهمسن في صوت واحد:
- بابا يا أبلة!
فأخفضت حكمت صوتها بانفعال مكتوم وهي تقول:
- مفيش تفكير، انتي عايزة تشمتي فينا فوزية الملوية وابنها المدمن؟! وبعدين بابا فرحان فرحة مشفناهاش قبل كده! وعمال يخطط برة يعزم مين ومايعزمش مين، ويجبلك إيه، يهون عليكي يا جاحدة تكسري فرحته عشان شوية تفاهات مالهاش لزمة.
فأكملت فريال، مؤكدة على حديث أختها بإصرار:
- بابا أصلاً تعبان وقلبه مابقاش متحمل، وممكن يزعل ويكتم في قلبه بسببك، بابا فرحان بالنسب يا سيرا، وفرحان بيكي وعايز يطمن عليكي زينا، والصراحة يزن وعيلته كويسين وماتنكريش الناس فرحانة بيكي، وهو كمان أظن أنه جدع معاكي والراجل ماسابناش خالص وفضل معانا لغاية ما جينا هنا.
فتحت سيرا فمها لتعارضهن، إلا أن دخول حودة، جالب المصائب، وهو يتنفس سريعًا، قاطع حديثهن:
- الحقووووووا، جدو وقع في الشارع اغمى عليه، وخالو قاسم و خالو عبود اتقبض عليهم.
رواية غناء الروح الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم زيزي محمد
تركت "سيرا" والدها في المستشفى مع والدتها وأخواتها، وانطلقت نحو قسم الشرطة الذي يُحتجز فيه شقيقاها التوأم "عبود" و"قاسم".
افتعلا شجارًا مع "فايق" حين حاولا الأخذ بثأر شقيقتهما الكبرى "أبلة حكمت" وسييرا. فقد علما أن فايق ينشر إشاعات مغرضة عن سييرا، فاشتعلت في قلبيهما نيران الغضب، وتصرفا بتهور. كسر أحدهما يد فايق، بينما تسبب الآخر بكدمات في وجهه، بعد أن نصبوا له مع أصدقائهم الطائشين كمينًا عند دخوله الحي، فانهالوا عليه بالضرب المبرح حتى وصل الأمر إلى قسم الشرطة.
مسحت سيرا دموعها، وقد غمرها الخوف على والدها الذي فقد وعيه. كانت الجلطة على بُعد بضع إنشات من جسده، وقد حذرهم الطبيب للمرة الأخيرة بالحفاظ على صحته وتجنب إرهاقه بأمور قد تفوق قدرته على التحمل.
وصلت سيرا إلى القسم برفقة "أبلة حكمت" وزوجها "صافي". وقبل أن يدخلا، قالت حكمت بضيق من سيرا المتشبثة برأيها:
- يا بنتي اتصلي على خطيبك خليه يكلم اخوه، ينقذ اخواتك، اخوه واصل اوي وهيخلص الموضوع.
هزت سيرا رأسها نفيًا بعناد:
- لا يا أبلة، كفاية لغاية كده، مش كل مصيبة هجري اعرفه بيها، وبعدين أنا قولتلك....
قطعت حديثها عندما قبضت حكمت على مرفقها بشراسة، وجرتها نحو الحائط الحجري الكبير. فاستندت سيرا بظهرها عليه وهي تنظر إلى حكمت برعب. كانت عينا حكمت تشتعلان غضبًا:
- بصي بقى وحطي الكلمتين دول في ودانك، لو على الكلام الاهبل اللي قولتيه فانسيه خالص عشان محدش هيوافق فينا، لو انتي عبيطة ومش عارفة مصلحتك فين؟، احنا نعرفهالك كويس! ولو ابوكي مش فارق معاكي قهرته، أحنا يفرق معانا ونخاف على صحته اللي عماله تتدهور والله اعلم ممكن يجراله إيه تاني! مستعدة تعيشي بذنب ابوكي العمر كله يا سيرا؟
تدخل صافي بصوته العميق، محاولًا تهدئة الوضع:
- اهدي يا حكمت، ان شاء الله سيرا هتعقل وهتعرف مصلحتها فين ومصلحة اخواتها اللي مرمين في الحجز دول!
ردت سيرا بنبرة يغمرها الغيظ:
- أنا مش هكلم حد، لو عايزة تكلميه انتي كلميه!
دفعت أختها عنها وتحركت نحو الداخل، لكنها توقفت فجأة عندما رأت "زيدان" أمامها. تجمدت أطرافها، وغاص وجهها في الإحراج عندما اقترب منها بلهفة وسألها:
- مالك؟ إيه اللي جابك هنا؟
مدت حكمت يدها لتصافحه بابتسامة عريضة:
- أهلاً أهلاً أنا حكمت اخت سيرا، فاكرني؟
صافحها زيدان باقتضاب، وتحولت لهفته إلى فتور:
- اه أكيد فاكرك!
ابتسمت حكمت بغرور أثار دهشة سيرا وصافي معًا:
- أنا كنت عارفة، مفيش حد يشوفني إلا ولازم اسيب له بصمة يفتكرني بيها على طول.
رفع زيدان حاجبيه باعتراض على ثقتها المفرطة، لكنه استمع إليها وهي تتحول بنبرتها إلى الاستعطاف:
- كويس إنك موجود، عبود وقاسم اخواتي مقبوض عليهم في مشكلة كبيرة، ضاربين واحد جارنا وأمه الله يجحمها اللي كنت متخانقة معاها وانت خلصت الحوار عملت بلاغ في أخواتي!
كورت سيرا يديها، محاولةً كبح جماح غضبها المتصاعد، خاصةً عندما رأت أختها تتودد لزيدان. لكنها سرعان ما غادرتهما، ووقفت في زاوية بعيدة تبكي بصمت. كان الشعور الذي يسيطر عليها أشبه بفوضى عارمة لا تستطيع ترتيبها. أغمضت عينيها بقهر، وهي تفكر في الذهاب إلى "فايق" بالمستشفى لطلب مسامحته والتنازل عن البلاغ، لكن كبرياءها منعها، بالإضافة إلى خوفها من رؤيته بعد تصرفاته الأخيرة ونظراته المريبة!!
شعرت بلمسة حانية على ذراعها، وصوت يخترق سكونها كالسهام. فتحت عينيها لترى "يزن" يقف أمامها بلهفة وقلق:
- بتعملي إيه هنا، وواقفة بتعيطي ليه بالشكل ده؟!
همست بتوتر:
- آآ.. أنا...كنت جاية مع أبلة وأبيه عشان....
انعقد حاجباه بقوة وهو يتأمل توترها ومحاولاتها الضعيفة لاستجماع قواها. أمسك بكفيها بين قبضتيه القويتين والكبيرتين مقارنةً بحجم يديها الصغيرتين، وقبض عليهما بحنو ولطف محبب إلى قلبها:
- اهدي واحكيلي في إيه؟ وليه ماتصلتيش بيا اجيلك؟
تساءلت بعينيها شبه الباكيتين، وهمست بنبرة خافتة، متغافلة عن كفيها اللذين كانا بين قبضته المتمسكة بها وكأنه غريق يتشبث بآخر طوق نجاة:
- هو انت إيه اللي عرفك إن أنا هنا؟ مين قالك؟ زيدان؟
رد بهمس متعجب:
- زيدان؟
لكنه لم يُطل الاستغراب، وشرح سبب وجوده بجمل مختصرة:
- نوح صاحبي هو ومراته جم هنا عشان بنتهم اتخطفت وأنا جيت معاه وبلغت زيدان يجلنا على هنا، انتي هنا ليه؟
شعرت بلمسات حانية من إصبعه تمر فوق كفيها، لمسات داعبت فؤادها وأجبرتها على رفع عينيها إلى بريق عينيه، رأت لونهما الجميل يتلألأ وسط مقلتيه، فكادت تهيم به، إلا أن كلمات "حورية" ضربت رأسها كضربة فارس مغوار أصاب سيفه منتصف رأس عدوه " بيتسلى بالبنات زي ما بيتسلى باللب السوبر كده".
فجأة، شعرت باشمئزاز يجتاحها، وحاولت سحب يدها بقوة من قبضته، قائلة بانزعاج واضح، يرافقه إحراج من تصرفات عائلتها التي باتت وكأنها تعشق التردد على أقسام الشرطة مؤخرًا:
- عبود وقاسم اتخانقوا مع فايق وهو قدم فيهم بلاغ، فجينا هنا نشوف البلاغ وكلمنا المحامي يجي ورانا.....
لم يكن غبيًا ليدرك أنها تمرر له بين كلماتها المبطنة رسالة مفادها أنها ليست بحاجة إليه، ولن تطلب منه العون. شعر بضيق عميق لتفسيرها الخاطئ لموقفه معها، فهو لم يقف بجانبها من باب المجاملة، بل كان شعوره بالمسؤولية ورغبته الحقيقية في حمايتها هما الدافع الحقيقي!
- وماكلمتنيش ليه؟
هزت كتفيها بلا مبالاة متعمدة، وقالت بهدوء بينما كانت عيناها تفر من محاولات عينيه الغامضتين والمربكتين لاحتجازها:
- يعني شوية ضغط وحوارات محبتش اشغلك معايا!
- يـــزن؟!
كانت "حكمت" تمسك بأخويها "عبود" و"قاسم" بيديها وهي تخرج بهما من القسم. توقفت بدهشة:
- مش معقولة، انتي كلمتيه يا سيرا؟!
تجهمت ملامح "سيرا" ووجهت عتابها إلى شقيقيها اللذين أخفضا رأسيهما بخجل، وكررت:
- لا هو اللي جه لوحده!
وقف "زيدان" بجانب "يزن"، يميل نحوه ويهمس ببعض الكلمات التي أثارت استنكار الأخير. هز "يزن" رأسه تأكيدًا على ما قاله "زيدان"، في صمت أثار دهشة الجميع.
نطقت "سيرا" أولاً، وقالت بقلق:
- في حاجة يا يزن؟ عبود وقاسم هيحصلهم حاجة؟
حرك "زيدان" رأسه نفيًا وأجاب بنبرة جادة:
- لا خالص، اللي ضربوه اتنازل عن البلاغ، بس بعد كده المفروض يمسكوا نفسهم ويتعاملوا بذكاء عن كده.
ابتسمت "سيرا" ابتسامة غير مصدقة:
- بجد فايق اتنازل؟
ردت "حكمت" بدهشة واستنكار:
- اه شوفتي، ابن فوزية الملوية اتنازل!
قالت "سيرا" بسذاجة وهي توجه حديثها لأختها:
- والله فيه الخير، ده أنا كنت هروح له المستشفى واطلب منه.....
تجهم وجه "قاسم" وقال بنبرة غليظة:
- تروحي فين؟ انتي عارفة الحمار ده كان بيقول عليكي إيه؟
تابع "عبود" بنبرة أشد ظلمة تفوح منها الغيرة على أخته:
- ده عيل مالوش أي لزمة، تلاقيه بيكسب بونطة عندك.
ارتبكت "سيرا" منهما وأمرتهما بالصمت بنظراتها المستعرة بالغضب، خاصة أمام "زيدان" و"يزن"، وخصوصًا "زيدان" الذي رمق "يزن" بنظرة غامضة استعصت عليها فك شفراتها.
بينما ظهر على "يزن" توتر شديد وكأنه يقاوم شيئًا ما داخله.
قالت "حكمت" بحدة وهي تدفع أخويها أمامها:
- يلا يا بيه منك له قدامي عشان نروح نطمن على بابا في المستشفى!
أخيرًا، نطق "يزن" بقلق حقيقي:
- هو عم حسني في المستشفى؟!
هزت "حكمت" رأسها إيجابًا وأخبرته كيف تلقى والدها الخبر عندما رأى عبود وقاسم داخل سيارة الشرطة، فسقط مغشيًا عليه. أوضحت أن صحته تتدهور بشكل ملحوظ، وأنهم جميعًا يشعرون بالخوف عليه.
لكن في نهاية حديثها، اشتدت نبرتها حدة، ووجهت نظراتها الملتهبة نحو "سيرا"، التي كانت تقف متجمدةً تحت وطأة تلك النظرات الفاضحة.
- بابا تعبان خالص يا يزن، ادعي له ربنا يشفيه، احنا خايفين عليه خالص، خالص.
زمت "سيرا" شفتيها ونظرت إلى الأرض محاولة إخفاء مشاعرها المضطربة، فأمرت "حكمت" الجميع بالتحرك:
- يلا يا أستاذ منك له!
تحركت "سيرا" بصمت، متجاهلة "يزن" و"زيدان". كانت تنوي شكر "زيدان" على دعمه لها للمرة التي لم تعد تحصيها، لكنها قررت تأجيل ذلك لوقت آخر.
بينما همس "زيدان" بسخرية:
- امال الباشا مفتحش فيس النهاردة خالص؟!
كان "يزن" يتابع "سيرا" بعينيه، متعجبًا من تصرفها معه. هز رأسه نفيًا، وعقله غارق في التركيز على خطواتها المتسارعة بجانب أخويها وهي تتشاجر معهما.
أخرج "زيدان" هاتفه ووضعه أمام "يزن". الصورة الساخرة التي تتصدر الفيسبوك كانت له وهو يرتدي الجلباب القصير. فأمسك "يزن" الهاتف بقوة، غير مصدق لما يراه.
قال "زيدان" بانزعاج ساخر:
- مين الاكونت الفيك اللي ناشرلك الصورة دي وكنت فين؟ خطيبتك مش طايقك ليه يا يزن؟ احمد ربنا إن سليم لسه.......
لم يكمل حديثه، إذ تحرك "يزن" بسرعة نحو سيارة "صافي"، فتح الباب حيث كانت "سيرا" تجلس بجواره، وطلب من "حكمت" بلباقة:
- ممكن تسمحيلي انتي والحاج صافي اخلي سيرا معايا بس شوية اخلص مشكلة واحد صاحبي، وبعدها اجيبها وآجي ازور الحج حسني في المستشفى!
رد "قاسم" بخشونة:
- طيب ما تخلص حوارك مع صاحبك وتعالى على المستشفى، هتلاقينا موجودين ماتخافش مش هنهرب.
ابتسم "يزن" ابتسامة تخفي وراءها نيران غضبه، وقال بهدوء مريب:
- في حاجة بيني وبينها يا قاسم وعايز اوريهالها في الطريق!
ردت حكمت بحزم:
- وانت مالك يا واد، هو مش بيستأذن من الناس الكبيرة، اه طبعًا يا حبيبي، انزلي يا سيرا مع خطيبك.
تشبثت "سيرا" بالمقعد، لا تود النزول ولا التحرك معه. ارتبك قلبها من نظراته المريبة تلك، تُرى هل علم بما فعلته؟ أم أنه لا يزال غارقًا في نعيم الجهل؟ وما سر حديثه الكاذب الذي تفوه به؟ هل ينصب لها مصيدة ليحتجزها بها؟
ارتبكت كالجرو الصغير، وهمست بارتباك:
- خليها وقت تاني، أنا عايزة اطمن على بابا!
أمسك بذراعها وحركها للنزول بخفة، دون أن يلاحظ أحد، قائلاً بإصرار ونبرة هادئة ظلت ثابتة:
- لا مش هنتأخر متخافيش، يلا عشان منتأخرش اكتر من كده.
تحمست "حكمت"، وقالت بنبرة تتعمد إظهار الحنق:
- خلاص يا سيرا روحي مع خطيبك ماتزعلهوش، سلام.
ثم أمرت "صافي" الصامت، الذي لم يعنه الأمر، بالتحرك، وبالفعل تحرك بالسيارة، تاركًا إياها في قبضة "يزن"، الذي توقعت أن ينقشع عنه ذلك القناع الغامض، ولكنه نظر إليها بلطف مستذئب وهمس بحنان أثار الشك في عقلها:
- تعالي يا حبيبي هنخلص حوار نوح ومراته ونمشي مع بعض.
نظرت إليه مندهشة من أسلوبه، وكادت تعقب على لفظه كلمة "حبيبي" بتلك النعومة التي تغلغلت في صوته الرجولي الجذاب، إلا أنها صمتت، راحت تتخيل كم مرة نطقها؟ ولكم فتاة؟ فبالتأكيد هن في عينيه بحجم حبات اللب السوبر!
سارت معه كالمغيبة، حتى دخلا إلى القسم، كان "زيدان" بانتظارهما أمام إحدى الغرف الكبيرة، متعجبًا من عودة "سيرا" مرة أخرى، ولكن "يزن" سارع بتبرير الأمر:
- هخلص مع يزن ونروح نطمن على باباها، في جديد جوه مع نوح؟؟
هز "زيدان" رأسه نفيًا، وقال بتنهيدة عميقة:
- للأسف لا، لسه متوصلوش لحاجة، البنت اتخطفت على ماكنة صيني مش عليها لوحة، والشارع كله مفيهوش كاميرات إلا كاميرا السوبر الماركت واللي كان بعيد بشوية عن مدخل العمارة والبنت اتخطفت من قدام العمارة، والعيال اللي كانوا راكبين ملثمين!! وال كاميرا جايبهم من ضهرهم.
قال "يزن" بضيق:
- والعمل؟
وضع يده في جيب سرواله، بينما رد "زيدان" بجدية:
- متخافش القسم كله مقلوب عشانه، وأنا عملت اتصالاتي أصلاً بكام واحد في المرور، هنجيب العيال دي، وأنا فهمت نوح إن لو حد اتصل عليه أو على جد البنت يبلغني وأنا هتصرف، هما دقيقتين تلاتة وهيخرجوا بس أنا لازم امشي حالاً عشان شغلي.
تفهم "يزن" وقال بامتنان:
- معلش يا زيزو على طول معطلك...
قاطعه "زيدان" باستياء ساخر من أدبه الذي ظهر فجأة بوجود خطيبته المبجلة:
- قصدك على طول قارفني، ماتعملش نفسك محترم قدام خطيبتك، وماتتصلش عليا تاني، أنا لو اترفدت هيبقى بسببك وبسبب مليكة.
قالها وأشار لـ"سيرا" ملوحًا بالوداع لها، بينما هي حمدت ربها في سرها أنه لم ينطق اسمها وسط سخطه المنصب على "يزن"، الذي كان واقفًا متقبلًا ذلك بصدر رحب وكأنه معتاد على هذا المشهد!
تنهدت بحزن لأمر اختطاف الصغيرة، وقالت بصوت يغلب عليه الحزن الحقيقي:
- كنت سيبني امشي، وانت خليك مع صاحبك، أكيد محتاجك دلوقتي!
مال نحوها وهمس بنفس النبرة المغوية التي أسرت نظراتها المبهوتة:
- وانتي كمان يا حبيبي أكيد محتاجاني.
ضيقت عينيها وكادت تنهره لتفوهه المتعمد بتلك الكلمة، ولكن خروج عدة أشخاص من الغرفة جعلها تصمت وتأخذ خطوة للخلف.
وقف "يزن" في وجه رجل طويل، عريض المنكبين، يحمل وسامة رجولية شرقية، لكن الحزن الطاغي على وجهه كشف لها أنه والد الفتاة المختطفة. بجانبه كانت فتاة تصل إلى كتفيه، تستند عليه بإعياء، وعيونها منتفخة من شدة البكاء، ويدها متكورة بانقباض فوق صدرها المكلوم، وبجانبها رجل يبدو عليه أنه والدها، يمسك بذراعها الآخر.
سمعت "يزن" يقول بنبرة يغلب عليها العجز أمام حزن صديقه:
- ماتقلقش يا نوح ان شاء الله هنلاقيها والعيال دي هتتربى.
تفهم "نوح" مؤازرة صديقه بصمت حزين خيم عليه منذ أن اختطفت ابنته. مال عليه "يزن" وهمس:
- هوصل سيرا عند باباها في المستشفى وهجيلك؟
نظر "نوح" إلى الواقفة خلفه نظرة متعجبة، فبادره "يزن" بحمحمة خشنة:
- خطيبتي.
همس "نوح" أيضًا باستنكار خشن:
- انت خطبت؟!
أغلق "يزن" عينيه كناية عن الإجابة بالإيجاب، ثم قال بسخرية صدمت "نوح":
- خلينا مانركزش في خيبتي ونركز في مصيبتك دلوقتي.
انتبه "نوح" إلى شبه انهيار "يسر"، ومحاولة والدها المستميتة للاهتمام بها، فصوب تركيزه نحوها، ثم استأذن "يزن" وغادر مع عائلة زوجته ومحاميه ومحامي والدها أيضًا.
في تلك اللحظة، صدح صوت "سيرا" من خلفه وهي تقول بضيق وعتاب:
- مكنش له لزوم أبدًا تخليني معاك يا يزن، الموقف كله محرج.
التفت إليها وهو يرمقها بنظرة تحمل تسلية ساخرة تكرهها منه، غمز بعينيه، ثم جرها خلفه عندما قبض على كفها بقوة، مانعًا إياها من أي حركة تهرب من خلالها، فقالت بحنق طفيف وهي تسير خلفه بسرعة:
- اوعى ايدي، انت واخدني على فين؟
- هنكروز شوية بالعربية يا حبيبي؟
تردد في عقلها صوت الفنان "محمد هنيدي" من إحدى المسرحيات الشهيرة، وهو يقول بجديته الساخرة "الكلمة دي بتعصبني.. خلاص".
حقًا، كلمة "حبيبي" تلك تثير استفزازها، وأشياء أخرى لا تود التركيز عليها حاليًا.
دفعها داخل سيارته برفق، فقالت بتعجب مستنكر:
- يعني إيه نكروز مش فاهمة؟
جلس في مقعده، شغل السيارة، ثم انطلق بها:
- هنلف بيها!
صاحت مستنكرة، وقالت بعصبية:
- نلف إيه، أنا أبويا في المستشفى حضرتك، مش واخد بالك!!!
رمقها بنصف عين، وقال بابتسامة واسعة مستفزة:
- لا واخد بالي، اربطي الحزام ولا تحبي اربطهولك.
رفعت أحد حاجبيها وقالت بعناد لاذع:
- مش هربطه يا يزن.
شعرت بزيادة سرعته حتى كادت تصل إلى حد التهور، كان يقود بيد واحدة والأخرى تستند بإريحية على ساقه، فجأة بدأ يحرك السيارة يمينًا ويسارًا بسرعة جنونية، فمالت نحوه بجسدها رغمًا عنها، وتعلقت بذراعه قائلة بصراخ:
- يـزن بتــعــــمل إيـــه؟!!
نظر إليها وهي تتشبث بذراعه، وقال بنبرة ساخرة مالت إلى الجنون:
- هكون بعمل إيه، بنتحر ومالقتش غيرك يشاركني انتحاري!!!
أعاد حركته بسرعة أكبر وبأسلوب أكثر تحكمًا، فأغلقت عينيها بإحكام وأطلقت صراخها علنًا، ومن بين صرخاتها قالت بتوسل:
- يزن، اقف بطني قلبت بجد، انت بتعمل إيه؟
نظر إليها بتسلية وقال بانزعاج مصطنع:
- العربية شكلها بايظة، بتحدف لوحدها.
عقدت حاجبيها بعدم فهم، وفتحت عينيها لتنظر إلى عجلة القيادة التي يتحكم بها بيد واحدة، فقالت بذعر:
- ماهي لازم تحدف ما انت بتسوق بايد واحدة!!
رفع يده فجأة فأصابها الذعر، وقال:
- يعني ماسوقش وهي هتتعدل!!
أمسكت بعجلة القيادة ظنًا منها أنها تستطيع التحكم بالسيارة، ولكنها تحركت بجنون نحو أقصى اليمين، فصرخت بقوة وهتفت بذعر حقيقي:
- هنموت يخربيتك، الحق...
وفي اللحظة الأخيرة، أمسك "يزن" بعجلة القيادة وأعاد مسار السيارة، بينما ظل محافظًا على سرعتها العالية. جاءت سيارة من الخلف، وأطلق سائقها أبواقًا بطريقة معينة، ثم تقدم عدة أمتار عن سيارة "يزن".
تفاجأت "سيرا" بسماع "يزن" وهو يطلق سيلًا من الشتائم البذيئة تحت أنظارها المندهشة، وقال مخاطبًا السائق الآخر:
- انت بتقولي أنا كده يا ابن الـ ******.
صرخت "سيرا" باندهاش واستنكار:
- انت بتعمل إيه يا قليل الأدب؟ احنا اللي غلطانين كنا هنخبطه.
ظهر على ملامح "يزن" خليط من التسلية والجنون، وكأنه يستمتع بكل هذا الفوضى، بينما "سيرا" بدأت تدرك أن ركوبها معه قد يكون مغامرة غير محسوبة العواقب.
فسمعته يقول بغيظ مكتوم:
- ده شتمني بالكلاكس!!
اتسعت عيناها بدهشة وهي تنظر إليه بعدم فهم، غير مستوعبة سوى رغبته الجامحة في الانتقام. سارعت بوضع حزام الأمان وانتظرت أن تمر مناورات "يزن" المجنونة بسيارته السريعة ذات الإمكانيات المخيفة. تشبثت بيدها بمقبض الباب، بينما كانت السيارة تتحرك كالثعبان، تحاصر سيارة الرجل الذي حاول تفادي "يزن" بشتى الطرق.
أعلن الرجل عجزه عندما توقفت سيارة "يزن" فجأة أمامه، وكأنها سد منيع لا مجال لتجاوزه. أبعد "يزن" حزام الأمان عنه، واتخذ قراره بالنزول، فبادرته "سيرا" بصوت متوجس:
- يزن، انت رايح فين يا مجنون، الراجل معملش حاجة؟
أدار رأسه نحوها، ونظر إليها بعينين تلمعان بجنون مكبوت:
- لو خرجتي من باب العربية، هكسر راسك نصين فاهمة...
تجمدت في مكانها، وظهرت علامات الاستهجان على وجهها، فصرخت بغضب:
- أنا مش جارية عندك......
لكن "يزن" لم يُعرها اهتمامًا، أغلق باب سيارته بقوة حتى اهتزت نوافذها، ثم هبط نحو الرجل الذي نزل بدوره، وبدأت المشاجرة بينهما، تراشق الاتهامات والشتائم البذيئة ملأ الأجواء، بينما التفت السيارات من حولهما، محاولين إيقاف هذا الشجار الذي سرعان ما تحول إلى عراك بالأيدي.
راقبت "سيرا" المشهد من خلف الزجاج بخوف حقيقي، بينما كان "يزن" يتحرك كالثور الهائج. اكتشفت فيه جانبًا جديدًا؛ جنونًا قد يتفاقم ويبتلع كل من حوله.
انتهى الشجار بتدخل بعض المارة، وعاد "يزن" إلى سيارته يتنفس بغضب، وجهه عبارة عن كتلة من اللهيب المقتد. التزمت "سيرا" الصمت، بينما أوقف السيارة على جانب الطريق، وصمت ثقيل خيم عليهما، أثار ريبة "سيرا".
فكرت مليًا في الهروب، ولكن صوت أنفاسه العالية شل حركتها، بدا شخصًا آخر، ليس ذاك الذي عرفته في الأيام السابقة، شخصًا لا يُستهان بغضبه وانفعاله.
كسر الصمت بنبرة باردة، لكنها محملة بالتهديد:
- عارفة لو مكنتش اتخانقت معاه ونفست عن غضبي كان هيبقى غضبي ده كله عليكي!
التفتت إليه بحدة:
- عليا!! ماتهددنيش أنا مابخافش.
ضحك ضحكة جافة، وقالت بسخرية ثقيلة:
- اه ماتبصليش أنا مبخافش يا يزن؟!
مال نحوها، عيناه تضيقان بنظرة مشبعة بالاتهام، وملامحه تتصلب وكأنه يُحاصرها بحبل من الشك:
- ليه عملتي كده؟!
تراجعت في مقعدها قليلاً، وكأنها تحاول خلق مسافة أمان بينها وبينه، تظاهرت بالبراءة، ملامحها ترتسم عليها دهشة مصطنعة:
- عملت إيه؟
ازداد تقطيب حاجبيه، وكأن أعصابه مشدودة إلى حد الانفجار:
- ماتتستعبطيش!
عقدت ذراعيها أمام صدرها، محاولة الحفاظ على رباطة جأشها، وردت بعناد:
- هستعبط لما اعرف الاول، لو عندك حاجة قولها!
أغمض عينيه لثانية، وكأنه يحاول جمع شتات غضبه قبل أن ينفجر، ثم فتحهما مجددًا، وأطلق سؤاله بنبرة حادة كالسيف:
- ليه نزلت صورتي كده، قاصدة إيه بالحركة دي؟
لمعت عيناها ببصيص من التحدي، وارتفع حاجباها بدهشة مفتعلة:
- انت زعلت؟! أنا كنت بهزر معاك.
رسمت ابتسامة جانبية على شفتيها، ولكن تلك الابتسامة لم تستطع إخفاء ارتعاشة خفيفة في صوتها.
نظر إليها بعمق، وكأنه يحاول اختراق قناع اللامبالاة الذي ترتديه، قال بنبرة بطيئة، مشبعة بالتهديد:
- انتي جريئة اوي!
تصلبت ملامحها، واستقامت في جلستها، ثم ردت بجرأة مُفتعلة:
- معنديش حاجة اخاف منها!! انت عندك؟
ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، لم تحمل سوى السخرية المرة، زم شفتيه بغيظ مكتوم، وكأنه يُحاول كبح بركان الغضب في داخله، ثم تحدث بصوت خفيض لكنه ينضح بالجدية:
- هتستفادي إيه لما اتريقتي عليا؟
- أنا قولتلك كنت بهزر!!
ولكنه لم يُبدِ أي استجابة، ظل يُحدّق بها، وكأن كل كلمة تقولها تزيد من اشتعال النار في صدره، كان الجو بينهما يزداد توترًا، وكأن كل حرف يُقال يُشعل شرارة جديدة في بركة الوقود التي تفصل بينهما.
فتقلصت ملامحه في سخرية مريرة:
- عارفة خوفك وكدبك ده هعتبره أكبر رد اعتبار ليا، مش هعاقبك ولا هضغط عليكي، كفاية أوي محاولتك لتبيسط الوضع، عشان انتي عارفة كويس إنه مش موضوع بسيط ولو واحد غيري كان رأيه هيبقى غير كده وأبسط حاجة كان نهى اللي بينك وبينه...
- وماله انهي احنا فيها، كل واحد يروح لحاله!
ابتسم ابتسامة خافتة ولكنها تحمل بين طياتها تهديدًا لا يُخطئه القلب:
- مش بمزاجك يا سيرا، وأنا عايز وهكمل!
- انت عايز إيه بالظبط؟
اقترب منها بهدوء يشبه العاصفة قبل أن تشتد:
- عايزك تتبسطي للي جاي، جاهزة.
أعاد تشغيل السيارة، لكن "سيرا" صرخت بانفعال:
- يزن ماتسوقش بسرعة.
ألقى عليها نظرة جانبية تحمل مزيجًا من السخرية واللامبالاة:
- كان ممكن تقوليها بأسلوب أهدأ وأبسط من كده!
تجاهلت حديثه وأمسكت ذراعه، وضعتها بقوة على عجلة القيادة وأمرته بلهجة حازمة:
- سوق بإيدك الاتنين لو سمحت.
رفع حاجبه بدهشة ثم همس بنبرة مثقلة بالتهكم:
- تحبي اطلع رجلي اسوق بيها هي كمان!!
زفرت بغيظ، وعادت إلى مقعدها، تعقد ذراعيها بقوة أمامها، فعاد الصمت يخيم على المكان، لكنه كسره بنبرة آمرة:
- امسحي الصورة ويا ريت الموضوع ده مايتكررش تاني، أنا مبحبش اللي بيتهاون معايا، أنا بضحك اه بهزر، دمي خفيف، بس حرفيًا قلبتي والقبر.
نظرت إليه باندهاش:
- انت مش ملاحظ انك عمال تهددني كتير!!
ابتسم ابتسامة باردة:
- لا أنا بنبهك بس مش أكتر، متستهاونيش بيا يا....
التفتت إليه بزجر طفولي:
- ماتقوليش يا حبيبي دي!!
ضحك بخفة:
- كنت هقول يا سيرا!! بس لو عايزة اقولها عادي خالص معنديش مانع، وعندي حاجات كتير تانية ممكن تبسطك!
تسارعت دقات قلبها، ولاحظت وقوفه أمام المشفى الذي يرقد به والدها، وقبل أن تخرج من السيارة، قالت بتحذير قوي وشرس:
- مش عايزاك تقولي أي حاجة منك، لأني متأكدة إنك قولتها للبنات اللي انت تعرفهم بعدد شعر راسك.
رد عليها بنبرة عميقة تحمل غموضًا:
- ماقولتش لحد يا حبيبي قبل كده، على فكرة!!
اقترب منها ببطء، ينثر جاذبيته الخاطفة في الأجواء المحيطة بهما، فاهتزت وتوترت ملامحها، بينما نبضات قلبها ترتفع بعنف، همس بنبرة رخيمة زعزعت ثباتها:
- ولا استحملت واحدة قبل كده زي ما بستحملك!
- يعني إيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، وتوردت وجنتاها، فهمست بخجل لم تستطع إخفاءه، اقترب منها أكثر، حتى شعرت بأنفاسه تلامس بشرتها:
- يعني ماتتهوريش تاني، وخلينا نستمتع بخطوبتنا!!
داعبت الكلمات طرف لسانها، كانت على وشك أن تُطلقها وتُنهي الأمر برمته، أن تُعلن رغبتها الصريحة في الانفصال، لكن ثقل نظراته المشتعلة وهي تحاصرها، وتلتهم تفاصيلها بعينيه، قيد لسانها وكبل شجاعتها، حاولت إقناع نفسها بتأجيل القرار، متذرعة بأن الوقت غير مناسب، وأن عليها الانتظار حتى يستعيد والدها صحته.
فجأة، انتفضت جسدها الهش على وقع ضربة قوية على زجاج السيارة بجانبها، صرخة مكتومة ترددت في صدرها قبل أن تلتفت بسرعة، فترى "عبود" يُدخل رأسه إلى داخل السيارة بعد أن أنزل "يزن" الزجاج بحركة سريعة.
قال "عبود" بنبرة تتأرجح بين الدهشة والفضول:
- بتقولوا إيه ده كله؟
انعقد جبين "يزن" بغضب مكتوم، وزفر الهواء من بين شفتيه بضيق، ثم همس بصوت خفيض، لكنه مشحون بالغيظ:
- إخواتك دول ولا مخبرين أمن دولة!
جالت عيناه بين وجه "سيرا" الذي اشتعل بلون الخجل، ووجه "عبود" الذي ارتسمت عليه علامات الاستفهام، كان الموقف مشحونًا، وكأن الهواء بينهما قد تشبع بالكهرباء، ينتظر فقط شرارة صغيرة لتشتعل النيران.
حاولت "سيرا" السيطرة على الموقف، فابتسمت بارتباك وقالت:
- مفيش حاجة يا عبود، كنا بنتكلم عادي.
لكن "عبود" لم يُخدع بسهولة، ضيق عينيه بنظرة متفحصة، ثم عاد يُثبت نظره على "يزن" وكأن بينهما حديثًا غير منطوق.
رفع "يزن" حاجبه باستخفاف، ثم قال ببرود جليدي:
- مالك يا عبود، بتبص كده ليه يا حبيبي؟
ابتسم "عبود" ابتسامة صغيرة، لكنها تحمل وراءها ألف معنى، ثم قال:
- ولا حاجة، بس يعني طولتوا أوي هنا... قولت أجي أشوف في إيه.
ارتفعت وتيرة التنفس لدى "سيرا"، شعرت وكأنها عالقة بين فكي كماشة، طرفاها "يزن" بنظراته المشتعلة، و"عبود" بحدسه المتيقظ.
أطلق "يزن" ضحكة قصيرة، لكنها خلت من المرح، وقال:
- كنا بنتكلم عن شوية حاجات شخصية... مش لازم تعرف كل حاجة يا عبود!
رد "عبود" ببرود مماثل:
- لو الحاجة دي تخص أختي، يبقى لازم أعرف.
ساد الصمت لثوانٍ بدت وكأنها دهور، ثم فجأة تحركت "سيرا" بسرعة وفتحت الباب، قائلة:
- يلا يا عبود، نطمن على بابا.
تابعها "عبود" بعينيه وهي تخرج من السيارة، ثم استدار نحو "يزن" وقال بصوت منخفض لكنه مثقل بالتحذير:
- خليك فاكر إن سيرا مش لوحدها، ولو لمحت حاجة غلط، هتعرف إن أنا وقاسم مش مجرد مخبرين... إحنا بنعرف ناخد حقنا كويس أوي لو حد جه على أختي!
لم ينتظر الرد، أغلق الباب بخفة، وتبع "سيرا" إلى داخل المستشفى. ظل "يزن" في مكانه، يراقب ابتعادهم من خلال الزجاج الأمامي للسيارة، عض على شفتيه، حتى كاد طعم الدماء يتسلل إلى فمه، اشتعلت في عينيه نار خفية، وكأنها تتوعد بما هو قادم.
كانت المعركة قد بدأت، لكن ساحة الحرب لم تتضح معالمها بعد ومن هم أطرافها!!
بعد مرور عدة ساعات..
في منزل والد يسر...
جلس نوح بالخارج، يضع كلتا يديه فوق رأسه، غارقًا في بحرٍ من الهموم، فيما تسرب العجز إلى أوصاله. تلاحقت في ذهنه صورٌ مظلمة، يتخيل صغيرته الرقيقة "لينا" في قبضة أشخاص غرباء، قلوبهم خالية من الرحمة، وأفكاره تشتعل بمشاهد التعذيب والترهيب التي قد تواجهها، بل راح عقله يجرفه إلى ما هو أبعد، إلى أشد الزوايا ظلمةً وإيلامًا.
دون أن يدرك، دفع المقعد الخشبي أمامه بمقدمة ساقه، فانقلب على الأرض مُحدثًا صوتًا مكتومًا، كادت دمعة أن تخونه، أن تنزلق فوق وجنته، لكنه مسحها سريعًا عندما اقتربت منه والدة يسر، قائلة بأسف:
- معلش يابني، أنا السبب....
رفع نوح عينيه الحمراوين إليها، قاطعًا كلماتها بصوت مبحوح يحمل أثقالًا من الانفعالات المكتومة:
- ما تقوليش حاجة يا حجة أمل، ده كان مكتوب...
