كان وقع الصدمة شديدًا على خديجة التي ارتدت إلى الخلف في حركة حادة، بفم فاغر، وعينين متسعتين بمزيج من الصدمة، والذهول، والدهشة وهي تهتف في صوت متجمد: _يا الله. رفرفت بأهدابها حينما لمحت ماهر ينزع وجهه سافرًا عن وجه خالد أخيها متبسمًا في مشاكسة واضحة، وهو يغمغم ضاحكًا: _مكنتش عارف إن وشي يخض كدا يا خديجة يا حبيبتي!
ظلت خديجة على حالها لا تحرك ساكنًا، نقلت بصرها بين الوجه المطاطي في كف خالد، الواقف متبسمًا في هدوء في انتظار أن تستوعب الصدمة. قاطع خالد السكون الذي غشاهما مرددًا: _يا بنتي بقا والله أنا خالد. ادحرت خديجة صدمتها بعيدًا، وتساءلت في لهفة وعدم تصديق: _ده إزاي مش فاهمه؟ أنت خالد فعلاً؟! ضيق خالد عينيه، واردف وهو يعقد ذراعيه في صرامة: _حبيبتي أنا خالد قدامك.
دعكت خديجة عينيها، كانت تدرك أن أخاها يجيد التنكر لكن ليس لتلك الدرجة أن لا تعرفه؟ حدقت فيه مليًا كأنما تتطمن إلى أنه أخاها بالفعل، إلى أن النظر إلى وجهه لم يكن كافيًا، فتقدمت وامسكت وجهه ثم قرصت وجنته فصاح خالد في ضيق: _يا خديجة يا حبيبتي والله وشي، مش وش حد تاني. ثم أتبع ضاحكًا: _وحشتيني. تألقت عينا خديجة في جزل، وضحكت كاتمة فمها بكفها، وهتفت في بهجة: _خالد … أنا مش مصدقة، أنت من امتى هنا؟
قالت عبارتها وهي تضمه، فربت خالد على ظهرها مجيبًا: _من فترة مش بعيدة من قبل … أرتج عليه لم يقدر على قول "من قبل أن يموت من مات"، من قبل أن يرحل الراحلون. أبتعدت خديجة عنه وهي تساءل في اهتمام: _وانت إزاي منتحل شخصية ماهر، فين ماهر أصلًا. خالد في هدوء آثار دهشتها: _ماهر في الحفظ والصون معانا، انتحلت شخصيته إزاي فـ دي سهلة يا حبيبي عادي. غمزت له خديجة قائلة بمرح:
_الله، يعني هشوفك وأنت بتشتغل في المهمات، مكنتش أعرف إنك بتتنكر حلو كده. قهقه خالد ضاحكًا، وقال في استهتار: _يا بنتي دا أنا أعجبك وممكن أتتنكر فيكِ لو عايزة. رفعت خديجة إليه حاجبًا في تحدي، فرجع عن كلامه قائلًا: _لا طبعًا بهزر هقلب نفسي بنت إزاي يعني. مس خالد ذقنه بدأ بتفكير عميق، وسألها في جدية: _هو أنتِ يا خديجة بتدوري على إيه صح؟ مستحيل تلاقي حاجة هنا... أنا قلبت البيت مفيش حاجة. زمت خديجة شفتيها بيأس،
وغمغمت في ضيق: _طب والعمل هنعمل إيه دلوقتي؟ هدور على إيه؟ تنهد خالد، وهز كتفيه في الامبالاة، وقال في بساطة: _متعلمتش أقول لحد خطواتي يا حبيبي ولكن عشان أنتِ اختي وكدا، فبدور على صور ما قبل وبعد التجميل إذا ما كان ماهر محتفظ بيهم وإلا مستحيل نعرف حقيقة ماهر دي أبدًا!! في سؤوم زفرت خديجة وهي تردد في حيرة دفينة: _طب وهنعمل إيه؟ رد خالد في بساطة وهو يثبت الوجه مجددًا: _ولا حاجة هننزل عشان محدش يشك في غيابنا يلا! أوقفته
خديجة تسأل في تذكر متحير: _استنى بس، إذا أنت هنا من قبل الحادثة فده يعني إن مش ماهر إللي … قاطعها خالد موضحًا في هدوء، صارم: _أنا جيت قبل الحادثة أيوه بس كان لسه ماهر حُر. انتهى الحفل وأودعت خديجة خالد بنظرة عذبة تقطر بالدعاء الصافي من فؤادها النقي، وتغادر برفقة أراس الذي رمقهما بنظرات مبهمة، مضى الطريق والصمت يخيم عليهما، قاطعه أراس بقوله المفاجئ وهو ينظر إلى انعكاس صورتها في المرآة: _أعجبك الحفل؟
تبدين سعيدة وقد زال توترك! تفاجئت خديجة من عبارته وتوتر بؤبؤ عينيه زائغًا وهي تجمجم في شحوب: _من ذا الذي يكون برفقتك ولا تغمره السعادة؟ راعها قولها المراوغ، فاختلس نظرة مبهمة على وجهها المتواري وراء نقابها وعاد يركز بصره على الطريق، مغمغمًا في صوت أجش: _لم يكن هذا قولك آنفًا، من يسمع ما تفوهتِ به في المستشفى يظن أن الكره يسكن قلبك ولا غير ذلك! اعتدلت خديجة في مجلسها في احتجاج، وقالت مستنكرة: _أكرهك؟!
