تحميل رواية جحر الشيطان بقلم ندي ممدوح pdf
بقلم ندي ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت ليلة شاتية شديدة البرودة، والظلام يلف غرفتها برداء حالك السواد. صدح منبه هاتفها كما وقتته مع إنتصاف الليل. فتحت أجفانها بتقاثل. ومدت كفها من أسفل الغطاء برجفة من برودة الجو وأوقفت رنينه. تنهدت وهي تخرج رأسها من أسفل وسادتها. تحركت من على الفراش ليهاجمها البرد القارص، فضمت نفسها بذراعيها وهي ترتعش. لكنها لن تضع البرد يغدو حائلاً بينها وبين قيام ليلها. أسرعت لتشعل الأنوار. ولفت انتباهها أثر الغيث العالق على زجاج نافذتها المغلق. فأسرعت نحوه واتسعت حدقتيها وهي تصرخ في حماس وتصفق بكفيها. ثم نظرت...
رواية جحر الشيطان الفصل الأول 1 - بقلم ندي ممدوح
كانت ليلة شاتية شديدة البرودة، والظلام يلف غرفتها برداء حالك السواد. صدح منبه هاتفها كما وقتته مع إنتصاف الليل. فتحت أجفانها بتقاثل.
ومدت كفها من أسفل الغطاء برجفة من برودة الجو وأوقفت رنينه. تنهدت وهي تخرج رأسها من أسفل وسادتها. تحركت من على الفراش ليهاجمها البرد القارص، فضمت نفسها بذراعيها وهي ترتعش. لكنها لن تضع البرد يغدو حائلاً بينها وبين قيام ليلها.
أسرعت لتشعل الأنوار. ولفت انتباهها أثر الغيث العالق على زجاج نافذتها المغلق. فأسرعت نحوه واتسعت حدقتيها وهي تصرخ في حماس وتصفق بكفيها. ثم نظرت من خلال النافذة للأمطار الهابطة كالسيل. مدت كفها تستقبل الأمطار بأغتباط شديد بعدما فتحت خصاص النافذة. وأغمضت عينيها وبدأت في الدعاء.
فتحتهم في فزع ما أن تناهى لها صوت الرعد الصارخ. فأغلقت النافذة وهي تتنفس الصعداء. ولم تلبث إلا وقد توضأت. وعقب وضوئها بسطت سجادتها وشرعت في صلاتها.
وبينما هي تقرأ وردها من القرآن، إذ بالباب يفتح ويطل منه أخيها الصغير هامساً بصوت مرتجف من البرد:
- السلام عليكم حبيبتي، ممكن أدخل؟
تألقت بسمة رائعة على ثغرها وهي تومئ مؤكدة:
- تعالى يا خالد يا حبيبي.
جلس خالد جوارها وتسائل:
- أنا لسه صاحي أهو، هصلى هنا عندك ماشي؟
أومأت خديجة بعينيها، وقالت:
- صلي يا حبيبي براحتك.
استوى "خالد" منتصباً، وكبر مصلياً، في حين استرسلت "خديجة" قراءة وردها.
أنهى خالد صلاته وراح يتلو ورده في صوت رخيم يبث الراحة للقلوب. وما أن انتهى حتى التفت إلى "خديجة" بوجه مشرق وتنهد قائلاً في حبور:
- خديجة غريب قيام الليل!
عقدت خديجة حاجبيها في عدم فهم، وهي ترمقه في حيرة. فتبسم هو ضاحكاً، وقال:
- غريب عشان بيكون الجو فيه بارد أوي والإنسان ميقدرش يقعد من غير غطا ولا يتحرك، إلا المصلين. فهما بيتوضوء ويصلوا وميحسوش ببرد أبداً. سبحان الله إزاي رغم البرد ده ألا أن أول ما بصلي بحس بدفا غريب.
طافت بسمة مشرقة على وجه خديجة، وقالت في راحة:
- إنه دفء الإيمان يا خالد.
خطف خالد قبلة سريعة من وجنتها وهو ينهض، وقال:
- شكرًا يا حبيبتي لأنك معايا، هروح أنام شوية قبل الفجر عشان المدرسة.
أومأت خديجة برأسها وهي تلوح له بكفها مودعة. ثم رفعت كفيها داعية له.
عاد الصغار باكرًا من المدرسة بسبب سوء العاصفة التي هبت فجأة، معلنة عن أمطار غزيرة. استقبلتهم خديجة لتأخذ أروى وتبدل لها ملابسها التي بللت كليًا. ثم جلست على فراشها في غرفتها بعدما انتهوا الصغار من تبديل ملابسهم، والإتيان إليها. جلسوا حولها الصغار من كل جانب. فردت بصرها بينهم، وتمتمت ببسمة كضوء الفجر:
- تساءلتم عن المطر، والآن سأقص لكم عن فضله ونعمته.
أنصت لها الصغار في حماس واهتمام.
في حين تابعت خديجة والبهجة تنبض في كلماتها:
- المطر نعمة من الله يا أحبابي، وخير وبركة ورحمة. كم أن الدعاء فيه مستجاب. وإذ نزل المطر يجب أن ندعوا كما قال الحبيب ﷺ فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: اللهم صيبا نافعا. رواه البخاري في الصحيح.
- أي مطرًا نافعًا للعباد والبلاد.
هاجت ريح شديدة، أدى على أثرها تأرجح خصاص النافذة وتخبطها. فأنتفض الصغار وهم يلتصقون بـ "خديجة" التي ضحكت لرعبهم الذي تجلى على ملامحهم بانطلاق. ثم نهضت لتغلق النافذة جيدًا، وعادت لتتدثر بجوارهم بالغطاء.
غابت النجوم متوارية خلف الغيوم، وأختفى القمر مخبوءً. سامحاً للسماء بأن تنزل غيثها كما تشاء. لفتت السماء برداء حالك السواد، الجو جميل، هادئ. زخات المطر لها إيقاع خاص بالأفئدة التي ترويها قطراته. أمتزج الهواء الرطب مع ضحكات الصغار والكبار ناشراً البهجة بالآرجاء. كانوا يلهو أسفل المطر بفرحة غامرة. منهم السعيد، ومنهم من يوارى أحزانه وأوجاعه خلف بسمة لطيفة، وضحكة عالية لتستقر بين ثناياه صرخات وآهات الفؤاد.
وقفت خديجة فاتحة ذراعيها تستقبل زخات المطر غير مبالية بملابسها التي بللت تماماً. قهقهت بصوتها عالٍ وهي تؤشر للصغار:
- أي رأيكم؟ مش مبسوطين؟
رددوا الصغار في سعادة وهم ينثروا المياه على بعضهم بعضاً:
- أوي أوي أوي يا خديجة.
أقتربوا منها وأمسكوا بأكفف بعضهم ليرسموا لوحة دائرية، ثم بدأو يدرون تغمرهم الفرحة.
وقفت لمار في شرفة حجرتها تطالعهم ببسمة صافية، تتأملهم بقلب راجياً من الله أن يحفظهم. ولم تلبث أن رفعت كفيها ووجهها إلى السماء، وقالت بعينان ذارفة بالدموع:
- اللهم أرحم من ضمهم القبر دون إنذار ووداع، من خطفهم الثرى سريعاً. أفسح قبورهم وأنرها بنورك، وارحمهم يا أرحم الراحمين، وأغفر حوباتهم وأسكنهم جنتك يا رحيم. واحفظ لي أحبتي من عبث الأيام وكدرها، ولا تؤذني في أحد منهم يارب.
أخفضت بصرها وهي تستند بكفيها على سور الشرفة تتأمل صغارها بأعين تتوهج فرحاً وقلباً يفيض راحة وهدوء.
حادت عيناها إلى مكه التي تنظر لآبناءها بنظرات تملوءها الحسرة والحزن، فتنهدت في ألم. ثم رددت بصرها إلى أسماء فتبسمت في خفوت وهمست بوجع:
- أمتى تفوقي قبل ما تضيعي كل الحلو اللي في إيديك؟
مالت قليلاً لتنظر إلى سجى فـ لمعة عينيها بهجة وحبور. وفترت شفتيه عن بسمة رائعة وهمست بأعين تفيض دمعاً:
- أدامك الله لقلبي يا قرة عيني.
ظلت تتأمل بسمتها في حب ممزوج بالحزن في آن واحد. يا ليتها في أمكانها أي شيء تفعله لها.
يا ليت بأستطاعتها أهدائها عينيها لترى بهما.
غطت وجهها بين كفيها وهي تجهش باكية. صغيرتها ولدت كفيفة وستظل هكذا، لا يمكنها أن ترى النور، وأن تنظر إليها.
أحست بكف يوضع على منكبها، وصوت حانٍ تهيم به محبة يردف مهوناً:
- ليه الحزن والدموع دي يا حبيبتي؟
سجى بتشوف بقلبها مش بعنيها يارتنا زيها.
رفعت لمار بصرها إلى أخيها الحبيب يوسف وتبسمت بصفا وهي تكفكف دمعها. فتنهد يوسف وهو يرنوا مقترباً ناظراً مثلها إلى سجى:
- سجى مين قال أنها مش بتشوف وهو ياسين ابني مش عنيها اللي بتشوف بيها. هما الاتنين بيكملوا بعض والله ربنا يديم المحبة بينهم.
آمنت لمار على دعائه في صدق:
- آمين.
ثم ألتفتت له قائلة في دهشة:
- أي ده فين نصك التاني؟
آتاها صوت فيكتور الواقف على أعتاب الغرفة مازحاً:
- ماذا تريدين من نصفه الآخر يا فتاة.
لوت لمار ثغرها في غيظ، وأردفت:
- ولا حاجة يا خويا، اصل مستغربة لقيته جنبي من غيرك.
ضحك يوسف بصوته المكتوم، يبدو أن لمار ستظل تغار عليه من فيكتور إلى الأبد. في حين دس فيكتور كفيه في جيبي بنطاله وقال في تعالي:
- كفاكِ غيرة يا صغيرة.
تهجم وجه لمار وهي تتصنع الجدية، هاتفة بسخط:
- إن لم تكف عن مناداتي بصغيرتي يا سيد فيكتور حينها لا تلومني على ما سأفعله بك. حسناً؟
قهقه فيكتور بإنطلاق، وغمز لها:
- حسناً حسناً.
هز يوسف رأسه في يأس منهما، وقال وهو يخبط على كتف لمار:
- تعالي نقعد شوية، حبيبة بتحضر لنا الشاي.
أومأت لمار ولحقت به، وجلسوا جميعهم يدردشون حتى أتت حبيبة وقدمت لهم الشاي. لم يمض طويلاً وأنضم إليهم كلا من "سجى، مكه، أسماء". نهضت لمار فور رؤيتها لـ سجى لتمسك بكفها برفق حتى أجلستها وجلست بجوارها. تسائل يوسف في قلق:
- هما العيال لسه برا؟ كدا هيخدوا دور برد شديد.
همت مكه بإجابته، ألا أن قاطعها صوت خديجة المقبل وقد أبدلت ملابسها:
- لا كله دخل يا دكتور يوسف متقلقش.
جلست خديجة على ذراع مقعد يوسف وهي تحاوط عنقه، ليتمتم هو:
- دكتورة المستقبل، يا ترى هيكون في عمر لحد ما تتخرجي واشوفك دكتورة واسلمك لأبن الحلال.
أبتعدت خديجة محدقة به في غيظ وضربته على كتفه صارخة فيه بجزع:
- والله هزعل منك، ربنا يطول في عمرك، ويديمك ليا وتعلمني لحد ما ابقى دكتورة شاطرة كدا زيك.
ضحك يوسف بخفة آمناً على دعائها. فحاد بصره إلى لمار التي كانت تسلط بصرها إليه في حدة وقالت بهدوء، عكس ما يعتمل صدرها من خوف:
- هو في ايه كل شوية تقول يا ترى هيكون في عمر؟ ليه؟ هو أنت عايز تسبنا.
نفى يوسف برأسه ومال على اذنها هامساً، وهو يضم كتفها إليه:
- لا يا ستي ولا تزعلي انا مش هموت ولا هسيبكم.
خرج حذيفة من دورة المياة وهو يجفف خصلاتة بالمنشفة التي حول عنقه، عاري الصدر، بنطال قطني فقط. صدم حينما رأى أسماء تفتش بهاتفه وتتشمم بملابسه. فما أن أحست بوجوده، آنذاك تركتهم من يدها وهي تقول في تلجلج:
- حذيفة! أنا كنت...
صمتت لا تدري ما تتفوه به. فتبسم هو بخفة، وقال مازحاً، لا يخفف من برودة الموقف:
- مالك يا بنتي ايه شفتي عفريت؟
توجه لخزنة ملابسه بوجهه الجامد ما أن ولاها ظهره، يشعر بقلبه قد خلع من شكها به. لهما سبع أعوام سوياً وما زال الشك يعتمل صدرها. يأتي من عمله فتفتش في هاتفه وملابسه. يبدوا أنها لن تتغير وستظل تشكك به!
تبسم بوجع يُدمي الفؤاد، وتنهد في تعب. رغم حبه، رغم عشقه، رغم تغيره وقربه من الله، ما زالت تشكك به. ماذا يفعل إذاً؟
إلى متى سيتحمل؟
إلى متى ستصمد علاقتهم؟
لا يمكن أن يظل يشد بمفرده حتى تظل متماسكة لكن هكذا لن تصبح روابط الألفة بينهم ذات وثاق غليظ.
أرتدى تشيرته وجلس على الأريكة منشغل الذهن. فباغته الصغار "ملك، مالك" وهم يقفزا عليه صائحون في اشتياق. ليبادلهما العناق وهو يقول:
- حبايب قلبي عاملين ايه؟
أجلسهما على قدميه وقبل وجنة كلاهما، لترد ملك:
- الحمد لله.
- الحمد لله.