جلست أمامه، تضع يدها أسفل ذقنها بحزن، عيناها معلقتان بالساعة المعلقة على الحائط، وكأن عقاربها تخطو فوق جمرٍ، تتمنى أن يُسرع الوقت، أن تعود صغيرة العائلة إلى دفء أحضانهم.
فجأة، اخترق صراخ يسر جدران الغرفة، ليُدرك نوح أن انهيارها قد اقترب مجددًا، ولا يعلم كم مرة انهارت في هذا اليوم وحده!
اندفع إلى داخل الغرفة، تحركه غريزته الحامية، ورغبته الجامحة في مساندتها، أغلق الباب خلفه دون وعي، واقترب من فراشها حيث كانت تبكي بصوتٍ عالٍ. تمتمت ببعض الكلمات الخافتة المتداخلة، لم يستطع تمييز شيء منها سوى اسم ابنتهما "لينا".
اقترب منها بحنان، مد يده ليربت على خصلات شعرها، يعيد ترتيبها إلى الخلف وهو يحتضنها أسفل ذراعه:
- اهدي يا يسر، اهدي وحاولي تمسكي أعصابك، عشان البيبي!
لكن... أي طفل يتحدث عنه؟ ذلك الصغير الذي يسكن أحشائها دون أن تشعر به، أهو حي أم لا؟ فالأحزان والمشاكل التي عاشتها في الأيام السابقة أنستها تمامًا أنها حامل! لم تكن تهتم بصحتها، ولم تشعر بأي من أعراض الحمل المعتادة، إلى هذا الحد تناست وتجاوزت مفاجأة حملها، لم تفكر به ولم تشعر بوجوده، حتى أنها لا تعرف في أي شهرٍ هي!
شعرت بيده تلامس بطنها، كان بارزًا قليلاً... أو ربما هكذا خُيل لها، أم أن ضعفها الشديد جعلها لا تُدرك أن هناك حياةً صغيرة تنمو داخل أحشائها؟
- يسر.
رفعت عينيها إليه، مزيج من الذعر والتوجس يكسو ملامحها، همست بصوتٍ متحشرج:
- هو أنا مش هشوفها تاني؟!
أغمض نوح عينيه بقوة، وكأنّه يُصارع وحشًا شرسًا يُحاول اقتلاع كل شيء حوله، لمجرد تخيّله فكرة عدم رؤية "لينا" مجددًا!
- لا طبعًا هترجع، أنا مش هسكت، وهنزل على النت حالاً مكافأة بمبلغ كبير لأي حد شافها أو يدلني على مكانها.
تمتمت بتفكيرٍ مشوش:
- مش ممكن الناس تستغلك ومحدش يكون شافها؟
ردّ نوح بثقة، وعزيمة لا تلين:
- أنا اعمل أي حاجة في سبيل إن بنتي تبقى في حضني تاني، حتى لو بعت اللي ورايا واللي قدامي!
عادت بنظرها إلى السقف، تغرق في شرودها، ثم التفتت إليه بتفكير، تبحث عن أي خيط يقودهم إلى صغيرتهم:
- نوح هو انت ليك أعداء؟
هز رأسه نفيًا، ويداه لا تزالان فوق بطنها، وكأنه يستمد الأمان من ذلك الصغير الذي لا يعي شيئًا، ربما لم يتكون بعد داخل أحشاء:
- لا، ماليش وفي حالي وانتي عارفة كده كويس!!
ترددت قبل أن تُلقي بما يعتمر داخلها، همست بحذر:
- مش...مش ممكن تكون واحدة عايزة تنتقم منك ..
نظر إليها نظرة معاتبة، وكأنها تُلقي كرة الاتهام في ملعبه، رغم أنه لم يُخطئ:
- لما اكون بعشم حد يا يسر، بس أنا قولتلك وبقولهالك المرة الألف أنا معنديش استعداد أبدًا اغضب ربنا، لو عايز حاجة بعملها في النور وعلنًا.
رن هاتفه فجأة، ارتجف قلبه، كان اتصالاً من رقم مجهول، أجاب فورًا واللهفة تحرق صوته، جاءه صوت رجولي متحشرج، بدا وكأنه يُغيّر نبرته عمدًا:
- دكتور نوح؟
- أيوه.
- طيب، بنتك أمانة عندنا، عايزاها تدفع خمسة مليون جنية، مش عايزاها تجار الأعضاء كتير ومحتاجين جثة صغيرة يلعبوا بيها.
شعر نوح وكأن قلبه توقف، وأنفاسه تتسارع كأنها تتسابق مع عقارب الساعة، بين الرجاء والخوف، بين الأمل واليأس، وقف الزمن عند تلك الكلمات التي حطمت ما تبقى من روحه.
رواية غناء الروح الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم زيزي محمد
آلام مميتة تستوطن عقله وهو يفكر مليًا في إيجاد حل للوصول إلى ابنته، حتى الشرطة لم تنجح في العثور عليها.
انتظر بلهفة اتصال الخاطف كي يُخبره بموافقته، مستعدًا لإعطائه المبلغ الذي يطلبه بعد أن قرر بيع شقتين من ممتلكاته وسحب جميع أمواله من البنك.
لم يكن المال يعني له شيئًا؛ الأهم هو عودة ابنته سالمة، حتى لو تضاعف المبلغ وعاد هو إلى نقطة الصفر من جديد، لن يهمه كل ذلك أمام نظرة ابنته إليه وصوتها الناعم وهي تخبره كم تحبه.
انزلقت دمعة حارقة من عينيه الذابلتين، بعد أن كره شعور العجز الذي فرض عليه حصاره، وكأن أمر الإفراج عنها أصبح مستحيلًا.
مر يومان قضاهما في الشوارع والطرقات، يتنقل بسيارته هنا وهناك، يستنجد بأي شخص قد يساعده في الوصول إلى ابنته، ثم يعود أدراجه إلى منزل والد "يسر" ليطمئن عليها، بعد أن أصابها انهيار عصبي وأصبحت المهدئات والإبر الوسيلة الوحيدة لتهدئتها.
حاول والد "يسر" كثيرًا مساعدته ودفع نصف المبلغ، إلا أنه رفض رفضًا قاطعًا وأصر على موقفه، لكنه لن ينسى أبدًا محاولته وإلحاحه على المساعدة، على عكس عائلته التي تعاملت مع أمر خطف ابنته وكأنه شيء عادي، اكتفوا فقط بالاتصالات كالغرباء، ولم يتحرك أحد منهم لمساعدته، فشعر بوحدة شديدة تحاصره وكأن كأس الخذلان لا ينتهي.
فرك جبينه بقوة نتيجة للإرهاق الذي يشعر به، فوقف وقال بنبرة منهكة وهو ينظر إلى غرفة "يسر" بحيرة:
"أنا مضطر اروح البيت اغير هدومي، لو حصل حاجة بلغوني."
أومأ الحاج "فاضل" بإيماءة بسيطة، وقال بصوت واهن حزين:
"روح وبردو لو حد كلمك بلغنا."
حرك رأسه إيجابًا وغادر إلى منزله، وأثناء قيادته، وصلته العديد من الرسائل المرسلة من قبل أهله وبعض المعارف، لكنه لم يهتم، حتى باتصالات والدته المتكررة، لم تكن لديه طاقة كافية لتحمل برودهم الجليدي في مصيبته، وهو في محنهم يقف كالسد المنيع.
وصل بعد عدة دقائق إلى بنايته، وتعجب من وجود "حسناء" تقف أسفل البناية تتحدث مع حارسها، أغلق سيارته واقترب منها وهو يقول بقلق:
"حسناء بتعملي إيه هنا؟"
التفتت إليه، والقلق واللهفة يمتزجان في ملامح وجهها، لتنسج لوحة معبرة عن مشاعرها المتضاربة:
"دكتور نوح، أخيرًا ظهرت."
ابتعدا عن الحارس الذي بدا عليه الفضول، إلا أن نوح قطع عليه مهمة التنصت وسار بعيدًا، ليقف أمام سيارته، هناك، تحدثت حسناء بصوت حزين، استطاعت بحرفية متقنة أن ترسم إماراته على وجهها:
"ان شاء الله ترجعلك، والله يا دكتور انت واجع قلبي اوي، وليل ونهار بفكر فيك، واتصلت كتير بس انت ماردتش عليا، فقلقتني اكتر، وكنت باجي هنا كل يوم أسال البواب عليك رجعت ولا لا."
كانت تدرك جيدًا أنه لن يُلقي بالًا لما تُخفيه كلماتها بين السطور، وسط دوامة مصيبته الكبرى، لكنها لن تفوت فرصة إظهار وقوفها بجانبه، وإبراز رغبتها الصادقة في مساعدته.
أجابها نوح بصوت خافت، وقد أثقلته الهموم:
"مكنتيش تتعبي نفسك، أنا كنت هرد عليكي، بس لما أكون قادر اتكلم."
رمشت بأهدابها، وسألته بنعومة، ونغمات الشجن تتسلل إلى صوتها:
"لسه بردو مش عارفين توصلوا لحاجة؟"
أومأ برأسه بحزن، وبدأ يروي لها ما حدث في اليومين الماضيين، لم يفهم لماذا شعر برغبة في الحديث معها تحديدًا، ربما لأن زوجته، شريكته في المصيبة، كانت غارقة في انهيار نفسي يفقدها التركيز، وربما لشعوره بوحدة قاتلة، رغم وجود يزن ودعمه المتواصل، أو ربما لأنه كان يفتقد حنانًا من نوع خاص، ذلك الحنان الذي كان يرجوه من والدته أو شقيقاته.
كل ما كان يعرفه أنه شعر براحة غريبة وهو يُفرج عن سجون صمته.
"يالهوي تجارة أعضاء إيه!! لا لا لا ان شاء الله لينا ترجعلنا بخير، والشرطة تعرف تجيبهم."
همس بضعف، وقد خفض وجهه إلى الأرض:
"ياريت، أنا عندي استعداد أعمل أي حاجة في سبيل إن انقذ بنتي."
ساد الصمت بينهما لفترة قصيرة، قبل أن تقطعه هي بنبرة مترددة، وعيناها تتفحصان وجه نوح الذي يموج بأمواج الحزن العاتية:
"أنا عندي فكرة بس مش عارفة انت هتوافق ولا لا؟!"
رفع بصره نحوها، يتعلق بأي أمل، حتى وإن كان واهيًا:
"فكرة إيه؟"
مدت يدها بجرأة، تمسك بكفه، وكأنها تحاول أن تأسره بأساليبها الملتوية لتجذب كل انتباهه إليها، شعرت أنه بات يلمس مدى خوفها عليه وعلى مستقبل ابنته.
"اوعدني الاول إنك تفكر ومتأذيش خالي!"
أومأ برأسه إيجابًا، وقال بلهفة:
"اوعدك بس قولي."
تنفست بعمق قبل أن تبوح:
"خالي كان زمان له في المشاكل وكده، يعني...من الآخر كان صايع وعارف ناس كتير مجرمين، بس هو اعتزل وتاب الحمد لله، ممكن بقى يساعدك في محنتك عن طريق حبايبه ويقدروا ان شاء الله يوصلوا لبنتك."
توقفت للحظة قبل أن تستطرد:
"بس لو وافقت هتضطر تمشي غير قانوني، والشرطة ماتعرفش عشان خالي ميدخلش في سين وجيم، حابب أنا معاك واخدمك برموش عنيا، مش حابب ولا كأنك سمعت مني حاجة، كل القصد بحاول اساعدك عشان انت حد غالي عليا اوي."
ابتسم نوح ابتسامة باهتة، وقال دون تردد:
"موافق طبعًا، وماتقلقيش مش هتكلم وده وعد، لو بنتي رجعت أنا هعملك أي حاجة انتي عايزاها، يلا بينا."
ذهب نوح برفقة حسناء إلى منطقة شعبية تعج بالحياة والصخب، حيث المنازل المتراصة والطرق الضيقة التي تكاد لا تتسع لسيارة واحدة، أشارت حسناء إلى منزلٍ شبه متهالك بنبرة خجولة، تحمل في طياتها مزيجًا من الحرج والتردد:
"ده بيتي يا دكتور طبعًا مش قد المقام."
أمال نوح رأسه نافيًا بكلمات تحمل الصدق والبساطة:
"ماتقوليش كده، أنا يعني ماتولدتش في بُقي معلقة دهب."
دخلا معًا إلى المنزل، وما إن وطأت أقدامهما عتبة الشقة حتى أبصر نوح سيدةً تخرج مسرعة، تضم إلى صدرها شيئًا صغيرًا، تتمتم بعبارات غامضة، وكأنها تهمس بأسرار لا يُفترض لأحد سماعها.
ارتبكت حسناء، وقالت بحرج بادٍ على ملامحها:
"دي صاحبة امي وجارتنا اتفضل."
تقدمت حسناء بخطوات مترددة، منادية والدتها بصوت حاولت أن تجعله طبيعيًا:
"ماما أنا معايا دكتور نوح."
خرجت من إحدى الغرف سيدة قصيرة القامة، تضع وشاحًا أسود شفافًا على رأسها، وقد كحلت عينيها بإتقان يُخفي وراءه دهاءً غير ظاهر، زينت أنفها بحلقة فضية، وعلى ذقنها وشم صغير أعطاها هيئة غريبة.
لكن ما أزعج نوح حقًا لم يكن مظهرها فحسب، بل الدخان الكثيف الذي ملأ المكان، وبرائحته النفاذة التي ضربت أنفه كالسهم، جعلته يسعل بشدة، محاولًا التقاط أنفاسه التي خانته تحت وطأة الحساسية التي يعاني منها.
قالت الأم بضيق، وهي تنظر إلى ابنتها بعينين لامعاتين بشيء من التوبيخ:
"يا خبر مالك يا دكتور؟"
خرج صوت نوح متحشرجًا، وقد بدا عليه الإعياء:
"مفيش عندي حساسية صدر ومابقدرش استحمل الدخان والبخور."
ركضت حسناء نحو النوافذ، فتحتها على عجل، لتتيح للهواء النقي اختراق المكان، معتذرة بخجل:
"اسفة يا دكتور، امي أصلها بتعشق البخور قد عنيها."
ثم اقتربت من والدتها، وهمست بلهجة تحمل في طياتها تحذيرًا واضحًا:
"ماشي يا ماما، ده أنا منبه عليكي، بلاش شعوذة النهاردة."
تأففت الأم باستياء وهمست بصوت خافت:
"دلوقتي بلاش شعوذة!!، ما الشعوذة دي اللي جابته هنا."
رغم أن نوح انتبه لهمسهما، إلا أنها تداركت الأمر سريعًا، وابتسمت له بابتسامة متكلفة، مرحبة بنبرة تحمل زيف الحفاوة:
"يا أهلاً بالباشا نورت المنطقة تمًا."
"اتفضل يا دكتور في الصالون وهتصل على خالي يجي حالاً."
جلس نوح في أقرب مقعد، ورأسه مثقل بالهموم والأفكار المتشابكة، كان عقله يترنح بين الشك واليقين، بين الصواب والخطأ، يعلم جيدًا أن الطريق الذي يسلكه ليس بالأكثر استقامة، لكنه كان مستعدًا للمضي فيه حتى النهاية من أجل ابنته المخطوفة.
حاولت الأم التحدث إليه، لكن إجاباته كانت مقتضبة، تحمل برودًا ناتجًا عن الإرهاق والتفكير المضني، أما حسناء فقد انزوت في المطبخ، تعد الشاي، ويدها تتسلل إلى زجاجة صغيرة، تسكب منها بضع قطرات في الكوب المخصص لنوح، وحولها تحوم نوايا غامضة.
في هذه الأثناء، دلف إلى المنزل خال حسناء، رجل يدعى مرسي، بصوت جهوري يملأ المكان:
"بت يا حسناء أنا جيت."
حين وقع بصره على نوح بثيابه الأنيقة وملامحه المتعبة، حك حنجرته بخشونة قائلاً:
"أهلا يا بيه، معلش يعني أنا متعود ادخل بيت اختي كده."
مد نوح يده لمصافحته، قائلاً بجدية تفوق قدرته على التركيز:
"أنا نوح وبنتي...."
قاطعه مرسي بلا تردد، وكأن الحديث عن المصائب جزء من يومياته:
"المخطوفة لامؤاخذة، البت حسناء قالتلي كل حاجة على التليفون...."
في تلك اللحظة، خرجت حسناء من المطبخ، تحمل صينية فضية واسعة، عليها أكواب الشاي، وضعتها أمامهم، وما إن مد مرسي يده لالتقاط كوب حتى هتفت بحزم:
"دي بتاعت دكتور نوح يا خالي."
تراجع مرسي على مضض، بينما تحولت نبرة حسناء إلى رقة مبالغ فيها:
"اتفضل يا دكتور، الشاي هيظبطك، وبعدين نحكي لخالي كل حاجة بالتفاصيل ونشوف هيقدر يساعدك ازاي."
التقط نوح الكوب، ورشف منه رغم أنه لم يكن يرغب بشيء سوى الإسراع في الحديث عن ابنته، شرب الشاي وهو يسرد لمرسي تفاصيل الخطف والفدية المطلوبة، لكن مرسي اعترض بنبرة خشنة، وكلماته أشبه بسكين تقطع الهواء:
"يا ولاد الـ*** خمسة مليون مرة واحدة.!!! والله يا بيه أنا بطلت المهنة الـ**** دي من زمان، اه يعني عندي عيالي عايز اربيهم وكل شوية داخل السجن لامؤاخذة، بس أخر مرة حلفت ما أنا داخل في حوارات عوء تاني لامؤاخذة، بس عشان خاطر البت حسناء أم ***** أنا موافق وهساعدك وهجبلك قرار العيال دي ولاد الـ**** لامؤاخذة."
كانت حسناء تنظر إليه بحنق، غير قادرة على إخفاء ضيقها من فظاظته، فسألته بنبرة مشوبة بالقلق:
"يعني هتعمل إيه يا خالي؟ طمن الدكتور."
رفع مرسي حاجبيه بتفاخر وقال:
"يا بت أنا اه سيبت المهنة بس ألف واحد يتمنى يخدمني، وكار الخطف ده لامؤاخذة أنا عارفه كله بس الموضوع عايز يوم او اتنين اسأل واشوفلك البت عند كام واحد."
"تمام أنا معاك يا حاج مرسي...."
حاول نوح الرد، لكن جفونه أصبحت أثقل من أن ترفع، وصوته خفت حتى تلاشى، في لحظات قليلة، سقط في نوم عميق، كأنما خدرته يد خفية.
"حاج!!! يسمع منك بوقك ربنا، أنا قايم لامؤاخذة القعدة شكلها ناشفة، سلام يا حسناء سلام يا اختي، اشتاتًا اشتوت."
غادر مرسي بصوته الجهور وطوله الفارع، بينما التفتت الأم إلى ابنتها بانزعاج:
"وهتستفادي إيه من كده يا موكوسة؟"
مسدت يسر على شعر نوح، وعيناها تلمعان بوميض شيطاني:
"كتير... كتير اوي وهتعرفي لما تليفون يرن."
تحركت الأم عائدة إلى غرفتها المشبعة بالدخان والأسرار، لكن يسر أوقفتها بنبرة حادة:
"حذري أخوكي لو مالمش لسانه وبطل شتايم فيا همرمطه قدام التخين!"
توقفت الأم عند الباب، نظرتها تحمل تحديًا عتيقًا:
"ده بدل ما تحمدي ربنا على أنه يوافق يساعدك، وبعدين احنا عيلة لسانا لامؤاخذة زفر وبيحب الشتيمة! يلا اصلهم بينادوني."
غابت الأم خلف الستائر الثقيلة، بينما جلست حسناء قرب نوح النائم، تتربص بتلك اللحظة التي ستغير بها حياتها إلى الأبد.
حاول يزن التقرب من سيرا طوال فترة وجودهما في المستشفى بجانب والدها، إلا أنها تهربت منه، منشغلة بعائلتها التي كانت تعم الرواق بحضورها الصاخب، حتى بدأ الأطباء والممرضون يتذمرون من تلك الضوضاء، لكن لا حياة لمن تنادي.
جلس يزن في المنتصف بين الأخوين "عبود" و"قاسم"، وكأنه أسير لا يقوى حتى على النظر إلى سيرا، بانتظار أن يُفرج عنه من هذا الموقف المربك، ولم تلبث لحظة القرار أن حُسمت، عندما لمحوا "فايق" يسير في الرواق بوجهٍ يحمل علامات استنفار، ممزوجة بسخرية مبطنة.
حينها، كان يزن أول المندفعين، يسارع لحماية سيرا، مانعًا إياها من التقدم، فيما تراجعت الأخيرة خطوتين إلى الخلف، تراقب المشهد السينمائي، وقد تجمعت عائلتها بأكملها لتقف حاجزًا بشريًا في وجه فايق، الذي قال بنبرة ساخرة:
"في إيه يا جماعة اهدوا، أنا مش جاي اتخانق ولا اعمل مشاكل، ده أنا جاي لأجل عيون سيرا."
رد يزن، بنبرة خشنة ووجه تتوهج منه علامات الغضب، ممسكًا بتلابيب قميص فايق ويدفعه بعنف نحو الحائط:
"نعم يا روح أمك....."
للمرة الثانية، يظهر الجانب المخيف من يزن؛ ذاك الذي لا يستطيع كبح جماح انفعالاته، بدا كوحش متهور، وانهال على فايق بسيلٍ من الشتائم القذرة، فيما وقف الحاضرون في صمت، بعضهم يستمتع بالمشهد ويشمت في فايق، والبعض الآخر يخشى تصاعد الأحداث نحو الأسوأ، أما هي "سيرا" فتأرجحت بين وهج السعادة لغيرته الواضحة عليها، وخوفها من انحدار الموقف إلى هاوية لا تُحمد عقباها.
قال فايق ساخرًا، كمن يصب الزيت على النار:
"اهدى يا شجيع السيما ولا هو أي لقطة وخلاص!!"
رد يزن بحدة ونبرة صلبة تقطر احتقارًا:
"تعرف يالا عبود وقاسم غلطوا لما سابوك فيك نفس، المفروض اللي زيك يتقطع نفسه من الدنيا!! ده أنا مشوفتش في بجاحتك!"
تدخل الحاج صافي، محاولًا احتواء الموقف بهدوئه المعهود، الذي بدا مستفزًا لحكمت التي كانت تتمنى لو يتفاقم الوضع أكثر، ليُشبَع فايق ضربًا من يزن، الذي لن يناله أي عقاب، فهي ترى في شقيقه الضابط رئيس جمهورية، لا يُمس ولا يُعاب!
قال الحاج صافي بنبرة هادئة:
"يا جماعة اهدوا مينفعش كده، الحاج جوه تعبان ولو وصلوا الخبر هيتعب أكتر."
عدل فايق من سترته، متجاهلًا توتر الموقف، وقال بهدوء وهو يثبت نظره على سيرا التي تراجعت أكثر خلف يزن، متوارية عن الأنظار:
"اللي خلاني اتنازل عن المحضر رغم إن عبود وقاسم كانوا هيتأذوا جامد فيها هو الحج حسني لما عرفت إنه هو وقع واهل المنطقة كانوا بيقولوا إنه مات."
شهقت حكمت بعنف، وهي تصيح بصوتٍ عالٍ أزعج الحاضرين:
"ان شالله أنت وأمك وأهلك كلهم يا بارد ياللي معندكش بربع جنية كرامة يا اللي...."
قاطعتها كريمة برجاء حار وهي تحاول تهدئتها:
"اهدي يا أبلة أبوس ايدك، اهدي ميستاهلش تتعصبي أصلاً، ده ولا حاجة."
رفع فايق أحد حاجبيه متصنعًا الدهشة، وراح يُمرر كلماته السامة بين الجميع، حتى وصلت لعقل سيرا كصاعقة كهربية، جعلتها تتجمد في مكانها، مشدوهة لا تقوى على الحركة:
"حقيقي أنتوا خسارة فيكم المعروف، بس أنا لسه عند كلمتي واللي عملته ده كله عشان خاطرها، أنا متأكد إنها غيركم وإنكوا غصبتوها على الجوازة دي، اللي بينا مكنش مجرد حكاية بسيطة عشان اصدقكم وأكدبها."
ثبت يزن في مكانه، لم يتحرك، ولم يلتفت إلى سيرا، على عكس عائلتها التي انقلبت جميعها تنظر إليها بصدمة وشك قاتل، وفي الحقيقة، لم يتمن فايق شيئًا بقدر ما تمنى أن يفقد يزن هدوءه، وأن تتزعزع ثقته بها، وقد نجح بالفعل في زرع الشك في قلوب عائلتها، لكنه لم يتمكن من خلخلة ثقة يزن، الذي بدا أكثر ثباتًا.
أما هي، فقد كان رد فعلها مشلولًا؛ تشابكت حبال الصدمة حول لسانها، ومنعت عقلها من نطق كلمة، وكان صمتها في نظر الجميع اعترافًا، باستثناء يزن، فهو وحده كان يعلم أنها تعاني من بطء في ردود الأفعال، وقد أدرك ذلك من خلال تعامله الدقيق معها، كانت له قدرة خارقة على قراءة نقاط ضعف وقوة كل فتاة، حتى بات مَلكًا في تفسير أدق مكنوناتها.
أدرك يزن أنها تحاول الانفصال عنه بشتى الطرق، لكنه كان واثقًا أن "تلك الحشرة" كما أسماه في داخله لن تكون سبب الفراق، السبب في نظره أعمق وأقوى، وهو عازم على كشفه ومحو آثاره بطريقته الخاصة وخلطته السرية، ثم كسب إعجابها... أو ربما حبها، لم يقرر بعد، لكنه في كل الأحوال ينوي الانسحاب لاحقًا من قصرها، فغروره كشاب وسيم قادر على كسب قلوب الفتيات بغمزة، يدفعه لأن يحظى بحب هذه الأميرة المغرورة!
قال قاسم فجأة، بصوتٍ عالٍ كسر الصمت:
"سيرا الكلام ده بجد؟"
كانت كلماته أشبه بصفعة، لكنها لم ترد، فقط دموعها تساقطت متتابعة، وقبل أن تنطق، قاطعها يزن بكلماته الحادة:
"قاسم، متديش ودانك لعيل سماوي زي ده، هو باين كده أنت وعبود علمتوا عليه جامد لدرجة إنه جاي يقول أي كلام لامؤاخذة كلام....."
ثم اقترب من فايق، وهمس له ببرود ناري:
"كلام نسوان فاضية !!"
ابتلع فايق إهانته وهو يتصنع الابتسام، بينما الغليان ينهش داخله، والكدمات التي تركها عبود وقاسم على وجهه بدت وكأنها تزدهر، تفضح خيبته بينما انسحب من حيث أتى، مكتفيًا بنظرة ساخرة متوعدة، قال على إثرها:
"أنا عارف إن الصدمة تعمل أكتر من كده، الف سلامة على الحاج."
وما إن اختفى فايق عن الرواق حتى التفت يزن إلى "سيرا"، يوجه حديثه للجميع بابتسامة مهذبة، توارت خلفها نبرة حاسمة:
"أنا هروح سيرا عشان شكلها تعبت، حد عايز يروح يا جماعة وجودكم هنا مالوش أي لزمة، بالعكس المستشفى ممكن تعاند وتمنع الزيارة عن الحج."
كان يتحدث بأريحية شديدة، جعلت الحضور يلوذون بالصمت، وكأن كلماته أصابت في مقتل، أما سيرا فكان وقوفها بجانبه، وكأنها تعلن بصمتها موافقتها التامة على حديثه، بل وتؤكد حاجتها الماسة للابتعاد عن دائرة الشكوك التي أحاطت بها، مما قطع الطريق على أي جدال.
قال قاسم بخشونة، محاولًا الاحتفاظ ببعض الهيبة وسط هذا الصمت المفروض:
"احنا هنروح بطريقتنا، خد بعضك انت و..."
لكن حكمت التي كانت حتى تلك اللحظة تراقب بصمت، ألقت بحقيبتها فوق رأسه فجأة، ثم انفجرت فيه بعنف طفيف، يحمل بين طياته قهرًا وغضبًا:
"اسكت انت يا قليل الأدب، ده أنا هربيك وهاعلمك الأدب، بتشك في أختك، عشان كلمتين من عيل زي ده."
تأوه قاسم، مستندًا إلى عبود الذي سرعان ما تراجع خوفًا من رد فعل "أبلة حكمت" العنيف:
"اه يا أبلة حاسبي، كنتي هتفتحي دماغي وأنا ورايا ماتش مهم."
التفتت حكمت إلى شقيقاتها الفتيات، تشير إليهن بنظرة آمرة:
"لما تروحوا تلموا كل أطقم الكرة والشرابات والكور كمان عشان اولعها فيهم، عشان السافل اللي لسه شنبه مخططش في وشه يشك في أخته."
قالت فريال محاولة تهدئة الموقف بصوت متردد:
"خلاص يا أبلة حكمت، صلي على النبي واهدي، قاسم مكنش يقصد."
لكن صافي، بطبيعته الهادئة، تدخل مجددًا، محاولًا تهدئة العاصفة:
"يعني يا حكمت، الموضوع ما يستاهلش..."
إلا أن تدخله، على غير المتوقع أثار استياء حكمت التي مالت نحوه قائلة بسخط حقيقي:
"يا أخويا التلاجة اللي نزلت عليك دي كام قدم لامؤاخذة، ولا أنت بتاخد مهدئات يا صافي، ما هو يا شكلك كده يا تجلطني يا تجلطني."
رفع صافي حاجبه مندهشًا من هجومها، لكنه آثر الصمت، مكتفيًا بضربة كف على كف، في استسلام هادئ، ثم ارتفعت نبرة حكمت مرة أخرى آمرة، لا تقبل نقاشًا:
"طول ما بابا في المستشفى الكلمة كلمتي والرأي رأيي، وكلكوا تسمعوا كلامي، ومش عايزة أي اعتراض...."
ثم التفتت إلى سيرا، بابتسامة حنونة:
"روحي مع خطيبك يلا، واحنا جايين وراكي."
رفعت حاجبها بحدة، نظرة واحدة منها كانت كفيلة بإسكات الجميع، أما سيرا فاقتربت منها، تحدثها بصوت خفيض، والدموع تتجمع في مقلتيها من جديد:
"هو أنتي فعلا مش شاكة فيا زيهم، ولا بتعملي كده عشان عايزاني اقرب من يزن."
هزت حكمت رأسها بنبرة مزيج من الصدق والواقعية:
"لا طبعًا يا بت أنا أشك فيكي، ما الموضوع كله على يدي، بس أنا كان ليا عتاب عليكي هقوله بعدين، يلا روحي مع خطيبك."
توقفت سيرا وسألتها بفضول حزين:
"عتاب إيه؟!"
أجابت حكمت بنبرة ساخرة:
"ممسكتيش جذمتك ليه ونزلتي فوق راسه ضرب؟!، يا بت أنا مش متعودة عليكي ضعيفة كده."
نظرت سيرا إلى غرفة والدها بوجع لا تخطئه العين، ففهمت حكمت على الفور سر صمتها، وسكنت في قلبها غصة من خوف لم تعترف به، فهي الأكثر فهمًا لجموح شخصية سيرا، لكن الحزن هذه المرة كان أقوى من طبعها العنيد.
تركتهم سيرا وسارت بجانب يزن في صمتٍ ثقيل، تسير بخطوات مترددة، لا تدري ما تفعل، هل تشكره على موقفه النبيل، أم تواصل صمتها؟ لكن حبل الصمت انقطع حين فتح يزن باب سيارته لها، فأخفضت صوتها وهمست بحزن:
"شكرًا.."
جلست داخل السيارة تحتضن حقيبتها إلى صدرها، في وضعية دفاعية، كأنها تستمد منها دفئًا مفقودًا، لاحظ يزن الأمر، فأشار إليها بغمزة مازحة:
"هي الشنطة دي فيها حاجة مهمة اوي كده."
نظرت إليه بعدم فهم، لكنه استمر بنظرته إلى الحقيبة، ثم سألها برفق:
"مالك يا سيرا؟!"
وفجأة انهارت، انفجرت باكية كأنها كانت تقاوم سيلًا جارفًا من الألم، بكاءً يشق القلب، شهقات متتالية وكأن أحدًا يجثم على صدرها ويمنع عنها الهواء،
ارتبك يزن لكنه أخفى قلقه وراء قناعه المعتاد من السخرية:
"شوفي أنا مشكتش في كلامه، بس هتخليني أشك بعياطك ده!!"
رفعت وجهها إليه، كأنها طفلة تتوسل الحنان، بصوت مبحوح:
"شكرًا يا يزن، أنا متوقعتش إنك تكون نبيل وشهم كده."
ارتسمت على وجهه ملامح الصدمة، ثم ضحك رغمًا عنه، قائلاً:
"ده مدح ولا ذم؟! أنتي عايزة أيه؟!"
أدارت وجهها عنه بإحراج، ثم تمتمت:
"عايزة أروح!!"
اتسعت عينيه بدهشة، وقال مستنكرًا:
"بتهربي زي العيال الصغيرة يعني؟!"
مسحت دموعها سريعًا، تحاول التماسك، وقالت بسخرية خافتة:
"أنا ههرب ليه، ما أنا قاعدة معاك في العربية اهو."
لينت نبرته، وبدت نظرته أعمق وهو يسألها بلطف:
"أمال ليه العياط ده كله؟ اللي أعرفه عنك إن مستحيل تتأثري بكلام الواد ده!"
تنهدت من الأعماق، نظرت إليه بعينين غارقتين بالحيرة:
"وليه مستحيل؟ مفيش حاجة مستحيلة... في أوقات بيبقى سهل الإنسان يتأثر، خصوصًا لو كان ضعيف، ومش قادر ياخد قراراته صح."
انعقد حاجباه، وسألها برفق:
"وانتي ضعيفة دلوقتي؟"
هزت رأسها ببطء، بينما انهمرت دموعها مجددًا، ثم نطقت بصوت يكاد يُسمع:
"أنا في أضعف حالاتي... بابا تعبان وحاسة إن ضهري مكسور، حاسة إني تايهة في صحرا كبيرة ملهاش أول من آخر، وكل ما أقول بس هو ده الصح، ألاقي نفسي ضايعة تاني، وكأني بلف في دايرة مبتقفش..."
نظر إليها بتمعن، قلبه يضطرب لرؤية هذا الانكسار في مَن اعتاد منها على التمرد والقوة:
"طيب احكيلي، يمكن أقدر أساعدك تاخدي القرار الصح..."
هزت رأسها نافية، وقالت بإصرار حزين:
"إنت بالذات ما ينفعش..."
أمسك طرف الخيط وسألها بوضوح:
"ليه؟ الموضوع يخصني؟"
أجابت مقتضبة وهي تبعد نظرها عنه:
"لا..."
رسم علامات التعجب على وجهه وهو يناقشها بهدوء لعله يصل معها إلى حل يرضيها وتفصح عما يجول في خاطرها:
"امال، ليه أنا بالذات ماينفعش طالما بابكي في المستشفى ومن الواضح إن علاقتك بيه قوية، فحاولي تدوري على بديل."
رفعت عينيها المبللتين إليه، ثم همست:
"وهو الأب له بديل يا يزن؟!"
سؤالها الموجع، صفعه في أعماقه، احتلت مشاعر الفقد ملامحه، تلك الجراح القديمة التي حاولت الأيام مداواتها، لكنها لم تنجح تمامًا، مرت صور والده في ذهنه كطيف لا يُنسى، ورغم دفء سليم ومحبة زيدان، إلا أن اليُتم له مذاق مر لا يغيب.
وسكن الصمت بينهما، صمت محمل بكل ما لا يُقال، وكل ما لا يمكن قوله، وأعاد تشغيل سيارته متوجهًا إلى منزلها.
ارتفع رنين هاتف "نوح" للمرة الثالثة، بينما جلست "حسناء" على مقربة منه، تتأمله بنظرة مفعمة بالخبث، وابتسامة انتصار ترتسم على شفتيها كمن قبض على فريسة طال انتظارها، كانت تعلم جيدًا مَن المتصل، وكان كل رنين يزيد من لذتها، وكأنها تتغذى على قلق الطرف الآخر.
نظرت إلى الشاشة، ابتسمت بازدراء، ثم قررت أخيرًا أن تُجيب، ليس بدافع الرحمة، بل رغبة في تعميق الوجع، وتثبيت خنجر الشك في قلب زوجته.
وما إن فتحت الخط، حتى جاءها صوت "يسر" باكيًا، متقطعًا، يحمل في نبراته رجاءً يائسًا:
"نوح، أنا قلبي مقبوض أوي وخايفة على لينا، حلمت أحلام وحشة، وكلها قبضت قلبي أكتر ما هو مقبوض..."
ردت "حسناء" بنبرة ناعمة، فيها غنج مصطنع ونبرة لئيمة مُتعمدة:
"سلامة قلبك يا مدام... بس للأسف والله نوح في سابع نومه، ومش هيقدر يرد عليكي."
كانت تتلذذ بكل كلمة، تعلم تمامًا ما تصنعه بيسر، وقد جاءها الرد كما توقعت، صوت مصدوم، مزيج من الخوف والدهشة والقلق:
"أنتي مين؟ ونوح فين؟"
قالت حسناء، ونبرة النصر تتغلغل في صوتها:
"أنا حسناء، أظن حضرتك تعرفيني كويس... ونوح..."
ثم توقفت لحظة، متعمدة ألا تذكر لقبه، لتزيد من حيرتها وتترك المجال لعقل "يسر" ليفسر ما يشاء، ثم تابعت بجملتها القاتلة:
"نوح نايم عندي في البيت... في سابع نومه، مرهق أوي، الصراحة مش هقدر أصحيه... تحبي أبلغه بحاجة مهمة؟ ولا نكتفي بالكوابيس بس؟"
قالت كلماتها الأخيرة ببرود قاسٍ، وكأنها تغرس السكين في صدر يسر وتديرها ببطء، بينما كانت ابتسامتها لا تزال عالقة على وجهها، ابتسامة المنتصر حين يشاهد عدوه يتهاوى دون أن يلمسه.
رواية غناء الروح الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم زيزي محمد
وصل يزن أمام منزل سيرا بعد أن التزما الصمت، إثر سؤالها الذي أيقظ جراحه القديمة. غرق في دوامة ذكرياته مع والده، غير أن وجود شخصٍ ما أمام المنزل أيقظه من شروده. كأنه لمح أخيرًا ما غيّر سيرا، ما جعلها أكثر شراسةً مما كانت عليه سابقًا معه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، واستعد لتصفية ذهنه بقليل من العبث.