هل تحسبني أكرهك حقًا يا أراس؟! بدا هادئًا عندما لم يأبه حتى بالنظر إليها، وأعتقدت خديجة أنه لن يجيب، لكن صوته علا بغتة متمتمًا بحنق: _ألا تكرهيني حقًا! قلبت خديجة كفيها وهي تقول في ذهول مشوب بالغضب: _يا الله هل تود اقتراني بالكره قسرًا؟ لمَ قد أكرهك! رد أراس في برود مستهتر: _ولا تحبيني! أسترخت خديجة في مقعدها، وخُيل إليه أنها لن تجيب، لكن صوتها خرج هادئًا، هامسًا، وهي تعقد ذراعيها وتسبل جفنيها:
_نعم قلت لا أحبك ولم أقل أكرهك، ثم من يدري ما سوف يحدث في المستقبل، القلوب تتقلب بساكنيها. ران عليهما الصمت بعد عبارتها، إلى أن توقفت السيارة وضرب وجهها هواء جميل ذات نسمة منعشة ففتحت عينيها ناظرة من النافذة إلى البحر، قائلة ببسمة بشوش: _جيد أنك أتيت إلى البحر. التفتت إليه فوجدته يسند مرفقه على عجلة القيادة، مسلمًا ذقنه إلى كفه، ناظرًا لها بعاطفة تموج في نفسه موجًا، وسألها فجأة بنظرة تشملها في حب:
_هلا أخبريتني كيف كنتِ تريدين زوجك! سؤاله أثار دهشتها وهي تعتدل مواجهة له، وافتر ثغرها عن بسمة وضيئة، أوهجت عينيها ببريق عميق أذابها، وهمست بعذوبة: _لقد وددت دائمًا أن يُرزقني الله بزوج رحيم، عطوف، حنون، ذو خلق ودين. أتعلم ماذا تمنيت؟ أن أُرزق بمن هو يتحلى بصفات الصحابة رغم يقيني التام أنه لا يوجد أحد مثلهم في هذه الأيام ولن يوجد. توهجت بسمة شاردة فوق شفتيها، وسال الدمع من عينيها، وأسترسلت في همسها بصوت يفيض بالوجع:
_حلمت دائمًا بشخص يكون في عدل عمر، أوَ تدري أني أعشق وإني أكب على سيرته يوميًا ألتهمها التهامًا والله لو علمت إن أحدًا في آخر الكون يحمل من خبره شيئًا لشددت الرحال إليه مهما طالت المسافة غير آبهة بمشقة الطريق إنه الفاروق. أردته في صدق الصديق، وفي شجاعة خالد المقدام، وفي تضحية البراء، وذو حق مثل سلمان، وفي رقة قلب وحياء أبو عبيدة، وزاهدًا مثل أبو هريرة، وحكيمًا مثل أبو الدرداء، وعالمًا مثل عبد الله، الكثير والكثير من الصحابة ما علمت منها وما لم أعلم.
وفي نظرة شاردة وصوت باهت، تابعت: _أردته مقتديًا بالرسول، لكننا في زمن فقدت فيه الرجولة. من بين كلماتها كان يختلج شيئًا ما في صدره … شيئًا لا يعرف كنهه. وبين الحسرة والمرارة، بين الوجع والخوف، بين الحلم واليقظة. وبين هذا وذاك ينمو حبها حتى تشعب إلى شغاف قلبه، مستقرًا في السويداء، آخذًا من جوانحه مستقرًا، وموئلًا، ومن ثنايا صدره وطنًا لا يريد أن يغادره.
حق له أن يخاف من فراقها، أن يتوجع لكلماتها التي هي بعيدة كل البعد عنه. أوحسرتاه لفؤاده لو لم يملك حبها. ويا مرارة هذا الحب إن لم يجد مسكنًا في قلبها. ويلٌ لروحه أن ظلت منبوذة عن موطنها. أوَ ليت حلمه يكون حقيقة فيجد حبه مكانًا فسيحًا في صميم قلبها. كيف السبيل إلى قلبها الآن، كيف يفرش السعادة تحت قدميها! ويركع حبه أمام روحها. انتشلته خديجة من هوة أفكاره، قائلة في تأنيب ضمير: _أوَ تدري؟
ثمة شخص أوجدت له مكانة في قلبي، هي أقرب إلى الأمان والطمأنينة، شخص هكذا في وجوده يكون القلب مطمئنًا، ساكنًا، متطامنًا، شخص أعتصم به من قسوة الحياة. أمسكت كفه بين راحتيها، ناظرت إلى عينيه بنظرة متلألئة بالثقة، وبصيص الأمل، وهمست بصوت خافت:
_ربما هذا الشخص كان بعيدًا عن قلبي حقًا كل البعد، الآن تغير قلبي فقد علمت إنه يشق الصراط المستقيم هرولةً إلى الله، لله ليس لأحد، يصلح من نفسه ومن أعماله ويعمل بجهد دون حياء عملًا حلال. وكررت تمنيها الذي أذاب قلبه وهي تترك كفه: _شخص أنتظر أن يأتي ويخبرني إنه صار شخصًا آخر، شخصًا يليق بخديجة وخديجة تليق به، ويصلي بي إمامًا لأني أشتاق لهذا وأشعر بقربه.
إنه شخصًا أسبغ عليها بوارف حبه، مظللًا، مطوقًا، معانقًا، حاميًا، فكيف ألا تعطي لقلبها فرصة بقبول هذا الحب وحتى ولو إنها تشعر بمحالة، ربما ليس محال … أراس يستحق منها المحاولة. تلاقت نظراتهما بكلام لم يقهه إلا القلب، وسألها على حين غرة: _كيف حال عائلتك؟ ملك بخير؟ تمالكت خديجة جأشها وأشاحت برأسها إلى البحر الساكن، الراكد، وقالت: _لا أعلم لا تحادثني لكنهم يقولون إنها بخير! اقترح أراس في اهتمام محبب لعله يسعد خديجة:
_ما رأيك أن تدعيها هي والفتيات إلى هنا، لتروح عن نفسها وتبتعد لبعض الوقت عما حصل ربما تتغير نفسيتها؟! ابتسم في فرحة حقيقة وهو يراها تقول في شغف، متهللة الأسارير: _فكرة رائعة يا أراس جدًا، أشكرك. في إنهاك جمع، وجسدٌ كليل ألقى خالد بثقله فوق أقرب مجلس إليه في اختناق، وهو ينزع الوجه في تأفف اعتراه ويأخذ نفسًا عميقًا مترعًا به قلبه الذي كان يضنيه هذا الجو.
بدأ الأمر منذُ أن أخبراه ياسين ولمار بالخطة الموضوعة لسحق ماهر، وموافقة خديجة حتى تكون بقرب الجميع وتدلي لهم بالمعلومات التي تطرأ فجأة وفي أي وقت، وقد حضر بالفعل وأمضى أيامًا يحوم حول ماهر، ويجمع كل أخباره، وأندس في بيته على هيئة أحد الخدم، وعلم إنه وراء كل ما حدث لعائلته من كشفه لملك في يوم زفافها الذي ود لو يشكره على ذلك لأنه لم يكن يستسيغ شهاب ألبتًا، ثم يبرحه ضربًا عما عانته ملك جراء ذلك.
وأُختطف ماهر، وكان عليه أن يقيم الحفل الذي أعلن عنه ماهر قبل اختفاءه وحل هو محله. احتقن وجه خالد بالغضب وهو يسترجع أحداث الأيام الفائتة، التي كانت أثقل أيام قضاها، واعتدل ينظر إلى أنحاء المنزل في ازدراء، لم يكن يروقه كل هذا! الخمر، الموسيقى، كل شيء.