قالها مالك هو الآخر ليتسائل حذيفة:
- بتذاكروا حلو ولا لأ؟
اومأ الصغار سريعاً قائلين:
- بنذاكر يا بابا.
فرك حذيفة رأسه وهو يقول برفع حاجب:
- أمال ايه اللي سمعته ده هااا؟
تسائل مالك في تعجب وهو يهز كتفيه في حيرة:
- سمعت ايه؟
تصنع حذيفة الغضب هادراً في غضب:
- يعني مش عارفين عملتوا ايه؟
نظرت ملك إلى مالك وقد رفعت قفها بجوار اذنها لتحركها بحركة دائرية متقلبة وهي تهمس في خفوت ظناً منها أنه لا يصل إلى حذيفة:
- هو بابا اتجنن؟
اومأ مالك مؤكداً:
- شكله كدا.
اتسعت عينا حذيفة في صدمة وقال وهو يتركهم أرضاً:
- أنا مجنون يا ولاد الـ....
بترت كلماته قول أسماء وهي تتخصر:
- يا ولاد أي يا حذيفة كمل.
غمز لها حذيفة قائلاً في مشاكسة:
- أسماء.. أسماء.
صفق حذيفة بكفيه وهو يدندن أسماء ولحق به الصغار مصفقون وهم يصيحوا:
- هيييييييه.
وصل حيث تقف وهي تناظرهم في زهول. فإذا به يدغدغها لتتعالى ضحكاتهم ويحذو الصغار حذوه ويشاركوه. تلوت أسماء بين أيديهم وهي تحاول الأفلات. ركضت وهم خلفها حتى سقطا فوقها وهم يدغدغوها تحت صرخاتها المستغيثة. سقطوا جميعهم أرضاً بجوارها في نوبة ضحك عالية. فما أن هدأ حتى اعتدل حذيفة وهو يقبل رأس صغاره هامساً بحب:
- ربنا يديم لمتنا وفرحتنا وضحكتنا كدا على طول.
هب الصغار في فزع صارخون وهم يركضوا خارج الشقة بعدما أوقعوا حذيفة أرضاً. قالا:
- خديجة هتقتلنا يلا بسرعة.
تألم حذيفة وهو يستوي جالساً ممسكاً بظهره في ألم ويقول:
- ايه دا اي اللي حصل؟ ومين هيقتل مين؟
نظر إلى أسماء التي كانت تضع كفها على فمها تمنع صوت ضحكاتها في غيظ وهتف في سخط:
- اضحكي اضحكي، عيالك كانوا هيكسروا ظهري بسبب خديجة.
ثم نظر أمامه متذمراً.
دلف ياسين ببسمة مشتاقة إلى الداخل بعدما أغلق باب شقته. عيناه تبحثان عن حبيته وصغيرته، اللتين اشتاق لهن كثيراً جداً.
أتاه صوت سجى الهامس من داخل غرفة ابنتهما:
- أنا هنا يا ياسين.
أسرع خطواته نحو الغرفة، وجدها كادت بالخروج لاستقباله، فضمها لصدره ملثماً جبهتها بشغف هامساً بقلب فاض حنيناً إليها:
- وحشتيني أوي.
لامست سجى وجهه بكفيها في رقة وهي تهمس ببسمة تتألق على ثغرها:
- وأنت كمان وحشتني اوي. اتاخرت ليه كدا؟
أمسك ياسين بكفيها في رفق وقبلهما وهو يردف:
- غصب عني يا نور عيني.
اتسعت ابتسامة سجى وهي تنزع كفيها من كفيه وتحاوط ظهره، وتسند رأسها على صدره، قائلة في تفهم:
- عارفه إنه غصب عنك، بس أنت بتوحشني يا نور عيني.
لثم ياسين أعلى رأسها معتذراً وهو يشدد من ضمها في سكينة وراحة، مطبقاً أجفانه. غشاهما الصمت قليلاً قبل أن يقول ياسين في نبرة حزينة ما يدور في خاطره:
- أحياناً كتير بيكون نفسي إنك تكوني مفتحة عشان تشوفيني. أوقات بشتاق لعينك تشوفني. هو أنتِ عايشة معايا إزاي كدا؟
ذرفت عينا سجى الدمع أثر حديثه المؤلم، وأبعدت رأسها قليلاً عن صدره وسندت بكفيها وهي تهمس بصوت متهدج من البكاء:
- مين قلك أني مش بشوفك؟ مين... مين قلك اني مش بشبع من ملامحك؟ مين قلك أن الحب بيكون بس لما العين تعجب بالجمال؟ الحب يا ياسين دا غريب اوي!
حبيتك عشان أنت أماني، حياتي. حبيتك عشان لاقيتك حنين، وبتهتم بيا. حبيتك عشان أنت العين اللي بشوف بيها الحياة دي. حبيتك عشان بشوف بيك كل الجمال يا جمال حياتي.
وإن كنت لا أرى، هل هذا يعني إني لا أراك؟
ألم يراك قلبي يا ياسين؟
ضمت وجهه بين كفيها، ودموعها سيلا على وجنتيها، ودنت منه أكثر وهمست في هدوء:
- أنا أراك بقلبي يا ياسين. لقد علمت أن المحب يرى حبيبه بقلبه، لا بعينه. وأنا قلبي هو الذي يراك. ورغم اشتياق عيناي لمرآهما وجهك، إلا إني ليست حزينة لفقدناهم. لقد اعتدت على ذلك، فالأحبه تلتقي بالأرواح وترى بالقلب.
وإن فقد البصر، فـ الاحبة ترى بالقلب والروح. فـ إذا الأرواح تلقت، هل يهم الشكل والمظهر؟
ثم أمسكت بكفيه في حنو، وأسترسلت وهي تضمهما إلى قلبها:
- بتمنى أشوفك أنت وأروى وماما وبابا واخوتي وأهلي، والدنيا. كتير بتمنى اشوف النور. بس أنا راضية الحمد لله. إذا كنت أنت عوضي في الدنيا على صبري، فـ أنا حبيت الإبتلاء ده.
تبسم ياسين وما أن هم بضمها مرة أخرى حتى أتاهما صوت أروى وهي تدنو في فزع منهما:
- ماما... بتعيطي ليه؟
رددت بصرها بين والدها ووالدتها وقالت في عتاب بعدما سلطت نظرها على ياسين:
- أنت بتزعل ماما ليه؟ وخلتها تعيط! أنا زعلانة منك.
أنهت جملتها وهي تعقد ذراعيها بوجهها عابس، فرفع ياسين حاجبيه في غيظ وردد في خفوت:
- ماشي يا بنت ياسين.
باغتها بحركة سريعة، وحملها ليقذفها عالياً ثم يتلقفها بكفيه وظل هكذا لعدة دقائق وهو يغمغم:
- أنتِ يا بت مالك داخلة شايطة فيا كدا ليه! ازعل ماما مزعلهاش أنتِ مال اهلك؟
كانت صرخاتها تصم أذنيه، فما أن يتلقفها بين ذراعيه حتى تضحك بطفولة. فرددت ما أن توقف عن راميها للأعلى، وبدأ يقبلها مشاكسًا:
- إزاي مال أهلي يعني؟ مش انتوا أهلي؟
اتسعت حدقتي ياسين في دهشة وهو يردد:
- يخربيتك، متقعديش مع خديجة تاني، يلا من هنا!
وضعها أرضاً لتلوى أروى فمها قائلة:
- طيب ماشية.
ضحكت سجى لمشاكستهم المستمرة، ثم علا رنين هاتفها، لتبتسم تلقائياً بصفاء وهي تردد في شوق:
- زين.
زفر ياسين بغيرة وتمتم في خفوت:
- يوووه بيرن ليه ده؟
في حين صاحت أروى وهي تركض إلى الهاتف:
- عمووو زين....
أسرعت الصغيرة لتجيب على المكالمة، والتي كانت فيديو، ليطالعها وجه "إسلام ووليد" وهما يصيحون في سعادة:
- أروى، عامله ايه؟ وخالتو سجى عاملة ايه؟
أجلست أروى والدتها برفق، التي ارتدت نقابها سريعاً وجلست بجوارها لتجيب سجى بفرحة:
- الحمد لله يا حبايب قلبي، أنتوا طمنوني عنكم عاملين ايه؟
جاءها صوت زين الضاحك وهو يطل بوجهه على شاشة الهاتف من خلف أبنائه:
- عفاريت وربنا يا سجى!
_ بس يا زين هزعل منك متقولش على حبايبي كدا؟
تزمر إسلام، وقال:
- قوليلوا يا خالتو، إحنا برضوا عفاريت؟
هزت سجى رأسها برفض وهي تنفجر ضاحكة، ليجذب زين منهم الهاتف وهو يبتعد عنهم، ويتسائل في جدية وهو يطالعها بمحبة:
- طمنيني عنك يا حبيبتي عاملة ايه؟
أجابته سجى في نبرة معاتبة:
- بخير الحمد لله، هان عليك تأخدكم وتسافر كدا ومتجيش يا زين، سنة بحالها مشوفكش؟
تنهد زين في ألم، وقال:
- متزعليش والله الشغل مخليني مش عارف اتحرك، ولكن بإذن الله هننزل قريب. أنتِ وحشتينا كلنا أصلاً. ياسين عامل ايه؟
أومأت سجى قائلة في اشتياق:
- ياريت تيجوا في أسرع وقت عشان وحشني. هستناكم ماشي. ياسين كويس الحمد لله بيسلم عليك....
قاطع حديثها قل عائشة وهي تضم زين من كتفه وتتسائل في سعادة:
- سجـــــــــــــــــــى عاملة ايه وحشاني؟
ضحكت سجى بحب وهي تردد في حنين:
- عائشتي وحشتيني اوي والله، بردوا كل الغيبة دي؟
- هننزل قريب والله!
ثم سحبت الهاتف من يد زين هاتفة:
- هات التلفون يا عم اكلم أختي.
ثم ابتعدت تحت صدمته وهي تقول:
- بت يا سجى أخبارك كل اللي عندك اي؟ وخاصة القردة خديجة؟
ردت سجى في ابتهاج:
- الحمد لله كلهم بيسلموا عليكِ.
صمتت عائشة في توتر، لا تدري هل تسأل عن وعد وتغيرها الذي طرأ فجأة؟ أم تلوذ بالصمت حتى عودتها؟
فاقت من تخبط أفكارها على صوت سجى الهامس:
- قولي يا عائشة مالك يا حبيبتي؟ في حاجة؟
هزت عائشة رأسها في حيرة، وقالت في تردد:
- مش عارفه أقولك ايه؟
_ قولي، قلقتيني؟
تنهدت عائشة بقوة، وقد اتخذت القرار بإخبارها بما في جعبتها، فقالت:
- سجى... وعد حاسة انها مش بخير. برن عليها مش بترد، ودي اول مرة. فكلمت رحيم وقال أنها مش طبيعية بس هي بخير. ادها التلفون تكلمني قالتلي أنتِ مين! وعد صوتها واللي حكاه رحيم يدل انها مش بخير. حاولي تخلي ياسين يعرف مالها، هما كانوا قريبين من بعض.
أومأت سجى وقد تملك القلق فؤادها، همت أن تجيب، فقال ياسين الذي استمع لحديثهم صدفة:
- متقلقيش انا هتصرف، متقلقيش بس أنتِ كل حاجة بخير.
شكرته عائشة وظلا يتحدثان سوياً، حتى صاح الصغار معترضين، يريدون حديث أروى وخالتهم، فتركت لهم عائشة الهاتف على مضض، ودار بينهم حديث طويل، مشبع بالبهجة.
أغلقت عائشة معهم ليضمها زين من الخلف وهو يسند رأسه على كتفها هامسًا في حب:
- عائشتي... متقلقيش وعد هتكون بخير بإذن الله. وعد مني هننزل قريب مصر.
التفتت له عائشة ببسمة تزين ثغرها ورددت بأعين مضيئة بعشقه:
- طول ما أنت جنبي أنا مستحيل أقلق من حاجة.
تأملها زين مشدوهاً، حتى صدح صوت بكاء الصغيرة، لتهرع إليها عائشة، ويضرب زين كفاً بكف في قلة حيلة. شعر بيد تضرب قدمه لينظر للأسفل، رأى وليد ليقول في غيظ:
- عايز يا عم مش أنت وأختك؟
لوى وليد ثغره، وقال مقترحاً:
- بدل ما أنت قاعد لوحدك تعالى نلعب احنا التلاته واللي يغلب يطلب من التاني اي حاجة؟
في قلة حيلة أومأ زين ووافق.
دخل رحيم إلى حجرته وهو يرمق وعد في حزن شديد. جلس ليفك رباط حذائه، ثم بسط كفيه على حافة الأريكة في تعب مما بذله من مجهود في الأراضي الزراعية. لف برأسه للخلف جهة وعد الجالسة على الفراش، مشخصاً ببصرها في الفراغ أمامها، كأنها في عالم ثاني. تحطم فؤاده لعجزه لعدم معرفته ما بها. مؤلم رؤية من تحب يحي كـ الجثة التي فقط تتنفس.
مؤلم أن تكون عاجزاً عن إنقاذ أحبتك.
مؤلم أن ترى من لك يتألم وأنت لا تدري ما به.
فلا أنت قادر على تطيب روحه ولا قادر على مداوة ألمك.
رؤيته له هكذا كانت تميته، لا يستطيع ألبتة، مرآها بتلك الحالة، التي تقلع قلبه عن مكمنه. تقدم إليها في تمهل، وجلس بجوارها، وعجب أشد عجب، ما زالت على حالها، لم ترمش بعيناها ولم تخطف حتى نظرة إليه. وعد التي كانت تستقبله بحفاوة، باتت حتى نظرة لا تلقيها إليه. آه فقط لو يعلم ما بها. ما أصابها. ما يتعبها وجعلها بتلك الحالة، التي لم ير لها مثيل قبل.