لم يُعِر سيرا اهتمامًا حين قالت بصوت خفيض موجوع:
- شكرًا يا يزن و...
راقبته لحظاتٍ وهو يطفئ محرك السيارة، ويستعد للنزول، فقالت بسرعة كمن يستدرك أمرًا:
- مالوش لزوم تنزل، أنا...
التفت إليها بجانب وجهه، يسألها بعبثٍ وابتسامة غامضة:
- مش دي حورية؟ لازم أنزل أسلم عليها.
حاولت إيقافه حين أمسكت بيده فجأة، وقد تغيرت نبرتها من الضعف إلى نبرة متمردة مستفزة:
- وليه إن شاء الله!! هو إيه اللي لازم!
تلعثمت قليلًا وهي تحاول إخفاء توترها خلف مظهرٍ هادئ:
- لا، مقصدش... كل اللي أقصده... إنها مش بتطقيك بس! أنا خايفة عليك من الإحراج.
رفع حاجبًا متصنعًا الدهشة، متعمدًا إغاظة حورية التي كانت تراقب من بعيد، فابتسم بسخرية:
- وليه ما بتطقنيش؟ هي قالتلك إني عملت فيها حاجة؟ أو أذيتها في حاجة؟
هزت رأسها نفيًا، وقالت بنبرة ضيق مائلة للحيرة:
- لا، مقالتليش حاجة، أنا بس بحس بكده.
غمز بطرف عينيه إليها وهو يشاكسها:
- دي غيرة دي ولا إيه؟!
توردت وجنتاها خجلاً فبدت كمَن يبعد عنها تهمة:
- أنت بتقول إيه!! يلا يلا ننزل.
نزلا معًا، وكان الضعف ظاهرًا على ملامح سيرا، وقد انكسرت نظراتها وكأنها فقدت طاقتها. أما حورية فكانت واقفة تتوهج كالجمرة، على وشك الانفجار، فقالت بغيظٍ ناريٍ أدهش سيرا وأفقدها رد الفعل:
- هو أنتي مش شايفاني واقفة؟ المفروض تنزلي على طول، مش تقعدي تتكلمي معاه وكأني مش موجودة!!!
صمتت سيرا، تتعرقل الكلمات على لسانها، كأنها تُغلق عنها الأبواب. وما زاد الطين بلة أن يزن بدا غير متأثر، لكنه لم يغفل عن رد الإهانة:
- اهدي يا حورية!! ده مش أسلوب تكلمي بيه صاحبتك وهي أبوها في المستشفى تعبان!!
نظرت إليه حورية بغضب محتدم، وقد تبخر آخر خيط من صبرها، فردت بحدة مفرطة:
- وانت مالك أصلاً بتدخل ليه؟! أما انت غريب!
ضاقت ملامح سيرا بشيءٍ ما رأته في عيني حورية، وكأنها أدركت ولو للحظة أن فاطمة ربما كانت على حق في وصفها لحورية بأنها شخصية قيادية لا تعرف اللين، لذا تصطدم كثيرًا بمَن لا يذعن لها. انتشلها صوت فاطمة من أفكارها، ظهرت أمامهم بقلقٍ مبعثر وإرهاق ظاهر، وقالت:
- روحتلك المستشفى أبلة حكمت قالت إنك مشيتي، فجيت وراكي.
لم تجب سيرا، واكتفت بالنظر إليها بعينين تفيض بالألم، فاقتربت فاطمة غير عابئة بوجود يزن أو حورية، وهمست بخوف حقيقي:
- مالك يا حبيبتي، انتي تعبانة ولا إيه؟
- آه يا فاطمة... يا ريت تاخديها وتطلعيها عشان ترتاح.
قالها يزن وهو يجول بنظره على وجه سيرا المرهق، الحائر، وكأنها فقدت بوصلتها. استجابت فاطمة واحتضنت سيرا من جانبها برفق، وهمست:
- يلا يا حبيبتي، تعالي نطلع.
وأخيرًا نطقت سيرا بجملة جاهدت إخراجها من باب الذوق ليس إلا:
- عن إذنك يا حورية.
ثم صعدت مع فاطمة، غير عابئة بنظرات حورية التي اشتعلت بنيران الإحراج، بعد أن تُركت واقفة كعابرة سبيل.
- مالك يا سيرا؟ انتي تعبانة ولا إيه؟!
قالتها فاطمة بقلق عارم، فأجابتها سيرا بحيرة تامة:
- حورية متضايقة مني!!
انعقد حاجبا فاطمة وهي تساعدها على الصعود، وسألتها بدهشة:
- ليه؟ في حاجة فاتتني؟
- معرفش... بس حسيت إنها متضايقة إني مسمعتش كلامها وفركشت مع يزن!!
قالتها سيرا بصوت مائل لعتاب الذات، كأنها تحاول تبرير برود حورية، وعدم اكتراثها بحالتها المنهكة.
- قصدك يعني هي غيرانة منك؟!
هزت سيرا رأسها نفيًا، وقالت بنبرة ثقيلة شبه حائرة:
- لا، أكيد هي بتحب خطيبها، وبردو بتحبني... بس شكل كلامك عنها كان صح.
تنهدت فاطمة، ثم ربتت فوق كتفها بحنان واضح:
- سيبك منها خالص، المهم انتي يا حبيبتي.
توقفا أمام باب الشقة، فقالت سيرا بتنهيدة مثقلة:
- تعالي ندخل ونتكلم، أنا محتاجة أفضفض.
"أما بالأسفل"
فقد بدأ التوهج يزداد شراسة، خصوصًا حين واجهت حورية يزن بقامتها القصيرة، لكن بجرأة نارية:
- هو أنا مش قولالك تبعد عن صاحبتي؟!
احتدت عينا يزن بضيق، انعكس في نبرته الحادة كالسوط:
- انتي بتكلميني كده ليه؟! إذا كنت أنا متساهل معاكي عشان خاطر أختك ومليكة مرات زيدان، غير كده لو اتعديتي حدودك هديكي فوق دماغك.
بدت حورية وكأنها فقدت السيطرة، انفجرت بهجوم حاد:
- احترم نفسك، انت شكلك نسيت نفسك!
اشتعل الغضب في عينيه كشرارةٍ لا تُطفأ، وخرجت كلماته كسياط تلسع مشاعرها:
- انتي اللي نسيتي نفسك، والمفروض تحترمي نفسك ومتتدخليش في أمور غيرك! من تدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه!
مالت برأسها بسخرية، تتعمد التقليل من شأنه:
- ما شاء الله، مثقف أوي!!
ابتسم ببرود، وخرج تهديده كالسهم من قوس مشدود، يحمل نية صريحة لإشعال فتيل النزاع:
- ماتحاوليش تقللي من اللي قدامك، عشان انتي ماتعرفنيش، ولا تعرفي آخري إيه... فدايمًا خدي احتياطاتك.
ورغم أنها كانت على شفا انفجار، لم تكف عن صب الزيت على النار:
- احتياطات مع واحد بيتسلى بالبنات؟!
ضحك ضحكة باردة، كانت كصفعةٍ على كرامتها، ورد بكلمات مدببة، متعمدًا استفزازها:
- مالكيش فيه!! سامعة ولا لأ؟! ولا تحبي أسمعك بطريقتي؟ واه... في حاجة مهمة جدًا، لو ماخدتيش بالك منها، هطربقها فوق دماغك... سيرا خط أحمر! متحاوليش تيجي جنبها، ولا تقولي كلام عني ممكن تتأذي فيه!
أجابته بنظرات توحي بالاحتقار، فيها من الغضب ما يكفي لإشعال حريق:
- انت بتحذرني أبعد عن صاحبتي؟! انت اللي المفروض تبعد! انت عكست الآية يا محترم!
كان يزن يتلذذ بإثارة غضبها، كمَن يلعب بالنار، لكنه أصر على إيصال رسالة واضحة:
- المحترم دخل الباب من بيته، واتقدم وخطب، متسلاش بيها، فمش من حقك تقوليلي ابعد عن صاحبتي، لإن...
قاطعته وهي تكاد تنفجر:
- لإن إيه؟؟؟ ها انطق وقول؟! نفسي أعرف أخرك؟!
أصرت على الاستفزاز، فمجرد وجودها أمامه ومحاولاتها حجب سيرا عنه بكل الطرق كان يستفزه كثيرًا، فأراد أن يقطع عليها محاولاتها تلك برد، لعله صريح في ظاهره، ولكن باطنه لم تظهر بعد حقيقته، أو بالأحرى لم يعترف بها لنفسه الحائرة بين مجون إعجاب الفتيات به، وبين حب واضح وصريح يجعله يعترف لصاحبته بأهم اعتراف في تاريخه.
ولكنه لم يدرك أن مجرد تفوهه بذلك القول علنًا ما هو إلا اعتراف واضح وصريح، وقد صدق عليه قلبه، لذا دفع عقله لتصور حورية مجرد عدو يريده أن يبتعد عن سيرا، فوقف لها بالمرصاد، حتى لو وصل به الأمر إلى فعل ما هو أحمق وجنوني، فالأهم هو سيرا في تلك المرحلة!
- امممم... نفسك تعرفي آخري؟ تمام أقولك... صاحبتك دي أنا بحبها، ومعجب بيها، ومفيش بنت خلتني أتخلى عن رأيي في الجواز والخطوبة إلا هي، عشان كده دخلت البيت من بابه.
رفعت حاجبيها باندهاش ساخر، تعقد ذراعيها أمام صدرها:
- وأنا المفروض أصدقك؟!
هز كتفيه بلا مبالاة، ورد بهدوء بارد:
- تصدقي ولا ما تصدقيش، مايهمنيش... أنا عرفتك عشان النار اللي جواكي من ناحيتي تهدى شوية. واه... أنا حقيقي مشفق جدًا على خطيبك، بس اللي متأكد منه إنه عارف يشكمك، عشان كده مكمل معاكي. سلام يا آنسة حورية، وسلامي لأختك، وإن شاء الله أبلغها بنفسي لما أشوفها.
ثم تركها قبل أن تتفوه بكلمة أخرى قد تدفعه إلى جلب شيء ما وضرب رأسها الأحمق به، مكتفيًا بتهديده المبطن إن أصرت على هدم طريق الوصال بينه وبين سيرا، فلم يحتج إلى كثير من الفطنة ليدرك أن هذا التأثير الطاغي الذي طرأ على علاقته بسيرا، وذلك الشد والجذب المستمر، ما هو إلا نتيجة مباشرة لوجود "حورية"! تلك الأفعى الناطقة باسم حقوق المرأة!
***
بعد مرور عدة ساعات، تململ نوح في نومه على الأريكة، فشعر بآلام موجعة في سائر جسده. لم يدرك سببها إلا عندما نهض وجلس وهو مغمض العينين، ثم فتح نصفها وهو يتثاءب، لكنه سرعان ما صُدم وانتفض بشراسة ينظر حوله، ثم إلى جسد حسناء الغافية فوق مقعد أمامه، والتي على ما يبدو شعرت به، فقالت بصوت رقيق افتعلت فيه القلق:
- إيه يا دكتور، انت كويس؟!
- أنا نمت هنا إزاي؟! هي الساعة كام؟ إزاي نمت هنا؟!
أسئلة انبثقت من جوف عقله المظلم، يخشى أن يكون قد حدث شيء يخالف معتقداته ومبادئه، بعد أن صور له الشيطان أسوأ التخيلات. إلا أنها أراحته عندما أجابت بهدوء:
- حضرتك مش فاكر إيه اللي حصل؟ ده انت دوخت وتعبت، وجبنالك الدكتور كشف عليك وقال إنك مرهق وتعبان، وكتبلك على أدوية تجيبها.
ثم أعطته ورقة لطبيب مدون عليها اسم نوح وبعض الأدوية والمهدئات بالفعل، وكان هذا من ضمن مخططها الدنيء. رفع بصره إليها عندما استمع إلى تنهيدتها الثقيلة:
- الدكتور قال برضو وارد متكنش فاكر، لو انت بتمر بظروف صعبة وضغوط نفسية، ده أنا بحمد ربنا إنك كنت معايا يا دكتور، كل ما أتخيل إنك لو كنت لوحدك كان هيجرالك إيه!
ابتلع ريقه وهو يجذب هاتفه الموضوع أمامه على الطاولة، ثم سأل بوجوم:
- حد اتصل عليا؟
- آه، مدام يسر، بس معرفش ليه لما قولتلها إنك تعبان ومرهق قفلت في وشي السكة، وسوري يعني... شتمتك.
زفر بغيظ وانفجر بها بحنق شديد:
- وانتي بتردي ليه يا حسناء طيب؟!
كانت تتوقع غضبه بعد أن دست سمومها إليه بطريقتها الثعبانية، إلا أنه فاجأها وأعرب عن قلقه من رد فعل زوجته؛ هل لا يزال يحبها؟ أم يتمنى عودتها إليه؟ لذا قررت أن تنفذ خطتها الثانية، فمالت بوجهها إلى الأسفل تصطنع الحزن، وهي تخفض نبرتها التي تلونت بثياب البكاء الزائفة:
- حقك عليا يا دكتور، مكنتش أعرف إنك هتتضايق مني لما أرد، بس هي اتصلت كتير، خوفت تقولي ليه ماردتش، وخوفت يكون فيه أي خبر عن لينا، حقك عليا، أنا لازم أروح أعتذر للمدام بنفسي.
- لا لا لا، هي كده كده أكيد لا طايقاني ولا طايقاكي، حصل خير، بس أنا ما بحبش حد يتعدى حدوده معايا بس.
جزت فوق أسنانها من فرط غيظها، رغم انعكاس تعابير مناقضة على وجهها، فعادت تشد على الحبل المتراخي بينهما بقولها الماكر:
- خالي كمان اتصل، وقال لي أقولك أبشر، لينا هتبقى في حضنك قريب.
- بجد؟ وصل لحاجة؟!
قالها بسعادة كبيرة، فابتسمت إليه، وعيونها لمعت بإعجاب واضح وصريح أثار حفيظته.
- آه، أنا قولالك خالي هيقدر يجيبها لك.
لملم أشياءه وقال وهو يتحرك صوب باب الشقة، وقبل أن يغادر، توقف وشكرها:
- شكرًا يا حسناء، وقفتك دي أنا عمري ما هنساها، وهتفضل جميلة في رقبتي.
أمسكت بمقبض الباب وهي تنظر إليه بهيام أفصحت عنه لتوتره:
- أنا مش عايزة أي حاجة، غير إنك تكون بالك رايق ومبسوط، انت غالي عندي أوي يا دكتور.
ارتعشت ابتسامته وهو يحاول التهرب منها، ثم غادر مقررًا الاستعداد لشجار لم يكن مستعدًا له، لا نفسيًا ولا حتى بدنيًا!
أغلقت حسناء باب الشقة، فاستمعت إلى صوت والدتها، التي كانت تقف على أعتاب الردهة الصغيرة تضحك بسخرية وهي تنفث دخانها:
- الواد ده مش سهل، وهتطلعي خسرانة يا بت بطني.
زمت حسناء شفتيها بضيق، ونَهَرت والدتها بوجوم:
- اطلعي منها انتي يا ما، بلاش بوزك بس لحسن تنبري فيها وتبوظي.
اقتربت والدتها محاولة إقناعها بأسلوبها الجاهل، كما تُقنِع الجهلة وقليلي الدين والوعي:
- يا بت اسمعيني، خلي الأسياد هما يتصرفوا، بلاش تفكيرك وخططك دي، وقفة إيه ياختي اللي تقفيها معاه؟ وعشان خاطر إيه؟ ياخد باله منك؟ يا عبيطة! ده أنا أقدر أعملك عمل جلب حبيب يجي لك راكع وبيهوهو!
ضحكت حسناء بسخرية، متعمدة التقليل من والدتها، متباهية بذكائها:
- يا أما، ما انتي عملتيه ومنفعش يا أختي، وبعدين، أنا لو ما استغلتش فرصة خطف بنته، هستغلها امتى؟ لازم أبين له إني جدعة وبخاف عليه وبحبه، الراجل في أضعف حالاته بيبقى عايز اللي ياخد باله منه ويحتويه يا أما ويحسسه إنه مفيش غيره في الكون كله، خلطة نوح عندي وخلص، أنا بطبخها على نار هادية، اقعدي بقى واتفرجي عليا.
همست والدتها بشرود قلق، والسخرية تقطر من كلماتها:
- يا خوفي يا بت بطني، لأقعد واتفرج على خيبتك يا أختي وهي بتتذاع في الفضائيات.
***
في اليوم التالي...
كان نوح يجر قدميه جرًا أمام منزل يسر، يتهيب لحظة مواجهتها، حتى إنه أحضر الورقة التي دون فيها الطبيب خطة علاجه ليبرر بها سبب وجوده في منزلها، رغم أن السبب الحقيقي لم يكن المرض، بل كيف سيُخبرها بالحقيقة، وقد أرسلت له حسناء رسالة صباحًا تُحذره فيها من إخبار أي شخص بشأن خالها، حتى تضمن له الحماية وتتجنب أي أذى قد يُصيبه. وفي الحقيقة، هو يخشى أن يخبر يسر، فتُفشي الأمر لوالدها، فيصل إلى الشرطة، ولا شك أن العواقب حينها ستكون وخيمة.
تنهد بصمت وهو يطرق باب شقة والد يسر، ففتح له الحاج "فاضل"، وكان نوح يتوقع أن يستقبله الرجل بوابل من الشتائم أو ربما بلكمةٍ غاضبة في وجهه، لكنه فوجئ به كما تركه بالأمس حزينًا، محطمًا، يئن بصمتٍ بسبب اختطاف حفيدته، بل إنه أفسح له الطريق قائلاً بهدوء:
- تعالى اتفضل يا نوح.
كتم نوح دهشته بصعوبة ودلف إلى الداخل، عيناه تبحثان بتوتر عن يسر، فقال بصوتٍ مبحوح:
- هي يسر فين؟
- جوه في الاوضة.
حمحم بصوتٍ خشن، ثم استأذن بهدوء، وقلبه يخفق في صدره بخوفٍ خفي، وكأنه اقترف جرمًا عظيمًا، مع أنه لم يُخطئ، بل فقط سلك طريق البحث عن ابنته، فلذة كبده، ولو أن هذا الطريق وعرٌ ومظلم. لقد أضناه التعب، وأرهقه الخوف، حتى فقد وعيه! الأمر بسيط، فلماذا يشعر وكأنه يحمل على كاهله جبلًا من الهموم؟
- ممكن أدخلها، اطمن عليها؟
أومأ الحاج فاضل برأسه دون اعتراض، فهو لا يرغب في الضغط على نوح في هذه المحنة القاسية، ربما تكون هذه الزيارة طوق نجاته من وحل أفكاره السوداوية، ومن الحضيض الذي يُلقي بنفسه فيه كل مرة.
- اتفضل يا ابني.
أخذ نوح نفسًا عميقًا، كما لو كان يستعد لركضٍ في سباق ماراثوني، ثم طرق الباب بخفة ودخل، وما إن رأته يسر حتى اعتدلت في جلستها، لكنها لم تنطق بكلمة، واكتفت بالنظر إليه، كأنها تنتظر منه اعترافًا، بدا كطفلٍ صغيرٍ يلجأ إلى والدته ليُقر بأخطاءٍ يراها تافهة، بينما تراها والدته كوارث.
- عاملة إيه؟!
لم تُجبه في بادئ الأمر، وظلت صامتةً بتعابير جامدة، وجهها مُتلبس بجمود قاتل، كأن الرحمة فارقته.
- تمام، وانت؟!
كلمتان فقط، تحملان إجابةً وسؤالًا، دفعتاه لأن يتهور قائلًا:
- يسر أنا عارفة إنك متضايقة مني، بس....
رفعت حاجبيها في دهشة مصطنعة، وسألته بنبرةٍ خالية من الفهم، وكأنها ترسم على ملامحها لوحة من اللا مبالاة:
- متضايقة منك ليه خير؟
انكمش وجهه بتعجب ممزوج باستنكار، فقد كانت كلمات حسناء بالأمس تؤكد له أن يسر أشبه بكتلةٍ نارية على وشك الانفجار.
- عشان يعني كنت عند حسناء واتصلتي لقيتيني نايم، بس أنا مكنتش نايم، أنا كنت تعبان وتقريبا دوخت وجبولي دكتور.
تصنعت التعاطف وردت بقلقٍ زائفٍ أرعبه حقًا، وكأنها تلقي عليه تعويذةً مبطنة:
- بجد كنت تعبان؟ وانت عامل إيه دلوقتي بخير، ولا اخلي بابا يجبلك دكتور، نطمن عليك أكتر؟
لأول مرة، كان يتمنى من أعماقه أن يرى يسر الغيورة، الهائجة، تلك التي يرتجف صوتها خوفًا من فقدانه، لم ترُق له هذه النسخة الباردة منها، خالية المشاعر، متقنة التمثيل.
- رد عليا يا نوح، أجبلك دكتور؟ مع إنك شكلك كويس ومفيش فيك حاجة، أنت متأكد إنك كنت تعبان؟
قالت ذلك بسخرية خفية دفعت الغضب ليطفو على سطح صوته، فاحتدت نبرته وهو يرد بعنفوان:
- حاسس بتريقة منك ودي حاجة مش كويسة أبدًا على فكرة، أكيد أنا مش عايز أنام عندها بمزاجي ولا أنا فاضي للتفاهات اللي في دماغك، أنا عندي مصيبة أكبر من كده.
فاجأه رد فعلها، إذ أمسكت بيده وقالت بنبرةٍ هادئة تحمل في طياتها سخرية واستنكارًا:
- اهدى يا نوح، متتعصبش كده انت لسه كنت تعبان امبارح ومرهق وحسناء سكرتيرك جابتلك دكتور في بيتها، وصدقني مفيش أي تفاهات أنا حاسة بيك، ومقدرة العجز اللي أنت فيه بسبب لينا، وأكيد يعني عارفة إنك في مصيبة كبيرة وأكيد مش فاضي تروح لسكرتيرك في بيتها إلا إذا كان عشان.....
توقفت فجأة، ثم ضيقت عينيها وكأنها تُحاول العثور على عذرٍ مقنع له، لكنها مطت شفتيها بأسف، وقالت:
- للأسف مفيش سبب مقنع، بس العموم أنت في مصيبة كبيرة.....
ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت بتضرعٍ مؤلم:
- يا رب ترفع عنا مصيبتنا دي ونلاقي بنتنا.
أنزلت يدها وتنهدت بحزنٍ عميق، قبل أن تجذب الغطاء على جسدها وتقول بصوتٍ خافتٍ جعله مذهولًا:
- أنا هنام يا نوح شوية، ولو حصل حاجة صحيني.
ثم أغلقت المصباح القريب منها، لتدفعه بصمتٍ إلى مغادرة الغرفة، بل مغادرة المنزل بأسره. وبالفعل نهض دون أن ينبس ببنت شفة، وغادر المكان يحاول جاهدًا كبح جماح غضبه.
أما هي فأنزلت الغطاء على وجهها، وأطلقت لنفسها العنان بالبكاء، بكاءً مريرًا حرك كل أوجاعها، بعد أن كبحت مشاعرها وتصرفت بعكس طبيعتها، فقد رأت أن أنسب وسيلة للتعامل مع نوح في هذه المرحلة هو التجاهل والبرود، يكفي ما قضته في الليلة السابقة من صدمةٍ لم تستفق منها بعد.
بينما نوح، أغلق باب سيارته بعنف، وزفر بغيظ، ولأول مرة لم يكن يعرف إلى أين يتجه؟ وما لبث أن رن هاتفه مجددًا، فإذا بيزن يتصل به للمرة الخامسة، فأجابه بضيق:
- في إيه يا يزن؟
- في إيه انت، عمال اتصل بيك من امبارح لغاية ما طهقت ياعم، أنت فين؟
تنهد نوح بحيرة، ثم قال:
- معرفش، معرفش أي حاجة حاسس إني هموت.
- طيب اهدى وقولي انت فين، وأجيلك، واقسم بالله أنا مابنزلش من على ودان زيدان وزمايله وبيشتغلوا متقلقش، أنت عارف زيدان عمره ما هيقصر.
أغلق نوح عينيه محاولًا تهدئة نفسه، ثم تمتم بصوت خافت:
- عارف، أنا بس مخنوق شوية، المهم هجيلك في الأجانص.
- مستنيك.
***
عاد الحاج "حسني" إلى منزله بعد أن تأكد الأطباء من استقرار حالته الصحية، فالتف حوله الجميع، بمن فيهم قاسم وعبود، اللذان قدما اعتذارهما للمرة الألف، واكتفى الجميع بإخفاء ما حدث ليلة الأمس مع فايق ووقاحته، وكأن الأمر لم يكن. في تلك الزاوية البعيدة من الغرفة، جلست سيرا بصمت ثقيل، يكسو ملامحها الجمود، وتنظر إلى الجمع نظرات قلقة أثارت ريبة والدتها ووالدها.
مالت والدتها عليه تهمس ببعض الكلمات الموجزة، فتنحنح الحاج حسني، ثم قال بنبرة آمرة:
- يا ريت كلكم تخرجوا وتسيبوني مع سيرا لوحدي.
تبادل الجميع النظرات مع سيرا في صمت، إلا أنها تجاهلتهم تمامًا، لم تسامح أحدًا منهم على موقفهم بالأمس، ولا على سهام الشك التي وُجهت نحوها دون رحمة، فالجروح التي خلفوها في قلبها لم تندمل بعد، ولا تزال تنزف بصمت.
ارتفع رنين هاتف حورية فقطعت الصمت، لكنها سارعت إلى إغلاقه دون حتى النظر إلى هوية المتصل، لم ترغب بسماع صوتها.
انتبهت سيرا لصوت والدها وهو يوجه حديثه إلى حكمت التي كانت تجلس إلى جواره، وقد بدا الضيق واضحًا في نبرته:
- يا حكمت هو أنا مقولتش كله يخرج، انتي بتعملي إيه هنا؟
تظاهرت بالألم، وأشارت إلى ساقها وهي تقول:
- رجلي يا بابا نمّلت فجأة وغلط ادوس عليها، أنا بقى هنام جنبك هنا لغاية ما تفك واقدر امشي عليها، وسع كده يا بابا.
تأملها والدها باستغراب، فهو يعلم جيدًا أن ادعاءها ليس إلا وسيلة للبقاء، وأن فضولها وحده هو من يدفعها إلى هذا التمثيل الساذج، وقبل أن يعترض، عاجلته بحيلة أخرى، وهي تنقل بصرها بينه وبين سيرا:
- وبعدين يا بابا أنا سيرا مبتخبيش عليا حاجة خالص، مش كده يا سيرا، وأكيد هي مش هتضايق إن هقعد واسمع انت عايزاها في إيه!
كان الحاضرون قد أجمعوا، دون أن يُعلنوا ذلك، على بقاء حكمت، لعلهم يسترقون من الحديث ما يُفيدهم، خاصة بعدما تردد على مسامعهم أن سيرا قد أبلغتهم برغبتها في الانفصال عن يزن.
- لا هتضايق عشان كل اللي احنا فيه بسببك، وأكيد اختك زعلانة ومهمومة دلوقتي عشان خطوبتها اتأجلت بسبب الفضايح اللي حصلت، ذنبها إيه هي في المصايب اللي بتعملوها، حرام عليكم يعني يوم ما الفرحة تدخل بيتي وفرحان من قلبي لاختكم وعريسها تيجوة انتوا وتبوظوا كل حاجة، كسرتوا فرحتي وفرحتها.
كانت حكمت تستمع لكلماته، وتلقي بنظرات طويلة نحو سيرا، تحاول أن تمرر رسائل مبطنة لم تفُت على سيرا، ثم نطقت بنبرة باكية، خادعة، تحمل مكرًا لم يخفَ على أختها:
- يعني يا بابا انت بتحملنا ذنب فركشة خطوبة سيرا.
صرخ الأب مستنكرًا:
- فركشة إيه؟! إيه الفال الوحش ده يا بنتي، أنا بقول تأخيرها، ماتنبروش انتوا فيها بس، وسيبوها على الله.
نهضت حكمت بخفة نحو أختها الصامتة، واحتضنتها فجأة، متصنعة الانهيار:
- حقك عليا يا سيرا، أنا السبب، سامحيني....
لكنها ما لبثت أن همست في أذنها، بصوت منخفض يحمل تحذيرًا مقنعًا:
- شوفتي، جالك كلامي بابا عايز يفرح بيكي، عايزة تكسري فرحته يا جاحدة، ده خطوبتك دي الحاجة الوحيدة اللي هتفرحه.
أمالت سيرا جانب وجهها، ساخرة من تمثيلية شقيقتها ومن منطق هذه العائلة الذي يربط السعادة بخطبة قهرية. رفعت نظرها إلى والدها، فرأته ينظر إليها بحزنٍ صادق، بعيدًا عن كل تلك الضغوط. كانت تدرك أن خطبتها ليزن سترسم البسمة على وجه والدها وستسعده وربما تكون عزاءه الوحيد في أزمته الصحية، ولذلك قررت أن تكبت جراحها من أجل والدها، حتى لو كان الثمن هو الاقتران بعاشق النساء، وقاهر قلوب العذارى، ذلك العابث الذي لا يرى في المرأة إلا كل ما هو جميل!
دفعت حكمت عنها برفق، وقالت بصوت حاولت جعله طبيعيًا، فيه قليل من المرح الباهت:
- إيه يا أبلة الدراما دي، أنا ولا زعلانة منك ولا زعلانة من حد، أنا اللي كان مزعلني هو أنك تعبان يا بابا، الاهم عندي هو صحتك يا حبيبي.
مسحت حكمت وجهها، وقالت بسعادة حاولت كبحها:
- ياختي اسمالله عليكي عاقلة ورزينة وعارفة مصلحتك، ربنا يفرحنا بيكي يا رب.
- يا رب يا أبلة يلا أنا هنزل الشغل بقى، سلام.
قبلت يد والدها، ثم ودعته وخرجت، وبينما كانت تمر بالجميع المتحفزين في الخارج، تجاهلتهم تمامًا، ثم غادرت. وقفوا جميعًا يسألون حكمت بقلق ما الذي دار في الداخل، فأجابتهم بسعادة لا تخلو من شماتة:
- اطمنوا الأمور بخير وهي مكملة في الخطوبة بس.....
قالوا جميعًا بصوت واحد:
- بس إيه؟
هزت كتفيها بلا مبالاة وقالت بنبرة عابثة:
- شكلها مش طايقكم، بس أنا لا بتحبني عادي.
ثم غادرت وهي تتبختر بمشيتها، مستمتعة بنظرات الحقد والضيق التي انهالت عليها، خاصة بعدما نثرت شماتتها بينهم علنًا.
***
في جهةٍ أخرى، كان نوح يجلس أمام الطاولة الصغيرة، وقد وضع فنجان القهوة الرابع عليها، بينما أسند رأسه بكلتا يديه، يُحاول أن يحتمل كل ما يحمله من أثقال على كاهله. كان قد سرد على يزن كل همومه حتى استعانته بخال حسناء، مؤكّدًا عليه للمرة الألف ألا يخبر زيدان أو الشرطة.
قال يزن بنبرة ضيق:
- يا عم اقسم بالله ما أنا قايل، فهمت وعرفت، المهم لينا ترجعلنا بالسلامة بس.
همس نوح، وصوته مملوء بالحزن والدعاء:
- يا رب يا يزن.
دخل أحد العاملين، يحمل بيده مجموعة من التذاكر وقدمها ليزن:
- اتفضل يا باشا دول حجز تذاكر لماتشات الأهلي، ودول حجز لماتشات ودية في أندية على مستوى زي ما طلبت.
هز يزن رأسه شاكرًا، ثم وضع التذاكر في درج مكتبه بعد أن غادر العامل. التفت إليه نوح باستغراب، وقال بنبرة استنكار:
- من امتى وانت مهتم بالكورة للدرجة دي يا يزن؟
ابتسم يزن، ورفَع حاجبيه بعبث:
- لا بقيت مهتم، وبعدين ياعم دول للاتنين حبايبي كده هبقى احكيلك عليهم لما تبقى رايق، عايز بس ازقهم بعيد عن دماغي، وبردو ممكن استخدمهم لأغراض في دماغي.
سخر نوح وهو يقول:
- بحجز للكورة وتذاكر لماتشات؟
- الكيف بعيد عنك يعمل أكتر من كده.
قطع رنين هاتف نوح حديثهما، إذ كانت حسناء تتصل. أشار نوح ليزن بالصمت ثم أجاب بسرعة:
- الو ايوه يا حسناء، في أخبار؟
جاء صوتها متحمسًا، به نبرة انتصار:
- طبعًا في أخبار وأخبار حلوة كمان وبمليون جنية.
رواية غناء الروح الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم زيزي محمد
وصل نوح إلى المكان الذي أرسلت إليه حسناء عنوانه في رسالة نصية، يقود سيارته بسرعة جنونية، مستحضراً في ذهنه صورة ابنته عله يجدها أخيراً.
غير أن آماله تحطمت ما إن رأى حسناء وخالها يقفان بمفردهما، دون أثرٍ للطفلة، فتوقف فجأة، وهبط من السيارة بخطى متسارعة، وبنبرة امتزج فيها القلق بالرجاء:
"إيه وصلتوا لحاجة؟"
أجابته حسناء بنبرة ناعمة، وقد تعمدت أن تبتسم له ابتسامة حالمة، تُخفي وراءها مآربها الحقيقية:
"اهدى يا دكتور عشان خاطري، أنا خايفة عليك أوي بجد لتتعب زي ما تعبت قبل كده."
رفع خالها أحد حاجبيه في اشمئزاز ظاهر، وقد بدا عليه الضيق من أسلوبها الماكر، فهو يدرك تماماً نية ابنة أخته في الإيقاع بهذا الرجل وسلب ماله، طمعاً في مكانة اجتماعية مرموقة كانت تحلم بها دوماً.
"نتكلم في المهم."
قالها بصرامة، فوجه حديثه مباشرة إلى خال حسناء، متجاهلاً ابتسامتها المصطنعة، وقد بدا عليه الإحراج مما يشعر به من خيبة أمل في الموقف، إلا أن أمل إيجاد ابنته ظل يشده للمضي قدماً، رغم شعوره بالخديعة.
قال خالها وقد بدا عليه التردد، يحاول أن يبرر موقفه:
"أنا يا دكترة لفيت على كل حبايبي لامؤاخذة في الإجرام ده، وفيهم ناس كده ساعدوني بس موصلتش لحاجة."
قاطعه نوح بحدة، وقد ظهر الغضب في صوته بشكل لا لبس فيه:
"أنت جاي تقولي أنك موصلتش لحاجة؟ أنت مجانين."
حمحم خالها بخشونة، محاولاً ضبط إيقاع الحديث مجدداً، وقال بصوت أجش يحمل نبرة إجرامية خالصة:
"ليه بس الغلط ده يا بيه، ما تتكى على الصبر، موصلتش لحاجة في الأول، بس بعدها في حد حبيبي كلمني وقالي إنه يقدر يجبهالي وعارف مين خطفها، بس يمين الله ما قالي اسمه إيه أصله راجل ***** بس اعمل إيه إن كان لك عند الكلب حاجة قوله يا سيدي."
زفر نوح بغيظ شديد، وقد توهجت بشرته باحمرار طاغٍ من فرط الغضب المتصاعد بداخله:
"ها يعني طلباته إيه؟"
أجابه خال حسناء وقد بدت على وجهه ابتسامة واسعة تخفي خبثاً دفيناً:
"اهو أنت كده دخلت في الدوغري والمظبوط، عايز نص مليون جنية يا بيه لامؤاخذة، وحياتك يا دكترة كان عايز أكتر بس أنا قولتله لا لازم تعمل تخفيض للدكترة ده أول مرة يجيلنا في حاجة."
أطلق نوح أنفاسه الغاضبة، ثم قال دون تردد، وقد بدا مستعداً لفعل أي شيء في سبيل استعادة ابنته:
"طيب تمام، لو اديته الفلوس بنتي هتكون عندي في خلال قد إيه؟"
رد خال حسناء بنبرة واثقة:
"خلال ساعة ساعتين بالكتير."
ابتسم ابتسامة عريضة، وما كاد يتمها حتى لكزته حسناء بخفة على ذراعه، في محاولة لضبط تصرفاته المبالغ بها.
"طيب أنا ساعة بالكتير والفلوس هجبهالك بس واقسم بالله لو بنتي مجتش..."
تدخلت حسناء بسرعة، محاولة تهدئته بنبرتها الرقيقة التي تتقن استخدامها:
"لا لا أنا أضمنلك الموضوع برقبتي، لو مكنتش واثقة إن خالي هيقدر يجبلك بنتك مكنتش هتدخل."
أومأ نوح بإيجاز، ثم استدار متوجهاً نحو سيارته ليغادر، إلا أن خال حسناء استوقفه قائلاً بصوت لا يخلو من الطمع:
"رايح فين يا دكترة ده أنت أبو المفهومية، وبوقي لامؤاخذة هتحليه بإيه؟"
رد نوح سريعاً، وقد بدا أن عقله لم يعد يتحمل أكثر:
"اللي انت عايزه، طالما بنتي هتكون في حضني النهاردة."
ضحك خالها ضحكة قصيرة، وقال:
"مش أقل من ١٠٠ ألف جنية، اه لامؤاخذة عندي عيال عايز أربيهم...."
قاطعته حسناء بغضب، وقد بدا التوتر على ملامحها وهي تتمتم من بين أسنانها:
"أنت بتقول إيه يا خالي، فلوس إيه؟ احنا نخدم الدكتور بعنينا."
نظر إليها نوح بامتنان ثم قال بحسم:
"ده حقه يا حسناء، المهم إنه يجبلي بنتي، ساعة وهكلمك."
ثم غادر الموقع مسرعاً، تاركاً خلفه حسناء التي لم تستطع كبح غيظها، فاستدارت نحو خالها وصرخت فيه بعصبية:
"ما تقوله أحسن إننا اللي خاطفين بنته؟ ده كده اتأكد، قولتلك بلاش طمع يا خالي وأنا هديك اللي فيه النصيب."
مال خالها برأسه نحوها، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة، ونظرة قاسية متوحشة تنبع من إجرام راسخ في أعماقه:
"اه اللي فيه النصيب ده اللي هو كام يا بنت اختي، ملاميم ٢٠ الف جنية، وانتي واخدة في بطنك نص مليون جنية يا بنت اللعيبة."