وما كاد يغلق أهدابه وإذ بجرس الباب يعلن عن قدوم زائر جديد غير مرحب به، فعلم أن لا راحة في هذا المنزل حتى تنتهي مهمته، فارتدى القناع المطاطي مجددًا في امتعاض، وقفز من مجلسه إلى الباب وفتحه، وسرعان ما تلاشى كل ضيقه وتأففه وهو يبتسم في اتساع، ويهتف مرحبًا: _مرحبًا بك يا صاح؟ كيف حال أسيرنا! اكتفى الشاب الذي كان يرتدي حلة سوداء مع قفازين أسودين في كفيه، حاجبًا عينيه بنظارة، ببسمة شبه مرئية، وردد:
_بخير حال يا رفيق يا خالد، أتمنى أن يكون يومك سعيدًا! وضع خالد كفه على كتفه، قائلًا في جدية: _ما الذي أتى بك؟ هل ثمة أمر طارئ؟ نزع الشاب نظارته مسفرًا عن عينين في صفاء العسل، ذات أهداب طويلة، وبدا شديد الوسامة بذقنه الحليقة، وأجاب في هدوء: _تعال لترى ماهر! وتدلو لي بالجديد! أومأ خالد برأسه، وطلب منه أن ينتظره في السيارة، إلى أن عدل هندامه وأغلق الباب ولحق به.
جلس خالد والشاب خلف شاشة كمبيوتر يظهر بداخلها ماهر المقيد الذراعين، والساقين، ومعصوم الفم، ويزوم في شراسة. وتحدث خالد وهو يجز على أسنانه غضبًا: _لم تخرج منه أي معلومة؟ نفى الشاب برأسه وأطل الأسف في عينيه، وغمغم: _لم يبح بأدنى كلمة، لذلك عليك أنت أن تعجل وتعلم من يعاون ماهر، ومن يكون! ربط مالك على كتف الشاب، وأردف في هدوء: _لا تبتئس يا أركان ستأخذ انتقام أبيك حتمًا من ماهر.
ثم هب واقفًا سرعان ما ظهر على شاشة الكمبيوتر وهو يدخل إلى القبو في جانب مظلم، واندفع صوته شبيهًا لصوت ماهر، وهو يقول: _لقد اشتقت إليك يا رجل كل هذه غيبة؟ ظن ماهر لوهلة إنه يتخيل وما شابه، وأمعن النظر إلى البقعة المظلمة الذي لاح فيها طيف شخص، وقال في انفعال: _مَن؟ مَن أنت؟ ماذا تريد؟ تحرك خالد نحوه ببطء فارتد جسد ماهر مصعوقًا وهو يرى صورة طبق الأصل منه، وخفق قلبه بجنون، وصاح متسع العينين: _أوه يا إلهي هذا مستحيل!
جلس خالد أمامه وقال وهو يتفرس في وجهه: _ما هو المستحيل بالضبط؟ مال خالد نحوه، وغمغم بخشونة: _نهايتك دنت يا ماهر … باتت قاب قوسين أو أدنى من الهلاك. لكن ماهر بدا واثقًا وهو يضحك كمن أصابه مس من الجن، وقال: _أنت أركان من غيرك يمكنه التنكر؟ لا تنس يا سيد أركان أنا قتلت أبيك … وقد حطمتك. صمت لحظة، بينما قطب خالد حاجبيه مستفهمًا، والتساؤل واضحًا في عينيه بشدة، أستطرد ماهر في بطء، واثق:
_لا تقل ألم تعلم بعد أني أنا من حطمتك؟ هز رأسه في أسف، وتابع في أسى: _أحزنتني يا رجل، ألم تعلم أن حبيبتك أنا من عاون السفاح على قتلها؟ قهقه في جنون مستمتعًا. فجأة … اندفع الباب في عنف مصدرًا صوتًا مخيفًا، وكرّ عليه أركان ولكمة لكمة ساحقة في أنفه، أعقبها أخرى على فكه وكاد ينهال عليه لولا خالد الذي ذاد عنه، وهو يردع أركان قائلًا: _اهدأ، اهدأ ليس هذا وقته، ما زلنا بحاجة إليه. _اتركني يا خالد على هذا الحقير.
تجلت الصدمة في أسمى معانيها على وجه ماهر الذي يتابعهما في ذهول، وتمتم مندهشًا في بلاهة: _تبًا أنت لست أركان؟ إذن … إذن مَن أنت يا رجل بالله عليك. لكن سرعان ما تلاشى كل ما اعتراه، وهو يقول بلهجة الواثق: _السفاح الذي قضى على حبيبتك يا أركان لن يرحمكم لأجلي، وسترون سأخرج وستصابون بالجنون حين تعلمون من يكون! سيخرجني من بينكم دون أن تشعروا بي. حاد ببصره إلى خالد المنتحل شخصيته، وجأر بغتة:
_أما أنت أيها الزائف فسرعان ما سيتعرف عليك … ولن يرحمك. هذه المرة أنقض عليه خالد، ممسكًا إياه من سترته، هاتفًا: _أنا من لن يرحمه أيها الوغد وسترى، سأكون جحيمك وموتك … فعد أيامك وسترى كيف سأوقع بصديقك ذاك. عاد ماهر يضحك في استهتار، فهوى خالد بلكمة ساحقة بين عينيه ألقته أرضًا فاقد الوعي وهو يهتف في انفعال: _أضحك، أضحك يا ماهر فقريبًا ستشتاق للضحك حتمًا.
أستدار بجسده نحو أركان الذي اعتمد بكفيه على المقعد وهو يلهث في جنون منفسًا عن غضبه، ربت خالد على كتفه، وهو يقول في هدوء بارد: _هدأ من روعك يا رجل، لقد علمنا الآن أن من يعاون ماهر ليس بغريب وإنه أحد بينكم. استدار له أركان في حركة حادة منفعلة، وقال: _ولكن مَن؟ توترت ملامح خالد دقيقة، في نفسه لم يطرأ خاطره وكيانه إلا اسمين ليس لهما ثالث فأما آجار، أو جان لا ريب. خرجا من القبو، وجلسا إزاء بعضهما يفكران، في حين غمغم خالد:
_لم تخبرني كيف علمت أن ضياء مع ماهر؟ رد أركان في بساطة، وهو يهز كتفيه: _لقد تعقبت هاتف ماهر وعلمت وأخبرت جدتك فورًا. وأستطرد في هدوء: _منذُ أن اتصلت بكم وطلبت أن نتعاون وأنا فعلت كل ما بوسعي لأمسك أي طرف خيط يوصلنا لأي شيء. أنسابت سيارة خالد في طريقه إلى منزل ماهر في ظلمة الليل السجي، وبينما هو يقود مرتكز العينين على طريقه.