يتألم ويعاني وطأة الحرمان هو.
ضم كفها بين كفيه وهو يهمس محاولا جعلها تتحدث معه:
- وعد… حبيبتي، عاملة إيه، طمنيني عنك.
لم يصدر منها أي ردة فعل، فأطبق أجفانه في عذاب وكأن النار أضرمت في فؤاده تكاد تجعله رمادا. فتح أحفانه فجأة وقال في حماس:
- بت يا وعد، عاصم موحشكيش؟ ابنك حبيبك اللي مكنتيش بتنامي غير في حضنه، موحشكيش؟
أطرق رأسه في خزى وتمتم في خفوت ودموع على وشك الأنهمار:
- عاصم بقي مكتئب دايمًا، قاعد لوحده من وقت ما بقيت كده. حصلك إيه؟ إيه اللي أنت فيه؟ تعبانة فيك إيه بس؟
أمسك بوجهها بين كفيه لترمقه بنظرة سريعة تائهة كأنها لا تعلم من هو. ومن هي أيضًا. وحادت ببصرها مرة أخرى لجدار الغرفة وكأنها صنم لا تسمعه.
أحس رحيم إنه لا فائدة ترجى منها، فهوت دمعة من عينيه فمسحها سريعًا وهو ينهض ليطمئن على ابنه.
لم يمض طويلًا وأقبل طفل لا يتعدى السبع أعوام ركضًا وأرتمى في أحضانها هامسًا في شوق:
- أنا جيت من المدرسة يا ماما، وحشتيني.
لم تبادله وعد العناق، لم تنظر إليه حتى، كأنها صنم متحجر لا يرف له جفن. أبتعد عاصم ونظر إلى وجهها الجامد الذي ينظر للفراغ، وتمتم وهو على شفا البكاء:
- أنتِ مبقتيش تحبيني يا ماما؟
هوت دموعه هويًا إلى وجنتيه وهو يغلق جفنيه في شدة، ظنًا منه إنها لا تحبه ولا تريده. لا يدري أن المسكينة والدته وليست بوالدته!
وأنها لا تدري شيء مما يدور حولها، لا تشعر ولا تتكلم، أسيرة هي في عالم مخيف مظلم، مجبورة عليه قسرًا.
يا ليت يمكنها التحرر من قيود هذا الظلام!
نهض الصغير من على الفراش وبسبب غشاوة الدمع على أجفانه تعثرت قدمه في سجادة الغرفة ليقع على وجهه، مما أدى لشق صغير في جبهته وكان ينزف على آثره. تألم عاصم بشدة وهو ينظر إلى والدته مناديًا. عما قليل كانت ترفرف بأهدابها كأنها تنتبه للصوت، كانت تشعر أن الصوت بعيد يسحبها من عالم بعيد ولكنها تتبعته، لتنظر تلقائيًا إلى عاصم، ونهضت عن الفراش بفزع لتحمله على قدمها. تزامنًا مع دخول رحيم ركضًا فوقف مصدومًا، لا يصدق أن وعد أخيرًا تحركت. إتسعت حدقتيه في بهت شديد حينما نظرت إليه وهي تحمل عاصم، ونادته قائلة:
- رحيم… مالك واقف كدا ليه؟
تعالى شوف عاصم ماله.
أومأ رحيم تلقائيًا، ولم يلبث أن ضمد الجرح لابنه، الذي أستكان بحضن والدته التي تضمه في قلق وحنان ورفق. أعتدل رحيم في وقفته وغمغم في تيه:
- وعد… أنتِ حاسة بينا؟
أمسك وجهها الذي أبدى زهولًا من حديثه، وتمتم:
- أنتِ كويسة؟ حاسة بحاجة تعبانة؟
حدجته في حيرة من أمره وهي تتسائل:
- أنت اللي مالك في إيه؟
تركت الصغير لتقف أمامه قائلة وهي تتحسس جبينه:
- أنت سخن ولا مالك؟ إيه الكلام الغريب ده؟ ما أنا زي القرد قدامك اهوو.
جذبها رحيم من مرفقها معتصرًا إياها داخل أحضانه وهو يقبل وجهها في عدم تصديق، يحمد ربه أنها عادت إليه.
قد يأتي الأمل لدقائق معدودة ويولي بعدما يطعنها ويذيقنا مرارة الحرمان، أن يكون الحبيب معك وليس بمعك مؤلم للغاية!
لم يمر كثيرًا وإذ بـ وعد وهي تدلف للحجرة بعدما عدت طعام لطفلها وقعت أرضًا وأنزلقت الصينية من يدها لتصبح شظايا كـ قلب رحيم تمامًا الذي تهشم وهو يهرع إليها. حاولت النهوض بمعاونته ولكنها كانت تسقط أرضًا في كل مرة، وكأن قدميها قد عُقدا بأغلال من نار. اقترب عاصم باكيًا ليحملها رحيم بعدما أغمضت عينيها فاقدة للوعي ويغادر بها إلى المستشفى بعدما أخبر غفيره أن يهتم بالصغير…
طلت خديجة من نافذة غرفتها مغمضة العينين تستنشق الهواء في ارتياح، ثم نظرت للأسفل لتبصر الصغار جالسون على العشب يذاكرون في اهتمام، فتوهج وجهها باسمًا وقد حسمت أمرها على النزول، ولم تلبث أن كانت تقترب منهم جالسة بجانب الفتيات قائلة:
- ربنا يوفقكم يارب وينجحكم ويشرح صدوركم.
آمن الصغار على دعائها، وعادوا لدروسهم كلٌ منهم منشغل في كتابة، فما أن يقف معهم شيء يذهب إلى والدته لتساعده. فـ حين أقتربت خديجة من أروى مغمغمة وهي تناظرها في حب:
- تعالي نذاكر سوا يا حبيبة قلبي.
ألتفتت لها أروى برأسها وهي تومأ في سعادة هامسة:
- يلا.
رفعتها خديجة لتجلسها على قدميها وبدأت تذاكر لها وهي تمعن النظر لملامحها التي أكتسبتها من والدتها سجى، نفس الملامح، وذات الهدوء والرقة. قضى الوقت حتى فرغوا جميعهم متنهدًا.
فـ أقترب الصغار ليطوقوا خديجة من كل جانب، حفوها في حلقة دائرية، لترفع خديجة حاجبها في دهشة، ويمناها تمسح على رأس أروى في حنو:
- إيه ده؟ في إيه؟
أسرع مالك مجيبًا في كلمات تنبض بالحماس:
- خلصنا مذاكرة ومش ورانا حاجة، في أي رأيك تقوليلنا حديث وتشرحيه لينا، أو تسئلينا، أي حاجة أنتِ حباها؟
سر قلب خديجة، لحماسهم ومبادرتهم لمعرفة أحاديث الحبيب ﷺ فقلبت بصرها بينهم، وأثناء ذلك لاحظت أطراق خالد شاردًا في حزن، فـ تسائلت في تعجب:
- مالك يا خالد زعلان ليه؟
رفع خالد رأسه إليها وتمتم في هدوء وهو يهز كتفيه:
- مفيش حاجة مش زعلان.
حدجته خديجة في نظرة مستنكرة، وقالت في أمر:
- مالك يا خالد بتفكر في إيه؟
ردد خالد بصره على ابناء أعمامه ثم أزد رد لعابه ونظر إليها قائلاً:
- هما ليه سموني خالد؟ في أسماء كتير أحلى، يعني إيه أصلًا خالد دي؟
أحست خديجة أن ثمة من تلاعب بعقل أخيها، فـ أغمضت عينيها وهي تهمس في شغف:
- خالــــــــــد… هو في أحلى من اسم خالد؟ اسم لوحده كفيل لأي حد شايله يجعله فخور!
لوى خالد شفتيه محتجًا:
- دا ليه؟
فتحت خديجة عينيها في بطء وهي تقول في شوق، وذكرت حنين تطوف بخلدها، وقلبًا رفرف مشتاقًا، وروحًا لمساتها نسمات الصحابة العطرة بذكراهم وهمست وهي تستنشق الهواء في سكينة:
- هل أخبرتك قبلًا عن خالد بن الوليد سيف الله المسلول.
رنا خالد ببصره في اهتمام وهو يهز رأسه:
- لا.
تجلت في عيون الصغار نظرات الاهتمام، فـ أنصتوا بقلوبهم قبل آذانهم وهم يتربعوا في أسترخاء وانتشاء متلهفون لكلماتها، فـ أسترسلت خديجة بنظرة متوهجة نورًا:
- خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على المشركين.
لقد تخلدت البطولة بذكرة خالد بن الوليد، كان شجاعًا، مغوارًا، تقف إزاء فروسيته حائرًا من شجاعته، كان لا نظير له، وفي يوم مؤتة حول هزيمة المسلمين إلى نصر مبين، آنذاك سقط ثلاثة ليوث من الصحابة الكرام "زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة" وهنا قاد خالد الجيش وبعبقريته أنقذه من الإبادة وتم النصر على يديه، يقول الرسول وهو ينعي أبطال مؤتة الشهداء: " أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى قتل شهيدًا…
ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيداً. "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه."
صمتت خديجة هنيهة تتأمل وجوه الصغار التي تنصت لها في اهتمام، بثغور فارهة وأعين محدقة. وتابعت وهي تأخذ نفساً عميقاً من النسائم التي هلت عليهم:
"لقد كان خالد جندياً عادياً تحت قيادة القواد الثلاثة الذي جعلهم الرسول على الجيش، والذين استشهدوا بذات الترتيب: زيد، ثم جعفر، يليه عبد الله. فما أن سقط الليوث الثلاثة، سارع إلى الراية ثابت بن أقرم، فحملها عالياً وتوجه مسرعاً إلى خالد قائلاً له: (خذ اللواء يا أبا سليمان). فلم يجد خالد أن من حقه أخذها فاعتذر قائلاً: (لا، لا آخذ اللواء، أنت أحق به، لك سن وقد شهدت بدراً). فأجابه ثابت: (خذه فأنت أدرى بالقتال مني، ووالله ما أخذته إلا لك). ثم نادى بالمسلمين: (أترضون إمرة خالد؟) قالوا: (نعم). فأخذ الراية خالد وأنقذ جيش المسلمين. يقول خالد: (قد انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة لي يمانية)."
وحقق النصر على يديه، كما أنه هدم العزى بأمر من الرسول.
سر خالد سروراً جمعاً لأن اسمه على اسم هذا البطل المغوار الذي حقق النصر يوم مؤتة بعد مصرع قادتها الثلاثة. وتساءل في اهتمام وقد اختلط في عينيه بريق اللهفة والحبور:
"ذيديني حديثاً عن بطلنا يا خديجة، كيف أسلم سيف الله؟"
اتسعت ابتسامة خديجة وهي تناظره في بهجة، وهبت رياح الشغف بداخلها لتتمتم وهي تتعايش في قصة خالد وتتنفس من عبيره وأريج ذكراه الذي هب:
"أسلم خالد متأخراً بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، وذلك بعد أن علم بسؤال نبي الله ﷺ عنه، حين دخل مكة لأداء عمرة القضاء. استشعر ما في ذلك من تقدير وتكريم وسر كثيراً بذلك وازداد رغبة في الإسلام."
"دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكة في عمرة القضاء فسأل الوليد عن أخيه خالد، فقال: (أين خالد؟) فقال الوليد: (يأتي به الله). فقال النبي: -صلى الله عليه وسلم- (ما مثله يجهل الإسلام، ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيراً له، ولقدمناه على غيره). فخرج الوليد يبحث عن أخيه فلم يجده. فترك له رسالة قال فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد! وقد سألني عنك رسول الله، فقال: أين خالد -- وذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه -- ثم قال له: فاستدرك يا أخي ما فاتك فيه، فقد فاتتك مواطن صالحة). وقد كان خالد -رضي الله عنه- يفكر في الإسلام، فلما قرأ رسالة أخيه سر بها سروراً كبيراً، وأعجبه مقالة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، فتشجع وأسلم مع عثمان بن طلحة وعمرو بن العاص."
يقول خالد عن رحلته من مكة إلى المدينة: (وددت لو أجد من أصاحب، فلقيت عثمان بن طلحة فذكرت له الذي أريد فأسرع الإجابة، وخرجنا جميعاً فأدلجنا سحراً، فلما كنا بالسهل إذا عمرو بن العاص، فقال: (مرحباً بالقوم). قلنا: (وبك). قال: (أين مسيركم؟) فأخبرناه، وأخبرنا أيضاً أنه يريد النبي ليسلم، فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة).
(أول يوم من صفر سنة ثمان).
وأقدم خالد إلى الرسول وأسلم وبايع الرسول. يقول خالد: (قلت للرسول: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صد عن سبيل الله). فقال: (إن الإسلام يجب ما كان قبله). فقلت: (يا رسول الله على ذلك). فقال: (اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضعت فيه من صد عن سبيلك).
وتقدم عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، فأسلما وبايعا رسول الله.
ازداد حماس خالد أكثر، وإذ به يقول بكلمات تبض بالحماسة واللهفة:
"أخبريني يا خديجة من صنيع فعل خالد؟!"
تنهدت خديجة في ارتياح وتمتمت في هدوء:
"حارب خالد رضي الله عنه أهل الردة حينما بلغه عنهم مقالة الرسول. ثم مضى إلى اليمامة وقاتل مسيلمة الكذاب الذي كان يدعي النبوة، وغزا العراق، وشهد حروب الشام مع المسلمين. لقد فتح خالد دمشق، وحارب فارس والروم وأبلى بلاء حسناً. انتصر خالد بحذاقته في كل معركة وقد كان حقاً كما قال الرسول: خالد سيف من سيوف الله."
فـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الترمذي.
قال: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً فجعل الناس يمرون، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من هذا؟) فأقول: فلان، حتى مر خالد، فقال: (من هذا؟) قلت: خالد بن الوليد، فقال: (نعم، عبد الله هذا سيف من سيوف الله)."