عقدت ذراعيها بحنق ظاهر، وردت بعنفوان لا يخلو من الحنق:
"بس ده مكنش اتفاقنا، انت كده بتقوله اننا عاملين حوار عليه وعايزين أي فلوس!!"
ازدادت حدة نبرته وهو يحسم النقاش:
"فيها لاخفيها يا بنت اختي، وبعدين دول ١٠٠ الف جنية عُمي لا راحوا ولا جم."
استنشقت هواءً عميقاً، تحاول السيطرة على أعصابها المتفلتة، ثم قالت بتهديد صريح:
"واقسم بالله نوح لو طار من ايدي، ما هيكفيني فيك روحك، لو كلمك قولي كل حاجة قبل ما تتصرف من دماغك، مش ناقصة عك."
ثم غادرت المكان بخطى غاضبة، تاركة خالها واقفاً ينتظر اللحظة التي يحصل فيها على المال، ويتخلص من تلك المصيبة الصغيرة التي تركوها في مخزن أحد معارفه من أهل الإجرام.
***
سارت سيرا في الطريق المؤدي إلى البرج السكني الذي يقع فيه عملها، تتقدم بخطى ثقيلة يغلفها التوتر، تخشى لقاء يزن، إذ لم تحسم أمرها بعدُ بشأن تقبله أو رفضه. كلما حاولت أن تُقنع نفسها بالقبول به، متأثرة بأحاديث أخواتها وإلحاحهن، عادت أدراجها نادمة، حانقة، تنبذ الفكرة وتحتقر ذلك العابث الذي يتلاعب بالفتيات كما يتلهى باللب السوبر.
زفرت بغيظٍ وغضب، ولأول مرة تشعر بالضعف يتسلل إلى ملامحها؛ لم تعتد هذا الارتباك في قراراتها، ولكن ما يُوجعها أكثر، هو أن الأمر طال مستقبلها وشريك حياتها. لقد سئمت من الضغوط المتواصلة، نقمت على أخواتها، ونقمت على مرض والدها الذي كبلها بالعجز.
هل ستصمت وتحظى بزواج تعيس ينهك روحها؟
لا... لن يحدث!
قررت أن تلتزم الصمت والهدوء حتى وإن تمت الخطبة، وستنتظر حتى يطمئن قلبها على والدها، ثم تبلغه بقرارها في فسخ هذه الخطوبة. وفي تلك الأثناء، ستحرص على مضايقة يزن بكل وسيلة، ولن تفوت فرصة تُشعره بمرارة الندم حتى يكره النساء جميعاً.
في خضم شرودها، اقتربت منها سيدة أربعينية، طويلة القامة، ترتدي نظارة طبية وكمامة تغطي فمها وأنفها، بدا عليها الضعف والحيرة، فقالت برجاء:
"يا بنتي ممكن مساعدة بسيطة لو مش هعطلك."
رفعت سيرا رأسها ونظرت إليها بلطف، أجابت بهدوء:
"لا خالص مفيش أي عطلة، اتفضلي قولي."
ناولتها السيدة هاتفاً صغيراً وورقة كُتب عليها رقم ما، ثم قالت:
"ده تليفوني، ودي ورقة فيها رقم سجليه واكتبي باسم محمود الفار."
أخذت سيرا الهاتف والورقة وبدأت تكتب الرقم، لكن الهاتف بدا متهالكاً، فتوقفت قليلاً تحاول ضبطه. لاحظت أن السيدة تقترب منها بشكل غير مبرر، رفعت بصرها إليها تتساءل بنظراتها عن سبب ذلك القرب، لكن السيدة لم تتحرك من مكانها.
وفجأة بدأت سيرا تشعر بعدم اتزان، وكأن الهواء من حولها أصبح أثقل مما تحتمل، وضاق صدرها بثقل أنفاسٍ لم تعتدها من قبل.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وبطرف عينيها لمحت مجموعة من الفتيات يخرجن من محل بقالة قريب، بادرت السيدة محاولة التخفيف من حالتها:
"تعالي بعيد عن الشمس..."
لكن سيرا، وقد أدركت ما يعتريها، دفعت نفسها بجهد باتجاه الفتيات، واستطاعت بصعوبة أن تلمس ظهر إحداهن، وهم يستعدون للمغادرة، ثم تمتمت بصوتٍ ضعيف:
"ساعدوني..."
تحركت السيدة خلفها بسرعة، إلا أن سيرا أسقطت الهاتف والورقة أرضاً، وقالت للفتاة التي أمسكت بها:
"معرفهاش."
تزايدت أعراض الدوار وعدم الاتزان، وبدأت تشعر بدوخةٍ شديدة تُرهق جسدها المتعب. التفتت الفتيات نحو السيدة، لكنهم فوجئن بها تهرول مبتعدة بسرعة! سألت إحداهن بقلق:
"هي الست دي كانت عايزة منك إيه؟"
وضعت سيرا يدها على صدرها في محاولة بائسة لتثبيت أنفاسها، وقالت إحداهن وهي تتلفت حولها:
"نوديها مستشفى إيه قريبة من هنا؟"
استجمعت سيرا ما تبقى لها من قوى، وتحدثت بنبرة متقطعة، تكاد تخنقها:
"ود....ودوني عند الأجانص اللي ف...في آخ...آخر الشارع وهما....هيتصرفوا."
أسرعت الفتيات بها، وساعدنها حتى وصلن إلى معرض السيارات، وهناك اقتربن من أحد العاملين وقلن بقلق:
"تعرفوها؟ هي قالت نجيبها عندكم."
رمقها العامل بنظرة فاحصة، فأدرك أنها الفتاة التي تعمل في الجيم داخل البرج السكني، فرد بقلق:
"هي مالها؟ في إيه؟"
وبينما كانت سيرا تحاول النطق باسمه بجهد بالغ، كانت عيناها تفتشان عنه، حتى وجدته يجلس في الداخل مع شقيقه سليم، أشارت نحوهما بصوت خافت، فحاول العامل أن يفهم منها شيئاً، لكن دون جدوى، فقالت إحدى الفتيات بنفاد صبر:
"هي باين عايزة حد من اللي جوه دول."
كان أول من لاحظ ما يحدث في الخارج هو سليم، إذ كان يزن مشغولاً بترتيب أوراق خاصة بالمعرض، فقال سليم متفاجئاً وهو ينهض:
"مش دي سيرا؟ هي مالها؟"
انتفض يزن بقلق، لم يفهم شيئاً، وما إن رآها تستند على الفتيات ويبدو عليها الإعياء، حتى اندفع بجنون نحو الخارج، واصطدم بجسد أخيه بقوة، مما جعل سليم يترنح للخلف وقد اعترته الدهشة. هل من المعقول أن يزن أحبها فعلاً؟ كيف حدث هذا في أيام معدودة؟ هل كانت تلك الخطبة العابرة كافية لتوقظ مشاعره الدفينة؟
تحرك خلفه مذهولاً، أما يزن فلم يرَ سوى سيرا، اقترب منها سريعاً وأمسكها من الفتيات، يسألها بلهفة وقلق:
"مالك، حصلك إيه؟"
وكأن رؤيته طمأنتها، فسمحت لنفسها بالاستسلام، واستسلمت لدوامةٍ سوداء سحبتها نحو اللاوعي، ووقعت في غيبوبة بين ذراعيه.
ارتعد قلب يزن، حملها بخوف شديد، وانطلق بها إلى مكتبه، تحديداً إلى أريكته المفضلة، ذلك الملجأ الذي لم يشاركه فيه أحد، لا أخوته ولا أصدقاؤه، سوى لحظات انكساره الخفية.
لحق به سليم وقد استبد به القلق، فالتفت نحو الفتيات وسأل بنظرة واحدة كفيلة بإخافتهن، تلعثمن جميعاً، وقلن معاً:
"والله ملناش دعوة."
ثم أسرعت إحداهن تسرد ما جرى منذ لحظة لقائهن بها وحتى وصولهن إلى المعرض.
في هذه الأثناء، كان يزن ينثر الماء فوق وجهها، ثم نثر عطره قرب أنفها بغزارة، لكن دون جدوى، صرخ في وجه أخيه وهو يتأملها بنظرة يغمرها الهلع:
"سليم مابتفوقش، اعمل إيه؟"
قالت إحدى الفتيات محاولة المساعدة:
"طيب جرب رش برفيوم تاني كتير، ان شاء الله تفوق."
كاد يزن أن يحطم زجاجته الثمينة من شدة توتره، فنثر العطر بجنون حتى أوقفه سليم قائلاً:
"استنى... هتفوق ان شاء الله وأنا هكلم دكتور حالاً....."
لكن يزن لم يسمعه، فقد كان غارقاً في موجة من القلق والألم، تطرق قلبه بعنف كما لو أن طبول حرب تدق بداخله، عاجزاً عن التفكير السليم. وفي غمرة قلقه، همهمت سيرا بشيء غير واضح، فمسح وجهها برفق، وقال بنبرة مليئة بالرجاء:
"سيرا... فوقي، خليكي معايا..."
فتحت عينيها ببطء، تحاول التنفس فرفع رأسها قليلاً لتستعيد بعض وعيها، ولما أدركت ما كان يُدبر لها، شهقت رعباً، وانهمرت دموعها وهي تشير إلى نفسها بيد مرتعشة:
"كنت هتخطف، كانت هتخطفني، كانت هتبيع أعضائي."
ضحكت إحدى الفتيات بسذاجة، لكن نظرة يزن النارية أسكتتها، ثم التفت إلى سيرا وسألها بجدية:
"مين دي؟ تعرفيها؟ إيه اللي حصل؟"
تدخل سليم بهدوئه المعتاد، وهو يناولها كوب ماء:
"اهدى وبلاش اسئلة دلوقتي، هي تعبانة ومش مركزة، مش هتفيدك، استنى لغاية ما تبقى كويسة وأنا هتصل بزيدان يجي."
هز يزن رأسه موافقاً، لكنه لم يبعد عينيه عنها، كان ينظر إليها وكأنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من كيانه، كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها تتمسك بالحياة نفسها، فاشتعلت بداخله مشاعر لم يذقها من قبل. وبينما انشغل سليم بشكر الفتيات، اقترب يزن منها وهمس بصوته العميق:
"متقلقيش أنتي معايا، مش هسيبك."
قالت له باكية وهي تشير نحو نفسها:
"كانت هتخطفني والله أنا حسيت بكده."
مسح دموعها بأصابعه، وهمس:
"حتى لو خطفتك كنت هجيبك وهوصلك حتى لو كنتي في بطن الحوت."
انفجرت بالبكاء بين يديه، وارتجف جسدها، فشد على يدها مطمئناً، وفجأة راودته أمنية غريبة لم تطرأ له يومًا مع فتاة... تمنى لو كانت زوجته الآن، ليضمها إلى صدره، ويمنحها الأمان الذي لم تشعر به الآن.
"أنا خايفة، قلبي بيوجعني."
"سلامة قلبك، متخافيش طول ما أنا معاكي."
ابتسم لها بحنانٍ نادر، ابتسامة كانت بمثابة مرهم على جراحها، أما في الخارج، أجرى سليم اتصالاً بـزيدان، الذي أجاب بحنق:
"نعم، واقسم بالله أنا عارف ما هشوف شغلي بسببكم."
"اتنيل، وتعال عند يزن في الأجانص، خطيبته كانت هتتخطف."
"إيه؟ خطف؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، معاك رقم النجدة كلمهم بقى."
ظن زيدان أن سليم يمازحه، فاشتدت نبرة سليم بشراسة:
"أنا مابهزرش..."
"ولا أنا يا سليم، أنا لو اتحركت من القسم هتجازى بجد، هبعتلك واحد زميلي يشوف الموضوع ده وأنا هاتابعه بنفسي بس حاليًا أنا متكدر في قضية بنت *****."
أغلق سليم الاتصال في وجهه، ثم التفت إلى عصفوري الكناري يراقبهما وهما يتحدثان بخوفهما، وراح يتأملهما بتسليةٍ غريبة رغم قسوة الموقف؛ فلأول مرة يشعر بانعدام ضميره.
***
بعد مرور عدة ساعات...
كان نوح جالساً في سيارته أمام العنوان المنشود، ينتظر مجيء خال حسناء كما أخبره في الرسالة بعد استلامه للمال كاملاً. كانت الدقائق تمر عليه ببطء قاتل، يتأرجح بين الترقب واللهفة، يشتعل داخله شوق متأجج للقاء ابنته، متمنياً تلك اللحظة التي سيضمها فيها إلى صدره، ليغمرها بعناق طويل يعبر عن احتراق قلبه بفقدها. ورغم توقه الجارف لذلك العناق، كان يخشى أن يؤذي ضلوعها الرقيقة من فرط انفعاله وثوران مشاعره.
وفجأة، سمع صوت سيارة تقترب ببطء وتتحرك خلفه، حتى توقفت. رفع عينيه فرأى بابها الخلفي يُفتح، وابنته تترجل منه بسرعة، وتركض نحوه وهي تنادي بصوتها الرقيق الغارق في نهر من السعادة:
"بـــابي وحشتني اوي."
اندفع نوح من سيارته كمن أُعيدت له روحه، واحتضنها بقوة رافعاً إياها عن الأرض، يدور بها كالمجنون، يغمر وجهها بالقبلات التي حملت كل الحب واللوعة:
"روح قلبي وعقلي وحياتي كلها..."
ثم أبعدها قليلاً، وقد ارتسم القلق على ملامحه، ليطمئن على سلامتها. بدا جسدها بخير، إلا أن وجهها ما زال يحمل آثار الحزن والبكاء، مما دفعه للسؤال بصوتٍ خرج منه القلق كالسهم:
"في حد عملك حاجة يا قلبي؟"
هزت رأسها نفيًا، وقالت بصوت طفولي مطمئن:
"لا عمو اللي كان معايا، كان طيب بيجبلي حلويات بس أنا مكنتش عايزة آكل عشان انت ومامي وحشتوني، وعمو ده طيب كمان اوي."
ثم أشارت بيدها الصغيرة إلى خال حسناء، الذي اقترب منهم وهو يضحك ضحكة مفعمة بالانتصار وقال بثقة:
"اهو يا باشا بنتك زي الفل، ومحدش لمس شعرة منها."
قال نوح بامتنان وحذر وقد بدأ عقله يبحث خلف الكلمات:
"جميلك ده لا يمكن أنساه، بس عايز أسألك سؤال هو اللي خطفها يعرفني منين أو....."
لكن خال حسناء لم يترك له المجال ليكمل، فقطع سيل تساؤلاته بإجابة مختصرة بدا وكأنه حفظها عن ظهر قلب، كما لقنته حسناء مسبقاً:
"خطفها عشان جدها يا باشا الحاج فاضل مش هو اسمه كده تقريباً، أصل اللي خطفها ده تخصص تجار أجهزة كهربائية، اه ما هو كار الخطف ده تخصصات كبيرة اوي سعاتك."
أكمل نوح استجوابه بشكّ:
"ومكلمش جدها ليه؟ كلمني أنا ليه يطلب الفدية؟"
كان هذا السؤال مختلفاً عما تدرب عليه خال حسناء، فتلعثم قليلاً، قبل أن يستجمع نفسه ويجيب بإقناع مصطنع:
"يمكن كلمه يا دكترة وجدها رفض... أو يمكن حس إن جدها راجل بخيل لامؤاخذة فقالك بقى أبوها هيموت عليها ما نكلمه، ويا صابت يا خابت."
تأمل نوح إجابته بصمت، يقلبها في ذهنه ويقارنها بما سمعه، مما أثار القلق في قلب خال حسناء الذي بادره بقلق ظاهر:
"يا دكترة اوعى تقل بأصلك معايا لامؤاخذة، ما هو ميبقاش ده في الآخر جزاتي."
نظر نوح إلى ابنته، التي كانت قد غفت فوق كتفه بأمان، فقال بنبرة هادئة لا تعكس أبدًا العاصفة التي تدور بداخله:
"متقلقش، المهم بنتي رجعتلي."
***
وصل نوح إلى منزل عائلة يسر، وأيقظ طفلته التي كانت تغط في نوم عميق داخل السيارة، ثم ترجل معها إلى باب المنزل، طرق الباب ففُتح على الفور، لتظهر يسر التي ما إن رأت ابنتها حتى صرخت بجنون، وأسرعت لتحملها وتضمها إلى صدرها، تقبلها وتبكي بحرقة، مرددة كلمات الشكر والحمد على عودتها سالمة.
تقدم الجد والجدة بخطوات مسرعة، وملامحهما مشعة بالفرح، واحتضنا الصغيرة بين ذراعيهما، يتبادلانها كجوهرة ثمينة أعيدت إليهما بعد ضياع. أخذتها يسر من بينهما وهي تبكي بسعادة عارمة، تقبلها وتشمها كأنها لا تصدق أنها بين ذراعيها من جديد.
وأول من نطق بعد تلك اللحظات الصاخبة بالمشاعر، كان الجد "الحاج فاضل" فوجه سؤاله بنبرة تحمل الكثير من الفضول والقلق:
"الشرطة لقتها فين ولا مع مين، ومسكوه المجرم ده ولا لا؟"
كان نوح لا يزال واقفاً على أعتاب الباب، فهز رأسه نفيًا وأجاب بصوت واثق:
"الشرطة ملهاش دخل نهائي، الموضوع كله من تحت لتحت كده."
رفع فاضل حاجبيه بدهشة، وقد ازداد فضوله:
"ازاي يعني من تحت لتحت يا نوح؟"
"يعني ببساطة كلمت حد له في الحوارات دي وهو كان أسرع من الشرطة ودفعت فلوس والحمد لله جابها."
تدخلت "أمل" والدة يسر، وهي تشعر بالريبة والقلق:
"هو الموضوع هيخلص كده بالساهل يا نوح؟ ما هو الشرطة يا بني هيدخلوك في سين وجيم، ودي حواراتها كبيرة."
زفر نوح زفرة طويلة، قبل أن يجيب بنبرة غامضة أقلقتهم:
"لا ما احنا هنقول إننا لقيناها رجعت لوحدها ومنعرفش ازاي وخلاص، وبعدين متقلقوش أنا هقفل الحوار ده."
قالت يسر بجمود لم يعرف اللين:
"طيب يا نوح، سلام بقى احنا بنام بدري."
ثم أغلقت الباب في وجهه بقوة، دون أن تبالي بنظرات والدها المستنكرة. وما إن استدار لينظر إليها، حتى قالت بصوت عالٍ وكأنها تتمنى أن يسمعه... وقد فعل:
"متبصليش كده يا بابا، هو مش قال أنا هقفل الحوار ده، يبقى مشكلته هو، وبعدين ده مش بعيد يكون أصلاً هو اللي خاطفها عشان يضغط عليا ومخلعهوش بس على مين هخلعه بردو."
ثم حملت ابنتها ودخلت غرفتها، وتركتها ينظران إليها بدهشة كبيرة، كأن صدمة الفرح قد تحولت إلى صدمة حيرة. أما نوح فظل واقفاً بالخارج، مصدوماً من فعلتها الحمقاء في حقه، أهذه مكافأته؟ لم تكلف نفسها حتى أن تشكره! بل تجاوزت حدود المنطق واتهمته صراحةً بخطف ابنته! هو الذي ذاق ويلات الألم في فراقها، وعاش أياماً حالكة كأنها دهور، لا يهنأ بنومٍ ولا يطمئن لقلب.
وقف في مكانه مذهولاً، يشد على قبضته، يعتصر أنفاسه بمرارة لم يعرفها من قبل، كانت كلماتها طعنات، لا توجه فقط إلى رجولته، بل إلى إنسانيته، إلى قلب أب مزقته فكرة أن ابنته في خطر، وها هي.... بعد أن عاد بها الروح إلى صدرها، تصر على ما كانت تنوي فعله سابقاً... الخلع... دون حتى أن تمنحه لحظة امتنان، أو نظرة تقدير، أو حتى تفسيراً!
حقاً، لقد أصابها الجنون، ولكن أكثر ما آلمه، أكثر من جحودها، كان وقوفه أمام الباب، كأنه شحاذ يتوسل شيئاً لا يستحقه. وهذا ما حطم ما تبقى فيه من كرامة.
***
جلست سيرا فوق فراشها، تريح جسدها المرهق من آثار يومٍ طويل امتلأ بالأحداث الغريبة والعجيبة، تلك التي انتهت بالشرطة والتحقيق معها بشأن اختطافها، مروراً بمجيء سليم ويزن إلى منزلها لإيصالها، ثم اتفاق سليم مع والدها على خطبة بسيطة عائلية تُقام بعد غدٍ، وبحق... لم تكن تتمنى أن ينتهي يومها على هذا النحو.
تحركت فاطمة بجانبها، وهي لم تتركها لحظة واحدة منذ وصولها، وقالت بحيرةٍ بدت غريبة على ملامحها:
"حقيقي أنا مش فاهمكي يا سيرا، يعني في واحدة في الدنيا تزعل عشان خطوبتها هتبقى بعد بكرة!!"
أجابت سيرا باقتضابٍ لا يخلو من الحدة:
"اه أنا يا فاطمة."
رفعت فاطمة حاجبيها وقالت بانفعالٍ تلقائي:
"ليه يا بنتي؟ ما تفكك بقى من كلام العقربة حورية! يزن كان مخضوض عليكي بجد، وباين عليه إنه بيحبك..."
قاطعتها سيرا بنبرةٍ شبه غاضبة، وقد ارتسم الجمود في نبرتها:
"ده أكيد أسلوب حقير من أساليبه عشان يوقعني في شباكه زي ما وقع ألف بنت غيري! أنا مش عبيطة يا فاطمة وفاهمة كويس أوي."
تبسمت فاطمة بسخريةٍ لاذعة، وهي تقول:
"متزعليش مني، أنتي ولا فاهمة أي حاجة، لو زي ما حورية ما بتقول، أكيد كنتي لاحظتي يا بنتي، وشوفتي معاه بنات... وبعدين اللي زي يزن ده لو هو فعلاً بتاع بنات زي ما حورية بتقول، عمره ما هيرتبط ولا هيقيد نفسه بحد."
جادلتها سيرا بلهجةٍ حادة، ونظرات متوترة:
"وليه ما تقوليش إنه كان بيحافظ عشان مشوفش منه إلا الصورة الكويسة؟ وليه متقوليش إن الخطوبة دي مجرد سلم عشان يوصلي...؟"
قالت فاطمة، وقد خانها لسانها في لحظةٍ من الحماقة:
"أنتي مش جميلة للدرجادي إن حد يخسر حياته عشان يوصل لواحدة؟!"
وما إن خرجت الكلمات من فمها، حتى وضعت يدها عليه في حرجٍ شديد، فمالت سيرا برأسها، وضحكت بتهكمٍ بارد:
"فعلاً أنا مش جميلة للدرجادي، بس أحيانًا يا فاطمة الإنسان غروره بيصورله إن الكون كله بيمشي لمزاجه وأهوائه، واللي زي يزن، ولا يفرق معاه أنا حلوة ولا وحشة، المهم أبقى مجرد عدد بيكمل بيه مسيرته."
همست فاطمة برجاءٍ هادئ:
"طيب اديله فرصة... ما يمكن فعلاً كلام إخواتك صح!"
هزت سيرا رأسها نفيًا، بإصرارٍ قويٍ لا يتزعزع:
"ولا نص فرصة، بابا بس تستقر حالته وأطمن عليه وأعرف أتكلم معاه ويستوعبني، وبالمرة أقدر أمسك غلطات على سي يزن وأقنعهم بعمايله السودة."
أطرقت فاطمة قليلاً، ثم قالت بلطفٍ هادئ:
"إخواتك بيحبوكي يا سيرا، ومش عايزين غير مصلحتك. وهما مش عايزينك نسخة مكررة منهم، متزعليش منهم ومن ضغطهم عليكي."
قالتها فاطمة بهدوءٍ ورزانة عندما لمحت على وجه سيرا لمحاتٍ من نقمٍ شديد تجاه تدخل إخوتها في حياتها، هزت سيرا رأسها بتفهمٍ عميق، وقد بدأت كلمات ما تتشكل على طرف لسانها، لكنها لم تُنطق، إذ قُطع حبل أفكارها بطرقٍ على الباب، ودخلت فريال وهي تحمل أكياسًا بلاستيكية كبيرة، امتلأت بأصناف الطعام والحلوى.
رمقتها سيرا بدهشة، ثم قالت بتعجبٍ ظاهر:
"إيه ده كله؟ ومين جابه؟"
أجابت فريال ببسمةٍ حالمة، ونبرةٍ متساهلة:
"خطيبك يا ستي، بعته ووصاني أخليكي تاكلي... خايف عليكي."
أجفلت سيرا من لهجتها، لكن الابتسامة تسللت إلى وجهها على غير رغبةٍ منها، وقالت بهدوءٍ زائف:
"ماليش نفس يا فيفي، بس ممكن آكلهم بعد شوية."
"بالهنا يا حبيبتي."
ثم خرجت فريال من الغرفة، وما إن أُغلق الباب خلفها، حتى التقطت سيرا هاتفها وأجرت اتصالاً سريعاً بيزن، كانت تنتظر رنين الهاتف بفارغ الصبر، وما إن أتاها صوته حتى صاحت بعصبيةٍ أدهشت فاطمة:
"أنت باعت الأكل ده كله ليه؟ حد قالك إن مفيش أكل في بيتنا؟!!!"
رد يزن بصوتٍ بدا مندهشًا:
"إهدي، إنتي متعصبة ليه؟ عادي جبتلك حاجات حلوة... كل البنات بتحبها..."
توهج وجه سيرا بالغضب، وحدقت في الهاتف وهي تردد بعصبيةٍ تنم عن استنكارها:
"كل البنات؟ وأنا بقى مش زي البنات يا يزن! وماتعاملنيش زي البنات! وأول وآخر مرة تتعدى حدودك معايا."
اخشوشنت نبرته فجأة، وقال بنبرةٍ شبه حادة:
"إنتي مجنونة؟ دي جزاتي يعني على اللي بعته؟ أنا اتصرفت بعفوية، إيه كل الهجوم ده؟"
لم يدرك يزن أن سيرا شعرت بالتقليل من شأنها، شعورٌ غريب تملكها، لم تستطع إدراك حجمه ولا السيطرة عليه، بدأت تنقم عليه ماله وسيطرته، تلك السيطرة التي تمنتها في بادئ الأمر.
أشارت إليها فاطمة بالهدوء، وهمست بنبرةٍ صادقة:
"مغلطش يا سيرا على فكرة."
أطلقت سيرا زفرة قوية، ثم قالت بهدوءٍ مصطنع يخفي الكثير:
"ما تتصرفش معايا تاني يا يزن بعفوية، لو سمحت، وحتى لو كنا مخطوبين، أو هنتخطب، فياريت ما تفكرش إنك هتصرف عليا..."
صمتت لحظة، ثم تابعت بأمرٍ واضح:
"واه كلامك اللي كان هنا لبابا، إنك تيجي توصلني كل يوم الصبح وتروحني من الشغل، مش هيحصل أوك؟?"
طال الصمت من الطرف الآخر، قبل أن يتفوه بنبرة واحدة:
"أوك... سلام يا بيبي!"
أغلقت سيرا الاتصال، وألقت بالهاتف بعصبيةٍ شديدة، وهي تتلفظ بغضبٍ مكتوم:
"بيبي تاني؟!!! بيقولي بيبي... بيبي لما يلهفه... ابن..... هي أمه اسمها إيه؟!"
ولم تكد تكمل جملتها حتى طرق الباب مجددًا، ودخلت شاهندا هذه المرة، بوجهٍ حاد ونبرةٍ مملوءة بالاعتراض:
"حورية صاحبتك جاية تشوفك... اتفضلي يا قمر."
دخلت حورية بوجهٍ جامد، وعينيها ممتلئتين عن آخرهما بالكلام، وعندما غادرت شاهندا، رفعت هاتفها أمام سيرا وهي تقول بنبرةٍ يغمرها الغيظ:
"أستاذ يزن باعتلي رسالة بيعزمني فيها على الخطوبة؟ أقدر أفهم حضرتك فهمتيه إيه عني؟؟ عشان يبعتلي رسالة زي دي؟"
***
في منزل حسناء...
وضعت المال المتفق عليه أمام خالها، الذي نظر إلى النقود بعدم رضا، وقال بامتعاض:
"شايفة يا أختي عمايل بنتك؟ يعني جبتلها الفلوس لغاية عندها، وفي الآخر جاية ترميلي عشرين ألف جنيه؟"
قالت والدتها بغيظٍ مكتوم، وهي تنظر إلى ابنتها بنظرةٍ لم تخلُ من التوبيخ:
"ادي خالك عشرة كمان يا حسناء."
لكن حسناء اعترضت والدتها بلهجةٍ حازمة:
"ولا جنيه زيادة، وبعدين احمد ربنا إني اديتك فلوس أصلًا! ما أنت واخد في حضنك مية ألف جنيه، أنا اتكلمت؟ ولا قلت حاجة؟!"
فتح خالها فمه ليرد، لكن اندفاع باب الشقة بقوةٍ عنيفة جعلهما كالأصنام في أماكنهم، وقد ثبتت أنظارهم على الأشخاص الذين اقتحموا المكان، كانوا ملثمين، يملؤون الأرجاء بسرعةٍ خاطفة، وفور أن استقروا داخل الشقة، ارتفعت أفواه أسلحتهم النارية لتستقر فوق رؤوسهم...!
رواية غناء الروح الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم زيزي محمد
انتفضت سيرا واقفة بغضب جامح، تطاير الحنق من عينيها وهي تحدق بحورية التي لم تترك اتهامًا إلا وأمطرته على رأسها، وكأنها تحملها ذنبًا لم تُقترفه.
- قصدك إيه بالكلام الفارغ ده؟! هكون قولتله إيه عنك؟
ارتسمت على شفتي حورية ابتسامة ساخرة، وكان بريق عينيها يوحي بغضب دفين تفجر بعد تلقيها لتلك الرسالة الغريبة، شعرت حينها بدخان الشماتة يتصاعد من الحروف وكأنه عبر المسافات ليخترقها ويصل إلى أعمق موضع في كيانها.
- معرفش، إيه وصله إنه يبعتلي رسالة زي دي يا ست سيرا إلا إذا كنتي فهمتيه إني غيرانة منك؟؟
استشاطت سيرا غضبًا، وارتجفت نبرتها وهي ترد بنبرة لا تخلو من التهديد.
- حورية الزمي حدودك معايا، أنا سيرا ازاي تكلميني بالشكل ده؟!
بدأت عيناها تتوهجان بدموع حبيسة، تتأرجح بين الانفجار والكبرياء، حتى سارعت فاطمة، ورغم نفورها الدائم من حورية، إلى التدخل لتهدئة الأجواء المتوترة.
- اهدوا يا بنات، ده أكيد سوء تفاهم، حورية على فكرة سيرا كانت هتتخطف النهاردة.....
لكن حورية قاطعتها بعنف، كمَن دفعت بها حماقتها إلى الهاوية دون أن تنتبه.
- يا ستي أنا ماليش فيه، أنا عايزة تبرير حالاً للرسالة دي!!
حينها، سقطت دمعة خذلان من عيني سيرا، كانت دمعة مُرة، امتزجت بالإحساس بالوحدة والخذلان، إذ إن حورية لم تكلف نفسها أن تراعي ما تمر به، فمسحتها سريعًا، وردت بجفاء قاتل.
- معرفش، عندك رقمه اسأليه.
لكن تلك الإجابة زادت من هيجان عقل حورية الثائر، وجعلتها تتفوه بكلمات جارحة متعمدة، في محاولة لتدمير الصورة التي لم تستطع أن تنال منها داخل برج يزن العالي.
- باين شهيرة أختي كان عندها حق ونظرتها كانت صح، أنتي واحدة عارفة بتعملي إيه بالظبط والتمثيلية البايخة اللي عملتيها عليا وصدمتك فيه كان حوار فيك، للأسف كنت بحسبك واحدة غير كده، بس الظاهر إن الفلوس ومنظره خدعوكي، متبقيش ترجعي تعيطي وتندبي حظك بعد كده.
التقطت سيرا الإهانة وأجبرتها على البقاء في صدرها، لكنها لم تتركها تمر دون رد، فقالت بنبرة مريرة تنضح استنكارًا.
- لولا إن في بينا عيش وملح وإنك في بيتي، كان هيبقى ليا تصرف تاني معاكي...
وبينما تصاعد التوتر إلى ذروته، تدخلت فاطمة مجددًا، هذه المرة برزانة لم يعهدها أحد فيها، إذ اعتادت إطلاق لسانها عند حدوث مثل هذه النزاعات.
- اهدي يا سيرا، حورية أكيد ماتقصد.....
إلا أن حورية قطعتها بنفور واضح ونظرة لم تخفِ استنكارها.
- لا أقصد، ومتلعبيش يا فاطمة دور المصلحة الاجتماعية، وبعدين أنا هستغرب ليه سيرا متغيرة، ما هي ماشية ورا الفنانة اللي كل رأيها سطحي زيها، ميهماش غير الشهرة والفن، مش دي اللي مابتحبيش تاخدي رأيها في حاجة ومابتسمعيش لكلامها، إيه غيرتي رأيك؟!
تلون وجه سيرا بلون أحمر قاسٍ، احتقن الدم فيه، وكأن كلمات حورية فجرت قنبلة في أعماقها، جعلتها تُجسد مزيجًا من الكره والصدمة والاستهجان، يد فاطمة التي كانت على كتفها انسحبت، ثم أمسكت هاتفها وهمست بنبرة واهية.
- ماما اتصلت كتير، لازم أمشي...
تعلقت سيرا بيدها برجاء، وكانت عيناها تنطقان بكل الألم الذي لم تجد له مخرجًا، لكن فاطمة رفضت النظر إليها، حتى قُطع ذلك الموقف المفجع بدخول مفاجئ لأبلة حكمت، التي قالت بنبرة صارمة.
- معلش يا حورية يا حبيبتي، سيرا بس تعبانة ومحتاجة ترتاح، اتفضلي انتي، وابقي زوريها في أي وقت تاني.
كان أسلوبها واضحًا لا لبس فيه، وكأنها تطردها بلطف متحفظ، رمقت حورية سيرا بنظرة أخيرة، لكنها رأت اهتمامها مُنصبًا على فاطمة، فاستدارت وغادرت، حتى وقفت على أعتاب الباب لتُفاجأ بأبلة حكمت تُوقفها وتقول.
- طول عمري نظرتي فيكي ماخيبتش، بس يا حبيبتي نصيحة مني ليكي لو محروق دمك من حاجة حاولي تكتميها ماتبقيش بصلتك محروقة كده.
عقدت حورية ذراعيها أمام صدرها، وأجابتها بتهكم خفيف.
- حضرتك قصدك إيه؟!
تنهدت أبلة حكمت، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها مغلفة بحدة موجهة بعناية.
- قصدي اللي فهمتيه يا بنت الناس، أنا اختي اللي جوه دي خط أحمر، يمكن كانت بتفضفض عني بكلام معاكي، بس أنا مش زعلانة منها من أي كلمة، أصلها في النهاية أختي حتة مني، يهمني مصلحتها ونفسيتها، عشان كده بقولك مالكيش دعوة بأختي، ومتدخليش في أي حاجة تخصها أصل يمين الله هيكون لي تصرف مش هيعجبك، ومتقلقيش هي وفاطمة هيتصالحوا، أصل الاتنين مالهمش إلا بعض، يلا يا حبيبتي الوقت اتأخر وأهلك زمانهم قلقانين عليكي.
***
أما بالداخل
كانت سيرا قد منعت فاطمة من الخروج، أغلقت باب الغرفة بعنف، ثم اندفعت نحوها واحتضنتها بقوة، وهمست وسط بكاء متقطع.
- حقك عليا فاطمة، متزعليش مني، ماتسبنيش أنا ماليش غيرك.
فاطمة بدورها كانت تبكي أيضًا، لكنها أخفت دموعها خلف ابتسامة متماسكة.
- يا بنتي مش زعلانة، هو أنا هزعل منك يا مجنونة بردو.
ابتعدت سيرا عنها قليلًا، ونطقت بنبرة صادقة متقطعة.
- لا زعلانة وحقك، بس والله أنا ماقولتلها الكلام ده بالمعنى ده، أنا بس...كنت دايمًا بقولها إن مابحبش تفكيرك من ناحية الفن وحبك له، بس والله يا فاطمة مكنتش بقول زي ما هي بتقول كده، حقك عليا، أنا ماليش غيرك.
مسحت فاطمة دموعها، وقالت بابتسامة حزينة.
- عادي يا سيرا، طيب ما أنا بشتم عليكي مع أمي، واحدة قصاد واحدة.
- فاطمة أنا ماليش غيرك، أنتي مش هتزعلي مني صح؟!
سألتها سيرا برجاءٍ ممزوج برجفة، فأجابت فاطمة بهزة رأس نافيه، وقد أدركت تمامًا طبيعة حورية المركبة، بما فيها من الخير والشر، القوة والضعف.
دخلت أبلة حكمت بعصاها الشهيرة، وقالت بنبرة ذات حدة مصطنعة.
- إيه يا سيرا البت فاطمة بتفكر تزعل منك؟
ضحكت سيرا بيأس وهي تنظر إلى تصرفات أبلة حكمت المتطفلة على الدوام، وكأنها لا تكتفي أبدًا من التدخل في شؤونهن، رغم ما تحمله في قلبها من محبة دفينة لهن جميعًا، مغلفة بصرامة لا تخلو من الطرافة.
- لا يا أبلة، بس إيه العصاية دي؟!
ردت أبلة حكمت وهي تلوح بالعصا كمَن يهدد ولا يقصد التهديد، ماضية في طريقتها الساخرة التي اعتادوا عليها جميعًا.
- كنت بأدب بيها عيال اخواتك وعيالي، وقولت لو في واحدة عايزة تتأدب وتعقل، لتكون صدقت كلام الحربوءة اللي كانت هنا؟
أشارت فاطمة إلى نفسها باستنكار ساخر، تحاول أن تواكب الأجواء رغم بقايا الحزن التي كانت لا تزال تظلل ملامحها.
- أنا لا طبعًا، أنا هصدق كلام الثعبانية دي بردو يا أبلة؟
نظرت أبلة حكمت إليهما بفخرٍ أمومي مموه خلف جديتها الظاهرة، ثم وجهت كلماتها إلى سيرا بنبرة ذات معنى، وقد بدت وكأنها تنتزع الاعتراف من قلبها.