فجأة … وبدون سابق إنذار ظهرت فتاة أمامه من اللا مكان وسقطت على بعد أمتار قلائل من السيارة، فضغط على مكابح السيارة في عنف لتتوقف، وأرتد جسده إزاء حركته المفاجئة للأمام والخلف، واتسعت عينيه على آخرهما وهو يمسك بقبضتيه عجلة القيادة، مغمغمًا في ذهول: _دي ماتت دي ولا جرالها إيه؟
غادر السيارة في سرعة جاثيًا جوار الفتاة المنقلبة على وجهها أرضًا، وأعدلها، ثم لطم على وجهها لكنها بدت غائبة عن الوعي تمامًا، فلم يجد بُدًا من حملها إلى السيارة وانطلق بها مبتغيًا المستشفى، لكن ما هي إلا دقائق، وراحت الفتاة تئن بصوت مسموع وهي تمسك رأسها متصنعة الألم، فبادر خالد قائلًا بلهفة: _لا بأس، لقد كدنا نصل إلى المستشفى، أنتِ … بتر عبارته فجأة حينما أطل الرعب في مقلتيها، وصرخت في ارتياع:
_لا لا سيقتلوني إلا المستشفى. نظر لها خالد في تمعن يحاول استشفاف خبيئتها وأعدل طريقه إلى منزل ماهر، ولم ينبس إلى أن وصلا، فعاونها على النزول وهو يفكر: أين رأيتها؟ وهو على يقين تام إنه سبق له رؤيتها! اعتصر ذهنه وهو يجلسها … وفجأة! تدفق نهر الذكريات إلى عقله متذكرًا إنها نفس الفتاة التي أنقذته ذات مرة، إنها نفس العيون، والجسد، والصوت. فتبسم في عبث من يروق له اللعب. وقال بغتة ناظرًا لها باستهتار:
_ما كان سبب إغمائك يا تُرى؟ ولما أمام سيارتي بالذات؟ لم تكن الفتاة إلا هنا، التي شحب لونها مخافة أن يكون توصل لكذبها، وغمغمت في ثبات واهٍ: _إني … كنت في طريقي للعودة حينما هجم عليّ بعض اللصوص، ثم إني أعاني من الربو ربما من حسن حظي أن أقع في طريقك. قال خالد وهو يعقد ذراعيه: _وربما كان من حسن حظي أنا! أرجعت هنا بعض الخصلات خلف أذنها، وابتسمت بسمة ساحرة، وهي تكرر: _ربما!
اتسعت عينيها برهبة قوية، وخوف هائل ملأ قلبها، عندما جلس خالد قبالتها متمتمًا في برود كالثلج: _حسنًا أيتها الفاتنة والآن ما السبب الحقيقي وراء ادعائك الإغماء أمامي … كيف تعرفينني؟ والأدهى … لماذا تكذبين في هذا الشأن ما وراءك؟! انفرجت شفتا هنا بكلام انحسر في قلبها، وران عليها الصمت لهنيهة، قبل أن تقول بحذر: _لم أكن أدعي أي شيء مما تتهمني به، ثم كيف أنقذ حياتك وهذه أول مرة أراك فيها.
وسبت في نفسها أخاها أراس على ما وضعها فيه، وهبت واقفة وهي تردف في هدوء: _سأغادر الآن حتى تطمئن أنني لا أعرفك. وسارت حتى ما وصلت إلى الباب تسمرت على سماع صوته البارد يقول في هدوء: _انتظري، كيف ستغادرين وثمة من يطاردك؟ أبقي هنا إن أردتي! فتلفتت هنا ببطء، مغمغمة في ترقب: _هل أنت متأكد من ذلك؟ أجاب خالد ببسمة: _أكيد؛ أمكثِ حتى يهدأ الوسط وغادري في الصباح.
كان يعز عليه أن يطردها تغادر في هذا الوقت من الليل، بينما أبتسمت هي في ظفر وهي ترمقه في إعجاب هائم. قبيل الفجر دق باب غرفة خديجة ثم أطل أراس منه، وقال في هدوء: _هل أدخل؟ أومأت خديجة في هدوء وهي تغلق المصحف وتضعه جانبًا، فجلس أراس بجانبها وهو يهمس في عاطفة: _ألم تخبريني إنك مشتاقة أن يصلي زوجك بكِ إمامًا؟ تألقت عينا خديجة في جذل، وغمغمت: _أهمني خاطر أنك لن تبادر أبدًا!
مال أراس نحوها، وفي رقة أحاط بوجهها بكفيه، وفي نعومة همس بصوت يفيض بالحنان: _ربما أنا أيضًا ظننت أني لن أبادر، لكنني أقصيت جم هذه الأفكار في مكان سحيق، وحسمت أمري في المبادرة. صمت قليلًا تألقت فيها عيناه بمزيج بين الحياء، والشغف، ثم أتبع يقول:
_منذُ زواجنا وثمة شيء يختلج في صدري أغمني، وأهمني، حديثك عن يوم القيامة، المحاضرات التي كنتِ تسمعيها، الكتب؛ كل هؤلاء كنت أستمع وأقرأ فيهم باهتمام، هنالك أنارت بصيرتك، ثمة نور هكذا اخترق صدري فأناره ودلني على طريق واحد إن الله مطلع على كل أعمالي، وأفعالي ولن يغفر لي. أرتج عليه فسكت مليًا، وأسترسل والدمع يترقرق في عينيه:
_لكنني لم أستسلم يا خديجة، الصلاة التي كنت لا أعرف كيف يؤدونها تعلمتها، حفظت سورة الفاتحة وسورة وروحت أصلي بها، أنا الآن مستعد لأصلي بكِ إمامًا. خدعته دمعته إذ انحدرت إلى وجنته مع صوته المتهدج يستطرد: _أراس السابق لم يعد موجودًا بقي له شيئًا هينٌ، بسيط ويطوي صفحة الأجرام عن حياته. سكت هنيهة، متطلعًا إلى خديجة التي استطيرت فرحًا، رغم نهرين الدمع اللذان طفقَ من مآقيها، وقال: _هلا نصلي الفجر معًا؟
أومأت خديجة عدة مرات وهي تكفكف أدمعها، فاستراح قلبه وغمغم: _لم يكن لحياتي السابقة معنى، حتى دخلتيها فأصبحتِ حياتي. شكرًا لأنك قبلتِ بوجودي معكِ! شكرًا لأنك غدوتِ روضة دنيتي! شكرًا لأنكِ بتِ مشكاة تنير طريقي الحالك الظلمة! هنيئًا لفؤادي بجنته التي أحالته إلى بستان من الزهور، أرجو ألا تزبل! لثم جبهتها بقبلة ناعمة، صافية، حانية، وقال بدمعة هوت من عينيه على وجهها:
_أتمنى ألا يحرمني الله منكِ يا وردة دنيتي، ورفيقة دربي، وحصني المنيع، وبسمة قلبي... أحبك يا خديجتي. همست خديجة في هدوء ورقة: _أتضرع إلى الله يا مَن رزقت حبه ألا يحرمني الله منك. ثم دنت منه وضمته بقلب خافق، وأسندت رأسها إلى صدره، هامسة: _أدامك الله أمانًا لروحي يا طيف الأمان الذي ضمني. رغم إنه تفاجئ من صنيعها، حاوطها في هدوء وسكينة، مطمئنًا، وعندما أذن المؤذن طلبت منه أن يردد الأذان ففعل، ثم صلى بها إمامًا.