صمتت خديجة ملياً بعينين ممتلأتين بالدمع، وقالت في بسمة حالمة:
"الحديث عن خالد لا ينتهي أبداً، يحتاج لملايين من الصفحات، بطولاته ستظل خالدة على مر الزمان، وشجعاته ستظل لا نظير ولا مثيل لها."
ثم ضحكة ضحكة خفيفة وتمتمت في تهدج وهي تكبح دموعها:
"كان خالد يأمن الجيش قبل أن يخوض القتال، فأمر النساء بأن يمسكن السيوف وأمرهم بالوقوف خلف صفوف المسلمين وقال لهن: من يولي (هارباً)، فاقتلنه. فقد كان يخشى أن يفر هارباً أحد أفراد جيشه من هم حديثي العهد بالإسلام. أما وفاته."
وهنا انفجرت خديجة باكية في تأثر أليم، موجع وغمغمت في بكاء جعل أعين الصغار تذرف الدمع:
"مات خالد على فراشه، وهو الذي كانت حياته كلها فوق صهوة جواده تحت صليل السيوف، هو الذي غزا مع الرسول، وقهر الردة، وحارب فارس والروم، وفتح العراق والشام. قال خالد حينما شعر بدنو أجله: (لقد شهدت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم.. ثم هأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء)..!"
ومات من قال عنه الصحابة: (الرجل الذي لا ينام، ولا يترك أحداً ينام).
ومات وودعته أمه قائلة:
أنت خير من ألف ألف من القو م اذا ما كبت وجوه الرجال
أشجاع؟ فأنت أشجع من ليث غضنفر يذود عن أشبال
أجواد..؟ فأنت أجود من سيل غامر يسيل بين الجبال
غطت خديجة وجهها بين كفيها تبكي حزناً وشوقاً للقاء رسول الله وصحابته وأهله.
رفعت وجهها في تذكر وقلبت بصرها في وجوه الصغار الذي غشاها الدمع وتمتمت باسمة تلتمع بعينيها وهي تكفكف دموعها:
"نسيت أخباركم عن قلنسوة خالد، لقد سقطت منه يوم اليرموك فأضنى نفسه والناس بحثاً عنها، فلما عوتب في ذلك قال: (إن فيها بعضاً من شعر ناصية رسول الله وإني أتفاءل بها وأستنصر)."
ثم رددت رافعة كفيها ووجهها إلى السماء:
"اللهم ارحم خالد أبا سليمان وارض عنه هو والصحابة أجمعين."
آمن الصغار لدعائها وشكرها خالد ممتناً وقد زاد قلبه حباً وفخراً باسمه.
"ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا."
غشى ضوء الصباح أرجاء الأرض معلناً عن يوم جديد بأحداث جديدة. خرج الصغار من المنزل جميعهم عند وصول الحافلة التي ستقلهم إلى المدرسة. وبعد ركوبهم انطلقت الحافلة إلى وجهتها. ولكن في منتصف الطريق صدت سيارة سوداء طريقها ليقف سائق الحافلة تلقائياً، وهو يشرئب برأسه من النافذة صائحاً فيمن تلك السيارة التي تقف معترضة طريقه:
"يا عم أنت اتحرك في حد يقف الوقفة دي؟"
هم بالترجل ولكن عاد جالساً ما أن خرج رجلان ملثمان كثر من السيارة وأندفعوا تجاه الحافلة مشهرين سلاحهم. صاح الصغار صارخين في رعب ملأ أفئدتهم، وارتجفت أجسادهم في خوف. بنظرة واحدة من إحدى المجرمين كتموا أفواههم فزعاً وهم يحلقوا بهم في رعب. مد أحد الملثمين كفه للآخر وهو يقول في حدة:
"هات الصورة."
ناوله الآخر إحدى الصور ليمعن النظر فيها لهنيهة، قبل أن يرفع رأسه ناظراً بتمعن إلى وجوه الأطفال. ثم أشار بسبابته إلى "خالد، حمزة، مالك، معاذ" وقال أمراء الرجال:
"هما دول هاتوهم بسرعة!"
اتسعت أعين حمزة وخفق قلبه ولكنه وقف دافعاً الرجل عنه، وصاح فيه:
"أبعد كدا عني، وملكش دعوة بأخواتي!"
صاحت المدرسة التي كانت ترتعش خوفاً:
"انتوا عايزين اي سيبوا العيال؟!"
رمقها أحد الملثمين بنظرة مخيفة جعلتها تنزوي على نفسها. في حين كان أحدهما خدر السائق. أما باقي الأطفال فقد وضعوا كفوفهم على أفواههم ولم تكف أعينهم من ذرف الدمع. في لحظة مباغتة كانوا الملثمين يخدروا الصغار، تليها اتجهوا إلى الفتيات، لتختبئ أروى في ملك التي ضمتها لصدرها وهي تحلق في الرجال في صدمة. وفي لحظة كانوا يخدروهم وحملوهم للسيارة. أخرج أحد الملثمين ورقة مطوية أهداها للمدرسة التي كان قلبها يرتجف خوفاً ويبكي عجزاً:
"الورقة دي تديها لأهل العيال دي."
مدت المدرسة كفها بيد مرتعشة، ليقترب منها الملثم بوجهه وهو يستند بكفيه حولها، قائلاً في صوت كالفحيح:
"وإياك بقك ينطق بحرف من اللي شفتيه لحد."
أومأت المدرسة تباعاً في عشوائية، ليرحل الملثم صاعداً أمام وقود السيارة وأنطلق في سرعة جنونية. لينفجر الصغار في الصياح وتسرع المدرسة إلى السائق المغيب عن الوجود، وراحت تلطم وجهه وهي تنادي عليه بلا فائدة. لذا أمسكت قارورة ماء لتنثر القليل على وجهه فبدأ رويداً رويداً في استعادة وعيه. فما أن فاق حتى أخرجت هاتفه لتسرع بالاتصال بـ أسماء التي أجابت فوراً قائلة:
"أستاذة مريم أخ..."
قطعت كلماتها انفجار المدرسة في البكاء وهي تقص عليها ما حدث.
في أوان ذلك، كادت خديجة بالدلوف إلى مدرستها الثانوية، حينما وقفت أمامها مباشرة سيارة سوداء وفتح بابها وظهر منه ملثمان. هم أحدهما بأمسكها، ففاقت خديجة من صدمتها لتتراجع للخلف في عنف. فما أن رأت الأسلحة بأيديهم حتى قلقت على المارين حولها إذ فرت من أمامهما. فرفعت كفها موقفة من مد يده لسحبها. فترجل في هدوء لتصعد هي دون أدنى معافرة تعلم جيداً أنها لا جدوى منها. فما أن استقرت حتى انطلقت السيارة. فأسدلت أجفانها وهي تردد "لا إله إلا الله" ليطمئن فؤادها ويسكن من رعبه القائم. أخرج أحدهما شريطة ليربط عينيها تحت استسلام منها تام.
رواية جحر الشيطان الفصل الثاني 2 - بقلم ندي ممدوح
ما زال للعشق بقية
نزل الخبر على قلب أسماء نزول الصاعقة. وقع منها الهاتف وهي تهب واقفة في صدمة. لم تستوعب ما سمعته للتو. ربما خُيل لها ما سمعت.
تنفست في عمق، وعشرات الأسئلة تتزاحم في ذهنها. وإذا بها تشهق باكيةً في لوعة وقد تملكها الخوف والقلق وكاد أن يمزق أوردتها. اندفعت خارج مكتبها لتنصدم في والدها الذي كان آتيًا إليها.
تساءل يوسف وهو يمسك بمنكبيها مزعورًا:
في إيه مالك؟ حصل حاجة؟ اهدي اهدي وقوليلي في إيه؟
بأنفاس متقطعة وصوتٌ متهدج غمغمت أسماء باكية:
الـ.... العيال اتخطفوا يا بابا كلهم.
همت أن تسقط أرضًا فلحق بها يوسف وهو يضمها إلى صدره قائلاً برفق:
اهدي يا حبيبتي مفيش حاجة خير بإذن الله، بس تماسكِ كدا، عشان نروح للمار. وبلاش تقولي لحد. عرفتي إزاي الأول؟
كابدت أسماء وجع فؤادها ورفعت رأسها إليه هامسة في شهقات متقطعة:
المُدرسة كلمتني... وهي اللي قالتلي.
قصت عليه كل ما أخبرتها به المُدرسة، فأغمض يوسف عينيه في بطء وهو يقول:
تمام، تمام.
فتح جفنيه وقال في ثقة ليبثها بالأمان:
العيال هيرجعوا، أطمني.
ثم أمسك بكفها وغادرا مبتغيًا لمار. وقال:
يلا نروح للمار وهي هتحل الموضوع أنا متأكد.
استقلا السيارة ووصلا إلى مكتب لمار ودخلا لديها ليخبرها يوسف بما قالته أسماء. فتلقت لمار الخبر في صدمة، وهن فؤادها، وتملك القلق من روحها. جلست مطرقة الرأس تستوعب ما علمته للتو. في حين أسند يوسف رأسه إلى الجدار، يدعو الله أن تمر تلك النكبة بسلام وتنزاح هذه الغمة بخيرٍ وسلامة.
لم تكفِ عينين أسماء من تدفق الدمع. فُتح الباب ودخل ياسين ببسمةً سرعان ما تلاشت وهو يرى أخته تذرف الدمع بغزارة. فدنا منها على عجل وهو يقول في لهفة:
أسماء… مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟
استوت أسماء واقفة وارتمت في حضنه بنشيج مزق قلبه. فردد ياسين بصره في والده ولمار وهو يهز رأسه وتتسائل عينيه عن ما بها. فانتزع يوسف بسمةٌ من آلَمه وقال ليطمئنه:
مفيش حاجة خير بإذن الله، اقعد واحكيلك عشان تسمعني بهداوة.
أمتثل ياسين لوالده وجلس منصتًا له في اهتمام. وراح يوسف يسرد عليه ما أخبرته به أسماء. فضغط ياسين على أسنانه وأدرك أن هناك أمرًا جلل وقرر في نفسه أن يذهب لهذهِ المُدرسة، لعلها تكون قد رأت إحدى الخاطفين، أو في جعبتها رسالةً ما تركها أحدًا منهم.
مسح ياسين على وجهه في قلق ونهض قائمًا وهو يقول:
قومي تعالي أوصلك البيت وبلاش تقولي لحد حاجة.
أغمضت أسماء عينين تذرفان الدمع وهي تهز رأسها نفيًا، وقالت:
أنا مش هتحرك من هنا قبل العيال ما ترجع.
هُنا ورفعت لمار رأسها قائلة في بحة لا تقبل النقاش:
قوم يا يوسف روح أنت وبنتك قعدتكم مفيش منها فايدة. أنا هتصرف ووجود أسماء هنا هيقلقني.
التفتت إليها أسماء قائلة في عصبية:
أمشي إزاي من غير عيالي، ومش عارفة هما فين ولا بيعملوا فيهم إيه؟
تنفست لمار في حرارة، ونهضت وهي تكبح ما يعتمل صدرها من غضب تجاه من أخذ أحفادها. وأقتربت من أسماء بتمهل، ومالت عليها هامسة وهي تمسك بكفيها في ثقة:
أسماء … أنتِ واثقة فيا؟
رفعت أسماء عينين يغشاهما الدمع وهزت رأسها مؤكدة وهي تردف في صوتٍ متهدج:
أيوه.
ضمت لمار وجهها بين كفيها وهي تقول في تأكيد:
قومي روحي مع أبوكِ، وتأكدي أني مش هرجع البيت إلا والعيال معايا. اطمني وعد مني هيناموا في حضنك النهارده، وأنا قد كلمتك.
شعاعٌ أمل غزا قلب أسماء ليشرق وجهها بنور الأمل مهللًا. وأومأت برأسها على يقين أن عمتها طالما وعدت ستوفى، وسيعودون أطفالها لحضنها في طرفة عين.
نهضت لتغادر مع يوسف الذي ضم كتفها إليه وانصرفا. في حين اتسعت عيني لمار بشرارةٌ من الغضب والتفتت إلى ياسين. وهمت بالحديث إلا أنه كان يدري ما ستوكله به فـ ردد في ثقة:
أنا رايح أقابل المُدرسة، وهبعتلك عثمان وأنس وورد.
تبسمت لمار في ثقة وهي تؤشر له بعينيها مطمئنة مهمًا كان فهو أبٌ، ووحيدته لا يعلم عنها شيء.
غادر ياسين صافقًا الباب خلفه واتقدت النيران في قلبه. بينما جلست لمار خلف مكتبها في ذهن طاحن في التفكير. ليخترق سكونها إشعار رسالة على هاتفها، لتلتقط الهاتف وتقرأ فحوى الرسالة الذي كان مضمونها:
"أزيك يا بنت الشرقاوي؟ يارب تكونِ بخير؟ متقلقيش العيال مش هيجرالهم حاجة امممم ممكن أروى بس عشان حابب أحرق قلب بنتك وجوزها. اممم لسه بفكر أأذيكِ في مين؟! ولكن أطمنك هيرجعولك كلهم بس متفكريش أن دي بداية الانتقام تؤ تؤ تؤ دي متجيش حاجة قبل الجحيم اللي هعيشك فيه دا إذا كان ليكِ عمر طبعاً. ولو متِ بردوا انتقامي هيفضل، أوعدك أني هدمرك، وهدمر عيلتك كلها وهخليكم تقتلوا في بعض واللي منك هيكون عدوك. رسالتي مجرد بداية للنهاية. متتحاوليش تبحثي عني لأنك مستحيل تعرفيني ولا تشوفيني. أنا قريب وتلميذك كمان وتعلمت منك إزاي أكون عفريت أنتقم وأقتص حقي من غير ما حد يشوفني. أنتِ علمتيني مقفش غير للحق بس للأسف علمتِ الشخص الغلط. لأني معرفش يعني إيه حق. واللي مقدرتش أعمله في الأول وفشلت فيه وعد لو آخر نفس فيا هعمله وهنتقم وأنتظري قريب هديتي."