- شوفتي يا سيرا، جالك كلامي لما قولتلك البت حورية دي مش صافية من ناحيتك؟
صمتت سيرا، وكأنها لم تجد في قلبها رغبة للجدال أو حتى للتأكيد، فالكلمات في مثل تلك اللحظة تُستهلك بلا طائل، واختارت أن تحتفظ بردها لنفسها، وبينما كانت تمسح دموعها بخفة، لفت انتباهها أمر ما، رفعت رأسها وسألت بنبرة مستنكرة ممزوجة بالدهشة.
- هو انتي يا أبلة، كنتي بتتصنتي علينا؟
توسعت عينا أبلة حكمت في تمثيلٍ مبالغ فيه للدهشة، ثم شهقت بصوت عالٍ قائلة.
- أنا؟ أبدًا ده أنا كنت ماشية كده رايحة الحمام، الكلام وقع في وداني غصب عني، يلا هروح للعيال دول.
غادرت الغرفة بخطى واثقة كما دخلت، وخلفت خلفها ضحكة خافتة خرجت من فاطمة وهي تهز رأسها بيأس، وكأنها تؤكد لنفسها أن تلك المرأة المستبدة الحنونة لن تتغير أبدًا، مهما تغيرت الدنيا حولها.
في تلك اللحظة، انشغلت سيرا بهاتفها، تحاول الاتصال بيزن بنظرات قلقة وصبر نافد، وكأنها تحتاج إلى إجابة تُطفئ نيرانًا تشتعل في داخلها منذ لحظة المواجهة، لكن سرعان ما ارتسمت خيبة الأمل على وجهها، وزفرت بحدة ثم ألقت الهاتف على السرير بعصبية.
- قفل تليفونه، بس تمام بكرة مش بعيد، ونشوف بقى هو بعتلها الرسالة دي ليه؟
رفعت فاطمة نظرها إليها، وعلى وجهها مسحة من الحذر قبل أن تنطق.
- عايزة نصيحتي؟
رفعت سيرا حاجبيها بدهشة مصطنعة، ثم قالت بنبرة نصفها شكوى ونصفها تحدٍ.
- أكيد يا فاطمة، من امتى بتستأذنيني ولا بردو صدقتي كلام حورية!!
تنهدت فاطمة، ولم تشأ أن تزيد من توتر صديقتها، لكنها رغبت في قول ما تراه حقًا.
- مش كده يا سيرا، بس انتي دلوقتي في فترة متلخبطة، قلبك معجب بيزن...اه وماتبصليش، لسه معجبة بيه، وعقلك بيرفضه عشان اللي عرفتيه، فأي كلمة هتتقالك هتبقى بحساب، نصيحتي ترمي كل ده ورا ضهرك وتركزي وتشوفي بعينك وتقرري، متقفيش ضد قلبك وتميلي لعقلك ولا تقفي مع قلبك وتتجاهلي انذارات عقلك، خليكي متوازنة، التوازن مفيش أحسن منه.
استمعت سيرا لنصيحتها بصمتٍ مطبق، بينما كانت كلمات صديقتها تتسلل إلى قلبها برفق، وكأنها تعيد ترتيب الفوضى داخله، ثم تمتمت بنبرة مترددة.
- وإن التوازن مودنيش لنهاية احكم بيها.
هزت فاطمة رأسها بثقة، وبصوت هادئ يحمل نضجًا لم تعتده سيرا منها من قبل، قالت.
- مفيش حاجة اسمها نهاية مفتوحة، يا إما في نهاية سعيدة، يا إما نهاية حزينة، ومش لازم الحكمة تعرفيها في وقتها، بس صدقيني، هيجيلك الوقت المناسب وتعرفيها...
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، وهمّت بالخروج وهي تقول.
- تصبحي على خير.
***
وضعت حسناء يدها فوق رأسها بألم، بعدما تلقوا جميعًا ضربًا قاسيًا من قِبل الرجال المجهولين، الذين لم يكتفوا بالاعتداء الجسدي، بل سلبوا منهم الأموال ثم تركوهم غارقين في دوامة من الصدمة والإعياء، كان خالها أكثرهم تضررًا، إذ تمدد أرضًا وهو يتلوى يمينًا ويسارًا، يصدر همهمات وآهات متقطعة توحي بشدة الألم الذي يشعر به.
مسحت حسناء دموعها بأنامل مرتجفة، محاولةً كتم وجعها، بينما كانت آذانها تلتقط أنين والدتها وبكاءها المستمر، فجأة صرخت فيهم بانفعال وقد بلغ بها الغيظ مبلغه.
- بــــــس، اخرسوووووا.
ساد صمت ثقيل للحظات، كانت خلالها تحدق في الباب المفتوح على مصراعيه، وهو الشاهد الوحيد على خروج الرجال المسلحين بأموالها، تفكرت بتروٍ في الأمر...هل تتصل بالشرطة؟ لكنها ليست حمقاء لتورط نفسها بذلك، هل تخبر نوح؟ لكن...قاطع حيرتها صوت خالها، الذي تمكن من النطق بصعوبة وحسرة، قائلاً بصوت متألم.
- هو أكيد الدكتور بتاعك يا ختي اللي عمل فينا كده.
رفعت حسناء حاجبًا بعناد، وردت بعصبية تنم عن رفضها التام للاتهام.
- ما يمكن الشمام اللي كنت سايب عنده البت، اتصل بيه كده.
أخرج خالها هاتفه بصعوبة، وبدأ يعبث به بينما يردد بتثاقل.
- لا مش هو يا أختي، الواد اخد اللي اتفقنا معاه عليه، هيطمع ليه.....إيه ده؟!
اعتدلت حسناء في جلستها، وحدقت فيه بترقب وقلق.
- إيه؟؟
أجاب بشك.
- تليفونه مقفول...
زمت شفتيها ثم قالت بسرعة وبنبرة آمرة.
- قوم يا خالي روح له، ولو مالقتهوش يبقى هو الواد ده اللي عمل فينا كده.
قالتها بغيظ واضح، فنهض خالها متكئًا على الباب، يرد عليها بحيرة.
- ولو مش هو؟ وكان الدكتور بتاعك؟
أجابته بحدة وغل.
- وربي وما أعبد لاندمه على اليوم اللي فكر يعمل فيا كده، واخطف له بنته تاني.
ضحك خالها بسخرية وهو ما زال يتكئ على الباب، وقال بنبرة تهكمية.
- لا مع نفسك يا حلوة، الناس دي نابها أزرق، سلام لامؤاخذة.
في هذه الأثناء، افترشت والدتها الأرض بجسدها المنهك، وقالت بألم لا تخطئه الأذن.
- هتعملي إيه يا بت بطني؟ بوشك اللي باظ ده؟
كزت حسناء أسنانها بغيظ مكبوت، ثم هتفت بهدوء يقطر مكرًا.
- هتعرفي هعمل إيه.
أمسكت هاتفها بسرعة، واستجمعت تركيزها، ثم ضغطت زر الاتصال، وانتظرت حتى جاءها صوت نوح الخافت، والذي بدا عليه آثار النعاس.
- أيوه يا حسناء.
اتقنت التمثيل فجأة، واندفعت بالبكاء والأنين، متقمصة دور الضحية.
- الحقني يا دكتور....الحقني أبوس ايدك.
ضيقت والدتها عينيها باستغراب، واعتدلت في جلستها تحدق بابنتها التي كانت تصغي لصوت نوح، بينما تابعت حسناء حديثها بصوت متحشرج.
- ناس غريبة يا دكتور، بلطجية جم دخلوا علينا أنا وأمي، وضربونا....أنا عملت إيه بس لمدام يسر، والله ما عملت فيها أي حاجة، عشان تبعتهم يعلموني الأدب.
رفعت والدتها أحد حاجبيها باعتراض صامت، بينما استمعت إلى حسناء وهي تتابع باستسلام متقن.
- خلاص يا دكتور مستنياك، كتر ألف خيرك.
وما إن أغلقت الهاتف، حتى صاحت والدتها بحنق واضح.
- ولما يسأل مراته يا حلوة؟
ردت حسناء بهدوء فيه شيء من البرود، وهي تنهض عن الأرض وتجلس على المقعد.
- هتنكر طبيعي وأنا بقى هصر...
رمقتها والدتها بنظرات حيرة، وقالت بسذاجة.
- وليه يا حسناء ده كله؟
تنهدت حسناء بألم، وبدأت تدلك مرفقها المتورم، مجيبة بنبرة تفيض مرارة.
- كنت عايزة اسمع نبرة صوته وأنا بقوله على البلطجية واتأكدت إنه مش هو، ولسه لما يجي...
قاطعتها والدتها بسؤال قلق.
- وهتقوليله على الفلوس اللي سرقوها؟!
اكفهر وجه حسناء بغضب حاد، ثم صاحت.
- اهو انتي كده هتبوظي الدنيا، اسمعي ياما كلامي كويس، احنا قاعدين في حالنا وبلطجية دخلوا ضربونا أنا وأنتي بس اوعي تجيبي سيرة خالي، وهما ماشيين قالوا مدام يسر بتسلم عليكي وبس ولا كلمة أزيد ولا كلمة أقل.
***
بعد مرور عدة ساعات...
كان الليل قد لف المدينة في عباءته السوداء، والهدوء الثقيل يخيم على الشوارع، لا يعكره سوى وقع خطوات غاضبة ارتفعت على الدرج الحجري البارد، وقف نوح أمام باب شقة والد يسر، وجهه مشدود بتجهم واضح، وعيناه تقذفان شرر الغضب المكبوت، طرق الباب طرقات حادة متلاحقة، حتى فتحه الحاج فاضل، وهو يفرك عينيه المتعبة.
وما إن وقعت عينا نوح عليه، حتى قال بنبرة هادئة ظاهرًا، متوترة باطنًا.
- معلش يا حاج فاضل بس كنت محتاج أسال يسر عن حاجات في البيت هي كانت حاطهم من زمان ومش لاقيهم.
تجهم وجه الحاج فاضل وتقلصت ملامحه في ضيق واضح، لكنه أشار له بالدخول على مضض، غير أن نوح سارع إلى الاعتراض، قائلاً بابتسامة مقتضبة.
- لا مالوش لزوم، ده كام سؤال بس...
تنهد الحاج فاضل تنهد المستسلم، ثم التفت ودخل إلى الداخل، متجهًا نحو غرفة ابنته ليوقظها، نهضت يسر بتثاقل وقد غلبها النعاس، وارتدت إسدالها على عجل، بينما صوت والدها يخبرها أن نوح بالخارج، استيقظ عقلها بالكامل بمجرد سماع الاسم، ولكنها لم تُبدِ سوى استغراب خافت، وقالت بصوت خامل.
- خلاص يا بابا روح أنت نام وأنا هشوفه عايز إيه؟
أومأ الحاج فاضل برأسه ثم انسحب بهدوء، بينما توجهت يسر بخطى مترددة نحو الباب، وقفت عند العتبة، تتعلق أطراف أصابعها بالمقبض، ثم فتحت تنظر إليه بعينين نصف مغلقتين من الإرهاق، يتملكها الفضول والريبة.
- خير يا نوح؟؟
رفع عينيه إليها، ونبرته لا تخلو من الوجوم وهو يسأل مباشرة.
- أبوكي فين؟!
استغربت سؤاله المفاجئ، فالتفتت برأسها تنظر إلى الردهة المظلمة حيث كان باب غرفة والدها موصدًا، ثم عادت تنظر إليه بتوجس وقالت بهدوء.
- دخل ينام، في إيه؟
دون سابق إنذار، أمسك نوح بمرفقها بقوة، وجذبها نحوه لتصطدم بصدره العريض في حركة أربكتها، فشهقت بهمسة مصدومة.
- إيه ده في إيه؟؟
همس بعينين مضطربتين ونبرة تحمل مزيجًا من الحيرة والغضب.
- أنتي بعتي ناس يضربوا حسناء السكرتيرة؟ انتي الغيرة عمتك لدرجادي يا يسر؟
رمشت يسر بأهدابها غير قادرة على الفهم، بينما هو استرسل، محاولًا خفض صوته.
- هي عملتلك إيه، مش كفاية معاملتك الزبالة ليها، أنا عديتلك شتايمك ليها وشتايمك عليا لما كنت تعبان في بيتها، ومارضتش اعاتبك عشان الظروف اللي كنا فيها، بس سكوتي خلاكي تتمادي باين!!!
حدقت في عينيه الغاضبتين، وكأنها ترى فيهما انعكاسًا لشعور جديد لم تألفه من قبل ومع دفاعه المستميت عنها، لم تتمالك برودها، فمطت شفتيها بفتور أثار جنونه أكثر، وقالت بسخرية.
- هي قالتلك إن أنا شتمتها وشتمتك في التليفون؟!
قاطعته بسخرية قاسية، وابتسامة باردة كالصقيع.
- أيوه؟ وكمان بعتيلها ناس ضربوها هي وأمها، ليه يا يسر شغل العيال الصغيرة ده بس!! هي ذنبها إيه؟! طيب على فكرة هي اللي ساعدتني ارجع لينا، يعني...
قاطعته بسخرية قاسية، وابتسامة باردة كالصقيع.
- يعني هي اللي ساعدتك أنك ترجع لينا؟!
رد بنبرة خشنة وصلدة، وقد نفد صبره.
- ايوه يا هانم، يعني مكنتش خاطفها زي ما بتقولي!!!
تراجعت خطوة إلى الوراء، كأنها تتقي وقع كلماته الثقيلة، ونظرت إليه بعينين خاليتين من الحياة، وقالت بنبرة باردة.
- مش هي قالتلك إن أنا عملت ده كله، يبقى أنا عملت.
ثم استدارت ببطء، وبدأت تغلق الباب في وجهه، غير أنه وضع يده ليمنعها، متسائلًا باستنكار.
- يعني إيه؟!
دفعت يده بقوة، وبصعوبة أخفت رعشة أصابعها، وهتفت من بين أسنانها بغيظ مكتوم ونبرة تنذر بالخطر.
- يعني لو مابعدتش حالاً، هصوت واقول لبابا، إنك جاي تضربني عشان خاطر واحدة متسواش حاجة، للأسف يا دكتور نوح عملت للجربوعة قيمة بجيتك دي.
ثم دفعت الباب بقوة، وأغلقت خلفه بصدمة هزت الجدار، أسندت ظهرها إليه، وهي تحبس شهقة البكاء، وغصة في حلقها تنمو كالشوك، كانت تتوقع منه اعتذارًا بعد مجيئه في هذا الوقت المتأخر، لكنها صُدمت بهجومه الموجه لا لها فحسب، بل لما تبقى من كرامتها، مسحت دموعها سريعًا، ووضعت يدها فوق بطنها، وكأنها تستمد السكون من شيء لم يكتمل بعد، وهمست بصوت باكٍ متهدج.
- حسبي الله ونعم الوكيل في أبوك، مُصر يكرهني فيه.
وفي الخارج، كان نوح ينزل السلالم بخطى غاضبة، يكاد يأكل الأرض بأسفل قدميه، فتح باب سيارته بقوة، وانطلق بها بسرعة جنونية، متجاهل كل قوانين الطريق، وكأن الألم يقوده.
لكن ما لم يعلمه نوح، أن هناك مَن كان يراقبه من بعيد، عينٌ لم تغفل عن كل حركة، حتى التقط هاتفه واتصل بالعقل المدبر، بصوت متهكم يحمل في طياته نغمة تأكيد.
- تصدقي شكله يا بت يا حسناء كلامك صح، ده راح عند مراته بعد ما خرج من عندك ونزل دلوقتي وشكله متضايق وعلى أخره.
رد صوت حسناء من الطرف الآخر، وفيه نبرة انتصار واضحة.
- مش قولتلك مش هو، المهم الواد الشمام ده تقب يا خالي وتعرفه فين، ابن الحرامية ده!!
- طيب سلام....هقلب الدنيا عليا.
ثم أُغلق الخط، لتبدأ الخيوط بالتشابك أكثر فأكثر، وأصبح الوضع أكثر احتدامًا وإيلامًا...
***
في صباح اليوم التالي، نهضت سيرا باكرًا كعادتها، وتهيأت للذهاب إلى عملها، وما إن خطت خارج بنايتها، حتى وقعت عيناها على سيارة يزن تنتظر أمام المدخل، توقفت للحظات، تستجمع شتات أفكارها، وتستحضر وصية فاطمة لها.
"حافظي على هدوئك، وخلي بالك من كلامك".
تنفست بعمق ثم تقدمت نحو السيارة بخطى متزنة، وطرقت على زجاجها برفق، فاستجاب يزن على الفور، فأنزل الزجاج بهدوء، أدخلت رأسها إلى الداخل وقد ارتسم الضيق على ملامحها، وقالت بنبرة جافة.
- هو أنا يا يزن مش قولتلك امبارح ماتجيش توصلني وأنت قولتلي اوك، رجعت في كلامك ليه؟
استدار نحوها، يختبئ خلف نظارته الشمسية، وابتسامة صباحية مشرقة لا تتناسب مع حدتها، لكنها كانت كفيلة بإرباك مشاعرها المتأججة.
- هو أنتي قولتيلي كده امبارح، امال أنا سمعت ليه متتأخرش يا يزن؟!
رمقته بنظرة استنكار واضحة، وقالت بنبرة مفعمة بالشك.
- والله؟
تعمد أن يكسو صوته الحزن، وأمال رأسه قليلًا كمن يلعب دور المظلوم، بينما الخبث في نبرته لم يكن خافيًا على من يعرفه جيدًا.
- يعني ده جزاتي، آجي أخدك عشان خايف عليكي بعد اللي سمعته من زيدان امبارح بخصوص الست اللي كانت هتخطفك.
تغيرت ملامحها فجأة، وارتفع مستوى انتباهها، ثم فتحت باب السيارة وصعدت على عجل وجلست إلى جواره، وقد تملكها الفضول والحذر في آن، فسألته بلهفة.
- ها قالك إيه؟
أدار محرك السيارة وانطلق كعادته بسرعة تكاد تلامس الجنون، وكأنها جزء لا يتجزأ من شخصيته، ثم أجابها ضاحكًا بعبث ظاهر.
- مقاليش حاجة، أنا أصلاً مشوفتهوش، كنت بختصر جدالك على الصبح اللي مالوش لزمة.
رفعت حاجبيها بدهشة واستهجان من طريقته اللامبالية، وقالت بلهجة تجمع بين الجدية والغضب المكتوم.
- كويس بردو، أنا كده كده كنت هركب، تصور كنت بدور عليك من امبارح بس تليفونك مقفول.
رمقها بنظرة خاطفة، ثم عاد يركز على الطريق، وأجابها بسخرية مرحة.
- إيه، لحقت اوحشك؟
قاطعته بنبرة جادة وسؤال مباشر أرادت من خلاله أن تربكه، ظنًا منها أن صراحته المفرطة ستنكسر عند أول مواجهة.
- لا، بس كنت عايزة أعرف ليه بعت الرسالة دي لحورية صاحبتي؟! غرضك إيه؟!
لكنه لم يتأثر، بل ظل العبث مطبوعًا على ملامحه، وقال وهو يضحك دون أدنى حرج.
- غرضي شريف والله، أنا قولت يمكن تنسي تعزميها، وهي حربوءة صغيرة ممكن تزعل منك، يعني نيتي كانت سليمة.
- نيتك سليمة!! تبعتلها رسالة تعزمها فيها؟! في إيه يا يزن ما تخليك واضح وصريح؟!
عند هذه الجملة، أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق، التفت نحوها وقد تبدلت ملامحه تمامًا، فتلاشت سخريته وحل محلها جدية مفاجئة، قال بتروٍ أربكها وأثار حذرها.
- حلو!! عايزاني أكون صريح وماله، بعتلها رسالة عشان هي بت مش سالكة، فحبيت أقصر عليها أي مسافات.
ارتبكت من نبرته الحادة، واعتدلت في جلستها، ثم نظرت إليه وهي تقول بتهكم خفيف، تخفي خلفه ارتيابًا متزايدًا.
- يزن! حورية مش بتحبك ولا معجبة بيك، خد بالك بس ليكون غرورك وصلك....
لكنه قاطعها فجأة، وقد خلع نظارته الشمسية ووضعها بعناية إلى جانبه، قبل أن ينطق بكلمات نارية.
- غروري!! انتي تعرفي إيه عني يا سيرا غير اللي بتسمعيه منها؟! وبعدين مين قالك إن أنا فاكر أنها بتحبني، لا أنا عارف أنها مابتطقنيش، بس ليه؟ وعشان إيه؟ فاكرة نفسها أبلة الناظرة في المدرسة وبتعلمنا الأدب، وإن جيتي بصيتي ليها هتلاقي حياتها وكلها هي على بعضها مليانة غلط في غلط، فمتجيش وتنظر عليا أو على حياتي، أو على حد يخصني.
حدقت فيه بدهشة، وصدمة امتزجت بالاستفزاز، لكنها لم تترك كلامه يمر دون رد، سألته ساخرة.
- ومين بقى اللي يخصك هي نظرت عليه؟!
اقترب منها، وأشار نحوها بحركة حادة، ونبرة امتزجت فيها الغيرة بالتملك، وقد فُضح ما يحاول منذ أيام أن يُخفيه.
- أنتي، ايوه انتي تخصيني، اوعي تكوني فاكرني عيل أهبل ماشي ورا البنات وبريل على أي بنت....
قاطعته بقوة، تحاول أن تسيطر على ارتجاف قلبها الذي خانها لحظة، لكنها استعادت رباطة جأشها بسرعة، وقالت بنبرة لاذعة.
- حلو صراحتك دي، انت إيه بقى؟ دنجوان؟ ولا بتضحك على البنات....
ابتسم بسخرية جذابة، وأشار بيده وكأنه يوجه صفعة معنوية.
- أنا كل حاجة وعكسها، وافهميها انتي بقى.
أدار محرك السيارة مجددًا، لكن سيرا لم تمنحه تلك النهاية السريعة، فاستوقفته بنفَس مشحون بالغضب.
- لا استني، ماتتكلمش بمزاجك وتوقف بمزاجك، أنا عايزة افهم انت إيه؟، مش مكسوف مني بجد.
رفع حاجبيه متعمدًا البرود، وقال بهدوء أربكها.
- وهتكسف منك ليه؟!، أنا مابعملش حاجة غلط، ولا عمري وعدت بنت بجواز ولا عمري اعترفت لواحدة بحبي، كلها علاقات تقدري تقولي عليها، مزاجية هما بيرتاحوا فيا وأنا برتاح فيهم، كل واحدة فيهم فيها ميزة خاصة وعيب، وأنا بقى بقى عندى دكتوارة في جنس حواء.
شعرت بكلماته كأنها صفعات متتالية، فعضت على شفتها السفلى بقوة حتى شعرت بطعم الدم، ثم قالت بغضب توعده.
- تصدق بالله أنا لو كان معايا سكينة، كنت غرزتها في قلبك وخلصت، إيه اللي بتقوله ده؟! بس فعلاً حورية كلامها صح عنك.
لم يفهم لماذا أصر على صدمها بحقيقته، ربما أراد أن تضع نهاية لهذا الارتباط الوليد قبل أن يتجذر، ربما أراد أن تكتشف بنفسها عيوبه، فلا تأتيه يومًا باللوم، وربما، فقط ربما... أراد أن يكون أمامها شفافًا، فتملك هي حرية القبول أو الرفض.
- حورية دي أكبر واحدة سطحية، سمعت من أختها كلام عني وراحت تردده زي البغبغان، طيب ما أنا بردو ممكن اعمل زي البغبغان واردد إنها شخصيتها ضعيفة مع خطيبها وبيهزق فيها في الرايحة وفي الجاية و.....
قاطعته وقد علت ملامحها علامات الصدمة والاشمئزاز.
- بس بس إيه الكلام اللي بتقوله ده؟
- هي مش هتيجي تقولك عيوبها ولا إن اهلها بيعانوا معاها في إيه، وعلى فكرة أنا عرفت من نفس الشخص اللي هي واخدة معلوماتها ثقة منها، سيرا أنا لو جيبتلك مليكة مرات زيدان لغاية عندك وعرفتها باللي حورية بتعمله معايا، هتثبتلك عكس كل حاجة هي قالتها.
ضحكت ضحكة ساخرة، وقد تلبسها الاشمئزاز من منطقه، وقالت بحدة.
- وده ليه بقى، ماسك حاجة على مرات اخوك؟
اشتد صوته، وتبدلت نبرته إلى لهجة لاذعة فيها من الغضب والرفض ما أسكتها للحظات.
- خدي بالك من كلامك معايا وكلامك وعن أهلي، كل اللي اقصده إن الحمد لله إذا كان شمس مرات سليم أو مليكة مرات زيدان فأنا علاقتي بيهم كويسة، وعمري ما اتعديت حدودي معاهم، ومن اللحظة اللي دخلوا فيها بيتنا، فهما اخواتي، فأنا مش زعلان عن أي كلمة قالتها مليكة عني لشهيرة أخت حورية، هي في الاول كانت ماتعرفنيش وتعرف الظاهر بس.
اعتدلت في جلستها تنظر أمامها، عقدت ذراعيها بتوتر واضح وعيناها مشبعتان بالغضب، ثم قالت بحدة ووجوم، تعبر عن امتعاضها.
- لو سمحت وصلني يلا الشغل.
لم ينبس يزن ببنت شفة، واكتفى بقيادة سيارته بجنون كعادته، كأنما يتعمد استفزازها، بينما كانت عيناه تتنقلان بين الطريق ويده الموضوعة على المقود، في حين أسند الأخرى بإهمال فوق ساقه، شعرت سيرا بالقلق يتسلل إلى قلبها، فتهوره لم يكن مألوفًا فحسب، بل بدا هذه المرة وكأنه ينذر بشيءٍ أكثر خطورة، قاطع شرودها صوته العابث، وقد نطقه بنبرة مليئة بالثقة واللامبالاة.
- مابعرفش اسوق إلا بإيد واحدة....
نظرت إليه باستنكار وقلق، وقالت.
- يعني عارف إنك بتخوفني؟!
أجابها بضحكات قصيرة ساخرة، لكن وجهه ما لبث أن عبس فجأة، نظر بحدة نحو المرآة الجانبية وهمس بقلق لم يخفَ على أذنها المتحفزة.
- إيه العربية دي، ماشية ورايا ليه؟!
شعرت سيرا بانقباض مفاجئ في صدرها، وسارعت تسأله بقلق متزايد وقد استدار جسدها نحوه.
- في إيه يا يزن؟
نظر إليها سريعًا وابتسم ابتسامة حاول أن يضفي بها طمأنينة لم تكن نابعة من قلبه.
- مفيش حاجة...انتي خوفتي ليه كده؟!
لكن كلماته لم تكد تلامس الهواء حتى انطلقت سيارة سوداء بسرعة جنونية خلفهم، فانعقد حاجباه وشد قبضته على المقود، وزاد من سرعته محاولًا الفكاك من مطاردة غامضة، سيرا لم تتوقف عن سيل أسئلتها، صوتها المرتعش يختلط بصوت المحرك المرتفع، حتى نفد صبره، فصرخ بها بقوة.
- اسكتي يا سيرا، خليني اركز.
- دول أكيد تبع الست اللي كانت هتخطفني، هيسرقوا أعضائنا....هيسرقوا أعضائنا.
على نبرته بسخرية من ذعرها وساذجتها.
- هيسرقوا أعضائك، أعضائي أنا مالها، سيبني أركز.
اقتربت السيارة الأخرى منهم، حتى أصبحت بمحاذاتهم، ومن نافذتها ظهر رجل بنظرات حادة ونبرة إجرامية باردة.
- اقف، احسنلك.
شهقت سيرا بفزع، ثم صرخت برجاء.
- اوعى تقف يا يزن.
لكن الرجل لم يكتفِ بالتهديد اللفظي، بل أخرج سلاحًا ناريًا وجهه ناحيتهما، وظهر خلفه رجل آخر يحمل سلاحًا أكبر، لم تملك سيرا نفسها، فصرخت برعب هز أوصالها.
- يالهوي هيقتلونا....هيقتلونا، اقف يا يزن...لا ما تقفش يا يزن.
كان يزن حائرًا، يداه على المقود وقلبه معلقٌ بخوفه عليها، لا على نفسه، يعلم أن التهور قد يعرضها للأذى، كما يعلم أن الاستسلام قد يكون مصيرًا أسوأ، وبينما يفكر، توقفت السيارة الملاحقة فجأة أمامهم، مجبرة إياه على التوقف، التقطت أنفاسها المتقطعة وهي تشد ذراعه بتشبثٍ ملهوف، تحتمي به كمَن وجد نفسه في كابوس حي.
ترجل عدد من الرجال من أكثر من سيارة، واتضح أنها لم تكن سيارة واحدة، بل كمينًا حقيقيًا، اقترب أحدهم ونظر ليزن بنظرة فوقية، ثم قال بنبرة خشنة مهددة.
- انت يزن الشعراوي؟!
أومأ له يزن برأسه بثبات مصطنع، فأكمل الآخر بنفس اللهجة.
- المعلم طلقة بيسلم عليك، وعايزك... انزل يلا.
انكمشت ملامح يزن للحظة، ثم تساءل باستنكار محاولًا كسب بعض الوقت.
- المعلم مين؟
ابتسم الآخر ابتسامة ساخرة تكشف أن لا خيار أمامه، وقال.
- طلقة بتاع اسكندرية، إيه نسيته؟!
رفع سلاحه أمام وجه يزن، فأجابه بارتباك مصطنع وابتسامة مهزوزة.
- لا طبعًا فاكره هو ده حد ينساه!
- طب انزلوا يا أخويا انت وهي، هتشرفونا في العربيات بتاعتنا..
ثم أشار برأسه إلى أحد رجاله، فاستدار الآخر حول السيارة متجهًا إلى باب سيرا، وحين فتحه بادرت هي بالصراخ ونظراتها المرتاعة تفضح ذعرها.
- لا حضرتك أنا ماعرفوش، ماعرفوش.
اتسعت عينا يزن بصدمة من سرعة إنكارها له، لكنه سرعان ما استوعب الموقف حين رأى الرجل يمد يده ويمسكها من مرفقها بقسوة جعلتها تصرخ بألم، لم يتمالك نفسه، فهبط من السيارة بسرعة وهو يهتف.
- محدش يلمسها...محدش يلمسها قولت.
ركضت نحوه تحتمي به وقد اختبأت خلفه كأنما هو حائطها الأخير، دفعه أحد الرجال قائلاً بلهجة آمرة.
- طيب يلا يا أخويا، المعلم بيستعجلنا.
أجاب يزن وهو يحاول إنقاذها.
- خلوها تروح، طالما هو عايزاني، هي ملهاش دعوة.
- أيوه أنا ماليش دعوة.
لكن الرجل الآخر ابتسم بسخرية وقال وهو يثبت السلاح نحوها.
- لا...البت دي شافتنا وممكن تبلغ، هتروح معانا يعني هتروح، يلا متكترش عشان متزعلش.
شهقت سيرا برعب وقالت بتوتر واستسلام.
- خلاص هروح معاكوا وأمري لله.
تقدما نحو السيارات، وتبعهما رجلان يراقبانهما بحذر، قبل أن يستقلا السيارة، قال أحد الرجال.
- جبنا كل حاجة.
رد عليه الآخر.
- ايوه بس هي لسه تليفونها، تليفونه معايا.
أسرعت سيرا وقدمت حقيبتها وهي تقول برجاء.
- حضرتك هي فيها كل حاجة تليفوني وفلوسي وكله.
ابتسم الرجل بسخرية، بينما كان يزن ينظر إليها مصدومًا من سرعة استسلامها، لكنهم لم يمهلوهما الكثير من الوقت، دفِع كلاهما إلى داخل السيارة، وعندما حاول أحد الرجال الجلوس بجانب سيرا، صاح يزن بغيرة ودهشة.
- إيه هتركب جنبها؟! اوعى يا عم....مراتي.
فغرت فاهها بذهول، تنظر إليه وكأنها تسمعه لأول مرة، لكن الرجل أومأ برأسه قائلًا.
- حقك...اركب.
استقل يزن المقعد المجاور لها، وكان رجل ضخم البنية يجلس بجانبهما، مما جعل المسافة بينهما تكاد تنعدم، همست له برعب صادق وقد بدأت ترتجف.
- يزن، مين المعلم طلقة اللي عايزاك ده؟
أجابها بصوت خافت، وكأنه يخبرها بسر دفين.
- تاجر سلاح.
صرخت بجنون وقد أصابها الذهول.
- إيه...تاجر إيه؟
وما إن أنهت كلمتها حتى دوى صوت الرجال في السيارة في لحظة واحدة، وهم يرددون بصوت واحد.
- ســــــــلاح.
رواية غناء الروح الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم زيزي محمد
مرت الدقائق عليهما داخل السيارة ثقيلةً خانقة، وهي تتشبث بيزن كمن يودع أنفاسه الأخيرة، بينما هو ظل صامتًا، شارد الذهن، غارقًا في تفكير عميق حول تلك المصيبة التي حلت بهما.
قطع عليه شروده همسها الخائف بجانبه:
- يزن، هما هيعملوا فينا إيه؟
- معرفش.
أجابها باقتضاب، فاغتاظت من هدوئه الذي بدا لها غير مبرر وسط هذا الخطر الداهم، غير مدركة أنه كان يحاول كبح جماح أي تصرف متهور قد يجر عليهما الويلات، واضعًا سلامتها نصب عينيه.
غير أنها لم تحتمل الصمت أكثر، فتجرأت ونادت على الرجل الذي تولى مهمة اختطافهما، قائلة بحبور غريب:
- حضرتك انت واخدنا على فين؟
- اسكندرية عند المعلم طلقة.
أجاب الرجل دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليها، فصاحت باستنكار، أفزع حتى يزن نفسه:
- لا اسكندرية لا، أنا ماقدرش أسافر معاكم، اقف ونزلني هنا.
رمقها الرجل بنظرة غاضبة وهو يجيبها بخشونة:
- انتي طالعة فسحة يا روح ***، اقعدي ساكتة، يا أما هافرغ ده في دماغك.
رفع يزن أحد حاجبيه باعتراض واخشوشنت نبرته بقسوة:
- أنت بتشتمها ليه، لم نفسك يا عم، أحسنلك.
بلمح البصر، أشار الرجلان بالسلاح نحوه، فخفق قلبها خوفًا عليه، خاصةً أن نظراته كانت تنذر بانفجار وشيك. همست إليه برجاء وهي لا تزال تحتضن ذراعه:
- خلاص يا يزن، خلاص سيبك منه.
- طيب سكتها يا اخويا، عشان مسكتهاش طول حياتها.
تدخل أحد الرجال قائلاً:
- خلاص أحمووو، عديها بقى.
زفر الرجل بقوة والتفت إلى الأمام، بينما سيرا حاولت تهدئة يزن، فهمس لها بغل مكبوت وهو ينظر إليها:
- اسكتي خالص لغاية ما نوصل ونشوف عايز مني إيه.
همست إليه بخوف تجلى بوضوح في عينيها:
- أنا خايفة من بابا وخايفة يقلقوا عليا لو اتأخرت.
زم شفتيه بضيق وهمس مجددًا:
- انتي المفروض تخافي من اللي احنا فيه، الباقي كله سهل، بس نخلص بس من الحوار ده.
هزت رأسها بتفهم وعادت بجسدها إلى الخلف، تحاول الاستكانة بينما قلبها يهوي في فوهة جحيم الخوف، ولم تدرك أنها لا تزال تتشبث بذراعه كأنها تتشبث بطوق نجاة. أما هو فلو وصل به الأمر لاحتضانها لحمايتها لفعل، إلا أنه تشبث بهدوئه الظاهري، متعجبًا من شدة خوفه عليها، خوف لم يشعر به حتى على نفسه.
مرت الساعات ثقيلةً وهما في الطريق، حتى وصلا أخيرًا إلى الإسكندرية. كانت المرة الثانية التي تطأ قدماه فيها تلك المنطقة، حيث كان المعلم "طلقة" قد أراد تزويجه ابنته رغمًا عنه، والآن ها هو يعود إليها مجددًا، ولكن بظروف مختلفة، وهي تتشبث بكفه وتسير خلفه، تُساق كما تُساق الأضاحي، تحت أعين رجال المعلم.
لكنهم لم يتجهوا هذه المرة إلى بيت المعلم طلقة، بل قادوهما إلى مخزن مهجور قريب، تفوح منه رائحة الرطوبة والصدأ. لفت انتباه يزن استعدادات قائمة لحفل زفاف شعبي بدا أنه سيُقام قريبًا في الحي.
دخلا معًا إلى المخزن، وأمرهما المدعو "أحمو" بالجلوس على مقعدين خشبيين متآكلين في انتظار قدوم المعلم طلقة، ثم جلس هو أيضًا بالقرب منهما، مما أضفى على الجو مزيدًا من التوتر والرهبة. لم يتبادلا كلمة واحدة، خوفًا من إثارة غضب الخاطفين، حتى دخلت عليهم سيدة ثلاثينية، اتضح سريعًا أنها زوجة "أحمو".
قالت السيدة والتي تدعى "غزالة" بنبرة غاضبة:
- حلو أوي ماتردش على اتصالاتي أحموو، بس عرفت أجيبك.
رفع "أحمو" نظره إليها قائلاً بخشونة ظاهرة:
- جرى إيه يا غزالة؟!، ما تظبطي نفسك، هو أنا كنت بدلع ما أنا كنت في شغل.
ثم أشار بعينه نحو يزن وسيرا الجالسين كالأصنام، غير أن غزالة لم تهتم بهما، بل تابعت بصياح حاد:
- يعني إيه أحمو محضرش شوار أختي لامؤاخذة، أنت اتجننت في عقلك يا راجل.
رد عليها بعناد قاسٍ:
- مزاجي كده، ومش هتحضريه وتمشي كلمة أبوكي عليا.
شهقت هي باستنكار لاذع:
- لا بقى كلمة أبويا هتمشي، تصدق كلامه صح، أنت مش عايزاني أحضر شوار أختي عشان أمك هي اللي قالتلك كده، أمك بتمشي كلمتها عليك أحمو.
- يعني أبوكي اللي قالك كده؟
هزت رأسها مؤكدة، وزادت بوقاحة:
- وقالي سيبك منه ابن أمه.