جلست خديجة تردد أذكار الصلاة وهو يرددها خلفها، فما أن فرغت حتى تبسمت له، وقالت بسعادة ملأت وجهها، وقلبها:
_لا تدري كم أشعر بالسعادة يا أراس، ظننتك لن تهتدي أبدًا وإذ بالله العلي القدير يأخذك من الضلال إلى الهدى … ويصطفيك عن خلقه بالتوبة الصادقة، سأدعوا لك دائمًا أن يمحو الله لك كل ما بدر منك … ويمحص آثام قلبك برحمته التي وسعت كل شيء، أعلم إنه مهما ضاقت الحياة عليك وظننت إنه لا يوجد مخرج، وأنك هالك لا محالة … ألا تفقد حسن ظنك بالله وسترى كيف أن الله سيوسع ضيقك ويجعله رحبًا. ضم أراس كفيها في راحتيه، وهمس مبتسمًا:
_أنا ممنون لكِ يا خديجة، حمدًا لله على وجودك العظيم ذاك، الشكر ليدك التي أنتشلتني من مضلات الحياة إلى نعيم الآخرة. الشكر لصوتك الذي كان بصيص النور المضيء في دربي الطويل... كل الشكر لقلبك الذي كان كالبدر متوهجًا، يضيء قلبي بصنيعه. أنكِ تلك الرحمة التي نزلت علي من السماء تطوقني لتحلق بي إلى جنات النعيم. أستطرد فجأة متسائلًا: _هل لي بطلب؟ في اهتمام أومأت خديجة، وهي تقول: _اطلب ما بدا لك. تنهد أراس وقال في لهفة:
_ما رأيك أن نذهب إلى مكة ذات يوم ونحج. شهقت خديجة في أوج انفعالها، ثم صاحت بقلب يرفرف فرحًا: _هل أنت جاد؟ تحمحم أراس مرددًا في بساطة: _بالطبع يا عزيزتي، هل تعلمين لمَ؟ قطبت خديجة في تساؤل، فـ أردف مبتسمًا: _ثمة أحد يستعمر قلبي أريد أن أحقق له ما يتمنى. ضحكت خديجة في حبور، ورددت: _لقد كانت أمنيتي دائمًا أن يكتب لي الله زيارة بيته. سكتت لهنيهة شاردة، وقالت على حالها:
_يا الله كم أشتاق أن أطوف حول الكعبة، وألمس الحجر الكريم، ومقام إبراهيم، وجحر إسماعيل، وأرتوي من ماء زمزم. أرتج عليها، فلاذت بالصمت، ودموع الشوق تتأرجح على أهدابها، وأستتبعت بصوت متحشرج هائم: _أشتاق أن أزور قبر النبي، وأبو بكر، وعمر … هل تعلم ماذا قد أفعل حينها؟ لم تأبه بأن يجيب، وهي تسترسل كأنما روحها غائبة: _سأجلس هنالك طويلًا، وسأحكي مع الرسول كثيرًا، وسأبكي بغزارة وأنا أخبره عن شوقي لرؤياه، وحبي له، وهموم قلبي.
أفاقت خديجة من أسترسال أحلامها على صوت أراس يقول: _قريبًا إن شاء الله، والآن هل سوف تسجلين؟ زمت خديجة شفتيها في عبوس، قائلة: _كدت أنسى. بدأت خديجة تسجل، وأراس جالس منصتًا تمامًا في اهتمام، وأنشأت تقول: _السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته … كيف حالكم يا أحباب؟ أتمنى أن تكونوا بخير. كيف أحوال قلوبكم مع أهوال يوم القيامة؟ هل انتفعتم؟ غيرتم مما فيكم؟ هل أرجعتكم من الضلال إلى الهدى؟
هل جعلتكم تعلمون أننا كلنا راجعون إلى الله، وأن الحياة الدنيا فانية، والموت آتٍ لا محالة؟ ولا مرية أن الحساب آتٍ وأما جنة أم نار؟! والقبر هو بيت الإنسان الوحيد الذي يجب أن يعمره وأن تلك البيوت التي تبنونها وتفرشونها أجمل وأروع فرش وأثاث إنكم فيه ضيوف ستغادرونه يومًا إلى بيتكم الأساسي؟ هل علمتم أم لم تعلموا؟ هل فكرتم في ذنوبكم قبل فوات الأوان أم الحياة شغلتكم؟ وملاذتها أغرتكم؟
وحسبتم إن الموت عنكم ببعيد وما هو ببعيد، عساه قريب منك للغاية، فهلا تفكرت من أي اتجاه سيحضر ملك الموت؟ عن يمينك أم يسارك من أمامك من خلفك؟ أي ملائكة ستأخذ روحك، أملائكة العذاب أم الرحمة؟ كيف ستخرج روحك؟ هينة دون أن تشعر أما عسيرة لن تقو على خروجها ولن تجد حينئذٍ منجي لك من وعورتها! الآن نحن بصدد الهول الهائل من أهوال يوم القيامة وألا وهو تطاير الصحف وعرض الأعمال.
ولنبدأ بتطاير الصحف؛ وقبلًا هل تعلم ما تطاير الصحف تلك الصحيفة أو الكتاب التي تحوي كل أعمالك من ذنوب وحسنات، وسيئات، وصالحات الأمر هائل فكل ذرة خير أو شر فعلتها في هذا الكتاب مكتوبة. يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه ( ( أي ساعٍ إلى الله وعامل بالخير أو الشر.)
فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا [ الانشقاق : 6 -15 ] .
وقال الله تعالى : وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [ الكهف : 48 -49 ] وقال تعالى : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم الآية . [ الأنعام : 94 ]
وقال تعالى : يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية [ ص: 6 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ; فعرضتان جدال ومعاذير ، وعرضة تطاير الصحف ، فمن أوتي كتابه بيمينه ، وحوسب حسابا يسيرا ، دخل الجنة ، ومن أوتي كتابه بشماله دخل النار " سكتت خديجة لهنيهة، ألقت نظرة إلى أراس الذي كان يرتج بجانبها رجًا ساحقًا، كأن الكلمات تزلزله وتصعقه صعقًا، فلم تأبه وتابعت:
_هلا فكرت أيها المؤمن كيف ستلتقط صحيفتك بشمالك أم يمينك؟ هل عملت لهذا اليوم؟ هل حرصت أن يكون كتابك مشرفًا أمام الله عز وجل يحتوي على أعمال صالحة، وحسنات، وتوبة ومغفرة، أكثر من الذنوب والخطايا، أم لعلك لم تفق من غفلتك؟ انهض يا صاح فالوقت يمر، والأيام تولي، والموت تزايد ولا تدري نفسٌ متى الأجل! طوبى لمن سيأخذ كتابه بيمينه. وأحسرتاه على من سيأخذه بشماله! جعلني الله وأياكم من أصحاب اليمين!