أعادت "لمار" قراءة الرسالة مرارًا وتكرارًا. علا وجيب قلبها من الغضب. ودت لو كان أمامها مرسل الرسالة لكانت أحرقته في أرضه. هيهات أن ظن أن بإمكانه التوغل داخل أواصر عائلتها وتفكيكها. هيهات أن جعلته يعيش بالأساس.
وبقي سؤال محير يدور كـ الرحىّ في قرارتها؟ من ذا قد يكون؟ من يريد الانتقام منها لتلك الدرجة؟ أن يكون عدوك أمامك حينها ستطمئن، ولكن أن تقاتل من لا تراه عيناك، ولا تدري متى تأتيك الطعنة في أي وقت وزمن ومن من شيءٌ صعب يوهن الأعصاب. هذه الرسالة الغامضة من وراءها، وما الجدوى منها، ماذا يريد؟
طرق طارق منتشلًا إياها من دوامة تفكيرها التي ظنت أنها لن تحور منه. أبعدت وجهها عن كفيها تستطلع الآتي الذي لم يكن إلا عثمان الذي ردد وهو يخطو نحوها في غضب:
مبني اللي خطف العيال؟ وإزاي ده يحصل؟ أفتراض حصل لهم حاجة.....
بترت كلماته لمار على المكتب وهي تهب واقفة صارخةً فيه:
اسكت اياك اسمع صوتك … دلوقتي بس عرفت أن ليك عيال؟! كنت فين لما كانوا بيسألوا عنك؟ يدوروا عليك وأنت ولا هنا؟! كنت فين من حياتهم؟
لُجم عثمان ووقف كـ الصنم جاثمًا في أرضه. رفرف بأهدابه قليلًا قبل أن يجلس واضعًا وجهه بين كفيه محاولًا كبح وجعه الذي ازداد عسرًا. فرق قلب لمار ودنت منه قائلة في ثقة:
العيال هيرجعوا يا عثمان، فوق كدا لنفسك مش عايزة حد يشوفك بالضعف ده.
رفع عثمان رأسه إليها هامسًا بالحديث إلا أن طرق الباب لتدخل منه ورد هادئة وهي تلقي السلام. ثم جلست تلتقط أنفاسها. فقلبت لمار بصرها في حيرة من أمرها وتساءلت بمكنون فؤادها:
ورد؟! مالك هادية كدا ولا كأن عيالك اتخطفوا.
تمتمت ورد في ثقة:
متقلقيش هقولك إزاي نوصلهم وبعدين أخاف إزاي خديجة مع العيال أصلاً.
رفعت لمار حاجبها في دهشة. فإذا بـ عثمان يقول:
المهم هنعرف نوصلهم إزاي؟
أومأت ورد لتصفح في هدوء وهي تسرد عليهما:
من لما حصل وحاولوا يخطفوا خالد بسبب إحدى القضايا اللي كنت ماسكها ونجي الحمد لله قررت أني هحط جهاز تعقب في شنطهم.
تبسمت لمار في فخر وهي تربت على كتفها وبدأوا بتعقب المكان ليتأهبوا للذهاب على أتم استعداد لأي مواجهة.
قطع ياسين الرواق دالفًا إلى غرفة مدير المدرسة الذي كان في انتظاره. وجه ياسين دون كلمة سؤاله للمُدرسة التي كانت مطرقة في خزى وحزن على الصغار الذين انتُشلوا منهم عنوة:
لو سمحتِ قولي ليّ لو تعرفي أي حاجة عن الخاطفين؟ شفتِ حد منهم؟ أو سابوا أي رسالة؟
انكبت المُدرسة مجهشة في البكاء، وقالت:
لا، معرفش أي حاجة ولكن سابوا ورقة فيها رقم تلفون! وطلبوا مني أسلمه لحد من أهل العيال.
لمعت عينا ياسين في أمل وهو يقول في لهفة مادًا يده:
تمام جداً، فين الرقم؟
دست يدها بحقيبة كتفها مخرجة الورقة، ليتناولها منها ياسين ناظرًا في تمعن للرقم مليًا، قبل أن يتساءل في اهتمام:
ممكن حضرتك بس تحكي لي بالتفصيل إيه اللي حصل؟
أومأت المُدرسة، وشرعتٍ في قص ما حدث. فما أن فرغت حتى انصرف ياسين صاعدًا سيارته مدونًا الرقم في هاتفه مجريًا اتصالًا على الرقم والذي كان دوليًا. انتظر قليلًا حتى هتف هاتف مرحبًا:
ياسين الشرقاوي، كيف حالك يا رفيق طمئني؟ آه يا عزيزي أعلم أنك لست بخير، وكيف لك أن تكون بخير ووحيدتك في جحري الآن.
أنهى جملته مقهقها في انطلاق، ليصيح ياسين صارخًا بأفزع الشتائم:
أنت مين يا ابن الـ********، اياك تقرب من حد من العيال ولا تمس شعرة منهم أقسم بالله أدفنك في أرضك من غير رحمة.
جز المجهول على أسنانه قائلًا في غيظ بيّن:
لن أؤذي أحدًا إلا ابنتك، والذي لم أستطع أخذه فيما مضى سأتخذه عاجلاً أم أجلاً. ولا ترهق نفسك في البحث عني لأنه من المستحيل أن تعرفني أو تجدني.
شرارة من الغضب كانت تنطلق من عينا ياسين الذي يتنفس في سرعة جنونية ثم صاح فيه وهو يضرب مقود السيارة بقبضته:
بنتي اياك تقرب منها لو راجل فعلاً واجهني يا كلب و متبقاش جبان.
أنهى المجهول المحادثة بعدما قال في تحذير يشبه التهديد:
احذر يا هذا، وانتبه جيدًا لزوجتك فـ أنا لن أترك انتقامي ومن اليوم لن تستتب الأمور أبدًا ولن تكون على سجيتها مجددًا سأقلب حياتكم جحيم.
صرخ ياسين ما أن رأى إغلاق الهاتف. كان على شفا الانهيار ولكنه ضرب بقبضته عدة مرات على المقود، ليزفر ويستنشق الهواء مرارًا قبل أن يرن بأذنه تحذيره على سجى، ليسرع في الاتصال عليها، بقلبٍ يخفق في لهفة. سكن روعه ما أن أتاه صوتها الحاني القلق:
ياسين!! أروى...
قاطعها ياسين هامسًا في خفوت وقد سكن وجيب قلبه واضطراب نفسه:
قلب ياسين… متقلقيش أروى هترجع وهتنام في حضنك النهارده أطمني.
ردت سجى في ثقة واطمئنان:
أنا واثقة فيك يا ياسين خلي بالك من نفسك ومتأكدة أنك هترجع أروى والعيال كلهم النهارده، دعواتِ معاكم.
أغلق معها منطلقًا بسيارته إلى وجهته.
تجلسان بفؤاد مكلوم قلق، يكاد الخوف يأكل شغافها، من حين لآخر يصدر صوت بكاء يقطع نياط القلب في مكمنه. من قلبٍ أرهقه التفكير، أنتحبت "أسماء" قائلة في لوعة:
يا ترى عيالي هيرجعوا تاني لحضني؟ هشوفهم تاني ولا مش هشوفهم؟ يا ترى بيعملوا إيه فيهم دلوقتي؟
في حين كانت "سجى" ساكنة تمامًا لا يرقأ لعينيها دمع ولا يصدر لها صوت، تناجي الرحمن بفؤادها. تضم أسماء لصدرها وتربت على كتفها برفق، وتبثها بكلمات مطمئنة ما بين الحين والآخر:
هيرجعوا بإذن الله، ربنا مش هيؤذينا أبدًا فيهم، أبشري يا حبيبتي.
أقبلت مكة ساكنة لا تدمع ولا تتحدث، مستسلمة كليًا لكل شيء. وجلست بجانبهم واضعة يدها أسفل خدها وقد غشاها الصمت كأنها في واديٍ آخر.
في أوان ذلك كانَ الصغار جميعًا يفترشون الأرض في إحدى الغرف. فُتح الباب فجأة بكف رجل ملثم يقف جانبًا مفسحًا الطريق لـ خديجة التي كانت حذرة من أن يدنو منها أحد. فما أن وقع بصرها على الصغار، سقط فؤادها من مكمنه وهي تهرع نحوهم في فزعٍ محاولة إفاقتهم ودموعها تنساب في خوف.
تباعًا حاولت إفاقتهم واحدًا تلو الآخر تدعو الله أن يكونوا بخير.
رفرف مُعاذ بأهدابه وهو يستشعر صوتًا قريب ينادي عليه. وقع بصره على خديجة سرعان ما أطبق جفنيه مرة أخرى مستحضرًا ما مر عليه منذ قليل. ثم استوى صارخًا وهو منفجرًا في البكاء، لتضمه خديجة إلى صدرها هامسة وهي تحاول تهدئته:
اهدئ يا معاذ … اهدئ يا حبيبي أنا جنبك أهو.
خبأ معاذ رأسه بها، محاولًا طرد أفكار عقله التي اعترته وهمس من بين بكائه:
أنا خايف أوي يا خديجة، مين دول؟ وفين أختي لمياء وملك ومالك وخالد واروى وحمزة أنا شفتهم وهما بيخدرهم.
مسحت خديجة برفق على خصلاته هامسة في قلق:
متخافش هما هنا، وهيكونوا بخير.
ثم تساءلت في تذكر وهي تنظر له:
معاذ هما خَدروك ولا إيه؟
أومأ معاذ برأسه تباعًا وهو ينتفض قائلاً:
لازم نصحيهم، هحاول أفوق حمزة.
توجه نظره لـ حمزة المسجى بجواره وراح يلطم على وجهه مناديًا حتى أفاق. وتناوب على البقية هو وخديجة حتى أفاقوا جميعًا.
تناهى لهم وقع أقدام قريبة فنهضت خديجة تاركة أروى جانبًا متوجها نحو الباب. ودنت بأذنها لترهف السمع فإذا بصوت رجل يأتيها قائلاً وعلى ما يبدو أنه يتحدث بالهاتف:
أنا دي هعرفها إزاي يا بيه؟
صمت قليلًا بدا إنه يستمع للطرف الآخر، ثم ردد في ثبات:
تمام يا بيه هي أصغرهم اسمها أروى، أبعت الصورة يا بيه واترك الباقي عليٌ وأنا هحل الموضوع ده.
سكت لـ هنيهة ثم تابع:
هستنى يا بيه لحد الصورة ما توصلني، سلام.
حدقت عينا خديجة في زهول وهي تغطي فمها بكفها في عدم استيعاب وتلقائيًا زاغ بصرها نحو أروى التي يظهر عليها التعب على سماتها. فطرفت بعينيها قليلًا قبل أن تتوجه لهم جالسة بجوارهم، فتساءل حمزة في ضيق وهو ينظر لـ خديجة:
وبعدين هنعمل إيه؟ هنخرج من هنا إزاي؟
تبسمت خديجة وهي تغمض عينيها في صمت تام، تستحضر روحًا صدفة ألقاها لها القدر، لتكون له سببًا لهدايته، ويكون سببًا في نجاتها. ترحمت عليه وطيفًا يمر ملقيًا الأمل في فؤادها، لتفتح عينيها ناظرةً للصغار وهي تضم أروى التي بدا أنها تختنق وتتنفس بصعوبة وهمست:
تعرفوا إني اتخطفت قبل كدا؟!
تجلت الصدمة على وجوه الصغار، فبادر خالد متسائلًا في تعجب:
بجد يا خديجة؟
أومأت خديجة قائلة:
أيوه، اتخطفت وكنت وحدي بس مكنتش خايفة! عارفين ليه؟
تساءل الصغار جميعًا في صوتٍ واحد:
ليه؟
تبسمت خديجة قائلة في هدوء:
عشان كنت عارفة أن ربنا معايا وهينجيني.
تساءل حمزة في رفق:
ومخفتيش؟
خوفت طبعًا، مخافش إزاي؟! بس كان عندي أمل وحسن ظن في ربنا أنه هينجيني وحتى لو كان خلاص بيني وبين الموت خطوة كنت هثق أن ربنا هينجيني، ولو مت فـ ده نصيبي وكل نفسٍ ذائقة الموت، والروح أمانة ربنا متى شاء اخذها، وكمان كنت واثقة أن لمار هتنقذني.
تبسموا الصغار وصبوا جام اهتمامهم على خديجة وقد تبدد خوفهم وتربعوا في أريحية، وقال معاذ مقترحًا، ليتناسوا ما هم به:
إيه رأيك تحكيلنا عن معاذ بن جبل، لأن اسمي على اسمه.
أومأت خديجة مرحبة وقد راق لها اقتراحه، فبدأت تقص عليهم قائلة:
معاذ بن جبل أعلم الناس بالحلال والحرام...
قاطعها مالك في تساءل:
حقًا هل كان يعلم الحلال والحرام جيدًا؟
أشملته خديجة بنبرة دافئة، وتنهدت في حبور متابعة في هيام متناسية ما هم فيهِ:
مُعاذ بن جبل؟ جبل من العلم هو ذاك الرجل إنه إمام العلماء يقدمهم يوم القيامة بدرجة، فـ عن عُمر _رضي الله عنه_قال: لو أدركت معاذًا، ثم وليته، ثم لقيت ربي، فقال: من استخلفت على أمة محمد؟ لقلت: سمعت نبيك وعبدك يقول: يأتي معاذ بن جبل بين يدي العلماء، برتوة.
رددت خديجة بصرها فيهم مدركة:
رتوة! أيّ بدرجة أو خطوة مسافة.