وقف فجأة وجذب سلاحه من خلف ظهره، قائلاً بنبرة متوعدة:
- ولما اقتلهولك هتتبسطي، طيب وديني لاقتلهولك.
ثم غادر المخزن بخطوات صاخبة غاضبة، تاركًا زوجته تنظر خلفه ببرود، وكأن تهديده لم يحرك بها ساكنًا. التفتت غزالة برأسها إليهما بنظرات فضولية، وقالت بإعجاب غريب:
- جايين في مصيبة إيه؟! ولا انتوا شكلكوا شبه بتوع السيما وبالذات أنت يا قمر.
غمزت بطرف عينها نحو يزن، الذي جلس مذهولًا من جرأتها، فأجابت سيرا بسخرية ممزوجة بالدهشة:
- حضرتك باباكي هيتقتل مش واخدة بالك ولا إيه؟!
جذبت غزالة مقعدًا، وجلست أمامهما متحفزة، تسأل بفضول طفولي:
- ها جايين في مصيبة إيه؟!
هزت سيرا كتفيها بحيرة وقالت:
- منعرفش، بس لو حضرتك مش واخدة بالك، حمو هيقتل باباكي.
نهض يزن متوترًا ليتأكد من خلو المكان بالخارج، غير أن غزالة استوقفته بسخرية:
- اقعد يا باشا المكان برة متلغم، وبعدين انت عايز تدخل المخزن ده وتخرج كده منه سليم.
استنكرت سيرا بتهكم:
- امال هيقطعونا؟
ثم أردفت باستغراب حقيقي:
- بس حقيقي أنا مستغربة، باباكي هيتقتل وانتي ولا هنا.
حكت غزالة ذقنها بتفكير وهي تنظر إليهما:
- بس شكلكوا ولاد ناس، يا ترى المعلم طلقة عايزكم ليه؟ انتوا معلمين عليه لا مؤاخذة؟
ردت سيرا متحفزة:
- حضرتك هو اللي معلم علينا لغاية دلوقتي، بس باباكي...
قاطعها يزن بنظرة حادة، ثم التفت إلى غزالة قائلاً بلباقته المعتادة:
- احنا فعلاً مانعرفش، بس لو أمكن ممكن تليفونك يا قمر بس اعمل منه اتصال؟
ابتسمت غزالة بإعجاب واضح:
- ياخويا لسانك حلو زيك، بس لا حموووو يزعل مني وكله إلا زعل حمو.
همست سيرا لنفسها بغيظ:
- وباباها عادي يتقتل!!
سألت غزالة يزن بإعجاب سافر:
- انت عايز التليفون ليه يا حلو يا اللي شبه الحلاوة الطحينية انت؟
ابتسم يزن ابتسامته الخاطفة، وقال بنبرة مغوية أوقع بها تأثيره عليها:
- اتصل على حد قريبي، ولو كنتي خايفة من حمو أنا لا يمكن اقوله، معقولة أأذيكي يا قمر؟!
شبت نيران الغيرة في قلب سيرا، فلكزته بساقها تحت الطاولة، وهمست له بحدة:
- احترم نفسك أنا قاعدة.
ضحكت غزالة وهي تخرج هاتفها من محفظتها الصغيرة، وقالت وهي تقدمه إليه:
- خد بس اتصل على أرقام فودافون بس ممعيش رصيد لشبكات تانية.
أخذ يزن الهاتف وأجرى اتصالًا بزيدان، فوجده مغلقًا، أعاد المحاولة عدة مرات بلا جدوى، ثم زفر بضيق وهم بالاتصال بسليم، بينما غزالة كانت تثرثر مع سيرا بفضول لا يخبو:
- وانتي تقربيله إيه؟؟
- أنا...أبقى..
ترددت سيرا للحظات قبل أن تقول بابتسامة سمجة:
- مراته.
علقت غزالة بحماس:
- لايقين على بعض.
وفي تلك اللحظة علت أصوات جلبة بالخارج، فأدركت غزالة أن المعلم طلقة قد وصل. انتزعت هاتفها سريعًا من يد يزن قبل أن يتمكن من إجراء اتصال، وقالت برجاء:
- اوعى تقول إن أنا اديتك التليفون، أصله راجل شراني.
ما إن أنهت جملتها حتى فُتح الباب الكبير بقوة، ودخل المعلم طلقة وخلفه عدد لا بأس به من الرجال المسلحين. شعرت سيرا وكأنها انزلقت فجأة إلى قلب فيلم سينمائي مريب، فقال المعلم طلقة بصوته الجهوري:
- أهلاً يا ابو نسب، أهلاً بكريمة المجتمع.
وقف يزن يصافحه وقد تعمد إظهار استيائه من الموقف برمته، بينما كانت سيرا فارغة الفاه، وغزالة قد انسلت إلى الخارج خوفًا أن يطالها بطش هذا الرجل المتغطرس.
- بقى دي معاملة يا معلم؟
صافحه المعلم "طلقة" بقوة شديدة، وقد علت وجهه ابتسامة عريضة تكشف عن سعادته حين نجح رجاله في تحقيق مأربه:
- ماتزعلش يا ابو نسب، بس كان لازم اجيبك النهاردة لامؤاخذة ضروري...اقعد هنتكلم على الواقف.
جلس يزن على مضض، وقد اكتسى وجهه مسحة من الجمود، منتظرًا بدء حديثه، غير أن المعلم طلقة جذب انتباهه إلى وجود سيرا المرتعبة مكانها، فالتفت نحو رجاله وأمرهم بخشونة مفزعة:
- مين دي يا حمار منك له، أنا قولت تجيبوا كريمة المجتمع بس.
فزفر يزن بقوة، وأمسك يدها بتملك ظاهر، خشية أن يطالها تهور هذا الرجل الأرعن:
- دي مراتي يا معلم.
توسعت أعين المعلم طلقة بصدمة مفاجئة:
- أيه؟، انت اتجوزت؟
قبضت سيرا فوق أصابع يزن بقوة، حينما لمحت لمحة الشر المتجسدة في عيني ذلك الرجل الغريب، فأجاب يزن بهدوء غريب:
- اه من فترة.
- كده المسألة اختلفت واتغيرت ولا إيه يا جماااال.
هب جمال واقفًا خلفه، ينظر إلى يزن وسيرا بتفكير عميق، ثم ما لبث أن همس ببعض الكلمات بجانب أذن المعلم، وعلى إثر كلماته، اتسعت ابتسامة طلقة بقوة وهو يقيم الموقف بعينيه، فأشار إلى جمال بالابتعاد، وانتبه مجددًا إلى يزن قائلاً:
- مش مشكلة يا ابو نسب انت بردو هتفضل ابو نسب، أنا لامؤاخذة عايزك في حوار كده، خدمة هتقدمهالي قصاد انت والمحروسة مراتك تخرجوا من هنا سالمين غانمين.
تصلب يزن في مقعده وهو يسأل بشك:
- ده تهديد يا معلم؟
- اعتبره تهديد، أو اعتبره عربون محبة انت هتعمله وفي المقابل....
صمت قليلاً وهو يفكر، ثم صدح صوته بخشونة مهددة:
- الصراحة مفيش غير المقابل ده، هي أوراحكم دي مش مهمة ولا إيه يا مدام؟
أشارت سيرا نحو نفسها بتلقائية وهي تسأله ببلاهة:
- حضرتك بتكلمني؟!
هز رأسه مؤكدًا وهو يسأل بشك ساخر:
- ولا انتي مش المدام، ولا إيه؟
احتضنت ذراع يزن وجذبته بقوة نحوها، مؤكدة برأسها بقوة:
- لا المدام حضرتك، يزن شوفه عايز إيه واعمله.
قالتها برجاء خاص ينبع من قلبها المرتجف، فتنهد يزن بقوة وهو يعتدل بجسده، تاركًا ذراعه التي تعشق التعلق به كطفلة صغيرة:
- عايز إيه يا معلم؟
اقترب المعلم طلقة بمقعده وهمس بضيق وهو ينظر حوله:
- بتي...مش فايزة طبعًا، فايزة دلوقتي متجوزة...
ثم خفض صوته أكثر، وكأنه يفضي بسر دفين:
- بتي نجلاااا، لامؤاخذة أنا مخبيها عن الكل، عشان عقلها...خفيف.
رفعت سيرا حاجبيها بفضول لا تستطيع كتمانه، فسألته متعجبة:
- خفيف ازاي يعني؟؟
أطرق برأسه وهو يشرح ببساطة محزنة:
- يعني عقلها لاسع شوية لا شويتين، بس واللي خالقني مفيش أطيب من قلبها، المهم بقى يا ابو نسب، بتي دي أنا بتعاير بيها لامؤاخذة من أخويا الله يجحمه، راح فاضحني وسط المعلمين بيها، وخلاني الهزوء بتاعهم كلهم، فأنا الدم غلي في عروقي، وقولت وديني لاجوزها واعملها فرح تتحاكى بيها اسكندرية كلها، اه مش أنا اللي يتلوي دراعه.
كان يزن وسيرا يتبادلان نظرات الاستفهام، فسرعان ما صرح المعلم طلقة ببسمة إجرامية منتصرة:
- مالقتش غيرك يا ابو نسب تتجوزها ونعمل الفرح وافرح واتباهى بيك في وسط المعلمين واكبس أخويا ابن الـ ******.
ساد صمت غريب وطويل بين الجميع، حتى حمحم المعلم طلقة بخشونة قبل أن يسأل باستنكار:
- ساكت ليه يا ابو نسب؟!
تحشرج صوت يزن وهو يجيبه، يكاد لا يصدق ما يسمعه:
- مش قادر افهم، هو انت يا معلم مش واخد بالك من اللي متعلقة في دراعي دي؟ دي مراتي!
زم المعلم شفتيه في ضيق، وردد بضجر:
- اه ما أنا لما شوفتها لخبطت كل حاجة، بس عادي جمال دراعي اليمين قالي تمثل إنك هتتجوز بنتي ولما الفرح يخلص تاخد بعضك انت والسينورة وتمشوا.
صمت يزن، يفكر قليلاً في خطورة هذا الموقف، ثم نظر إلى سيرا فوجدها مرتعبة حد الغرق في ذعرها، قال بهدوء وابتسامة أدهشتها:
- طيب أنا مقدرش ازعلك وماشي موافق على كلام جمال دارعك اليمين، بس يا ريت بس اتصل على سليم أخويا ابلغه عشان.....
قاطعه المعلم طلقة بإشارة نفي قاطعة ونبرة ساخرة:
- لا...اخوك ده لا، دخلته بتربكني يا جدع، ولا اجدعها معلم يقدر يهز فيا شعره لكن اخوك ده تحسه وزير داخليه في نفسه، او رئيس جمهورية كده، لا أنا قلبي بيتقبض منه، وأنا كله إلا قبضة قلبي، المهم يلا بينا نطلع اوريك بتي نجلااااااا.
نهض المعلم طلقة يتحرك ومن خلفه رجاله كالسد المنيع، فنهض يزن وأمسك بكف سيرا، إلا أنها همست بتيه:
- يعني إيه يا يزن الكلام ده؟
همس لها بضيق وهو يساعدها على الحركة وسط الرجال:
- يعني اللي سمعتيه، هلبس في حوار زفت.
- لما اطلع برة اصوت والناس تتلم، وانا وانتي نجري بسرعة.
قالت خطتها البائسة والساذجة، فنهرها سريعًا بخفوت حاد:
- لا يا سيرا، اوعي المنطقة كلها أصلاً تبعه، بلاش مشاكل، وأنا هحاول اشوف تليفون واتصل على سليم يتصرف.
هزت رأسها بتفهم صامت، وخرجا إلى ساحة الحي الذي كان يشهد انتقالهم للمنزل باعتيادية لا تبالي. وما لبثت عيناها أن وقعتا على غزالة، واقفة وسط جمع من الفتيات، تشير نحو يزن وتهمس إليهن ببعض الكلمات، فتتسع عيونهن بالهيام. رمقتهن سيرا باشمئزاز، ودون وعي منها، تركت كفه وتعلقت بذراعه بقوة، فهمس إليها بسخرية خافتة:
- دراعي اتخلع.
ردت عليه بغيظ طفولي:
- عضلاتك طلعت فشينك يعني، كنت حاسة والله، إلا لما شوفتلك أي أكشن، بوكس كده، طيرت واحد كده، انت أكشن صامت ولا إيه؟!
رفع حاجبيه بغيظ ظاهر، فالبلهاء فسرت هدوءه خضوعًا لا حذرًا عليها. في هذه اللحظة انتبهوا إلى صوت المعلم طلقة، وهو يدخل شقته ثم يأمر المتواجدين بالابتعاد، حتى وقفوا أمام غرفة بابها خشبي تعلوه نافذة مستطيلة موضوعة عليها زجاج سميك. مال المعلم طلقة عليهما وقال بحزن طغى على صوته الخشن:
- بتي، كبدي، الحتة الشمال جوه.
امتعضت وجوه يزن وسيرا من طريقته الغريبة، ثم فتح الباب، فظهرت فتاة تبدو على مشارف العشرينات، تتراقص على أنغام أغنيتها المفضلة:
"كاك كاك صو صو صو...كاك كاك كاك صو صو صوأنا الفرخه واحنا الكتاكيت...أنا الفرخة واحنا الكتاكيت....اكلكو إيه؟ اكلنا فتافيت...لعبكوا إيه؟ جرى وتنطيط....."
ثم ركضت الفتاة هنا وهناك، تدور بخصلات شعرها الطويلة المضفّرة بعناية، وفستانها الطويل يتطاير مع حركتها الطفولية العفوية. وما إن وقعت عيناها على والدها حتى اندفعت إليه، تمسك بيده بحماسٍ طفولي تحت أنظار يزن وسيرا المصدومتين؛ إذ لم يصدقا أن هذا الرجل الجالس أمامهما، المهاب صيته كتاجر سلاح، قد تحول في لحظة إلى راقص مهرج على نغمات أغنية طفولية قديمة.
ومع كل حركة يؤديها، كان السلاح يرتفع وينخفض في يده وكأنه كرة خفيفة بين أنامله، في مشهدٍ مضحكٍ ومثيرٍ للأسى معًا. انسحب المعلم طلقة من الرقصة بأسلوبٍ عجيب، أشبه براقص باليه محترف، رغم بطنه الكبير وشاربه الضخم وهيئته التي تليق برجل قاسٍ، لا براقص طفولي. وما إن فرغ من عرضه حتى أغلق الباب خلفه، وكأنما يخشى أن تتسرب لحظات ضعفه للخارج.
ظهرت علامات التأثر على وجه سيرا، فهتفت بعدم رضا، بنبرة خافتة ولكنها واضحة:
- بس انت كده حرام بتأذيها لو عرضتها لفرح، حرام عليكوا، مش علشان اخوك تأذي بنتك.
استدار المعلم طلقة إليها ببطء، ونظرة متحدية تقفز من عينيه، رغم اللمعان الحزين الذي لم يخفَ على أحد، وقال بصلابةٍ متهدجة بالحزن:
- ودي بنتي ومش هسمح لأي كلب يطلع عليها كلمة، مش هو بيقول بته عمرها ما هتتجوز، لا أنا بقى هعملها أحلى فرح واتباهى بيها.
- بس....
لم تكمل سيرا جملتها؛ إذ قاطعها يزن بنظرة صارمة وكلمة حادة حاسمة:
- خلاص يا سيرا، هو أبوها وادرى بيها.
رمقه المعلم طلقة بإعجاب صريح، ونبرة تخللتها مودة واضحة:
- لا حمش....عجبتني.
رد يزن بتهكم خفيف:
- لا أنا حمش اوي مقولكش.
ضحك المعلم طلقة ضحكة قصيرة ثم ضرب فوق ذراع يزن عدة ضربات ودودة قائلاً بإعجابٍ صريح:
- اه يا ابو نسب لو مكنتش اتجوزت، عليا الطلاق من مرتاتي الاربعة لكنت مجوزك نجلاااا.
وأثناء حديثه، استدار فجأة ليجد زوجاته وبعض النسوة يقفن يتابعن المشهد بفضولٍ لم يتمكن من إخفائه، فصاح بهن بخشونة صاخبة:
- يلا منك ليها، حضروا الأكل للضيوف وجهزوا الاوضة الكبيرة ليهم.
صدح صوت إحدى النساء، تسأل بفضول بريء:
- اوضة واحدة بس يا سيد المعلمين.
هز رأسه مؤكدًا، وأشار بيده في حركةٍ يائسة محبطة:
- اه ما هي مراته.
فغرت سيرا فاها بدهشةٍ واستنكار، ونظرت إلى يزن تسأله بلا تصديق:
- يعني إيه الكلام ده؟!
ابتسم يزن ابتسامة جانبية ماكرة وقال بمودة مفتعلة:
- يعني يلا يا روح قلبي على اوضتنا.
انتفضت سيرا، وقد ارتسمت الصدمة على ملامحها، وقالت في خفوت يتخلله عنادٍ شديد:
- لا على جثتي طبعًا، يقتلني أحسن.
اقترب منها هامسًا بنبرة يغلفها العبث:
- بس هتعصي أمر جوزك، الملايكة هتلعنك.
أشاحت بوجهها عنه وقالت ساخرة، تصطنع الغضب لتغطي اضطرابها:
- دي تلعني لو دخلت معاك اوضة لوحدنا.
****
في منزل سيرا...
كانت عقارب الساعة تقترب من التاسعة مساءً حين طرقت فريال باب غرفة والدها طرقة خفيفة، ثم دخلت بحذر وقد ارتسم الارتباك جليًّا على ملامحها المرتبكة، وقفت أمامه مترددة قبل أن تهمس بصوت خافت:
- بابا حضرتك فاضي؟
كان الرجل يجلس متأمّلًا، وبين يديه مصحف يتلو منه بهدوء وسكينة، أغلق المصحف برفق، ووضعه إلى جواره، ثم اعتدل في جلسته موليًا ابنته كامل انتباهه، وقال بصوت دافئ:
- اه يا حبيبتي، تعالي ادخلي عايزة إيه؟
بدت فريال وكأن الكلمات تخونها للحظة، وقفت مكانها، تتردد بين أن تصرح بما يقلقها أو أن تصمت، وقد جف ريقها من شدة التوتر، كانت تخشى أن تخبره بأن سيرا مفقودة، وأن هاتفها مغلق، وأنها لم تذهب إلى عملها اليوم، رغم أنهم قد تواصلوا مع مكان عملها وفاطمة أيضًا دون جدوى.
انتبهت من شرودها على صوت والدها الذي قطع حبال أفكارها:
- انتي عايزة فلوس يا حبيبتي؟ عيالك محتاجين حاجة؟
أسرعت تهز رأسها نفيًا، حركة سريعة حاسمة، ثم ابتسمت له ابتسامة ممتنة وهي تهمس بحب ورضا:
- ربنا يخليك لينا انت مش مخلينا محتاجين حاجة، بس...
شهقت بخوف مكبوت، وكأنها تفرغ همًّا أثقل كاهلها، ثم ألقت ما في جعبتها أخيرًا:
- سيرا مختفية، هي المفروض ترجع الساعة ٧ ولما مارجعتش قلقنا عليها اتصلنا عليها تليفونها مقفول، اتصلنا على المكان اللي بتشتغل فيه قالوا مجتش، اتصلنا على فاطمة قالتلنا مشفتهاش، ومش عارفين هي راحت فين؟
رمش الرجل بعينيه كأنه يحاول استيعاب ما سمعه، وقد بدأ القلق يتسلل إليه شيئًا فشيئًا، فعبث بأنامله في ذقنه وقال بحيرة:
- اتصلتوا على كل أصحابها، يمكن راحت عند حد فيهم أو عند حد من الجيران...
هزت فريال رأسها نفيًا بمرارة وأجابت بانكسار:
- مفيش حد يا بابا مسبنهوش واتصلنا عليه، وماما بتقول هي متعودة مابتروحش في مكان إلا لما بتستأذن ماما الأول....وفي حاجة كمان.
ازدادت ضربات قلبه قلقًا، وبدت علامات التوتر الشديد على قسمات وجهه، فاعتدل أكثر في جلسته وأمرها بنبرة خفيفة لكنها حادة:
- إيه؟ قولي بسرعة.
بادرت فريال، وكأن الكلمات تتدافع على لسانها:
- دهب بنت أبلة حكمت شافتها الصبح بتركب مع يزن العربية، اتصلنا على يزن تليفونه هو كمان مقفول، وأبلة حكمت بعتت حد للمعرض بتاعه قالوا مجاش، احنا قلقانين، عايزينك تتصل على اخوه الكبير تشوفه فين ويقولنا أخر مرة وصلها فين؟
كأن النار اشتعلت في صدره من هول القلق، فصاح بها وهو ينهض واقفًا:
- هاتي تليفوني بسرعة...بسرعة.
****
في منزل الشعراوي...
أخرجت شمس طاجن البامية من الفرن بعناية، تصاعدت رائحة شهية منها تغمر المكان، فابتسمت برضا وانتصار، وهمست لنفسها بسعادة:
- يزن هيعمل فرح لما يليقك على السفرة.
وضعت الطاجن بحذر على طاولة المطبخ، وكادت تلتفت لتكمل إعداد مائدة الطعام، إلا أن يدًا قوية باغتتها من الخلف، تلف حول خصرها بجاذبية، تجذبها إليه بقوة حتى التصق ظهرها بصدره الدافئ، سمعت همسه الرجولي يلامس أذنها:
- طيب وأنا ماليش في الطيب نصيب؟
رمقته بطرف عينها، مستنكرة بدلال لا تخلو من الغنج:
- سولي الحركات دي مسمحش بيها برة بيتنا، عيب افرض حد قفشنا.
دارها نحوه لتواجهه، فتلاقت أعينهما، وقال بنبرة متضايقة حاول أن يخفيها خلف قناع من المرح:
- وإيه يعني؟! هيقولوا قد إيه أنا غلبان ومراتي سيباني وواقفة بتعمل عشا وبتعمل بامية للزفت يزن.
داعبت وجهه بإصبعها بنعومة وهي تهمس بخبثٍ أنثوي:
- سولي أنت غيران؟ ده يزن أخويا الصغير.
تجهمت ملامحه، وزادت حدة صوته بالرغم من بقاء نبرة المزاح:
- أولاً الشحط ده مش أخوكي الصغير، ثانيًا هو أنا ماليش نفس في أكله تعمليهالي ولا أنا هفضل كده محدش يعبرني.
اتسعت ابتسامتها أكثر حتى كادت أن تثير جنونه، فضمها إليه بقوة أكبر، واقترب منها حتى لم يبق بينهما إلا أنفاسهما المتلاحقة، ثم سألها بصوت أجش يحمل مزيجًا من الغيرة والرغبة:
- بتضحكي على إيه؟
شاكسته بشقاوة محببة:
- بحبك وانت غيران عليا، انت كده هتخليني اعمل بامية كل يوم ليزن.
قبل أن يرد، ارتفع رنين هاتفه، قاطعًا عليهما لحظتهما الرومانسية، قطب حاجبيه بانزعاج وهو يخرج الهاتف من جيبه، زادت دهشته عندما رأى اسم والد سيرا على الشاشة، صافحته مشاعر التوجس، فاعتدل قليلًا وهمهم قبل أن يجيب بنبرة رسمية:
- الو، السلام عليكم.
صمت لحظات وهو يصغي للطرف الآخر، وقد بدأ القلق يتسلل إلى قسمات وجهه، ثم عقد حاجبيه بشدة وقال بلهجة مطمئنة رغم اضطرابه الداخلي:
- أنا معرفش حاجة، بس معلش اديني وقت بس اتصرف واشوف يزن فين، ومتقلقش ان شاء الله خير.
استمر يستمع، وعندما لمح تصاعد حدة التوتر في صوت الحاج حسني، بادره سريعًا:
- لا لا نجدة إيه، ما هو زيدان اهو موجود وبعدين استناني بس اتصرف اشوف يزن، متقلقش.
أنهى المكالمة وهو يزفر ببطء كأنه يحاول أن يلجم القلق الذي بدأ يزحف إلى صدره، لاحظت شمس توتره، فسارعت بسؤالها الفضولي:
- في إيه يا سليم؟
لم يجبها فورًا، بل كان منشغلًا يحاول الاتصال بيزن، فوجد هاتفه مغلقًا، مما زاد من توتره، اتجه مباشرة للاتصال بزيدان، ولكن المفاجأة كانت أن هاتفه الآخر أيضًا مغلق، شعرت شمس بالخطر الكامن خلف صمته، فأعادت سؤالها، ولكن هذه المرة بنبرة قلقة صريحة:
- سليم...قولي في إيه؟، قلقتني!
أعاد الهاتف إلى جيبه ببطء وكأن أنامله قد ثقلت عليه، ثم التفت إليها وقد بدا العبوس جليًا على محياه، وقال بجدية قاطعة:
- سيرا مش موجودة ومختفية من الصبح وبيقولوا كانت مع يزن الصبح واهلها سألوا على يزن بردو هو كمان مختفي، وفي المعرض قالوا مش موجود ومجاش.
وضعت شمس يدها على فمها من الصدمة، ثم قالت بسرعة:
- طيب اتصل بالمعرض انت وشوف يمكن بلغهم هو راح فين، ومش عايزين يقولوا لحد، غريبة يزن مابيسبش معرض أبدًا.
هز سليم رأسه ببطء، وقد سيطر عليه شعور ثقيل بأن شيئًا غير طبيعي يحدث، فأجابها بنبرة تحمل مزيجًا من الشك والقلق:
- مش طبيعي... يزن مابيختفيش فجأة كده.
نظر كلاهما إلى بعضهما، وقد انعكست المخاوف في عيونهما، وتسللت رهبة خفية إلى قلبيهما.
****
بينما كان القلق يملأ قلوب أهلها، كان الوضع مختلفًا تمامًا لدى سيرا، التي جلست بالقرب من يزن، تراقبه وهو يتناول الطعام بأريحية شديدة، وكأنهما ليسا مخطوفين من قبل تاجر سلاح خطير.
انتقلت ببصرها إلى طاولة الطعام الكبيرة التي كان يترأسها المعلم طلقة، يأكل بنهم، مستكملاً حديثه بفخر واعتزاز:
- وهجيب الليثي وبوسي ورضا البحراوي ولو حابب أي مغني في الجمهورية قولي وأنا هجيبه.
وضعت سيرا يدها أسفل خدها في حركة ساخرة، وهمست بسذاجة مصطنعة:
- ينفع تجيبوا عمرو دياب؟
التفت الجميع نحوها بدهشة مشوبة بالذهول، وقد لاحظوا بوضوح سخريتها من المعلم، فسارعت إحدى زوجاته، وهي تضع الطعام في فمه بحركة ملؤها الخوف، تهمس بتوسل:
- إلا يااختي هما أهلك مش علموكي وجوزك بياكل تأكليه في بوقه، يا اختي بتوع القاهرة دول قلبهم جامد، احنا الاسكندرانية نحب ندلع جوزنا.
التفت يزن نحوها وهو يبتسم بمكر، والطعام في فمه، ينتظرها أن تطعمه كما تفعل النساء الأخريات، رمقته سيرا بنظرة شرسة ثم التفتت إلى السيدة قائلةً بحنق مكتوم:
- لا ما هو بيقرف اوي اوي.
ضحك يزن بخفة وهمس بإصرار:
- لا مابقرفش منك، أكليني.
ضربته بساقها تحت الطاولة وهي تحدجه بنظرة تحذيرية، لكنه لم يرتدع، بل أشار بعينيه نحو طبق الأرز بإصرار طفولي متهكم:
- أكليني رز.
ضغطت على شفتيها غيظًا وهي تلتقط الملعقة وتطعمه مرغمة، والسخط يرتسم على ملامحها، بينما ظل المعلم طلقة يرمقهما بإعجابٍ صامت، يتابع تصرفاتهما، ثم همهم معلقًا وهو يمضغ لقيماته:
- كريمة المجتمع حمش حمش يعني.
وضعت سيرا الملعقة فوق الطاولة بغيظ، ثم عادت تسند رأسها على كفها، متأملة ساعة الحائط، فإذا بها تشير إلى الثانية عشرة بعد منتصف الليل، شعرت بحلقها يضيق شوقًا لعائلتها وخوفًا من مصيرها المجهول، فتسلل الحزن إلى ملامحها، وأحست برغبة عارمة في البكاء.
في تلك الأثناء، استعد الجميع لرفع الصحون والأطباق، بينما أعلن المعلم طلقة بإرهاق وهو يتكئ على كرسيه:
- قوم يا ابو نسب ريح في الاوضة انت ومراتك.
تجمدت سيرا في مكانها، ثم فجرت بكاءها فجأة بقوة، فاستدار الجميع ينظرون إليها بدهشة، وسأل المعلم بقلق حقيقي:
- في إيه؟ مالها مراتك يا ابو نسب؟
نظر يزن نحوها بحيرة حقيقية، فوجدها تحدق بالمعلم طلقة برجاء صادق، تهمس بصوت متوسل:
- مش عايزة اقعد معاه في اوضة واحدة يا معلم، عشان خاطري.
انتقل الشك إلى نظرات المعلم طلقة، الذي بدأ يتفحصهما بعين فاحصة في ظل صدمة يزن وخوفه من انكشاف أمرهما:
- ليه في إيه؟
سارع يزن يتدخل بنظرة غاضبة وهمسة مشددة:
- إيه يا سيرا انتي اتجننتي؟
فكان يرمقها بنظراته الحادة علها تتراجع عن جنونها، لكنه فوجئ بها تهز رأسها بعناد وتنهض من مقعدها تعلن رفضها صراحة:
- اه أنا ابقى مجنونة لو قعدت معاك في اوضة واحدة.
رفع المعلم طلقة حاجبه متسائلًا بريبة:
- يعني إيه الكلام ده يا ابو نسب؟
لكنها تجاهلت تحذيراته، وأجابت بجنون متزايد:
- حضرتك أنا مأمنش على نفسي مع واحد زيه بجد؟
صاح يزن باعتراض عندما فهم مقصدها الخطير:
- نعم؟!
نهض المعلم طلقة من مكانه بخشونة، واضعًا يده فوق سلاحه، وصاح بنبرة تنذر بالخطر:
- ده اللي هو ازاي يا مدام، هو مش جوزك؟!
تراجعت سيرا خطوتين إلى الخلف، وابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تبحث بيأس عن كذبة تنقذ الموقف، ثم قالت بعفوية مرتعشة:
- آآآ...اه جوزي، بس...بس اللي قدامك ده الرحمة انعدمت من قلبه، بيضربني كل يوم يصبحني بعلقة ويمسيني بعلقة، حسبي الله ونعم الوكيل فيه.
لانت ملامح المعلم طلقة، وقد اختلطت نظراته بالإعجاب برجولة يزن الزائفة، وتابع تناوله لطعامه وهو يعلق برزانة:
- حمش حمش يعني، بس ليه كده يا أبو نسب، متخليش دراعك يسبق دماغك.
طرق يزن الطاولة بغضب مصطنع، ودس حقيقة مشاعره وسط الكذبة قائلاً بحنق:
- قليلة الأدب مبتسمعش الكلام، اقولها يمين تقولي شمال، لازم تعارضني، ينفع امنعها تكلم واحدة صاحبتها بتحب تعمل مشاكل بينا، تقوم تكلمها وتسمع كلامها من ورايا فاكراني مش هعرف، عايزة تخرب حياتنا.
أومأ المعلم طلقة برأسه مؤيدًا وهو يجذب أركيلته ويأخذ نفسًا طويلاً ثم قال:
- اه...لا له حق يعدلك لامؤاخذة، كلام الصحاب ده بيجيب ورا، طيب اسألي أي واحدة من النسوان اللي جوه دي، هتلاقي مالهمش صحاب أبدًا.
عضت سيرا شفتيها بتوتر، وهي تعود لتختلق كذبة جديدة بعدما لمحت نظرة الانتصار البادية في عيني يزن، قالت بصوت متقطع بالكاد يخفي غضبها:
- هو مش الضرب يعني بس اللي مخليني مش عايزاه اقعد معاه في مكان واحد، في حاجة كمان...
رمقها يزن بشغف، وأجبرها بصمته المستفز أن تواصل:
- بخيل...بخيل اوي بيستخسر فيا أي حاجة حتى الكلمة الحلوة.
أخذ المعلم طلقة نفسًا عميقًا من أركيلته ثم علق موجهًا كلامه ليزن:
- لا لا كله إلا الكلمة الحلوة، الست لامؤاخذة عقلها صغير كلمة بتوديها وكلمة بتجيبها، ابقى اضحك عليها بكلمتين هتلاقيها بتقولك عنيا، صنف أهبل لامؤاخذة...
ابتسم يزن بمكر، ونهض مقتربًا منها، وقد ارتسمت على ثغره ابتسامة شقية:
- عندك حق أنا لازم اقوم اصالحها وابوس راسها.
ابتسم يزن بمكر، ونهض مقتربًا منها، وقد ارتسمت على ثغره ابتسامة شقية:
- يزن، ابعد انت.....
وقبل أن تكتمل اللحظة، دوى صوت ارتطام عنيف، تبعه اقتحام رجل غارق في دمائه، سقط مترنحًا أسفل قدمي سيرا التي تيبست مكانها رعبًا، راح الرجل يصرخ برجاء يائس:
- اه الحقني يا سيد الناس، الحقني ابوس ايدك، حمو وجمال هيقتلوني...
نهض المعلم طلقة واقفًا وهو يزأر غاضبًا:
- انتوا مخلصتوش عليه ليه؟
وفجأة، ارتد الرجل بجنون، وجذب سيرا لتكون درعه البشري، واضعًا المطواة على رقبتها، مهددًا الجميع بصوت أجش ينضح باليأس والغضب:
- وديني اقتلهالك قدامكوا لو ما سبتوني أمشي!
تجمدت سيرا في مكانها، تجاهد أن تسيطر على رعشة جسدها بينما تحدق في وجهه المتسخ بالدم والغبار، وملمس نصل المطواة البارد يلتصق بعنقها، ينذرها بالخطر.
همس يزن باسمها بصوت مختنق، خرج منه بالكاد:
- سيرا...
كان صوته ينبض برعب حقيقي، كأن العالم قد انكمش من حوله حتى لم يبقَ فيه سواها، في تلك اللحظة، لم يعد يهمه الخطر الذي يحيط بهما، ولا المعلم طلقة، ولا العصابة المسلحة؛ كل ما رآه أمامه هو سيرا، وسكين تقترب من رقبتها الرقيقة تهدد أن تفقده إياها إلى الأبد.
رواية غناء الروح الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم زيزي محمد
ثوانٍ قليلة مرت، لكنها كانت كفيلة بأن تزرع الرعب في قلوب الجميع.
صرخ المعلم طلقة بخشونة وقد رفع سلاحه مهددًا:
- سيبها يا كلب قبل ما أنسفك مكانك!
لكن الرجل الجريح ضغط المطواة أكثر على رقبة سيرا وهو يصرخ بجنون:
- لو قربتوا خطوة هموتها، عليا وعلى أعدائي!
ارتعشت يد يزن لا إراديًا، واصطكت أسنانه وهو يرمق الموقف بعينين تتقدان بالغضب والهلع معًا. كان يعلم أن أي تصرف أرعن قد يكلف سيرا حياتها... وعقله الذي لطالما تغلب على كل المصاعب كان يكاد ينفجر الآن، يبحث عن مخرج.
حدق في عينيها... تلك العيون التي طالما قرأ فيها ألف رسالة بلا كلمات. قرأ الآن الخوف والاستغاثة. ابتلع ريقه واتخذ قرارًا دون أن يفكر.
خطا للأمام بجرأة، رافعًا كفيه في استسلام مزيف، ونطق بصوت مبحوح، لكنه حازم:
- استنى... استنى... بص لي وخليك معايا.
تحرك ببطء شديد، يتفادى نظرة الغضب المشتعلة في عيني الرجل الذي أخذ يصرخ:
- ما تقربش يا حلو.... أقسم بالله أقطع رقبتها دلوقتي!
توقف يزن على بعد خطوة واحدة، وبنبرة تحمل خليطًا من الحنق والرجاء، قال:
- خلاص... خلاص، سيبها وأنا أضمنلك تخرج من هنا سليم.
لم يجب الرجل، كان يلهث وهو يحدق بجنون في وجوههم جميعًا، فيما جسده ينزف بقوة ويهتز من الإنهاك. رأت سيرا الفرصة تتشكل في عيني يزن، فرصة صغيرة... لكنها ربما تكون خلاصها الوحيد.
التفت يزن إلى المعلم طلقة يأمره بنبرة صلدة قوية:
- نزل سلاحك.
التقط المعلم طلقة الإشارة بسرعة، وأخفض سلاحه متظاهرًا بالاستسلام، فيما دفع "حمو" كرسيًا نحو الرجل من بعيد:
- خد الكرسي واقعد، مفيش حد هيقربلك، خلاص المعلم نزل سلاحه.
وما إن انشغل الرجل بنظره إلى الكرسي للحظة خاطفة...
حتى اندفع يزن كالرصاصة! بسرعة خاطفة، أمسك معصم اليد التي تمسك بالمطواة، وثنى ذراع الرجل إلى الخلف بقوة، دفعه بعيدًا عن سيرا التي تدفقت دموعها من هول المفاجأة والخوف. صرخة ألم مروعة انطلقت من فم الرجل مع صوت طقطقة خافتة وهو يسقط أرضًا، مطروحًا تحت رحمة قبضات رجال المعلم طلقة الذين اندفعوا فوقه كالذئاب.
أسرع يزن إلى سيرا، كاد يجذبها إلى صدره بحركة عفوية وغريزية، ولكنه استسلم وأمسك بيديها يقبلهما بهدوء وهو يضغط عليهما، هامسًا بجنون:
- خلاص... خلاص أنا معاكي... مش هسيبك.
ثم وضع نظره في عينيها المرتجفة يسألها بقلق:
- انتي كويسة؟
بكت سيرا بحرقة، دفنت وجهها بين كفيها دون أن تكترث لأي شيء آخر، فقد كانت لحظة نجاة من موت محقق، لحظة لم يعد يهم بعدها مظهر أو كلام أو كبرياء.
دوى صوت المعلم طلقة وهو يصرخ برجاله:
- اربطوه زي الحمار... وخلوه عبرة للي يحاول يمد إيده على ضيفنا!
لكن يزن لم يكن يسمع سوى أنفاس سيرا المرتجفة، ودقات قلبها المتسارعة التي تطابق نبضاته المجنونة. لحظة صمتت فيها الدنيا بأسرها... لحظة لا تنسى.