ثم ماذا يا ابن آدم، هل صاحبت جوارحك قبل أن تشهد عليك يوم القيامة، عيناك ستشهد، يداك ستشهد، قدماك ستشهدان، كل ما بك سيشهد عليك فهل تجهزت لهذا اليوم، لهذه الساعة؟ لا تعجب فإنه والله ليوم هائل يجب على ذكره أن يرتجف جسدك، وتصيبك رعدة قوية، أم أنك لا تشعر بعظم هذا اليوم؟ قال تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [ الإسراء : 13 ، 14 ] .
قال الحسن البصري : لقد أنصفك يا بن آدم ، من جعلك حسيب نفسك .
والميزان منصوب لوزن أعمال الخير والشر ، والصراط قد مد على متن جهنم ، والملائكة محدقون ببني آدم وبالجن ، وقد برزت الجحيم ، وأزلفت دار النعيم ، وتجلى الرب سبحانه لفصل القضاء بين عباده ، وأشرقت الأرض بنور ربها ، وقرئت الصحف ، وشهدت على بني آدم الملائكة بما فعلوا ، والأرض بما عملوا على ظهرها ، فمن اعترف منهم ، وإلا ختم على فيه ، ونطقت جوارحه بما عمل بها في أوقات عمله ، من ليل أو نهار .
وقال تعالى عن الأرض : يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها [ الزلزلة : 4 ، 5 ] ، وقال تعالى : ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون الآيات إلى قوله : فأصبحتم من الخاسرين [ فصلت : 19 -23 ] . وقال تعالى : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين [ النور : 24 ، 25 ] ،
وقال تعالى : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون إلى قوله: ولا يرجعون [ يس : 65 -67 ] ، وقال تعالى : وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما [ ص: 11 ] [ طه : 111 ، 112 ] . أي لا ينقص من حسناته شيء ، وهو الهضم ، ولا يحمل عليه من سيئات غيره ، وهو الظلم . اللهم يسر وأعن .
توقفت خديجة عن الحديث تلتقط أنفاسها، واختسلت نظرة إلى أراس الذي صب لها كوبًا من الماء ناوله لها، لترتشف منه قليلًا، وعادت تستكمل حديثها في نبرة تقطر جزعًا، ورهبة، ورجفة: _يُخيل لي أن هذا اليوم المهيب لن يمر، وأخشى أن يكون مثواي في نار جهنم فاللهم أجرنا منها، أتدري ما هو الصراط؟ الصراط منصوب على ظهر جهنم يمر عليه الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يجوزه ناجيًا، ومنهم من لا ينجو.
تخيل يا بن آدم الصراط منصوبٌ على ظهر جهنم، على حافتيه خطاطيف وكلاليب، يأمر الله الناس أن تمر على ظهره. تزلزل قلبها عندئذٍ، واقشعر بدنها، وخرج صوتها متهدجًا، مرتجفًا، والدموع تنساب من عينيها بغزارة وصمت: _يا له من موقف مهيب، يالها من بلوى عظيمة، لكن الجميل عند الصراط أن الرسول يدعو فيقول: اللهم سلِّم سلِّم. تبسمت خديجة حينذاك، وقالت في ارتياح:
_أول من يجتاز الصراط هو الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بأمته فعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم ( يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم،
فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاءنا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ؛ اللهم: سلم سلم . وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله،
قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يبقى بعمله، أو الموبق بعمله، أو الموثق بعمله، ومنهم المخردل أو المجازى ... رواه البخاري. ويتفاوت المارون على الصراط في مروره، كلٌ حسب عمله، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم كالطير، ومنهم يشد كشد الرجال. فعن أبي هريرة –رضي الله عنه –عن النبي –صلى الله عليه وسلم ( فيمر أولكم كالبرق،
قال: قلت بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر، ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب -جمع كَلُّوب حديدة معطوفة الرأس –معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوس في النار ) رواه مسلم.
والمخدوش من تمزق جلده بفعل الكلاليب، والمكدوس من يرمى في النار فيقع فوق سابقه مأخوذ من تكدست الدواب في سيرها إذا ركب بعضها بعضا. وعن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه –عن النبي –صلى الله عليه وسلم –قال في ذكر مشاهد يوم القيامة: ( ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك -شوكة صلبة -، تكون بنجد، فيها شويكة،
يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلّم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم ) رواه مسلم . فالثبات يوم القيامة على الصراط بالثبات في هذه الدار، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم . وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط .
خوفًا عظيم هائل هذا الذي ملأ قلب خديجة ونفسها، جعل الدمع ينسكب من عينيها انسكابًا، وتتنفض كأنها محمومة، وتعلي نحيبها وشهقاتها حتى رويدًا رويدًا بدأت بنهنهة، وقالت بعد ما تمالكت جأشها: _دلت الأحاديث السابقة على أن الصراط دحضٌ مزلةٌ، أي: موضع تزل فيه الأقدام ولا تستقر، على حافتيه خطاطيف وكلاليب وحَسَك أي –شوك صلب من حديد -وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف عن أبي سعيد –رضي الله عنه –موقوفاً قال:
( بلغني أن الجسر أدق من الشعرة، وأحد من السيف ) رواه مسلم. هل جزعت يا صاح؟ أيتها النفس الغافلة متى تفيقين؟ أليس بعد هذا النوم من استيقاظ؟ أو بالله ترآكِ غفلتِ عن الصراط، هل تفكرتِ كيف ستجتازيه أم لم تفكري ولم تبالي؟ الصراط يا نفسي أدق من الشعرة، وأحد من السيف فكيف ستخطين عليه؟ بل أنَّى لكِ النجاة من الخطاطيف والكلاليب؟
ماذا لو وقعتِ في نار جهنم وتقولي يا آسفي وتودين لو تعودي لعلك تعملي صالحًا، وإنهم إليها لا يرجعون فلا تفوتي ما زال يومك طويل والتوبة في انتظارك فعودي إلى ربك، واطلبي عفوه ورضاه ورحمته فمن ذا يرحمك غيره؟! ثم نأتي إلى القنطرة وهي بين الجنة والنار، إذا خلص المؤمنون من الصراط حبسوا على قنطرة -جسر آخر
–بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم ، وهؤلاء لا يرجع أحدٌ منهم إلى النار ، لعلم الله أن المقاصة بينهم لا تستنفذ حسناتهم ، بل تبقى لهم من الحسنات ما يدخلهم الله به الجنة ، قال صلى الله عليه وسلم :
( يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمدٍ بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا ) فهذا الصراط خاص بتنقية المؤمنين من الذنوب المتعلقة بالعباد حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غلٌ ولا حسدٌ لأحدٍ، كما
وصف الله أهل الجنة فقال: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } . هذا هو الصراط، وهذه هي أحوال الناس عند المرور عليه، فتفكر –أخي الكريم
-فيما يحل بك من الفزع بفؤادك، إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلا عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وَضَعْتَ عليه إحدى رجليك فأحسست بحدته، والخلائق بين يديك يزلّون، ويعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، فيا له من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصبعه، و مجاز ما أضيقه .