ثم حدقت في الفراغ مرددة وقد شملتها البهجة، وأغدق عليها السكون، وغمرها الاشتياق، وقالت بنبرة تفيض حبًا:
وقال أيضًا عنه عمر _رضي الله عنه _"عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ".
وقد كان من الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ عنه القرآن، فـ عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا القرآن من أربعة: من مسعود وأبي، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نعم الرجل معاذ بن جبل".
وعن عاصم بن حميد السكوني أن معاذ بن جبل لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج يوصيه، ومعاذ راكب، ورسول الله يمشي تحت راحلته. فلما فرغ قال: يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول الله.
وقد كان رسولنا يحب معاذ وأعلمه بذلك.
صاح "معاذ" مقاطعًا خديجة بعينين امتلأت تلألؤًا وغبطة:
حقًا يا خديجة، أخبره الحبيب بأنه يحبه؟
أومأت خديجة في بسمة مشرقة على وجهها المضيء وقالت:
نعم، فـ عن معاذ قال: لقيني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا معاذ والله إني لأحبك في الله. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وأنا والله أحبك.
فقال له رسول الله: "أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر" أي بعد "كل صلاة: قُل اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
وعن ابن مسعود: إن معاذ بن جبل كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقيل إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقال ما نسيت هل تدري ما الأمة وما القانت؟ فقلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله عز وجل وللرسول، وكان معاذ بن جبل يعلم الناس الخير وكان مطيعًا لله عز وجل ورسوله.
صمتت خديجة لوهلة مطرقة الرأس، مترقرقة الدمع في عينيها، ثمة حزن خيم على فؤادها، حزنٌ عظيم مفعم بالتعجب والعظمة، ألا وهو صبر معاذ على ابتلاءه.
سُئلت ملك وهي تضع كفها على منكب خديجة جاذبة انتباهها مائلة نحوها تنظر إلى وجهها المطرق بأعين قلقة:
خديجة!! لماذا سكتِ ما بكِ أنتِ بخير؟
تنفست خديجة في عمق ورفعت رأسها نحوها تهزها مطمئنة إياها وقالت:
الحديث عن معاذ لا يكفي لأيام وسنين، وكيف نكف عن أحاديث من أخبره حبيبه أنه يحبه، هنيئًا لمعاذ محبة الحبيب. وأما عن مرضه فأنه كان محبًا للبلاء، لما يعلم ما فيه من عظم الثواب ورضا رب العالمين.
فـ عن عبد الله بن رافع قال لما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز فقال إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها، قالوا وما هن قال يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل والله لا أدري علام أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة، فطعن ابناه فقال: كيف تجدانكما؟ قالا: يا أبانا {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا وطعن هو في إبهامه فجعل يقبلها، ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك تبارك في الصغيرة حتى هلك.
رددت خديجة بصرها فيهم وقالت منتهية الحديث:
كفاية كدا خلونا نفكر هنعمل إيه، وبإذن الله لو لينا عمر هكملكم قصة معاذ وهحكيلكم زهده وروعة عن الدنيا.
قطب حمزة بضيق وقال:
لا يا خديجة كملي.
فكرت خديجة قليلاً ثم تبسمت قائلة:
طيب، لقد جاء في كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي أن معاذ بن جبل لما حضره الموت دعا "اللهم إني قد كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، إنك لتعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر".
وقد قال أيضًا: "مرحبًا بالموت حبيب جاء على فاقة".
تنفست خديجة مغلقة العينين وهمهمت غارقة في بحر الحنين، لربما بذكراهما ترتوي اشتياقها لهم:
بذكراهم تطيب القلوب، وتحلق في سماء السكينة، وتحيا في رحاب الرسول، عسى الحنين أن يروى من ينبوع أريجهم.
بعينين مشخصتين بسقف الغرفة كانت ترقد وعد على الفراش، بذراعان مسترخيان بجوارها فاقدان الحركة، وقدمين عاجزتين ممدتين، وروحًا تستشعر أنها تنسحب من مكمنها رويدًا رويدًا، لا تقوى على الصراخ، ولا أن تستغيثُ بأحد كأن لسانها قد عقد، وما تبقي منها إلا عينان مفتوحتان، ونفسٌ يدخل ويخرج من رئتيها، أما جسدها فـ سلامًا عليه تحت الثرى مأسورًا.
وفي إحدى أركان الغرفة، ساجدٌ رحيم للرحمن يناجيه بفؤادٍ مكلومٍ جار عليه الزمن ودُهس، يبكي كـ طفل صغير فقد وطنه، وصوت نشيجه يمزق القلوب الحية لتندثر تحت التراب، وخاطب الرحمن بصوتٍ يملؤه الرجاء، يناديه بكل ذرة حب بداخله، أن يعيدها إليه، أن يعرف ما بها. لقد أكد الأطباء أنها سليمة لا يوجد علة بها بتاتًا، ريشةٌ هو تتقاذفها الأطباء بما يحلو لهم فكل طبيب يشخصها بما يشاء، تائهًا هو ولا غير الله يهدي له السبيل وينجيها، هو المستغيث من كل كربٍ وبليّة، لن يتركها هكذا سيفعل كل ما بوسعه حتمًا.
فرغ من صلاته، ولم يبرح مكانه وكأن مصلاه منبعًا لراحة قلبه المكلوم، وترميمًا لروحه المشيعة بجوار زوجته، ألقى نظرةٌ إليها وأغمض عينيه بقوة، لا يريد رؤيتها هكذا جثة فقط لا حياة بها، ورفع كفيه مناجيًا الرحمن ألا بذكره تنجلي الهموم مهما عظمت؟ ويحيّ الأفئدة علها تحيا، بلى هو كذلك، فـ الرحمن لا يرد راجيًا. الرحيم يسمع ويعلم ويرى وسيُداويه، وسيستجيب له ويكشف ما بها من ضر، ليصبر فقط وينتظر فرج الرحمن وعوضه الذي لا نظير له.
فاق من مناجاته على عاصم الذي ارتمى في حضنه هامسًا بنبرة باكية:
هي ماما زعلانة مني يا بابا؟ هي مش هتكلمني تاني؟ طب أنا عملت إيه؟
ضمه رحيم إلى صدره وران على قلبه الوجع، وأغمض عينيه كلا تهطل دموعه، وقال في صوتٍ ضعيف:
لا يا حبيبي ماما بتحبك وبتحبك أوي كمان فوق ما تتخيل، وأنت كل حاجة عندها.
ثم قال مستدركًا متذكرًا:
مش ماما مكنتش بتنام إلا وأنت جنبها؟ وكمان لما بتتعب تفضل سهرانة جنبك؟ وبتتألم لألمك؟
صب الصغير جام تركيزه في حديث والده وأومأ برأسه مؤكدًا، ليتابع رحيم وعيناه تلقائيًا تتحول إلى جسد وعد:
ماما دلوقتي تعبانة، تعبانة أوي، ادعيلها وخليك جنبها زي هي ما كانت بتعمل لما أنت بتتعب، وقريب أوي هتخف وترجع لك.
مسح رحيم على خصلات ابنه الذي ضمه وهو يقول:
حاضر يا بابا، هفضل جنبها عشان تخف بسرعة وتقوم تلعب معايا وتجهزني للمدرسة وتأكلني بأيدها وتعلمني إزاي أدافع عن نفسي.
أكد رحيم وهو يقبل رأسه:
هتقوم بإذن الله وهتعملك كل اللي أنت عاوزه.
تم رصد المكان الذي خُطف فيهِ الصغار. أُرسلت لمار قوة في قيادة ياسين وعثمان، وبقيت هي في المكتب تنتظر ما سيحدث وما سيتم، وما سيترتب على كل ذلك؟ تكاد تجن من يكن لها كل هذا البغض؟ من مرسل الرسالة، وعلى ما ينوي؟ يا ليته أمامها، أو تعرفه أو له أثر، حتى الرقم الذي أُرسل به الرسالة استعلمت عنه دون جدوى. هي الآن وسط حريقٌ لا تدري كيف النجاة منه، وكيف اندلع من الأساس، وتخشى أن يأتي هذا الإعصار فيكتسح كل شيء ويطمسه طمسًا، ولا تدري ممن وكيف ومتى ستأتيها الطعنة. أخبرها ياسين بمضمون محادثة هذا المجهول، فاستبانت أن ذاك المجهول يريد الانتقام وبالتحديد من ابنتها سجى وياسين ومنها، وعلى ما يبدو أنه على دراية بها وهي أيضًا. سُفّر أنه عدوٌ قديم تعرفه عز المعرفة، هذا ما استنتجته من حديثه المبهم.
تنهدت وهي تتقلب في الحيرة، ورجعت بظهرها لظهر المقعد مسندة رأسها تنظر للسقف في شرود تفكير جم يلتهمها التهامًا.
وصل ياسين قريبًا من المخزن الذي احتجزت فيه الأطفال. أقترب ليفحص في نظرة سريعة ثغرات المكان ومخارجه، وعاد للقوة مجددًا معطيًا لهم إشارة في تعقبه بعدما أوصاهم وشجعهم ببعض الكلمات والتحذيرات.
رفع ياسين مسدسه وتحرك بحذر وجميع الجنود من خلفه يسيرون على نفس النهج من الحرص والحذر، يترصد لأي حركة مفاجئة من العدو. استمر سير القوات المسلحة على حذر تام، حتى وقفوا في كلا الجانبين من باب المصنع فئة برفقة ياسين والأخرى عثمان. أشار لهم بالتوقف وخبئ السلاح خلف ظهره، وإذا به يقف أمام الباب طارقًا عليه. ما هي إلا دقائق وكان يُفتح وقبل أن يلفظ الرجل بكلمة، كانت رصاصة ياسين تخترق جسده ليقع جثة هامدة. أشار بيده على الهجوم فأندفع سيل الرجال للداخل كان صوت إطلاق النار يصم الآذان، كـ حربٌ اندلعت تحرق كل ما يقابلها، نشبت الحريق ولا يمكن إطفاؤها ألبتة.
اندفع ياسين يبحث عن الصغار بقلبٍ يكاد يخرج من مكمنه رعبًا، يطلق دون تأني على من يقابله فيصيبه قتيلًا، ويسقط على أثرها جثة هامدة. آنذاك كان باقي الجنود أنهموا على من تبقى من الرجال، صُدم ياسين إذ لم يجد أي أثر لصغاره، ولكن وجد شيئًا آخر. أقترب عثمان منه مهدئًا إياه وهو يقول في جمود:
ياسين المجرم دا طالبك بالاسم، عشان كدا محدش قرب منه...
حملق ياسين في الرجل وقد اشتعل أتون النار في قلبه أنقض عليه يهيل له اللكمات دون رحمة، وهو يصرخ في جنون:
العيال فين انطق، وربنا ما هرحمك....
أبعده عثمان عنه في صعوبة، وهو يقول:
يا ياسين سيبه شوف الأول هيقول إيه، العيال في أيديهم دلوقتي ممكن يعملوا فيهم أي حاجة.
ابتعد ياسين عنه، موليًا ظهره للجميع يلتقط أنفاسه اللاهثة، يمسح براحته رأسه نازلًا بها إلى وجهه، ثم التفت له قائلاً:
العيال فين؟
نهض الشاب في تثاقل وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة التي على شفا التلاشي، ثم أخرج من جيبه ورقة مطوية مد يده بها له، تناولها ياسين في حيرة وتعلقت كل الأنظار فيه بترقب كان على وشك قراءتها حينما دوى صوت إطلاق النار، ليرفع ياسين رأسه محلقًا في صدمة للشاب الذي أهداه الورقة جثة هامدة على الأرض إذ أطلق الرصاص على نفسه مصيبًا رأسه.
أعاد ياسين النظر إلى الورقة، وانتقلت عيناه بين حروفها التي كادت أن تصيبه بالشلل فقد كان فحواها:
"ماذا؟! هل فكرت أني لن أعلم بأجهزة المراقبة في حوزة الصغار!؟ غبي يا ياسين لقد فاق عقلي توقعك يا بن الشرقاوي، يؤسفني أنك لم تجد شيئًا، ولن تجد يا هذا إلى اللقاء، ولكن لا تقلق ربما عما قريب يرق قلبي لأعيدهم من يدري وربما لأ أيضًا."
جز ياسين على أسنانه وهو يكور قبضة يده على الورقة، ليأخذها منه عثمان قارئًا ما بها في غضب، ولم يلبثوا إذ غادروا.
في مكانٍ آخر بالتحديد خارج مصر في تركيا، لم يكن الأمر عاديًا. منزلاً كبير لا تدري بدايته من نهايته، ذات أساس فخم، وألوان هادئة، حديقة رائعة منتشرة بها أزهار شتى، تحيي ألوانها الأفئدة وتبدد ظلمتها، محاط بأسوار عظيم شامخ، ورجالٌ جمة تنتشر خارجة وداخلة برشاشات في أيديهم، من يراهم يدب الرعب بأوصاله، ولظن أن الحرب ستقوم لا محالة. في الردهة كان يجلس في هيبة حوله الرجال في انتظار إشارة منه وأمامه يجلس آخر منكمشًا في نفسه، يُكاد يشيب من فرط خوفه ومع ذلك يبدو ثابتًا. تحدث الرجل وهو يجلس على مقعده في رزانة:
لقد تم ما أردته وأكثر! الآن ستدلني بكل المعلومات عن مصر.
مال للأمام مشيرًا له في تحذير عينيه تبث الرعب في الوجدان:
ولا تنسى أنا فقدت عملت ذلك من أجل ما فعله المرحوم والدك معي وإذ فعلت ما لا يروق ليّ أنتَ أعلم ما سأفعله.
ارتعد جسده لا إراديًا تذكر حينما جاء لأول مرة، لقد رأى ما جعله يود لو تنشق الأرض وتبتلعه قبل أن يطأ بقدميه في هذا الجحيم.