***
في داخل الغرفة التي استضافهما بها المعلم طلقة، وبعدما انتهت الأحداث الجنونية في الصالة، استقرت سيرا على مقعد صغير بجانب الفراش، تحدق باندهاش نحو يزن، الذي كان جالسًا فوق الفراش، تتدلى قدماه للأسفل، مسندًا رأسه إلى الحائط خلفه ومغمضًا عينيه. راقبته برهة قبل أن تقترب بجسدها الحائر، تهمس إليه بصوتها القلق:
- يزن... انت نمت؟!
حرك رأسه نفيًا وهو لا يزال مغمض العينين، مجيبًا بكلمة واحدة:
- لا.
ضيقت عينيها بتفكير، وهي تضع يدها أسفل ذقنها، تسأله بفضول وحيرة:
- امال مغمض عينيك ليه؟!
تنهد بثقل واضح، كأنما يحمل فوق كتفيه هموم الأرض، ثم أجاب وهو يحافظ على وضعية الكسولة:
- بفكر.
بللت طرف شفتيها بتوتر، قبل أن تعود بنظرها نحو الباب المغلق عليهما، ثم سألت بنفس حيرتها:
- بتفكر في أيه؟
فتح عينيه ببطء، واستدار برأسه نحوها، وهو يردد بنبرة حانقة مشبعة بالغضب:
- في المصيبة اللي احنا فيها.
أومأت برأسها بتأكيد، ثم وضعت رأسها بين يديها، تبرز همها الثقيل بهدوء شديد تعجب منه، وهمست:
- ايوه فعلاً احنا في مصيبة، لازم تتصرف وتطلع تنام برة.
انتفض يزن في جلسته، معتدلًا بجسده، يرمقها بنظرة غيظ، مستنكرًا تفكيرها الضيق:
- نعم؟! هو ده بالنسبالك مصيبة؟ سيرا أنا بفكر في اللي هيحصل بكرة وأهلك وأهلي ما يعرفوش احنا فين، وازاي هوصل لسليم أو زيدان والمجانين اللي برة مانعين عني التليفونات.
زمت شفتيها بضيق واضح، كأنها تتعمد إلقاء كل كلماته عرض الحائط، ثم تحدثت بنبرة صارمة، رغم أنها منذ قليل كانت ترتجف كالفرخ بين يدي المجرم:
- ده كله نفكر فيه واحنا مش مع بعض في اوضة واحدة!! غلط نقعد مع بعض وحرام.
ابتسم ابتسامة مقتضبة، وهو يمنع نفسه بصعوبة من أن يضرب رأسها اللعين، كانت تغضب لمجرد جلوسهما معًا في غرفة واحدة، بينما هو يشعر بالراحة والأمان لقربها منه، بعيدًا عن هؤلاء المجانين.
- انتي مش واثقة في نفسك؟!
رمت الوسادة في وجهه بقوة، ترد عليه بنبرة حازمة لا تخلو من العصبية:
- بقولك حرام.
أبعد الوسادة عن وجهه بقوة، ثم هتف من بين أسنانه، وهو يشير بيده نحو الخارج، يذكرها بحجم المصيبة:
- طيب اعمل إيه؟! الراجل أصلاً شاكك فينا، وأنا معنديش استعداد البس في بنته لو عرف اننا مش متجوزين هيجوزهالي.
نظرت إليه بشماتة ظاهرة، وضحكت ضحكة ماكرة وهي تردد بعنفوان أنثوي جريء:
- من أعمالكم سلط عليكم.
احتقن وجهه غضبًا منها، فاقترب منها غاضبًا، وألقى الوسادة فوقها متمتمًا بحدة:
- يا شيخة؟ والله ليكي لسان دلوقتي ومن شوية كنت مرعوبة ومتعلقة في دراعي زي الفرخة.
ثم زفرت ببطء، وقالت برجاء صادق:
- إيه فرخة دي!! حسن الفاظك....
ثم زفرت ببطء، وقالت برجاء صادق:
- يزن فكر معايا بجد.
تصنع عدم الفهم، متعمدًا إغاظتها، فقال بمكر:
- في إيه؟!
زمت شفتيها بضيق ظاهر، ونظرت له نظرة شرزة، قبل أن يتنهد بدوره بقوة، ويعود إلى جلسته، مغمضًا عينيه مجددًا بتصنع هادئ:
- طيب لو لقيتي فكرة حلوة، قوليلي أنا معاكي اهو.
مرت الدقائق ثقيلة عليهما، كلاهما على حاله؛ هي تفكر بجنون، تجبر عقلها على استخراج مخرج من تلك الورطة، وهو مستمتع فقط بجلوسها قريبة منه داخل الغرفة، مطمئنًا لوجودها بجواره. بعد وقت بدا وكأنه دهر، نهضت سيرا تتحرك بتوتر داخل الغرفة الواسعة، تمشي ذهابًا وإيابًا كأنها تنتظر إلهامًا يهبط عليها. وفجأة التفتت إليه بحماسة مفاجئة، وكأن فكرة خطرت على بالها، فاقتربت منه على عجالة، تهزه بقوة وهي تهتف:
- انت نمت؟! قوم.
لم يجبها بادئ الأمر، فعاودت تحريكه بغيظ أكبر:
- يزن... يزن قوم.
فتح نصف عينيه، وابتسامة حمقاء ارتسمت على وجهه، فسارعت بالاقتراب أكثر، تهمس إليه بخطتها الساذجة:
- إيه رأيك لو ضربتني؟
فتح عينيه على اتساعهما مندهشًا، ثم قال بحماس ظهر واضحًا في صوته:
- موافق، تعالي بقى عشان انتي خنقتيني.
ورفع يده ليمسك بذراعها، لكنها ابتعدت عنه بسرعة، قائلة بغضب وهي تزيحه بعيدًا:
- إيه حيلك حيلك، أنا اقصد نمثل فيقوموا يفصلوا ما بينا ويبعدونا عن بعض.
أعاد خصلات شعره المبعثرة إلى الخلف بحركة فوضوية ساحرة، فبعثرت تلك الحركة البسيطة كل ما تبقى من رباطة جأشها ومشاعرها، لكنها تماسكت حين فاجأها بسؤاله:
- والسبب إيه عشان اضربك؟!
مطت شفتيها بتفكير وهي تسرد ما يجول بخاطرها بصوت مرتفع كأنها تناقش نفسها:
- اممممممم، يا ترى إيه السبب؟... الراجل بيضرب مراته ليه؟ خيانة؟...لا أنا مخونش!!!
لم يمنحها فرصة التفكير أكثر، إذ اقترب منها بلمح البصر، وهمس أمام وجهها المصعوق من قربه:
- لا مش هضربك، هقتلك.
دفعته بغيظ وهي تزجره ساخطًة:
- بلطجي.
ضحك ضحكة خفيفة وهو ينهض من فوق الفراش، يهندم ثيابه المبعثرة، ثم أشار لها بيده يأمرها بالنهوض قائلًا بحماس غلب على نبرته:
- أنا هقولك بس تعالي وصوتي جامد، ماشي.
زفرت بهدوء، تستعد لدورها الذي قررت أداءه، ثم وقفت فوق الفراش، ترفع رأسها بشجاعة مستحضرة طاقتها المختزنة، وقالت بطاقة على وشك الانفجار:
- تمام أنا اصلاً مخنوقة، يلا بينا...
ثم بدأت سيرا بالصراخ فجأة، وكأن جنونًا أطلق سراحه من داخلها، فتفجرت بالصوت المرتفع، معبرةً عن ذاتها المجروحة ومأساتها المختنقة. تعجب يزن من ردة فعلها المبالغ فيها، وقال بشيء من العصبية وهو يرفع حاجبيه باستنكار:
- استني أنا مبدأتش.... طيب اديكي قلم طيب عشان تبقى تصوتي بجد...
لم تتمكن سيرا من الرد، إذ اندفع المعلم طلقة وإحدى زوجاته إلى داخل الغرفة بعجلة، يتقدمان بخطوات قلقة نحو مصدر الصوت، ثم تساءل المعلم بلهجة متوترة:
- في إيه؟ بتصوت ليه؟
استغلت سيرا الفرصة ببراعة، وامتلأت في بكاء مصطنع، تتحرك صوب المعلم متظاهرة بالاستنجاد به، وأشارت نحو يزن بإصبعها، تتهمه بمكر وخبث:
- الحقني يا معلم، ابوس ايدك، قولتلك بلاش أنام معاه في اوضة واحدة، اهو ضربني وبهدلني.
ثم انفجرت تبكي بصوت أعلى، تهز كتفيها بتأثر مدروس. أما يزن فانتفخ صدره متظاهرًا بالفخر، مستعرضًا عضلاته أمام الجمع، وقال بخشونة مصطنعة:
- احسن، تستاهل أربيها.... فاكرني مش هعرف المك.
ضربت زوجة المعلم كفها بكفها الأخر في صدمة مدوية، وهي تردد بدهشة ممزوجة بالتحسر:
- لا حول ولا قوة إلا بالله ما أنت كنت هتموت عليها برة، دلوقتي بتضربها عادي وعايز تربيها.
مطت سيرا شفتيها بحزن مبالغ، وأمسكت بعض المواضع من جسدها وكأنها مصابة، ثم قالت بألم كاذب:
- ده قدامكم بس، لكن في الحقيقة هو ظالم ومفتري.
ساد صمت ثقيل للحظات، قبل أن ينطق المعلم طلقة وهو يحك رأسه بعدم فهم:
- هو في إيه، حصل إيه لده كله!!
أجاب يزن بلهجة حازمة، يحاول استغلال تعاطف المعلم:
- بقولها تغسلي رجلي، بتقولي لا، والست اللي تقول لجوزها لا تستاهل الحرق.
رفعت سيرا حاجبيها بدهشة واستنكار، وقد فهمت المغزى سريعًا؛ فهو يعرف تمامًا أن المعلم طلقة سيحكم لصالحه طالما الأمر يتعلق برجولتهم الزائفة ومظاهر السيطرة على النساء. تدخلت زوجة المعلم بتبرم ظاهر، قائلة بسخط:
- ياختي ما كنتي تغسليله رجله، ده إيه وجع القلب ده!!
رفع المعلم يده مقاطعًا، قائلاً بنزق نافد الصبر:
- خلاص يا ولية، هي حرة هي وجوزها، طالما مش عايزة تقعد معاه في اوضة واحدة، احنا بنستأذن ابو نسب إنها لامؤاخذة تنام مع الحتة الشمال نجلااا بتي في اوضتها.
تجمدت أطراف سيرا وهي تسمع لقرار لا رجعة فيه، بينما لمعت السخرية في عيني يزن، ابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه. أشارت له برجاء صامت كي يرفض، لكنه رفع كتفيه إشارة إلى عجزه، واستسلم قائلاً بنبرة مستكينة:
- وأنا مش هزعلك يا معلم، وهلم الدور بس عشان خاطرك، ولما نروح بيتنا أنا هعرف أربيها.
ابتسم المعلم طلقة، وربت على كتف يزن بتقدير، قائلاً بلهجة تحمل مزيجًا من الرضا والفخر:
- تسلم يا ابو نسب...
ثم غادر الغرفة وهو يتمتم بحيرة وسخرية:
- مين كان يصدق؟! كريمة المجتمع يطلع غشيم كده، صحيح الدنيا بلاوي.
أما سيرا، فقد وجدت نفسها تندفع مرغمًة نحو غرفة نجلا، تتبع زوجة المعلم بغير رغبة. استجمعت قواها وهي تخاطب السيدة برجاء صادق وقد زادت نظراتها توسلاً:
- مفيش اوض تانية أنام فيها؟
هزت المرأة رأسها رفضًا وهي تقول بإصرار حاسم:
- لا يا اختي مفيش إلا دي، تيجي تنامي معايا أنا والمعلم.
قالتها بسخرية باردة، كأنما تضحك في داخلها على بؤس ضيفتهما الجديدة. تراجعت سيرا قليلًا، وقالت بعجز متزايد:
- طيب أنام في أي شقة، مش هو متجوز أربعة وقاعدين هنا، أنا سمعتكم بتقولوا كده.
هزت السيدة رأسها بحسم أكبر، وأكدت بنفس اللهجة:
- يا اختي المعلم أمر تقعدي هنا يبقى تقعدي هنا، مفيش أي واحدة تقدر تستضيفك.
لم تستسلم سيرا بسهولة، وحاولت التبرير بعقلانية، قائلة:
- يعني حضرتك عارفة حالة بنتك ماينفعش ادخل عندها أصلاً.
شهقت السيدة شهقة كبيرة، وقد بدا الجزع على وجهها وهي ترد بلهجة مشبعة بالاستنكار:
- لا نجلا مش بتي دي بت واحدة تانية بس ماتت قبل ما المعلم يتجوزنا احنا الاربعة، أنا عمري ما اتعاملت معها، مفيش غير المعلم بس اللي بيتعامل معها، يلا ادخلي وربنا يعينك وبعدين يا اختي مش غسيل رجله أحسن من الهم اللي هتشوفيه جوه.
وقفت سيرا أمام باب الغرفة، تتردد لحظة، قبل أن تدفعها السيدة ببطء، ثم فتحت عليها عالماً لا يشبه الواقع. كانت الغرفة شبه مظلمة، يتسلل إليها ضوء خافت من مصباح صغير في الزاوية، يلقي ظلالًا مشوهة على الجدران. وفي وسط الغرفة، جلست نجلا، فتاة ذات ملامح بريئة وعينين زائغتين، ترتدي فستانًا طفوليًا مزركشًا بالورود، وتحمل دمية قديمة ممزقة الأطراف تحت إبطها، تهدهدها كما لو كانت رضيعة.
انتفضت سيرا بفزع عندما استمعت لصوت إغلاق باب الغرفة من الخارج بالمفتاح، فشهقت برعب وخاصةً عندما التفتت برأسها ووجدت نجلا ترفع رأسها فور أن رأتها، فتهلل وجهها بسعادة عارمة أشبه بفرحة الأطفال عند رؤية لعبة جديدة، وهتفت بصوت مبحوح ومتحمس:
- لعبتيييييي!!
تجمدت سيرا في مكانها، وكادت تتراجع إلى الخلف لولا أن تذكرت أن الباب أصبح مغلقًا بالمفتاح عليها. بلعت ريقها بصعوبة، ورددت لنفسها هامسة:
- يا ساتر يا رب...
هرعت نجلا نحوها تركض على أطراف أصابعها، وأمسكت بيد سيرا وهي تضحك ضحكة عالية أشبه بزقزقة طائر:
- تعالي نلعب... انتي لعبتي الجديدة... أنا كنت مستنياكي من زمان!
حاولت سيرا أن تسحب يدها بلطف، لكن قبضة نجلا كانت حديدية على عكس شكلها الهش، فأجبرتها على التقدم لمنتصف الغرفة بخطوات متعثرة وهي تبتسم ابتسامة مصطنعة تحاول بها مداراة رعبها:
- طيب... نلعب... بس بالراحة، بالراحة عليا يا قمر.
جلست نجلا على الأرضية فورًا، وسحبت سيرا معها بلا مقدمات، ثم قامت بنزع حجاب سيرا من فوق رأسها بعنف، فانهالت خصلات شعرها فوق ظهرها بينما كانت سيرا ترتجف بخوف وهي تراقب أصابع نجلا ترتفع نحوها ثم بدأت تمشط شعرها بأصابعها بطريقة عشوائية، وهي تردد بأغنية طفولية نشاز:
- شعرك حرير، شعرك حرير..... هقصه بالمقص الكبير.
شهقت سيرا ووضعت يدها على رأسها تحمي شعرها الغالي، قائلة برعب:
- لا لا لا، بلاش مقص! شعري كده حلو أهو، شوفيه ناعم إزاي؟!
ضحكت نجلا بفرح طفولي وهي تربت على رأس سيرا بقوة مؤلمة قليلاً، وقالت:
- لا لازم اخليكي جميلة وأحطك في البلكونة، كل الناس تتفرج عليكي وتقول الله على لعبتي الحلوة!
ثم فجأة انطلقت تهرول داخل الغرفة تبحث عن شيء ما بين الألعاب والملابس المبعثرة، وهي تهمهم بكلمات غير مفهومة. استغلت سيرا الفرصة وهمست لنفسها برجاء:
- يا رب يا رب ياخدوني من هنا، انت فين يا يزن؟
ولكن نجلا عادت مسرعة، وهي تحمل وشاحًا قديمًا ومقصًا صدئًا يبدو أنه كان من أدوات خياطة مهملة. ركعت أمام سيرا بجدية شديدة وهي تلوح بالمقص قائلة:
- هقص شعرك دلوقتي... تبقي شبه باربي الحلوة!
ثم أظهرت دميتها المشوهة من بين ألعابها وهي تنظر إليهة بسعادة وفخر قائلة:
- هخليكي حلوة زيها.
شهقت سيرا شهقة مدوية، وأسرعت تقبض على المقص بيد مرتجفة، قائلة برجاء مضحك:
- لا بصي، احنا نلعب لعبة تانية... تعالي نلعب مين ينام الأول، نغمض عينينا ونعد لحد عشرة، اللي ينام يكسب!
توقفت نجلا لحظة وهي تفكر بعمق بالغ على قدر طفولتها، ثم صاحت بسعادة:
- آه آه بحب اللعبة دي!!
أغمضت عينيها بسرعة وبدأت تعد بصوت مرتفع وخاطئ:
- واحد... تسعة... تلاتة... خمستاشر... خمسة وعشرين..
انتهزت سيرا الفرصة وقفزت نحو الفراش، وغطت نفسها بالغطاء كاملاً، تتمتم برجاء:
- مش عايزة أشوف، مش عايزة أشوف...
أما نجلا، فاستمرت تعد بأرقام عشوائية، ثم فتحت عينيها فجأة وهتفت بمرح:
- فزت أنا الملكة، وإنتي لعبتي للأبد!
ثم انقضت فوق الغطاء الذي تغطت به سيرا، تضحك وتصفق بيديها كطفلة صغيرة وجدت كنزها أخيرًا، فيما كانت سيرا تحت الغطاء تتمتم:
- خلاص، أنا كده رسمي اتحولت لدبدوب.
بينما كانت سيرا تتكور تحت الغطاء ككرة خائفة، سمعت فجأة صوت تنقيب وحفر قادم من طرف الغرفة. رفعت طرف الغطاء بحذر، لترى نجلا قد فتحت حقيبة مليئة بمساحيق التجميل العتيقة، معظمها بلا أغطية، والبعض منها يبدو وكأنه عاصر أجيالًا كاملة. هتفت نجلا بسعادة وهي تلوح بفرشاة مكسورة الشعيرات:
- هعملك عروسة! تبقي أحلى عروسة في الفرح الكبير!
شهقت سيرا برعب، وقبل أن تستوعب ما يحدث، كانت نجلا قد قفزت نحوها، تمسك بوجهها بين كفيها الصغيرتين وتثبتها كما يثبت الحلاق رأس الزبون الغلبان.
- استني بس! ده ميك أب جميل، أنا اشتريته من السوبر ماركت.
لم تُتح الفرصة لسيرا للاعتراض، إذ بدأت نجلا تدعك وجهها بقوة غريبة بألوان شديدة الفجاجة، وضعت طبقة كثيفة من كريم أساس أفتح بخمسة أطنان من لون بشرتها، فبدت وكأنها قد تنكرت في زي شبح ناصع البياض. صرخت سيرا محاولة التهرب:
- نجلاااا بالراحة على وشي، ده وشي مش حيطة!!
ضحكت نجلا بصوت مرتفع وهي تلطخ أحمر شفاه بلون فاقع خارج حدود شفتي سيرا بمراحل، ثم قالت بحماس وكأنها ترسم لوحة فنية:
- واو! انتي شبه الكيكة بالكريمة دلوقتي!
بلعت سيرا صرخة ألمها مع كل حركة فرشاة جديدة. أما الكحل، فكان الكارثة الكبرى. اقتربت نجلا بقلم كحل مكسور وهي تقول بحماسة مخيفة:
- دلوقتي نرسم عيون كبيرة عشان تبقي زي الأميرة!!
- لا، لا يا بنتي، كفاية! أنا كده خلاص... شكلي بقيت ساحرة مش أميرة!
لكن نجلا لم تسمع، وبدأت تخط خطوطًا عشوائية فوق عينيها، لتبدو سيرا في النهاية وكأنها شاركت في مشاجرة عنيفة ضد عصابة كاملة... وخسرت المعركة.
تنهدت سيرا بيأس وهي ترى ظلها منعكسًا على مرآة مهشمة في ركن الغرفة، ثم تمتمت بسخرية مرة:
- مكنتش اقعد مع يزن وخلاص، أنا اللي عملت في نفسي كده.
وما إن انتهت نجلا من عملها الفني العظيم حتى صفقت بيديها بسعادة بريئة:
- ايوه بقى! الله! انتي لعبتي الحلوة! دلوقتي نعمل حفلة!
شهقت سيرا مجددًا، وصاحت في نفسها:
- لا لا لا، حفلة كمان؟! أنا كنت داخلة أنام مش أطلع سيرك متنقل!
ثم أمسكت نجلا بيدها وبدأت تدور بها وسط الغرفة، تغني أغنيات الطفولة بنشاز واضح، فيما كانت سيرا تدور خلفها كالدمية، تتعثر هنا وتصطدم هناك، حتى كادت تقع أكثر من مرة، وهي تهمس بيأس:
- يا رب أنا تعبت... تعبت.
***
بعد جولة الرقص العشوائي العنيفة، بدأت طاقة نجلا الطفولية بالنفاد تدريجيًا، وبدت وكأنها بطارية قاربت على الانتهاء، تثاءبت بشدة حتى سال الدمع من عينيها، ثم اقتربت من الفراش وألقت بنفسها فوقه كالطفلة، تمسك ذراع سيرا وتتمتم بنعاس:
- تعالي نامي جنبي... انتي لعبتي وأنا بحب لعبتي...
أحست سيرا بقلبها ينهار، لكنها لم تجرؤ على الاعتراض خشية أن تستيقظ نجلا من جديد وتعود لحفلاتها المرعبة، فاستسلمت قدر الإمكان وجلست بجوارها متيبسة الجسد كتمثال من الرعب.
وخلال دقائق معدودة، كانت أنفاس نجلا الهادئة تملأ الغرفة، فيما بدأت شخيراتها الطفولية تعزف لحن الخلاص لسيرا.
أفرجت سيرا عن نفسها تنهيدة طويلة محملة بكل أشكال الإرهاق النفسي والجسدي، ثم همست وهي تنظر لسقف الغرفة، أثناء ارتدائها لحجابها بأهمال لتُخفي شعرها المشعث:
- ياربي يعديها على خير الليلة دي...
وفي هذه الأثناء، كان يزن بالخارج يتقلب قلقًا، إذ لم يهدأ له بال وهو يعلم أن سيرا محتجزة مع "نجلا". فكر قليلاً، ثم خطرت بباله فكرة مجنونة. نظر حوله بحذر، ثم لمح كرسيًا قديمًا بجوار الحائط، فابتسم بخبث:
- مش أنا أهون من الجنان اللي هي فيه، اعمل إيه بس في قلبي.
حمل الكرسي بخفة وصعد فوقه متوازنًا كبهلوان مدرب، ثم تمسك بطرف الحائط مستندًا ليقترب من الشراعة الصغيرة فوق باب غرفة نجلا. مد رقبته بحذر وأطل برأسه من الشراعة.
كان المنظر بداخله يبعث على الضحك والبكاء معًا؛ سيرا جالسة على طرف الفراش بجسد مشلول من الرعب، وجهها مدهون بألوان زاهية وكأنها خرجت لتوها من احتفالية سيرك للأطفال، بينما نجلا تغط في نوم عميق وقد أمسكت بطرف ثوبها كأنها تخشى أن تهرب منها.
كتم يزن ضحكته بكل ما أوتي من قوة، وضغط على شفتيه بيده حتى لا يصدر أي صوت يفضحه، ثم همس بصوت منخفض وهو يحرك يده وكأنه يُرسل لها إشارات سرية:
- سيرا... سيرا.
رفعت سيرا رأسها ببطء وكأنها خائفة أن تكون تحلم، وعندما لمحت ملامحه من الشراعة، كادت تبكي من الفرحة، فتمتمت بصوت يختنق قهرًا:
- يزن! يزن طلعني من هنا... عشان خاطري طلعني قبل ما تصحى وتلون في وشي تاني!
ابتسم يزن بشفقة على حالتها البائسة، وهمس:
- طيب اهدي اهدي... هطلعك بس بالراحة، متخليش صوتك يصحيها.
أشارت له بعصبية وكأنها على وشك فقدان عقلها:
- بالراحة إيه بس! دي لو مأكدة عليا لما تصحى هتغيرلي هدومي، بسرعة يا يزن.
كتم يزن ضحكته وهو يومئ برأسه متفهمًا المأساة، نظر حوله، ثم أشار إليها بحذر:
- بصي... أنا هشوف المفتاح فين، وانتي اول ما تلاقي الباب اتفتح، اجري بسرعك، ماشي؟
أومأت سيرا برأسها بعنف حتى كاد عنقها ينكسر من شدة الحماس.
بخفة لص محترف، أنزل يزن الكرسي، ثم بحث عن المفتاح ونظر حوله حتى وجده ملقى بإهمال فوق طاولة كبيرة بجانب باب الغرفة، فأخذه سريعًا ووضعه بحذر في الباب وهو يتمنى أن تنتهي تلك المهمة. وبالفعل فُتح الباب فتحة صغيرة بالكاد تسمح بمرور قطة، وأشار لسيرا بعينيه:
- يلا بسرعة قبل ما تصحى.
نهضت سيرا من على الفراش متسللة، تخطت الفوضى التي خلفتها نجلا بين الألعاب ومساحيق التجميل كأنها تمشي في حقل ألغام.
وحين اقتربت من الباب، لم تتمالك نفسها من الفرح، فانطلقت منه ركضًا وكأنها خرجت من سجن دام قرونًا.
وما إن أصبحت بالخارج حتى أطبقت يدها على ذراع يزن وتمتمت بيأس:
- خدني بعيد... بعيد أوي... مش عايزة أشوف مراية ولا ميك أب طول حياتي، خدني انت طلعت أهون مليون مرة من اللي شوفته جوه.
كادا يتحركان إلا أنها لاحظت باب الشقة، فهمست إليه بخطتها الجنونية:
- الباب هو يلا نهرب.
هز رأسه باقتناع، وتحرك صوب الباب بخطوات حذرة، وحاول فتحه بهدوء، وما إن أدار المقبض حتى فتح الباب قليلًا، ليجد "جمال" "وحمو" غافيين في الردهة بالخارج، فارتبك وأغلق الباب بسرعة، وهمس بقلق:
- لا احنا مش هنلحق نهرب، احنا هنموت كده.
أصابها الإحباط، وتحركت معه نحو الغرفة المخصصة لهما بخطوات مثقلة بالخيبة، لكنها لمحت هاتفًا أرضيًا قديمًا موضوعًا في زاوية معتمة من الصالة، فأشارت إليه بعينيها، وهمست بحماس خافت:
- تعالى نجرب التليفون الأرضي ده، مش هنخسر حاجة.
اقترب منها يزن بحذر، يسيران على أطراف أصابعهما كطفلين يخشيان الوقوع في المحظور، وأمسك بالسماعة المرتجفة بين يديه، وضغط على الأزرار بسرعة متوترة، انتظرا لحظات حبست فيها أنفاسهما حتى تهللت أساريره حين سمع صوت أخيه سليم على الطرف الآخر، فتنفس الصعداء وهمس:
- سليم بسرعة مفيش وقت.
جاءه صوت سليم ينفجر غضبًا كالرعد:
- انت فين يا حيوان؟ انت فين يا كلب؟، ده أنا هطلع *********** وواخد سيرا فين؟، أهلها قالبين الدنيا عليها.
ابتسم يزن رغم توتره وقال:
- يا عم اقفل الراديو ده، أنا في مصيبة ومعايا سيرا، عارف المعلم طلقة بتاع اسكندرية، اللي كنت هالبس في حوار جوازة بنته لما....
قاطعه سليم بلهفة:
- اه اه افتكرت ماله؟
أردف يزن وهو يتلفت حوله بتوتر:
- اهو خاطفني انا وسيرا وعايزاني اتجوز بنته التانية.
صاح سليم بسخرية مدهوشة:
- هو مفيش في مصر غيرك ولا إيه تتجوز بناته؟ إيه العبط ده؟!
هز يزن رأسه بيأس وهمس برجاء:
- المهم إن زيدان الكلب تليفونه مقفول ومش عارف اوصله، سليم الفرح بكرة حاول تتصرف بس من غير شوشرة، أنا معايا سيرا ودول تجار سلاح والدنيا هنا بإشارة منهم ممكن تهد فوق راسنا، مش عايز مشاكل.
ساد صمت قصير قبل أن يسأل سليم بقلق حقيقي:
- انت كويس؟ وسيرا كويسة؟
رمق يزن سيرا بنظرة عميقة، التي كانت تراقبه تنتظر بارقة أمل، تأمل وجهها الجميل الذي شوهته آثار اللعب به بمساحيق التجميل، فزفر بضيق ومرارة وقال:
- اه كويسين، بس مضمنش بعد كده إيه ممكن يحصل، حاول تتصرف.
جاءه صوت سليم ممتزجًا بالرجاء:
- طيب خلي بالك من نفسك و خلي بالك من سيرا، ابوها هيجراله حاجة..
ابتلع يزن الغصة التي كادت تخنقه، ونظر إلى سيرا بعينين مشبعتين بالحزن إن أصابها مكروه بسببه، ثم قال بصوت محترق:
- متقلقش هي في عنيا، المهم أنا احتمال ماعرفش اكلمك تاني، سلام، وافتكر بلاش مشاكل وشوشرة.
أنهى المكالمة، وأغلق الهاتف بتنهيدة طويلة حُبست في صدره منذ بداية هذا الكابوس. ثم التفت نحو سيرا، محاولًا بث قليل من الخفة في الأجواء الكئيبة، ابتسم بخفوت، وأشار برأسه بمكر وهو يقول:
- تعالي امسحي الهباب اللي على وشك ده، وانتي شبه البلياتشو كده.
سحبها عبر الممرات، عائدين إلى الغرفة، بينما كانت تسير بجواره متوجسة من الموقف برمته. دخل الاثنان، وأغلق يزن الباب خلفه بحذر، ثم التفت ينظر إليها نظرة متفحصة، فبادلته سيرا نظرة غاضبة حذرة، وقالت مهددة:
- لو ضحكت، والله العظيم أرجع أوضتها بنفسي.
رفع يزن يديه في استسلام ساخر، وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه:
- لا لا... هو أنا اقدر اضحك عليك يا جميل وانت في قمة شياكتك وأناقتك.
رمقته بنظرة جانبية غاضبة، تحمل من التهديد أكثر مما تحتمل الكلمات، ثم تنهدت بتعب، وألقت بنفسها فوق أقرب مقعد، متنفسة أخيرًا بعض الراحة بعد ساعات من الرعب والضغط. قالت وهي تغمض عينيها بإنهاك:
- تصدق... كنت هنسى يعني إيه الواحد يحس إنه بني آدم.
اقترب منها يزن بهدوء، وجذب من جواره صندوقًا ورقيًا صغيرًا يحوي مناديل ورقية، ناولها إياه بلطف ساخر:
- امسحي وشك عشان نقدر نتعامل مع بعض.
تناولت المنديل منه بعنف مكتوم، وبدأت تمسح وجهها بحركات هستيرية، هامسة بغضب عفوي:
- الله يخرب بيت الميك أب وأيامه...
أما يزن، فقد جلس أمامها، متكئًا على المقعد الآخر، يراقبها بعينين تحملان مزيجًا من السخرية الخفيفة والارتياح، ارتياح لأنه استطاع أن ينقذها من هذا الكابوس الطفولي، ولو بأقل الخسائر الممكنة، رغم إدراكه أن القادم قد يكون أصعب.
***
ارتمى والد سيرا بجسده المرهق فوق الأريكة الكبيرة في الصالة، يحدق في الفراغ بعينين زائغتين، تحاصره الصدمة من كل جانب. جلست أبلة حكمت إلى جواره، تضع يدها فوق رأسها بحزن شديد، وكأنها تحاول أن تحبس دموعها قسرًا. كان الجميع في حالة من الذهول، وقد خيم الصمت الثقيل على الأجواء، لا يقطعه سوى شهقات مكتومة بين الفينة والأخرى.
قطع صافي زوج حكمت السكون بصوته المتفكر، قائلاً وهو ينظر إلى الحاج حسني:
- يعني هو أخوه، قالك إيه بالظبط يا حج حسني؟
رد الحاج حسني بأنفاس متقطعة، يشوبها الإنهاك والعجز:
- قالي اللي حكيته، بيقولي سيرا مخطوفة هي ويزن... ويزن عرف يوصل له، وهو لسه ما يعرفش مين اللي خطفوها وباين موضوع الخطف اللي كانت هتتعرض له في الشارع بسببه.
رمق الجميع بعضهم بعضًا بعيون قلقة، قبل أن تبتلع شاهندا لعابها بصعوبة، وتقول بصوت خافت مرتجف:
- طيب نبلغ الشرطة يا بابا، وهما يتصرفوا.
انفجرت فريال بالبكاء، وتحدثت وسط شهقاتها بحيرة ويأس:
- طيب ما اخوه ظابط كبير في الشرطة وأكيد بيتصرف ما اخوه هو كمان مخطوف.
رفعت حكمت رأسها ببطء، والدموع تتلألأ في عينيها اللتين توهجتا بحزن عميق، حاولت التماسك وقالت بصرامة مهزوزة:
- احنا مش عايزين نعك الدنيا، خلينا ساكتين لغاية ما نشوف اخوه الظابط هيتصرف ازاي يا بابا، مش هو اخوه الكبير قالك كده ونبه عليك، خلاص يبقى اخوه الظابط أدرى بشغله، ممكن احنا نتصرف ونعك الدنيا وسيرا تتأذي.
عندها علا صوت والدة سيرا، تبكي بقهر مرير وهي تتشبث بابنتها كريمة التي شاركتها البكاء بحرقة، وكأن الخوف والخسارة أصبحا كائنين يضغطان على قلوبهم جميعًا. هز صافي رأسه ببطء، محاولًا التفكير بوضوح وسط هذا الانهيار الجماعي، ثم قال بحذر وروية:
- فعلا احنا نستني ولو بكرة الرؤية مبانتش، نعمل بلاغ احنا كمان.
ساد المكان صمت مشحون بالترقب والخوف، وكأن الزمن نفسه توقف، ينتظر مصيرًا مجهولًا لا يجرؤ أحدهم على تخيله.
***
في منزل الشعراوي، وتحديدًا في شقة سليم التي كانت تبعد عن شقة والدته، خيم صمت ثقيل على الأجواء، وكأن الجدران نفسها تنصت لنبضات قلوبهم القلقة. جلس سليم إلى جانب شمس، وبالقرب منهما مليكة زوجة زيدان، وكل منهم غارق في أفكاره المظلمة.
قطعت شمس الصمت أخيرًا، وقد تملكتها الحيرة والعتاب، فالتفتت إلى سليم قائلة بلهجة معاتبة:
- سليم ليه قولتله كده؟!
زفر سليم بمرارة، وأسند رأسه إلى راحتي يديه، يضغط على جانبي رأسه بقوة كأنه يحاول كبح الألم الذي بدأ ينهش دماغه بوحشية، قال بصوت مجهد، تسيطر عليه نغمة قهر داخلي:
- امال كنتي عايزاني اقوله إيه يا شمس؟! اقوله بنتك اتخطفت بسبب مصايب اخويا.
تدخلت مليكة، وهي تغلق هاتفها بأنامل مرتجفة، تحاول كبح مشاعر القلق والخوف التي اجتاحت قلبها:
- أنا بحاول اتصل على زيدان تليفونه مقفول، أنا قلقانة عليه.
انعقد حاجبا شمس بتفكير عميق:
- حتى هو كمان اختفائه مش طبيعي، يعني ولا موجود في القسم ولا حد بيقولنا هو فين..
رفع سليم رأسه، وقد احترق وجهه بلهيب القلق والخوف، ثم قال بصوت يحمل في طياته غضبًا مكتومًا:
- أنا هتجنن، هيجرالي حاجة، حاسي إيدي متربطة ومش عارف اتصرف، مش عارف ادور على زيدان، ولا اروح الحق اللي لابس في مصيبة ده.
ساد الصمت للحظات قبل أن تتدخل مليكة بصوت خافت لكنه يحمل قوة خفية، وكأنها تحارب النار المشتعلة في صدرها خوفًا على زيدان:
- لا طبعًا روح ليزن، وأن شاء الله زيدان يكون كويس، وهو لو اتصل عليا أنا هبلغك على طول.
تردد صدى كلماتها في أذنيه كنداء للنجاة، فما كان من سليم إلا أن نهض فجأة، مندفعًا نحو غرفته، يسرع في ارتداء ثيابه بحركات عصبية متوترة. لحقت به شمس، وهي تشعر بالريبة من إصراره الغاضب، وسألته بقلق شديد:
- رايح فين يا سليم؟!
توقف عن ارتداء قميصه للحظة، ثم التفت نحوها بنظرة يملؤها السخط، وقال بسخرية مرة، كأنها خرجت من جوف بركان غضب مكتوم:
- رايح اسكندرية، هروح للمعلم زفت ده ما اشوف هو عايز إيه من يزن.
اقتربت منه شمس بخطوات مترددة، وقالت بإصرار:
- طيب آجي معاك.
نظر إليها باستغراب مشوب بالغضب، وصاح:
- تيجي معايا فين؟ انتي اتجننتي؟
لم تضعف شمس، بل زادها خوفها وتصميمها عنادًا، فأردفت بإلحاح:
- سليم المرة اللي فاتت أنا اللي حليت الموضوع لما اتكلمت مع البنت، صح ولا لا، يمكن اعرف اتكلم مع حد هناك واو اقنع البنت إنها تقف لابوها.
أطرق سليم للحظة، كأن كلماته تسحبه للتفكير، لكنها كانت لحظة قصيرة لم تُثنه عن عزمه، قال بنبرة حاول فيها أن يبدو حازمًا:
- لا حتى لو بردو مش هتيجي.