إذن فبعد انتهاء الحساب ومرحلة الصراط يدخل المؤمنون إلى الجنة ويكون أول من يدخلها هو الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم لحديث أنس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم " أنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة ". ربما قد نكون انتهينا لكن أسأل قلبك الآن، كيف حاله؟ أسَاكنًا، مطمئنًا، راضيًا؟ أم خائفًا، وجلًا، مرتعبًا؟ تفكر أجنة أم نار قبل أن يحضرك اليقين.
وإلى اللقاء مؤقتًا إلى دروس وعبر آخر، لكن بالله عليك خذها نصيحة الدنيا لن تدوم فعد إلى الله بقلبك وروحك وجوارحك فيا لها من لذة، لذة قربه. ويا لها من راحة. الدنيا فانية فلا تتكئ عليها وتنغمس فيها فتنسى نفسك وتفيق من غفلتك على ملك الموت، لا تجعله يعاجلك، استعد الآن للموت حتى تظل مرتاحًا حينما يجيء وليس نادمًا متحسرًا على ما فرط. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
رفعت خديجة رأسها فوجدت أراس يتأملها متلهفًا، ثم قال ببسمة منيرة على ثغره، بصوت يحمل حنان الدنيا: _ما أعظمك يا خديجة. ما أعظم قلبي الذي حظي بوجودك في حياتي. ما أعظم تلك الحياة لأنك فيها! وما أعظم هؤلاء الذين يمتلكونك في حياتهم! يا لهم من محظوظين، ويا حسرتا على من لا يملكون خديجة! يا لي من رجل اصطفاه الله بزوجة صالحة مثلك.
زوجة هي روضة في الدنيا، وكوكب في سماء قلبي، وسراج منير في دربي، وبلسم لأي جرح لا أجد له دواء، فأنتِ الدواء لكل داء. جعلك الله لي دومًا كل الحياة يا أجمل ما في الحياة. وبينما هي مطرقة في استحياء تفاجئت به فجأة يغير كلامه هاتفًا: _متى ستحفظيني القرآن فهو عسير على من مثلي؟ فرفعت رأسها له تلقائيًا، وزالت دهشتها سريعًا، لترد متبسمة: _متى تشاء نبدأ. لكنه عبس قائلًا بوجوم: _لكنه شاق عليّ يا خديجة وستتعبين معي. فأجابته
خديجة في هدوء محبب: _لا بأس، لا تبتئس … فعن عائشة رضي الله اللَّه عنها قالت: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُو ماهِرٌ بِهِ معَ السَّفَرةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يقرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُو عليهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْران متفقٌ عَلَيْهِ. لا بأس يا أراس فلك أجران وليس أجر وهذا أعظم لو تعلم.
وقفت ملك أمام النافذة تتأمل معاذ، وهي عاقدة الذراعين، مثقلة القلب، منهكة الروح، كليلة هي، وعليلة الجسد. ليت الحياة ترحمها؟ لا عجب! هي ليست بخير وربما قد لا تكون! لقد أصبحت تهاب الخروج من البيت بل الأدهى من غرفتها! لم تعد تريد رؤية أحد! لقد حاولت الانتحار … عند هذا الخاطر ذرفت عيناها الدمع. تقسم أنها لم تكن في وعيها. لا تدري كيف بادرت على فعل كهذا! هي أبدًا يستحيل أن تغضب ربها!
لكنها فعلت ولولا مالك لكانت الآن تواري الثرى! فُتح الباب سافرًا عن مالك الذي رمقها في حزن وخطى صوبها ووقف بجانبها صامتًا لوهلة، قبل أن يقول: _لأمتى هتفضلي حابسة نفسك عن العالم كده؟ في صوت باهت، حزين، فاقد الشغف في الحياة، أشارت ملك: _ما أظنش هيجي اليوم اللي أطلع فيه! _غلطانة! قالتها أروى وهي تتجه نحوهما ومعها باقي الفتيات، وضمت كتف ملك، مغمغمة:
_أيوه غلطانة طبعًا، اللي بيحبس نفسه ده بيكون عامل حاجة كبيرة ومخبي نفسه من الناس، مكسوف من كل اللي حواليه، أنتِ بقا عملتِ إيه عشان تتكسفي من الناس. ما لها أروى الآن ألا تدري ماذا كانت تفعل؟ ألا تدري أنها سارقة، الجميع يلقبونها هكذا؟ ترقرق الدمع في عينا ملك، واشارت: _يعني أنتِ مش عارفة… بترت أروى كلامها، وقالت برفق: _لا مش عارفة يا ملك، كلنا مش عارفين غير إنك بتعاني من مرض متملك منك بيمشيكِ زي ما هو عايز وغصب عنك.
توترت ملك وتعصبت بشدة، وكادت تدفع أروى عنها، لكن أروى زادت من ضمها بحنان وقالت: _دي مش حاجة عيب ولا حرام يا ملك، دا مرض لازم يتعالج بالعكس بيكون مدمر عن أمراض البدن المرض النفسي ده وحش أوي لأنه مش بيكون ملموس ولا مرئي لحد، بيكون جوه الإنسان.
كفاية حبسه، تعالي نخرج كلنا زي الأول كفاينا حزن بقا، متفكريش في الناس دول آخر همهم مشاعر غيرهم، مش معاهم غير سيرة غيرهم وبس … مرضك مش حاجة حرام عشان تداري وتخبي نفسك … من انهاردة ابدأي علاج كلنا معاكِ إياكِ تفكري إننا بنستحقرك ولا شايفينك أقل مننا، ولا مستعربين منك على العكس. تطلعت في عينيها مردفة باعتزاز:
_أنا فخورة بيكِ يا ملك … فخورة بيكِ بدرجة لا تتخيليها، فخورة أن عندي أخت اتحملت كل ده لوحدها وما زالت، فخورة إنك بتحاربي مرضك ده وعلى العكس انتِ أفضل مننا كلنا. ومالت على أذنها فجأة، وهمست: _وفي حد بيحبك أوي، يوم ما كان هيسافر أول ما قولتل له عن حالتك ساب الدنيا كلها عشانك ومسافرش، شخص مستعد يخوض معاكِ أي حرب نفسية عشان ترجعي زي الأول وأحسن، شخص يا ملك فخور بيكِ والله ولسه بيحبك بل ده حبك في قلبه زاد أكتر.