كان يدخل من البوابة الحديدية برفقة الرجال وإذا به يقف مصدومًا حينما رأى شابًا في عمر العشرين في لمحة عين يخرج نصلًا حادًا ويلقيه باحترافية وعن بعد في عنق إحدى الرجال لتفصل رأسه عن جسده، وتبسم الشاب الذي تناثرت الدماء عليه وهو يقبل نحوه ملتقطًا نصله الحاد من الأرض، وقال مرحبًا:
أوه هذه أول مرة يشرفنا فيها مصري في بيتنا.
أذرد لعابه في خوف، هل هذا حقًا قد ذبح إنسانًا توًا؟ ما باله يتبسم بارتياح وكأن شيئًا لم يكن.
فاق من شروده في الجثمان المُجَسّى أرضًا على صوت الشاب الذي قال وكأنه قرأ ما يفكر به:
يا رفيق لا تشغل بالك كان يستحق ذلك.
استدار برأسه للجثمان، وقال في صوتٍ كالفحيح:
هذا جزء الخائن، لقد وثقت به وطعنني لذلك أخذت حقي.
عاد ببصره له مرة أخرى مصافحًا إياه في بسمةٍ متسعة:
أراس جومالي يا هذا، وأنت؟
فاق من شروده على صوت أراس المقبل ملثمًا كف والده جومالي في احترام جم:
لا تنسى يا هذا لولا أن حذرتك بشارة الترقب لم تكن لتنجح.
أنهى جملته وهو يلقي بنفسه على الأريكة فارداً ذراعيه على ظهرها في استرخاء، ليومأ الرجل المصري تباعًا في خوف:
أجل، أجل لولاك لما كانت خطتي نجحت.
هُنا وصاح السيد جومالي في حسم وهو ينهض:
انتهى النقاش عليَّ المغادرة، سيصلك اسمك الجديد ويوم عميلتك حينما يحين الأمر، تفضل.
أشار له بكفه لينصرف، فوقف ولا يكاد يصدق، كشخص قد تم نجاته من الشنق أنفًا، هرول مسرعًا.
ليلتفت أراس إلى والده وهو يدلك رقبته قائلًا:
هذا الرجل لا يروق ليّ، لماذا تفعل عداوة مع مصر نحن لا نريد ذلك، ألا يكفي ما نحن فيه؟
تحدث والده في برود وهو يغادر:
أنا أفعل ما شئت يا بُني، ليس لك شأن في هذا.
تنهد أراس وهو يميل للأمام واضعًا وجهه بين كفيه في هم:
وما الذي ليّ شأن فيه يا أبي، حياتي وقد أنهيتها حينما أدخلتني في هذا العالم الذي كُنت مجبورًا عليه قسرًا، لقد جعلت أخي يتركنا ويرحل ماذا تريد أن تفعل بنا أكثر من ذلك، سامحك الله.
تنهد في ألم وهو يلتفت لمن هتف له محادثًا إياه وهو ينحني مقدمًا له الحاسوب:
سيدي … كل ما طلبته قد نُفذ، وأتضح أنه يخطف صغار بينهما فتاة تكبرهم سنًا، كما أنهم أحفاد لمار.
نظر له أراس في تعجب ودهشة، فـ أومأ الشاب بعينيه متابعًا:
لمار الشرقاوي أكيد تعلم من تكون؟!
جذب أراس منه الحاسوب وهو ينهض منصرفًا دون كلمة، مرتقيًا الدرج شبه راكضًا، ليقطع الرواق في خطوات سريعة، حتى ولج إلى غرفته جالسًا على فراشه، مربعًا قدمه اليسرى أسفله والأخرى متدلية. ونقر عدة نقرات على الحاسوب قبل أن تظهر له صورة خديجة والصغار من حولها يكادوا يلتصقون بها على قدميها أروى الشبه متغيبة، تمسح على رأسها في حنو، وفي صوتٍ رخيم يسلب الألباب كانت تتلو خديجة آيات القرآن الكريم، فاستمرت عيناه عليها، لم يشعر بدمعه الذي انساب لا إراديًا يهوي هويًا إلى وجنته، وخفق قلبه متأثرًا، وقد فعل صوته المرتل الأفاعيل في نفسه، رويدًا رويدًا لم يشعر بنحيبه الذي علا. وفي حركة سريعة كان يغلق الحاسوب في عنف، ملقيًا إياه عرض الحائط ليقع متناثرة شظاياه، وازاح دمعته بقوة وهو يتنفس في سرعة وكأن ثمة وحشًا يلاحقه، عيناها التي لم يرَ غيرهما لم تبرح مخيلته، صوته قد بث الراحة لفؤاده لدقائق، هل بكى؟ أحقًا بكى؟ هل لشيطان مثله أن يبكي؟ هل رق قلبه لوهلة؟ ألا يذبح ويقتل ويفعل ما لا يخطر بقلب بشر أن يبكي لسماعه القرآن؟ مجرم مثله فقد قلبه الرحمة وانتزعت لا يحق له ذلك!
كان ما زال على حاله، الدقائق تمر دون أن يشعر بها، كأنه في عالم آخر، عيناه تأبى أن تنزل دمعها الذي يترقرق بها، قد تقرحت عيناه، وقر صوتها المرتل بالقرآن في قلبه، لا يشعر بأنفاسه التي تخرج في صعوبة وسرعة وكأنه في سباق، وما بين كل ذلك على حين غرة شقت بسمة خبيثة محياه، لينهض مغادرًا الغرفة، نازلًا للطابق السفلي في تعجل، خارجًا من المنزل، متوجهًا صوب مجموعة من الرجال، وقبل أن يصل إليهم كان أحدهم يقترب منه شبه راكضًا، هامسًا في تلعثم من نظرة الغضب بعينيه:
أراس أنت بخير؟
لم يجيب على سؤاله وإنما قال في نبرة حادة لا تخلو من الهدوء:
نجيب … أرسل رسالة إلى المخابرات المصرية بعنوان الصغار.
عقد "نجيب" حاجبيه في تعجب، وما هم بتحريك شفتيه حتى قاطعه "أراس" قائلًا وهو يوليه ظهره مغادرًا:
أفعل ما أخبرتك به، وأياك أن يعلم أحد بهذا!
عاد للمنزل مجددًا آخذًا معطفه مرتديًا إياه وهو يخرج من المنزل، ليتبعه رجلان ما أن شعر بهم حتى زفر في ملل ووقف قائلًا لهم:
لا أحد يأتي ورائي!
طأطأ الرجلان رأسهما في صمت، فتنفس في ضيق وهو يسير في سرعة وهم خلفه، لاحظ خلو الطرق من المارة، ليحادثهم بعينين تدور في ذهول للطريق الخالي:
أين الجميع يا بُني؟ لماذا لا أرى أحد؟!
نظر الرجلان لبعضهما قبل أن يجيب أحدهما:
ثمة مباراة اليوم ولا بد أن الجميع هناك يا أخي.
تبسم "أراس" باتساع وأستمتاع وهو يغير طريقه نحو ساحة المباراة، وجد بالفعل جميع الرجال هناك شبابًا وكبارًا، ما أن أبصروه حتى وقف الجميع مفسحون له الطريق، ومنهم من اقترب مصافحًا إياه في حماس خلع معطفه ليضعه جانبًا وانضم لإحدى الفرق من الشباب، وازداد لهيب الحماسة في وجوده، صياح عال وقهقهات عالية دارت، كان يريد أن ينسى لو قليلًا ما يمر به، ولكن حتى أن تناسى لبعض الوقت فهو سيعود مجددًا لتلك الحياة التي يبغضها، لا محالة للفرار من هذا الطريق، لقد وقع فيه ولا يمكن أن يخرج، تلك الحفرة عميقة للغاية وقد التهمته التهامًا هو هالك لا محالة لا يوجد نجاة مهما طال عمره.
وصل للمار رسالة بمكان الصغار، كان مضمون الرسالة مبهم، من يساعدها وكيف على علم بكل ذلك. لم يكن ثمة وقت لتشغل بالها بمثل هذه الأفكار، كان عليها أن تنقذ الصغار، وستعود للتفكير على مهل فيما بعد. أرسلت قوة مرة أخرى برفقة ياسين وعثمان، ولكن تلك المرة كان المكان بعيدًا جدًا بالتحديد في الجبل. جلس الصغار مفترشون الأرض في إحدى الكهوف، كان قد حل الليل، لم يدروا كم الوقت، ينتظرون ما سيحل عليهم من هؤلاء المجرمين، لا يدروا لماذا نقلوهم إلى هذا المكان المخيف. كان يغشاهم الصمت، أما إذا زاد الخوف بفؤاد خديجة أسرعت لمناجاة ربها تتلو ما حفظت من القرآن ليؤنسهم، حتى اخترق سمعهم صوت إطلاق النار فنهضوا في خوف جميعًا، وعلى عجل كانت تضمهم كـ الحصن المنيع، عيناها متعلقة على مدخل الدخول، ربما كان الموت قريبًا. صراخ الصغار كان ممزوج بصوت إطلاق النار الذي كان كـ وابل من المطر، وبغتةً دخول أحد الرجال مسلحًا لتبتعد خديجة بالصغار للخلف حتى التصقوا بالجدار. انطلق الرجل صوب خديجة يود انتشال أروى من بين يديها ألا أنها احتضنتها بكل قوتها صارخة فيه أن يبتعد. دلف ياسين ليبصر الأمر وأطلق رصاصة أصابت قدم الرجل، فركض الصغار ناحية ياسين بينما جذب الرجل ملك، وألقى السلاح من يده واستل نصلًا من جيبه، مبتسمًا في نبرة متهمة قائلًا وهو يضغط بالسكين على عنق ملك التي تبكي في خوف:
سيب السلاح من أيدك ولا هقتلها.
أومأ ياسين وقد بلغ الخوف ذروته في قلبه، بدأ ينزل في حذر ليترك السلاح أرضًا بينما يمناه يرفعها في وجه الرجل كأنه هكذا يمنعه عن أذيتها. تمتم ياسين في تمهل:
سيبها أنا سبت السلاح، هتكسب إيه دي طفلة؟! سيبها وأوعدك هساعدك تاخد حكم مخفف.
نظر في عين ملك التي ترجوه بنظراتها أن ينقذها، في حين تسلل حمزة في حذر أثناء انشغال الرجل مع ياسين، وسار خلفه وباغته في ضربة في قدمه أدت إلى تقهقر لا إراديًا كان السكين يسبب جرحًا عميقًا في عنق ملك. أسرع ياسين إليه ممسكًا بذراعه يهيل إليه اللكمات والضرب المبرح، لتسقط ملك أثر ذلك من على ذراع الرجل على وجهها تسبب في شج جبينها، لتشهق خديجة في فزع واضعة يمينها على شفتيها وعيناها معلقة على نظر ملك التي غابت عن الوعي، في حين ظلت أروى تتشنج وتصرخ حينما رأت الدماء تسيل من ملك. بالخارج تم القبض على الرجال ليكتشف عثمان نفق تحت الأرض ممتلئ بالسلاح، بسبب مداهمة الشرطة على غفلة من أمرهم لم تسنح لهم فرصة فرار أو مواراة شيئًا.
ما قد يصيب مالك؟ من ذاك المجهول المصري؟ وما عداوته معهم؟ لماذا يريد أذية ياسين بالتحديد؟ لماذا ساعدهم أراس وما الفائدة من ذلك؟
انتظروا أحداث نار قادمة من جحر الشيطان.
رواية جحر الشيطان الفصل الثالث 3 - بقلم ندي ممدوح
ما زال للعشق بقية.
قال رجل لذي النون وهو يعظ الناس:
يا شيخ، ما الذي أصنع؟ كلما وقفت على باب من أبواب المولى صرفني عنه قاطع المحن والبلوى.
قال له:
يا أخي، كن على باب مولاك كالصبي الصغير مع أمه، كلما ضربته أمه ترامى عليها، وكلما طردته، تقرب إليها، فلا يزال كذلك حتى تضمه إليها.
تجمع كل آل الشرقاوي في المشفى في انتظار أن يطمئنهم الطبيب على ملك.
كان حذيفة يزرع الممر ذهابًا وإيابًا، القلق ينهش قلبه، يود أن يمر هذا الوقت سريعًا، ولكن كما العادة الوقت لا يمر على قلوب أنهكها الخوف من الفقد. قلوبٌ فارغة من كل شيء في انتظار كلمة قد تُحييها وقد تميتها أيضًا وتدفنها تحت الثرى وهي حيةٌ تُرزق.
وعلى المقعد أسندت أسماء رأسها على كتف سمر التي لفت ذراعها حولها تبث لها السند علها تطمئن.
الدموع لا ترقأ من عيناها، الزمن توقفت عقاربه على لحظة رؤية ابنتها هكذا. هل ستخرج حية؟ هل ستراها مرة أخرى؟ هل ستضمها لصدرها؟ هل ستعود لها ضحكتها وفرحة أيامها؟
بجوارها كانت تجلس سجى وهي تحمل ابنتها أروى التي مشخصة العينين. منظر ملك لا يبرح مخيلتها كالوشم ظل في بالها لا يغادر.
ضم يوسف أحفاده لصدره كأن هكذا يطمئن قلبه أنهم بخير، بأمان. لقد عادوا.
بجواره كان فيكتور يربت على كتفه يطمئنه، يُطيب خاطره بأن ملك ستكون بخير.
أسندت خديجة رأسها إلى الجدار الموازي لغرفة العمليات التي بداخلها ملك. عمرو يحاوط كتفها، يحاول أن يروح عن نفسها، ولكن كيف؟
أما لمار فكانت تهز قدميها في توتر، تملك الهلع من فؤادها وسحقه، لا سيما كل أحفادها أغلى من أبنائها. لن تستطيع هي على فقد أحد آخر.