- يا حبيبي لو فكرت هتلاقي كلامي صح، صدقني، يزن مش عايز مشاكل، وده تاجر سلاح، يعني يوم ما نتكلم معاه نتكلم بهدوء وبعقل.
تنهد سليم، وكأن العالم كله انكب فوق صدره، ثم قال بنبرة قاطعة وهو يلتقط مفاتيحه:
- مش هقدر اخدك يا شمس، مش هقدر، لا يمكن يحصل اللي بتقوليه، سيبني دلوقتي عشان الحق اسافر.
رمقها بنظرة خاطفة حانية، وكأنها آخر دفقة أمل يتمسك بها، ثم انطلق خارج الغرفة، مصممًا على أن يواجه العاصفة وحده مهما كلفه الأمر.
رواية غناء الروح الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم زيزي محمد
رواية غناء الروح الفصل الثلاثون 30 - بقلم زيزي محمد
وقفت سيرا في ردهة المشفى الذي نُقل إليه سليم منذ ما يقرب الساعة، ولا يزال في غرفة العمليات كانت الردهة هادئة إلا من أنفاسٍ متقطعة وعيونٍ مرهقة، ويزن جالس على أحد المقاعد الحديدية منهك القوى، يضع كفيه فوق رأسه يخفي وجهه عن العالم، فيما شمس واقفة في الطرف الآخر من الردهة، تُحدق بصمت ثقيل في الباب الموصد المؤدي إلى مركز العمليات.
كان الشعور لا يُوصف، خليط من العجز والذنب ينهش روح سيرا، إذ لم تستطع ردع نجلا حين انفجرت بنظراتها الشريرة وحركاتها العنيفة، كانت تلك النظرة في عيني نجلا تلك اللمعة المريبة كفيلة بهدم بقايا رباطة جأشها، فحدث هرج ومرج في السيارة ومنذ ذلك الحين لم تنبس سيرا ببنت شفة يعتصرها الألم تغرق في صمت يشوبه بكاء شمس وصمت يزن الضعيف، ذلك الضعف البادي في ملامحه وانحناءة جسده وكأن الحياة تُفرغ منه بالتدريج، حتى المواساة فشلت فيها، مثلما تفشل الآن في أن تلحق به وهو ينهض ويغادر الردهة دون أن يلتفت!
تحركت بخطى بطيئة نحو شمس، بينما كانت يديها تقبض على مقدمة سترتها المنزوعة، تخفي جسدها بعفويةٍ ناتجة عن الحرج وعدم الاستعداد لم يكن ثمة متسع لطلب ملابس أو لاهتمام بالمظاهر، فالحزن كان أكبر من كل شيء أقوى من كل اعتبارات.
وبصوتٍ مرتجف، تقدمت خطوةً وقالت:
-ان شاء الله هيخرج بالسلامة متقلقيش.
لم تلتفت شمس، واكتفت بإيماءة صغيرة من رأسها، كما لو أنها لم تملك طاقة للكلام كانت كالشمعة المطفأة، بالكاد واقفة على قدميها حينها انفجرت سيرا بالبكاء، تقاتل كلماتها لتخرج بين شهقاتها الحارة:
-أنا أسفة، ده كله بسببي، أنا لو مكنتش اتوترت لما شفتها....
توقفت فجأة إذ باغتها بكاء شمس الهستيري، فكان يتصاعد كنحيب طائر مذبوح، وصوتها يرتجف وهي تردد بضياع:
-لا بسببي، هو قالي بلاش نقف وأنا أصريت مكنش ده كله حصل،....
ثم صمتت للحظة وواصلت بنبرة ارتجفت فيها نبرة الخوف واليأس:
-أنا ماقدرش اعيش من غيره، هو كل حياتي، دنيتي أبويا واخويا وحبيبي، سليم كل حياتي، أنا أضيع من غيره...
ثم التفتت نحو الباب المغلق ونظرت إليه كأنها تناجيه، تمسكت به كملاذٍ أخير وهمست بأسىٍ وانكسارٍ بدا وكأنه يحني كتفيها:
-هو لازم يكون عارف كده، لازم يقوملي.
تحركت مشاعر سيرا بعنفوان الرحمة وحررت يديها من سترتها لتحتضن شمس بقوة، تضمها إلى صدرها وتربت على ظهرها برقةٍ وحنو بالغ، كأنها تحاول أن تنقل إليها شيئًا من قوتها:
-هيقوم بالسلامة ان شاء الله...ان شاء الله متقلقيش.
ظلتا على حالهما تعانقان بعضهما كغريقتين تتشبثان في بعضهما كي لا تسقطا في الهاوية، حتى ابتعدت سيرا بخجلٍ مرتبك وقالت:
-هو ممكن تليفونك أكلم اهلي بس يجبولي لبس واطمنهم عليا.
أومأت شمس برأسها موافقة ثم مسحت دموعها التي لم تكن قد جفت بعد، وتقدمت نحو حقيبتها فأعطت سيرا الهاتف، أخذته الأخيرة باستحياء وتقدمت نحو نافذة صغيرة تطل على الخارج، ثم أجرت الاتصال وما إن جاءها صوت أبلة حكمت على الطرف الآخر حتى قالت بلهفة خافتة:
-أبلة، أنا سيرا.
استمعت إلى الصوت المرتجف على الجانب الآخر قبل أن تسمع صياحها:
-سيرا، دي سيرا يا جماعة...لا متنزلش القسم، ما هي بتكلمني اهي.
زمت سيرا شفتيها بقلق حين أدركت أن حكمت تحدث من حولها وقالت برجاء:
-يا أبلة ركزي معايا أنا كويسة، متخليش حد يعمل حاجة، أنا كويسة والله بس يا ريت تيجيلي وتجيبي معاكي هدوم ليا وتيجي اسكندرية على مستشفى اسمها "******".
ثم جاءها صوت أختها مفعمًا بالقلق:
-ليه انتي كويسة، حصلك حاجة؟ ومين انقذك؟ وفين يزن؟ ومين اللي كان عايز يخطفك؟
تنهدت سيرا تنهيدة طويلة تخنق فيها عبرتها تتحكم في نبرة صوتها كي لا تنفجر من القهر:
-يا أبلة لما تيجي لي أكيد هحكيلك كل حاجة، وأنا في المستشفى عشان سليم أخو يزن في العمليات دلوقتي يا ريت كلكوا تدعوله وتخلي بابا وماما يدعوله ولما تيجي تعالي انتي وابيه صافي بلاش بابا يجي معاكي وتتعبيه لإن الموضوع شكله مطول.
سمعت صوت والدها يدخل على الخط وصوته مفعم بالقلق واللهفة:
-سيرا كلميني، انتي كويسة؟ طمنيني؟
فلم تتمالك نفسها وبكت وقالت له برقة واشتياق:
-وحشتني اوي يا بابا.
-يا حبيبتي انتي بخير؟! ردي طمنيني عليكي؟ قلبي هيقف من الخوف عليكي!
تنهدت بخفة وهي تجيب بهدوء زائف عكس ما يثور بها:
-بابا أنا والله كويسة وربنا عداها على خير ببركة دعاويك ليا بس المشكلة إن سليم اخو يزن اتأذى وهو دلوقتي في العمليات والدنيا مقلوبة هنا، فممكن بعد اذنك تبعتلي أبلة حكمت وابية صافي بس لغاية ما الدنيا تهدا واتطمن على سليم اخو يزن واجيلك على طول.
هتف والدها بإصرار قائلاً:
-لا أنا هجيلك بنفسي واجي بردو اتطمن عليه!
ردت عليه بإصرار أكبر وهي تقول بتبرير:
-لا يا بابا، يا حبيبي اسمع الكلام انت تعبان ومحتاج راحة لا قد السفر ولا قد الانتظار هنا في المستشفى، وبعدين هتسيب اخواتي وماما لمين؟ ابعتلي ابلة حكمت وابيه صافي وأنا أول لما الدنيا تهدا هتصل عليك احكيلك على كل حاجة.
سمعت صوت جدال خافت يدور بينه وبين إخوتها وهو يُصر على القدوم، لكن سيرا كانت قد شردت فجأة إذ لمحت من النافذة يزن جالسًا على درج البوابة الخلفية للمشفى جسده مطوي على نفسه، رأسه بين كفيه وظهره مقوس كمَن انكسر عوده، بدا كطفل ضائع في عالمٍ لا يرحم، فانقبض قلبها عليه.
أغلقت المكالمة على عجل، وأسرعت لإعادة الهاتف إلى شمس وفي طريقها فوجئت بزيدان يدخل راكضًا إلى الردهة وعيناه مشبعتان بالذعر، وجهه مشدود بانفعال عاصف وصوته كالسوط:
-سليم ماله، هو فين؟ ردي يا شمس؟ يزن فين؟ سليم ماله؟
همست شمس ببكاء:
-اتضرب في بطنه بالمقص.
فتدخلت سيرا لتكمل بتوضيح ونبرتها تملؤها التوتر:
-نجلا بنت المعلم طلقة، ضربته بالمقص في بطنه، والناس اخدوها وسلموها تقريبًا في قسم الشرطة.
أغمض زيدان عينيه بقوة وكور قبضتيه كأنما يستعد للاشتباك مع العالم، كل عضلة في وجهه تصرخ غضبًا حتى بدا كوحشٍ جريح يحترق لينتقم إلى أن جاءه صوت شمس المرتعش:
-بقاله ساعة في العمليات ومحدش طمني يا زيدان، أنا خايفة!!
تغير زيدان في لحظة كأن الواقع اصطدم به دفعة واحدة، فانهار جالسًا على أقرب مقعد ناظراً في فراغٍ يبتلع كل شيء، عيناه تلمعان ببصيص دموعٍ لم يسمح لها بالسقوط متمسكًا بآخر خيوط كبريائه يخفي بها هشاشته، لم يكن مجرد أخ بل كانت صلته بسليم أعمق من كل الكلمات، تلك الرابطة التي لم يصرح بها يومًا ولم يسمح لنفسه حتى أن يُفصح عنها، فإن كان قد قبِل بفقد والده، فذلك لأن سليم كان ما يزال معه فكان دومًا يهمس لنفسه في أشد الأزمات..."سليم... وكفى."
****
تسللت سيرا من تلك الهالة الحزينة التي كانت تحيط بالمكان، وتسللت بخفة نحو يزن، مدفوعةً بحاجة مُلحة للجلوس إلى جواره، لعلها تواسيه أو تخفف عنه وطأة الألم الذي يُثقل روحه، فقد كان خير سندٍ لها وخير حافظ طوال فترة اختطافهما.
اقتربت دون أن يشعر وجلست بقربه بينما هو ما زال منكفئًا برأسه، كأن الهم قد سحق كيانه رفعت يدها المرتعشة، ترددت للحظات قبل أن تمدها نحوه، ثم تماسكت ولمست شعره الكثيف بهمسة حنونة ونبرة مرتعشة:
-يزن، انت كويس؟
لم يجب....بقي على حاله يحجب وجهه عنها، يزيد من قلقها فاقتربت منه أكثر وبصوت تخنقه العاطفة:
-يزن، رد عليا، اجبلك دكتور؟
رفع نصف وجهه أخيرًا فكُشف الستار عن أنهار حزنه، دموع غزيرة تسيل على وجهه وعينان فقدتا لمعانهما تحت وطأة الدمع...أما صوته حين خرج كان كمَن فقد كل قواه ممزوجًا ببحة موجوعة، جعلتها تشعر برغبة في البكاء معه، فبكاؤه كان يشبه بكاء طفل صغير أنهكه الخوف من فقدان والده، لم يكن كما رأت دموع زيدان...بل شيء أعمق شعور عجزت عن وصفه.
-ان شاء الله هيبقى كويس متقلقش.
عض على يده بقسوة وكأنه يعاقب نفسه وهمس بصوت بالكاد يُسمع مخنوق بالحسرة:
-أنا السبب...أنا اللي وصلته إنه يحصل فيه كده.
جرت دموعها بلا مقاومة ووجدت نفسها تتولى عبء اللوم عنه بكل شجاعة، وهي تهز رأسها نافية ما قاله:
-لا أنا السبب أنا اللي خوفت زيادة ووترتك وخليتك مش عارف تتصرف معاها، أنا أسفة.
لم يكن يقصد لومها لكن الشعور بالذنب كان قد اجتاحه بالكامل، وشعر أنه مذنب بسبب نزواته العابرة وإن بدت بريئة، لولا تعارفه على ابنة المعلم طلقة "فايزة" لما خطر ببال المعلم الطلقة كوسيلة لإنقاذ ابنته الثانية من فضيحة تلاحقها بين مجرمي الحارة!
لاحظ يدها الموضوعة فوق يده تربت برفق على كفه تنظر إليه بعينين تغمرهما البراءة، فشعر أنه لا يستحق تلك النظرة لكن شيئًا آخر أثار انتباهه، قبضتها التي كانت تضغط بقوة على مقدمة سترتها الممزقة حيث مزقتها نجلا بعنف فهب فجأة وهو يهمس بقلق:
-استني، استني ماتتحركيش، ازاي ماتنبهنيش.
رأى ممرضة تمر على مقربة منهما فتوجه إليها مسرعًا وتحدث معها لبضع كلمات، فأومأت برأسها وهي تُلقي نظرة سريعة نحو سيرا التي بقيت في مكانها تتابع المشهد بعدم فهم، عاد بعد لحظات وهو يحمل سترة طبية بيضاء مخصصة للعاملين بالمشفى.
وقف خلفها بهدوء، يضع السترة على كتفيها لتغطي نفسها، وظل واقفًا إلى أن تأكد من أنها أغلقت الأزرار جيدًا، امتنت سيرا لتصرفه النبيل، واحمر وجهها احترامًا لهذا الرجل الذي يُعاملها برقيٍ لا يُشبه أبدًا ما سمعته عنه من حورية، كيف يمكن لهذا الإنسان أن يكون من هواة التسلية بالفتيات؟!
جلست بجواره مجددًا وقد اتخذت قرارًا بألا تسمح له بالعودة إلى ظلال حزنه، فأرادت أن تملأ الفراغ بالحديث حتى لو بالكلمات المترددة، فقالت ببسمة رقيقة:
-باين عليك متعلق بأخوك الكبير؟
رفع عينيه المُحمرتين نحوها وبسمة حزينة ترتسم على شفتيه:
-سليم كل حاجة في حياتي حرفيًا، أنا كبرت واتربيت على ايده، مقدرش اتخيل حياتي من غيره.
ابتسمت له بحنان وبنبرة مجروحة كأنها تداويه بكلماتها:
-تعرف أنا لاحظت كمان أن هو بيحبك، حسيت وقتها إنها مش مجرد علاقة اخوات، علاقة....
قاطعها يمسح دموعه التي بات يجهل عددها وقال بألم غائر:
-ده أبويا...أبويا التاني، بحترمه وبقدره وبخاف منه وبخاف عليه، سليم ضحى بحاجات كتير اوي عشانا، أنا عمري في حياتي ما أقدر اعوضه ولا اعوض افضاله عليا.
ربتت على كتفه وقالت بتوتر وحيرة:
-طيب وزيدان؟!
بدت ملامحه حائرة فأعادت هي صياغة السؤال:
-علاقتك بيه، بتحبه زي سليم كده؟!
غاصت أصابعه في شعره الكثيف يشد عليه كأنه يحاول أن يُخرج الكلمات من داخله، ثم أجاب بشرود:
-سليم علاقتي به متتقارنش بحد، سليم أبويا، أنا وعيت على الدنيا هو كل حاجة في حياتنا، مفيش حاجة بتحصل إلا برأيه، ولا بنقدر ناخد خطوة إلا لما يكون موافق، عمود البيت وسندنا في الحياة بعد أبويا الله يرحمه، أما زيدان...
أخرج زفيرًا حارًا من صدره وتابع:
-زيدان ده صاحبي، وسري، يعني بنتخانق كتير، بس عمري في حياتي ما قدرت انام زعلان منه.
كانت تنظر إلى ملامحه المنكسرة وقد أسرها دفء العلاقة التي تجمعه بأخويه فخرجت كلماتها كما هي دون ترتيب:
-عارف يا يزن اللي يشوفك من برة، يقول شخص مبيهموش إلا نفسه، بس لما قربت منك عرفت إنك قد إيه بتحب عيلتك وبتقدرهم، وده احسن حاجة، مفيش أحسن من التقدير.
لم ينظر إليها بل ثبت نظره على نقطة غائبة في الفراغ، وهتف بصوت مرتجف بعدما نجحت أخيرًا في سبر أغوار قلبه:
-أنا أهلي عملولي كل حاجة حلوة ومايستاهلوش مني إلا كل حاجة حلوة وده أبسط تقدير ليهم.
مالت برأسها وهي تنظر إليه بإعجاب وابتسامة خافتة:
-انت عارف كل شوية بكتشف فيك حاجات جديدة.
رفع عينيه إليها وقد خف وهج الحزن قليلًا وسأل بفضول واضح:
-وإيه الاكتشاف الجديد؟!
ابتسمت بمكر طفيف:
-نطيت على طول على جديد طيب متسألش على القديم الاول؟
تنهد بعمق وأسند رأسه إلى الجدار خلفه وردد بلهجة تظاهر فيها باللامبالاة وإن كان داخله يتقلب شوقًا:
-لا ماليش خلق، يهمني الجديد....القديم كده كده مضروب بالجزمة.
وضعت يدها أسفل ذقنها وقالت ببسمة بسيطة، وقد حاولت كبح جماح كلمات قاسية كانت على وشك الإفلات:
-أنك راجل والكلمة دي في نظري ماتتقالش لأي حد، كنت فاكرة إنك عيل توتو بس كسرت توقعاتي.
فجأة صُدح صوت زيدان بجانبهما قاطعًا خيط لحظتهما:
-يزن، انت كويس؟
نهض يزن ليستقبله، وبسمة باهتة على وجهه، لكنها كانت تحمل بذور الأمل:
-زيدان انت جيت امتى؟ ومين قالك؟
أجابه زيدان وهو يلقي نظرة سريعة على سيرا:
-جيت من شوية بس الظاهر أن سيرا نسيت تقولك، ومين اللي قالي مليكة وبعدها.....
وسرد عليه تفاصيل لقائه مع سليم أمام منزل المعلم الطلقة وكيف تمكن من القبض عليه وعلى رجاله إلى أن تلقى خبر إصابة سليم.
-الحمد لله إنك موجود.
-متقلقش أنا ان شاء الله حاسس إن سليم هيقوم منها والبت اللي عملت فيه كده أنا مش هسيبها.
هتفت سيرا على الفور، رافعةً يدها كمَن تُوقف تيارًا من الغضب:
-لا....حرام اقصد هي مريضة نفسيا ومش مدركة للكارثة اللي عملتها، وبعدين ابوها السبب مش صح يا يزن؟
لم يجب يزن وظل صامتًا إذ كان مشهد سليم وهو يسقط غارقًا في دمائه يحرض في أعماقه رغبة عارمة في الانتقام...رغبة تكاد تنسيه أن نجلا بكل جنونها وخطرها، ليست إلا مريضة مسكينة لا حول لها ولا قوة، تملكته الكراهية حتى خشي على نفسه منها، فظل شاردًا بعينين جامدتين.
وفي تلك اللحظة قطعت سيرا عليه شروده بنبرة حازمة حادة، ولهجتها تطغى عليها نغمة الإصرار:
-هي لازم تتاخد من أبوها وتتحط في مستشفى للامراض العقلية، هتبقى في مكان أمان، ابوها واهلها مش عارفين ياخدوا بالهم منها، مش صح يا يزن؟
كررت السؤال وكأنها تحاول انتشاله من غياهب أفكاره القاتمة، فأفاق أخيرًا متنهدًا بعمق كأنما يلفظ ثقلًا عالقًا في صدره ثم حرك رأسه بإيماءة خفيفة وقال بصوت مكلوم:
-دي حقيقة وجود البت دي خطر، لازم تتحط في مستشفى وناس مسؤولة.
زم زيدان شفتيه ولم ينبس بكلمة، كأن ما قيل للتو كان كافيًا لإثارة عاصفة صامتة في داخله، وما لبث أن جاءه اتصال من قسم الشرطة فابتعد قليلاً ليرد وقد ارتسم على وجهه توتر لم ينجح في إخفائه.
استغلت سيرا الفرصة، وتقدمت نحو يزن بخطى حذرة، وهمست إليه بصوت مرتجف يشوبه التوتر:
-يزن انت زعلت مني؟ والله أنا مابدافع عنها، بس كل الحكاية إنها زي ما أذت سليم أخوك، تأذي أي حد تاني.
تأملها يزن لوهلة، وقد رأى في عينيها صدقًا دفعه للإعجاب بها من جديد، خافت عليه....وقلقت لمجرد أنه ربما شعر بالحزن منها، وذلك وحده كان كافيًا ليرق قلبه، ابتسم لها برفق ونفى برأسه مطمئنًا:
-لا مازعلتش، متقلقيش أنا مش صغير لدرجادي، يلا نطلع نقف مع شمس.
زفرت سيرا زفرة ارتياح وأومأت برأسها في طواعية... ثم سارت بجانبه بخطى أكثر اطمئنانًا، كأنما وجدت في قربه مأمنًا.
*****
وقفت يسر أمام باب شقتها بعد عناء طويل في محاربة نفسها لتجاهله، غير أنها لم تستطع مقاومة حنينها وعنفوان رحمتها به، لا سيما بعد أن شاهدت بعينيها شجاره مع أخيه، ذلك المتبلد قاسي المشاعر.
لقد بدا لها حينها وكأنه يعاني وحده في تلك الفترة، دون أن تدري هي شيئًا عن ألمه، لذا تحركت خلفه دون وعي، وها هي تقبض بكفها فوق يد ابنتها، التي استغلتها كمبرر تلوذ به كي تتبعه، رغم أنها لا تعلم شيئًا عن وجهته حين فر بسيارته هاربًا من عينيها ومن هذا العالم بأسره، وما إن أبصرت سيارته مركونةً أسفل البناية، حتى شعرت براحة غريبة تتسلل إلى صدرها.
طرقت الجرس وانتظرت قليلاً، حتى فُتح الباب وظهر وجهه العابس، وقد ارتسمت على ملامحه دهشة خفيفة لوجودها؛ لم يتخيل قط أن يراها أمامه أو أن تلحق به، فخرج صوتها متذبذبًا حين قالت:
-ادخلي يا لينا يلا جيبي العابك اللي انتي عايزاها.
رفعت الصغيرة عينيها وغمزت لوالدتها غمزة طفيفة، جعلت وجه يسر يحمر كحبة طماطم ناضجة، هرولت الصغيرة صوب غرفتها سعيدة، بينما تجاهلت هي نظراته وقامت بإزاحته من طريقها وهي تتقدم إلى الداخل قائلة بنبرة مختصرة:
-هنجيب العاب لينا بسرعة ونمشي متقلقش.
لان وجهه بابتسامة ساخرة حين أدرك مقصدها، فهز رأسه بيأس وأغلق الباب خلفها، ثم توجه نحو المطبخ ليعد فنجان قهوته عله يسكن آلام رأسه المميتة، فمنذ تلك المواجهة مع والدته، وكلماتها القاسية لا تزال تتردد في أذنه، ممزقة صدره وعقله معًا.
اقتربت يسر من المطبخ، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها، ثم تساءلت بسخرية ظاهرها المزاح وباطنها الاستفزاز:
-من امتى وانت بتعرف تعمل قهوة؟!
التفت نصف التفاتة وابتسامة ساخرة تلوح على محياه، بينما يداه تحركان مسحوق القهوة في الماء بإتقان وهدوء تام، وكأنه يدرك تمامًا أنها ستأتي خلفه، فأجاب بخشونة يغمرها التهكم:
-اتعلمت، مش عايش لوحدي؟ ومراتي سايبني!
تقدمت نحوه خطوة أخرى، والسخرية تعلو صوتها وابتسامتها المستنكرة ترتسم على وجهها:
-يلا حظك كده، هتعمل إيه؟! معلش مراتك جاحدة.
ترك القهوة تمامًا ونظر إليها متأملًا ملامحها التي اشتاق إليها كثيرًا، فخفض صوته قائلًا بنبرة اشتياق تسللت منه رغمًا عنه:
-لا هي مش جاحدة، هي دماغها مفوتة بس، ربنا يهديها.
احتدت نبرتها وهي تعبس في وجهه، تصده عن نظراته:
-والله ما حد دماغه مفوتة غيرك يا نوح.
ضحك ضحكة خفيفة، وعاد إلى قهوته مردفًا بعتاب زائف:
-انتي جاية تتخانقي معايا؟ جاية تكملي عليا؟
اقتربت منه أكثر تلقي عليه اللوم بشراسة، دون أن تعي تمامًا ما نطقت به:
-ما انت اللي بتضايقني، بتضايقني ليه وأنا جاية وراك عشان.....آآآ أقصد عشان العاب لينا.
ابتسم مجددًا ضاحكًا بخفة، ثم غمرها بنظراته الحنونة والمشتاقة، واقترب منها وهو يقول بهدوء تملؤه مشاعر دافئة رغم ما أحدثه قربه من اهتزاز نفسي عنيف بداخلها:
-امممم العاب لينا مهمة جدًا، بس متقلقيش هي جامدة وقادرة تقف على رجليها مش شوية كلام هيهزوها.
واجهته بصراحة وقد غلب عليها الحزن والحيرة، تخشى أن تكون هي السبب في زعزعة علاقته بأهله:
-هو أنا كنت بغلط في اهلك، أو كنت بعمل فيهم حاجات بتزعلهم مني؟ أنا يعلم ربنا كنت بعاملهم زي أهلي ولا عمري اشتكتلك منهم ولا عمرهم أظن اشتكوا مني في حاجة؟
تنهد بقوة وضغط على نفسه ليجيب رغم أن كلماته جاءت مبهمة على عادته:
-المشكلة مش فيكي يا يسر؟ المشكلة فيا أنا وعلاقتهم بيا!
عقدت ما بين حاجبيها بحيرة ظاهرة محاولة سبر أغوار ذلك الغموض الذي يكتنفه:
-غريبة يا نوح عمري ما لاحظت حاجة بينكم، إيه اللي جد؟
ترك موقعه أمامها وتوجه بخفة إلى قهوته مجددًا، يشعل النار تحتها وأجاب باقتضاب كأنه يدرك تمامًا أن كلماته ستثير تحفزها:
-عمرك ما لاحظتي عشان كنتي مشغولة بحاجات تانية، هتجوز عليكي امتى؟ بخونك ولا لا؟ فطبيعي عمرك ما هتلاحظي إني على طول بعيد عنهم.
لم تمهله الرد بل اقتربت وهي تُلقي عليه اتهاماتها بعنفوان شرس فصاحت:
-مترميش اتهامات وخلاص يا نوح؟ ولو كنت أنا مشغولة بالحاجات دي عشان حضرتك السبب في كده، انت لو كنت مخلي علاقتنا عادية زي بين أي اتنين متجوزين، أكيد كنت هلاحظ إن في حاجة، بس انت على طول بعيد ودايمًا مخبي.
نظر إليها مبررًا مشاعره وما كان يعيشه من جفاء:
-عشان مكنتش بلاقي في عينك الاهتمام يا يسر، فكنت بسكت وبكتفي باللي بمر بيه لوحدي!
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تدافع عن نفسها بصوت مهتز:
-وليه؟! يعني انت لو جيت وحكيتلي أنا كنت مسمعتش ولا اهتميت؟ أنا مش وحشة اوي كده يا نوح.
ترك قهوته وعاد إلى موقعه أمامها، يهتف بضعف مماثل لكن الفرق بينهما أنها قادرة على البكاء، على إظهار ضعفها، أما هو فكرامته تمنعه؛ لن يبكي حتى إن أظهر ضعفه فسيبدو في نظر نفسه هشًا جدًا:
-ولا أنا وحش يا يسر، اقسم بالله أنا ما وحش، أنا بس....بس تايه وحاسس أن انا مخنوق ومش عارف اعبر عن أي حاجة ولا عارف أنا عايز أيه؟
هدأت ثورتها أمام صدق كلماته التي لامست فؤادها، وقالت برقة رغم أن دموعها ما زالت تترقرق في عينيها:
-انت لو حابب تتكلم أنا موجودة وهسمعك؟
صمت للحظة ثم قال بهدوء يغمره الرجاء الصامت، وكأن أمنيته أبسط مما يُقال، لكنها عنده كانت أعمق مما يُرجى:
-أنا مش عايز أي حاجة غير إن ادخل أنام وتكوني جنبي...متعمليش أي حاجة غير إن احس إنك جنبي وبس.
تساءلت بصوت مرتجف وهي تنظر نحو القهوة، تحاول قمع رغبتها في احتضانه واحتوائه:
-طيب والقهوة؟
أطفأ النار بسرعة، وأمسك بذراعها يجذبها خلفه، مردفًا بسعادة ضمنية تملأ صوته:
-كنت بعملها عشان اسهر عشان كده كده مش هعرف انام، بس انتي موجودة يبقى ملهاش لزمة!!
دخلا معًا غرفتهما فشعرت بالحنين الجارف إلى هذا الركن الدافئ الذي جمعهما يومًا، لكنها لم تنسَ سر تلك الملابس النسائية الغريبة التي وجدتها، فغلبها شعور بالغيرة والغضب والنفور، ولكن نظرتها إليه وهو مستلقٍ على فراشهما ممسك بكفها، يضعه تحت وجهه وكأنه يخشى فراقها، جعلتها تستكين....فبدا كطفل صغير يخشى فقدان والدته، ويشعر بالأمان بقربها
****
خرج أخيرًا الطبيب المسؤول من غرفة العمليات، وعلى وجهه ابتسامة مطمئنة تبعث الأمل في القلوب المتوترة، وقف أمامهم بثبات، ثم قال بهدوء أثلج صدورهم جميعًا:
-الحمد لله قدرنا نوقف النزيف، ومصابش أعضاء حيوية، بس هيحتاج يقعد في العناية المركزة تحت الملاحظة.
شعرت شمس كأن كتلة من الثلج قد استقرت في جوفها، فابتلعت ريقها بصعوبة بالغة ثم سألته برجاء يعلوه الارتجاف:
-ممكن ادخل اشوفه؟
أجابها الطبيب بنبرة آسفة لكنها حاسمة:
-لا لأسف مايمنفعش دلوقتي، ادونا وقتنا بس نطمن عليه احنا الاول وعلى صحته وصدقيني هتطمني عليه، وبعدين يا جماعة الحمد لله عدت على خير.
كانت كلمات الطبيب كأنها سُور من طمأنينة التف حول قلوبهم، لكنها لم تكن كافية لتهدئة ذاك الاضطراب الكامن في صدر شمس، فتقدم زيدان منها وقد قرأ بوضوح ما يخالجها من قلق ولهفة، فقال برفق:
-متقلقيش يا شمس، أكيد كده احسن له، الحمد لله.
في تلك اللحظة، خرج صوت يزن بعد فترة طويلة من الصمت، وقد نطق كمَن تنفس الصعداء أخيرًا، وهو يجلس على المقعد المجاور:
-الحمد لله.
التقطت سيرا تلك اللحظة بعين فطنة وقلب حنون، فابتسمت برقة وكادت أن تتجه لتجلس إلى جواره، إلا أن عينيها وقعتا على شمس التي كانت لا تزال ترتجف وقد بدا واضحًا أنها على وشك الانهيار، فتقدمت منها بخطى هادئة ثم أحاطتها بذراعيها، تضمها بحنانٍ صافٍ وهمست إلى أذنها ببضع كلمات رقيقة، كمَن يبث دفء الطمأنينة في جسد مرتجف، علها تخفف من وطأة الخوف الجاثم فوق قلبها.
****
شعرت سيرا بحاجة عارمة إلى استنشاق بعض الهواء، كأن رئتيها قد ضاقتا ذرعًا بكل ما دار في الساعات الماضية، نظرت نحوهم فوجدت يزن المنهمك في أفكاره، زيدان الذي يتابع شيء ما على هاتفه باهتمام، وشمس التي بالكاد تلتقط أنفاسها، انسلت بهدوء دون أن تُحدث جلبة، وتوجهت نحو ردهة أخرى بالمشفى، حيث نافذة تطل على حديقة أخرى وكبيرة.
وقفت أمام النافذة ووضعت كفيها على الحافة الباردة، وأغمضت عينيها للحظات، الهواء كان خفيفًا، باردًا نوعًا ما لكنه قادر على تهدئة شيءٍ من تفكيرها المتكدس، لم تكن تدري أن حاجتها تلك للابتعاد، لم تكن من الإرهاق وحده، بل من وجود يزن تحديدًا؛ ذاك الحضور الذي يهيمن على قلبها دون إذن، فتجد نفسها تتابع نبرات صوته....نظراته، وحتى صمته.
تنهدت طويلًا واستدارت بهدوء لتغادر، إلا أن صوتًا غريبًا مألوفًا حد الرعب، اخترق سكون اللحظة:
-لعبتييييي، حبيبتي انتي رجعتيلي، أنا بحبك اوي يا لعبتييي.
شهقت سيرا وهي تحدق في ملامح نجلا، كيف استطاعت الهرب من قسم الشرطة؟ وكيف أتت إلى المشفى؟! فكانت نظراتها الطفولية الغريبة تلمع ببريق غير متزن، تقدمت منها نجلا بخطى سريعة وابتسامة عريضة مشوشة، ويدها تمتد كأنها ستلتقط دميتها المفضلة:
-تعالي يا لعبتتتي أنا مبسوطة اوي عشان لقيتك، بعد ما الاشرار كانوا هيخدوكي مني.
تراجعت سيرا تلقائيًا، والذعر يغزو ملامحها، وصرخت بانفعال:
-نجلا...أنا مش لعبتك، أنا بني آدمه، افهمي...
لكن نجلا لم تكن تسمع، كانت تغوص أكثر فأكثر في عالمها الموازي، عالم مليء بالألوان والدمى والكائنات الساكنة التي لا تعارض....وفجأة أخرجت من حقيبتها الصغيرة ذلك المقص، ورفعته أمام عينيها وهي تبتسم بفخر:
-هنقص شعرك الطويل زي الحرير يا لعبتتي وبعدها نعمل حفلة.
صرخت سيرا وابتعدت بفزع تحاول التملص منها، غير أن نجلا كانت أسرع، وأمسكت بطرف ثوبها:
-رايحة فيني لا يمكن تهربي مني، يلا عشان نعمل حفلة حلوة اوي.
وفجأة شق صوت مألوف سكون الممر، صوت يشي بالقلق والحنان معًا، كانت أبلة حكمت قد ظهرت من الطرف الآخر تسير بخطًى مسرعة وهي تنادي باضطراب:
-سيرا...مالك؟ مين البت دي.
وقعت عيناها في تلك اللحظة على ملامح سيرا المرتجفة، وعلى الفتاة الغريبة التي تقف أمامها حاملة مقصًا في يدها، فهرولت حكمت صوب أختها، ومدت يدها تشدها من كتفها لتحتضنها، تمسكت بها سيرا كما يتشبث الغريق بطوق نجاة، وهمست بصوت مرتعش:
-أبلة دي مجنونة.
لم تنتظر حكمت كثيرًا لتفهم بل وجهت نظراتها الغاضبة نحو نجلا ثم صرخت بحدة:
-مجنونة على نفسها، انتي مين يا بت؟!
رفعت نجلا رأسها ببطء وفي عينيها بريق غريب، مزيج بين الطفولة والسواد، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة، تحمل خلفها تشوهات نفسية لا تُرى بالعين المجردة، وقالت بهدوء مشؤوم:
-أنا نجلا
تقدمت حكمت خطوة للأمام، تقف بين أختها وبين هذه الغريبة وقالت بنبرة جافة، تكاد تخفي وراءها غليانًا داخليًا:
-وعايزة إيه من أختي يا ست نجلا؟
لم تكن تعلم أن مَن تقف أمامها لم تكن تزن الأمور بمنطق بشري، وأنها ترى في سيرا شيئًا آخر تمامًا، شيئًا لا يحتمل المنافسة عليه، فرفعت نجلا رأسها مرة أخرى وعيناها تتسعان بجنون، ثم همست ببطء:
-دي مش أختك..دي لعبتي.
وقبل أن تتمكن حكمت من إدراك ما تعنيه كلماتها، اندفعت نجلا نحوها بغتة وغرزت المقص في صدرها بقوة ووحشية مفرطة، كأنها تطعن وحشًا يُهدد عالمها الطفولي المتصدع.
شهقت حكمت شهقة طويلة...عالية، ملأت أرجاء الردهة، وارتج جسدها من شدة الصدمة، ثم ترنحت قليلًا إلى أن انهارت أرضًا، لم يكن هناك وقت للوداع، ولا فرصة للكلمات الأخيرة، فقد ذهبت روحها إلى بارئها في لحظة صافية، تاركة خلفها جسدًا هامدًا، ودموعًا معلقة في عيني سيرا.
أما سيرا...فقد كانت ترتجف بعنف، جسدها ينهار قطعة قطعة، وعيناها متسمرتان على جسد أختها، غير مصدقة..شفتاها تتحركان دون صوت كأن الروح خرجت معها، وبقي الجسد وحده يراقب هول المصيبة.
****
في شقة نوح.
غفت يسر قليلًا بجانب نوح، وقد بدا أن شعور الأمان الذي ظنت أنه يحتاجه، كان في الحقيقة ما تنشده هي، لم تدرك كم كانت مرهقة حتى سكنت بجانبه...
غير أن سكون اللحظة لم يدم طويلًا؛ إذ دوى جرس الباب فجأة قاطعًا خيوط الراحة، حاولت يسر النهوض بهدوء، إلا أن نوح تمسك بها كمَن يخشى أن تفلت منه الحياة مجددًا، فاضطرت لفك تشبثه برفق، وتسللت خارج الغرفة على رؤوس أصابعها.
بدأت تبحث عن ابنتها بعين قلقة، وسرعان ما وجدتها نائمة فوق أريكة كبيرة في الصالة، تحيط بها ألعابها المتناثرة، ارتسمت ابتسامة حنونة على ملامح يسر، ومالت فوق الصغيرة ترتب خصلات شعرها بعناية، ثم توجهت صوب الباب، وما إن فتحته حتى تسمرت في مكانها، وعلت الدهشة وجهها، فقد وجدت حسناء واقفة أمامها، تنظر إليها بعينين متسعتين من المفاجأة، وقد شهقت بخفوت وقالت:
-يا خبر، هو انتي هنا يا مدام!!