وغمزت لها هامسة: _معاذ. هُنا صاحت لمياء وهي تدفع أروى جانبًا في مرح: _إوعي يا بت كده، بصي يا ست ملك من الآخر كده أنتِ مرات اخويا وملناش دعوة توافقي متوفقيش هنخطفك ياختي غصب وهتتجوزيه، وإسمعي برضو من النهارده هتابعي حياتك وتشوفي مستقبلك وأنا أهوو معاكِ وخلي بقا حد يفتح بقه والشبشب في رجلي. ضحك الجميع، بينما صاحت دارين فجأة في حماس: _وبعدين ياختي في زيك خديجة بعتتلنا مخصوص نسافر عشانك، عارفة يعني إيه؟
هنقضي كام يوم محصلوش. هل القلوب تشعر بما هي مقبلة عليه؟ أم هي نبوءة تفوهت بها دارين دون دراية! فهذه السفرية لن يكون لها مثيل أبدًا. تبسمت ملك في شحوب، سرعان ما تلاشى وحل الفرح على وجهها وتألقت عينيها بجذل مع صوت معاذ: _لا يا ماما متحلميش هما يومين هنكون إحنا اللي نحدد هنقضيهم إزاي. نظرت له دارين في امتعاض متصنع وهمت بكلام فرّ من حلقها وهي تشاهد نظراته العاشقة على ملك ثم دنا منهم، وقال مخاطبًا ملك: _عاملة إيه؟
اكتفت ملك بهزة بسيطة من رأسها وهي تحاول الانصراف، مخافةً، وخجلًا مما علمه معاذ عنها، كانت تشعر بشتى المشاعر السلبية. تُرى هل تغيرت نظرة معاذ نحوها؟! أيراها سارقة؟ أيستحرقها؟ لا يحترمها؟ نزلت من عينيه؟ توقف معاذ سادًا الطريق عليها على بعض خطوات، وأردف:
_أنا أستأذنت عمو حذيفة عشان نتكلم فبلاش تهربي مني بالذات كل شوية، وشيلي أم الأفكار السود دي من راسك، أنا عمري نظرتي ليكِ ما تتغير، على العكس أنا فخور بيكِ وهيزيد شعوري لو تقبلتِ مرضك اللي بيتحكم فيكِ ده وتحاربيه بدل ما بتستسلمي ليه. أنا قلتهالك قبل كده وهقولها أنا عمري ما هتخلى عنك. وغصب نفسه أن يقول: _كأخت. رمشت دارين في عينيها، وغمغمت: _أجمل اتنين عصافير والله... أخت إيه يا عم الحج انت دا البيت كله عارف إنك بتح…
لكزتها أروى، وكتمت فمها لمياء، فـ أزاحت كف لمياء قائلة: _أما أروح أشوف ابني حبيبي جعفر مع البت ناردين بدل المرارة متتفقع. كانت تريد الهرب ربما من ذكريات هاجمت على رأسها فجأة في ذاك الأمير الراحل! الذي آسر قلبها، وخلب روحها منها دون استئذان. لماذا كُتب على المتحابين الفراق؟ لماذا بعد ما يجد القلب شطره يتوجع؟ وينكوي بنار الفراق؟ لماذا يرحلون هؤلاء الذين يسكنون فينا؟! أم لم يعجبهم المستقر؟
أم أعجبهم وفضلوا أن يأخذوا كل جميل فينا ويرحلوا! ألا يشفقون على قلوبنا من نار الاشتياق؟ ومن عذاب الغياب؟ ومن لوعة الانتظار؟! حينما انفض الجمع، جلس مالك بجانب ملك المطرقة، فرفع رأسها لأعلى لتنظر في عينيه وقال في صرامة:
_رأسك دايمًا تكون مرفوعة، إياكِ تخفضيها لأيًا كان، المرض النفسي مش عيب ولا حرام، دا ابتلاء من ربنا زيه زي أمراض البدن بالظبط وأسوأ لو متعالجش لأنه بيتحكم في عقل، وتصرفات الإنسان لو استسلم له، اللي بيروح لدكتور نفسي مش مجنون ولا غلط دا شخص بيلحق نفسه من متاهة الاكتئاب اللي ممكن توصله للكفر بالله وهو الانتحار. تنهد ثم أتبع يقول:
_بلاش تحسي نفسك قليلة، ولا تستحقري روحك كوني فخورة بنفسك يا ملك، لازم تتقبلي مرضك وتبدأي علاج، ولو مش عايزاني أعالجك هشوفلك دكتورة كويسة. هزت ملك رأسها نفيًا، فضحك قائلًا: _ما تقولي طيب أنك عاوزاني أنا اللي أعالجك وأكون دكتور بقا وكده؟ أأقولك سر؟ أومات برأسها في اهتمام، فاستطرد: _تعرفي ليه درست الطب النفسي؟ هزت رأسها، فقال: _أولًا يا ستي عشان بحبه، ثانيًا عشانك. قطبت ملك بعدم فهم، فأردف:
_كان نفسي أعالجك من اللي عشناه في طفولتنا خلاكِ فقدتي النطق يا ملك. وتابع في حزن: _هو أنا إزاي مخدتش بالي منك؟ هو أنا كنت بعيد لدرجة دي عنك؟ هزت ملك رأسها، ثم أشارت له: _كنت بخطف حاجتك أنت إزاي ملحاظتش! ضحك مالك ليهون عن نفسه لكن ضحكته بدا فيها الوجع جليًا، وهو يقول في مرح: _إيه ده بقا أنا كمان؟ يا بنتي أيوه أيوه افتكرت بس كنت بحسب عادي يعني ما هي حاجتي هي حاجتك فيها إيه يعني لو خدتيها. أشارت له ملك مجددًا:
_محظوظ اللي عنده طبيب نفسي في حياته! فرفع مالك إحدى حاجبيه، متمتمًا: _ليه ياختي بقا؟ أشارت له غامزة: _بيلاقي حد يفهمه … شكرًا لأنك جنبي يا مالك ومحسستنيش أني وحيدة. ضمنته وهي تبكي دون صوت، فطوقها بين ذراعيه قائلًا في مناغشة: _يا بت دي أسرار المهنة! ويلا بقى اجهزي عشان هنطلع كلنا، وبعدين إيه رأيك نروح الأكاديمية بكرة عند أروى وتقضي اليوم معاها وتتدربي. هزت ملك رأسها في عنف للطلبين، لكنه هزها في عنف، صائحًا بحدة:
_هتخرجي يا ملك، أنتِ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!