أسندت رأسها إلى الجدار خلفها، مغلقة العينين، محادثة نفسها في ألم شديد بما ألَم بها:
أشتاق إلى نفسي، أن أجدها، أجل نفسي القديمة التي تحيا في هدوء وراحة وليست حياة كلها قلق من الفقد والخذلان، ليست حياة يحوم حولها الموت وأنا أنتظر وأشاهد من يأخذ من أحبتي قبلاً.
فتحت أجفانها على سماع صوت الطبيب الخارج من الغرفة، ليهرعوا جميعهم نحوه في ترقب.
فبادر الطبيب قائلًا بعينين تدور في وجوههم:
الحمد لله الحالة بخير ولكن الجرح سبب مشكلة...
اذدردت أسماء لعابها وهي تسائله:
مـ... مشكلة إيه؟
صوب الطبيب بصره عليها وهو يجيب:
لقد فقدت النطق.. ولكن مع الوقت ممكن يعود لها… أهم حاجة تحاولوا تنسوها اللي حصل، السلام عليكم.
أنهى جملته مستأذنًا وهو يربت على كتف يوسف الذي تبسم له مفسحًا الطريق ليمر.
خر حذيفة ساجدًا يحمد ربه على نجاة طفلته، بينما انفجرت خديجة باكية في سعادة. أما أسماء فلم تستقبل كلام الطبيب برضا. شلت أطرافها ووميض من الذكريات شع في مخيلتها وصدى صوت قرة عينها ضج في ذهنها بقوة. ألن تسمع صوت صغيرتها مجددًا؟ هل ستحرم من ضحكتها التي كانت تزهر فؤادها؟
استدارت جالسة على المقعد بقلب كظيم يتلظى. لاحظ حذيفة ما حل بها، كان قد انتهى من سجوده لله، فأقبل نحوها، باسم الثغر، مشرق المحيا، وقال:
حبيبتي ملك بخير. قولي الحمد لله أن متصبتش بأذى وأنها جت في فقد النطق بس.
ردت أسماء من خلف دموع عينيها وهي مطرقة في عدم استيعاب:
مش هسمع صوتها تاني! مش هتناديلي بـ ماما! مش هسمع ضحكتها، مش هتناديلي نلعب ونذاكر سوا.
ربط حذيفة على كفها الذي بين يديه، وقال وهو يضم رأسها إليه ملثمًا جبهتها:
قولي الحمد لله. هتخف مع الوقت بإذن الله وهترجع ضحكتها تنور دنيتنا. أهم حاجة أنها بخير دلوقتي يا بنتي.
أقترب ياسين ضاممًا إياه يبثها بالرضا قدر المستطاع. وألتف الجميع حولها ولم يذروها إلا حينما تبسمت ضاحكة في رضا.
بعد مرور عدة أيام كان الصغار قد نسوا ما حل، وعادت لهم روح الحياة من جديد.
جلست خديجة على مكتبها الخاص في حجرتها، يمينها ممسكة بقلم تنقر به على سطح المكتب في شرود تام، وعيناها محدقة بدفتر ذكرياتها. ظلت على هذه الحالة مليًا وقد بدأت الدموع تترقرق في عينيها وهي تتذكر حالة ملك وما حل بأروى. أطبقت أجفانها لتنساب دموعها في ألم جم، وانكبت على الدفتر، تدون به ما يدور بخلدها، ويعتمل صدرها. لا سيما هذا الدفتر كان مؤنس لوحدتها، رفيقها السرمدي. فكلما غلبها حزن هرعت للكتابة، وكأن القلم راحة الفؤاد، يهون عليه كل مر، ويشاركها أحزانها.
وراحت تكتب باسمة، محلقة في عالم آخر ألا وهو الكتابة:
الوجع لا يمر يظل أثره في الفؤاد ندبة لا تداويها الأيام، ويظل يؤلم الفؤاد لا هو يلتئم ولا يتركنا نحيا بسلام. أن تفقد نعمة من نعم الله تشعر حينها بالنقص، بالألم، ويضيق الفؤاد ذرعًا. هكذا كان حال ملك، صوتها الذي كان يملأ يومي فقدته بين ليلة وضحاها. هذا هو حال الحياة غير مستقرة. أنت الآن في حال وبعد قليل في حال آخر ولا ندري لماذا هذه الحياة لا تستقر؟ لماذا تهدينا أوجاع لا صبر لنا عليها؟ يتألم قلبي يا ملك لحالك ويفيض قلبي شوقًا لسماع صوتك، وتحن روحي لضحكتك تشرقها وتبهج أيامي. أعذريني يا حبيبتي أعذريني لم أستطع فعل شيء لكِ، ولكن يسعدني جدًا رضاكِ على هذا الاختبار بعدما حادثتك عن فضل الصبر. كنتِ وما زلتِ يا ملك ملاكًا أنتِ… بريء جميل لطيف عزيزة أنتِ. وآه من قلبك الراضي يا ليتني أملكه، أملك صبرك وحلمك ورضاكِ. آهٍ وآهٍ يا أروى ابنتي الصغيرة التي لم أنجبها. لا تتعجبي، لا غرو منذ نعومة أظافرك وأنا من أهتم بكِ من أجل سجى، لذلك أنتِ طفلتي. هذا الرهاب الذي أصابك من الدم والصدمة سيمر. هذا الوقت سيمر يا صغيرتي. العائلة هي كل شيء، يا ليت الجميع يعلم ذلك.
استغرقها الكتابة ولم تشعر إلا وصوت أمها يناديها قائلًا في اهتمام:
خديجة… ملك هنا.
همت خديجة بالرد عليها، إذ فُتح الباب وطلت ملك من خلفه، لتستدير خديجة بالمقعد بعدما أغلقت الكتاب وقد ذرت القلم على آخر صفحة كانت تدون بها. فتحت ذراعيها مغمغمة في نشوة:
ملكووتي… تعالي.
ركضت ملك إليها معانقة إياها. ولم يمكثوا طويلًا وانضم إليهن أروى ولمياء. كانت خديجة عازمة على بث الصبر في أفئدتهم، تسرد عليهم قصص الصحابة، ليتناسوا ما مروا به.
كان يجلس زين خلف مكتبه، منكبًا على بعض الملفات في جهد. تلقى رسالة على هاتفه كان فحواها غريب ومحير، إذ كان مضمونها:
لقد عدت يا زين، وأقسم أني سآخذ روحك، حتى إذا كان على حساب روحي، فسآخذها بأي مقابل وأي شكل. سأحول حياتك إلى جحيم أنت وعائلتك.
طرف زين قليلًا وهو يعيد قراءتها، ثم هز رأسه في حيرة، ولم يلقِ لها بالًا، لذا وضع الهاتف جانبًا وانكب صابًا جُل اهتمامه في الأوراق التي أمامه.
بينما هو مشغولًا إذ طُرق الباب ليرفع رأسه وما هم بالسماح للطارق حتى فُتح الباب ودلف منه شخصًا لم يتعرف عليه فـ رمقه في حيرة، وهو يهب غاضبًا، صارخًا فيه:
من أنت يا هذا؟ وكيف تدخل مكتبي دون استئذان؟
تبسم الرجل وفك أزرار جاكته وجلس في أريحية وهو يتمتم وعيناه تدور في المكتب بازدراء:
ذوقك بالألوان لا يروق ليّ.
ثم تنهد وهو يلتفت له بينما زين يطالعه مزهولًا، قال الرجل وهو يضع قدمًا على الأخرى في حركة تدل عن معرفته بقدر ذاته:
لطالما لم يروقني أي شيء خاص بك حتى أنت نفسك. المهم لم تعرفني، أليس كذلك؟
رمقه زين بحيرة وهز رأسه نفيًا وهو يجلس مسندًا بمرفقيه على المكتب:
لا، لم يزدني الشرف بعد. من أنت يا هذا أجبني.
قال آخر جملته في حدة وهو يطرق المكتب ويطالعه شزرًا.
فتبسم الرجل قائلًا في هدوء:
الأحسن أن لا تعرفني، والأهم أنك يستحيل أن تعرفني إلا إذا شئت أنا بذلك.
نهض قائمًا ومال برأسه على زين وكفه مستندة على المكتب:
إلى اللقاء لأننا سنلتقي كثيرًا بعد الآن.
غمز له وحثا للخارج سريعًا قبل أن يسمع رد زين الذي أعترى قلبه القلق، وأمسك هاتفه سريعًا مجريًا اتصالًا لصديق له شرطيًا.
تناهى إلى سمر التي كانت جالسة تطعم شيماء وحمزة قرع الباب، فوضعت الطبق من يدها وهبت واقفة في سرعة، على علم مسبق بالطارق. فتحت الباب لترحب بمكة بمصافحة وعناق طويل.
تمتمت سمر وهي تحتضنها:
جدعة يا بت لما سمعتي كلام وجيتي. ميبقاش اسمي سمر إذا ما خليته يلف حوالين نفسه!
ابتعدت مكة وهي تجيبها مترددة مرتبكة:
بس خايفة حاجة تحصل، ويكتشف أن كل ده خطة مننا؟
دفعتها سمر بخفة في كتفها وهي تتمتم في غيظ:
ياختي يولع. هما عياله ولا مش عياله؟
ثم استدركت قائلة وهي تحدقها بنظرة حادة:
هيكتشف إزاي يعني؟ ها؟ الموضوع هيفضل بيني وبينك بس يا ماما. يا اختي تعالي أدخلي نتكلم جوة يلا وفكِ كدا.
دلف وتبعتها مكة وهي تفرق في كفيها. ما إن أبصرها حمزة حتى نهض سريعًا وأقبل إليها مصافحًا إياه في أدب وقال:
عاملة إيه يا خالتوا طمنيني؟
داعبت مكة خصلاته وهي تجيبه في محبة:
الحمد لله يا نور خالتوا. أنت عامل إيه يا حبيبي؟
استمعا لصوت سمر الصائح:
يا عم قعدها الأول وبعدين اسألوا وتوحشوا براحتكم. قال يعني ليكم سنة مشفتوش بعض؟
هز حمزة كفه ضاحكًا لمكة التي قهقهت لطريقة سمر في الحديث وجلست بجوارها بعدما أخبرت سمر حمزة أن يأخذ أخته ويلهو سويًا بالغرفة، فـ امتثل لها فورًا في احترام، وأخذ اخته شيماء ومضيا للغرفة. فـ ألتفتت مكة إلى سمر وتساءلت بما يؤرقها:
أنس هيجي ولا لأ؟
نفت سمر مشوحة بكفها في امتعاض:
لا ياختي مش هيجي فـ اطمني وخدي راحتك كدا. … ونفذي اللي قولته ليكِ.
زمت مكة شفتيها في رجاء قائلة:
متأكدة إن مش هتحصل مشكلة؟
ربطت سمر على منكبها في تشجيع بيّن وغمغمت:
متأكدة. توكلي على الله. يلا.
أومأت مكة وأخرجت هاتفها وهمت بالاتصال على عثمان ألا أنها لغت وهي تحرك رأسها قائلة:
لا، لا، لا مش هتصل هستنى هو يتصل...
ما كادت تنهي جملتها حتى علا رنين هاتفها معلنًا عن اتصال من عثمان، فما أن أبصرت الاسم ارتعتشت يديها وأنزلق الهاتف في حجرها. ألا أن سمر شجعتها، فجذبت الهاتف وردت عليه وهي ترتعد خوفًا وقلقًا:
أيوه يا عثمان.
صاح عثمان فيها متسائلًا:
أنتِ فين وسايبة العيال لوحدهم؟
صمتت مكة لبرهة تستجمع أطراف شجاعتها وغمغمت في ثبات:
عثمان سمر تعبانة وأنس مكنش موجود ومش هيرجع أنهاردة من شغله فبالتالي هي اتصلت عليّ لأن أسماء في المستشفى وسجى وأنت عارف فمفيش غيري. إيه أسيبها تموت يعني وأرجع؟
لان صوته وهو يبادر في قلق:
لا لا مش أقصد، طب هي كويسة؟ أجيلكم نوديها المستشفى؟
نفت مكة متشدقة:
لا أصلًا في طبيبة جت وادتها علاج وطمنتني عليها، بس هبيت معاها أنهاردة.
انتفض عثمان قائلًا:
نعم ياختي تبيتي؟
أجابته مكة مؤكدة:
أيوه يعني هسيبها لوحدها مثلًا.
- طب والعيال؟
تبسمت مكة في انتصار وهي تقول:
آه صح خلي بالك منهم. شوف على الساعة أربعة كدا في درس رياضيات لمياء جهزها وحل معاها الواجب ووصلها. أم معاذ فأقعد ذاكر معاه. ومتنساش أول ما يرجعوا تغسل هدومهم وتروق أوضتهم. آه صح افتكرت خليك مع لمياء لحد ما تنام أوعى تسيبها أو تطفي النور عشان بتخاف. بالليل هتصحيك كذا مرة عشان تدخل الحمام تونسها يعني.
كان عثمان تدريجيًا تتوسع عيناه ويرمش في عدم فهم فاغرًا فاه من الدهشة وما هم بالاستفسار حتى قالت مكة:
سلام دلوقتي عشان أشوف سمر لو عايزة حاجة كلمني. مع السلامة.
أغلقت فورًا وهي تنفجر ضاحكة، تضرب كفًا بكف وبجوارها سمر لا تصدق أنها فعلتها.
بدأ يفعل كما قالت له مكة مرغمًا، راح يذاكر لهما، ملك تارة ومعاذ تارة أخرى. كان كل شيءٍ جديدًا، لم يعتاد هو كل ذلك، كان يشعر بثقل على قلبه. وبينما هو يذاكر لـ "معاذ" إذ جاءت "لمياء" واقفة أمامه صائحة في صوت مختنق بالبكاء:
بابا… أنت ليه مفكرتنيش بالدرس؟ أهو فاتني.
نظر إليها في تعجب ممزوج بالغضب من نفسه، كيف سرقه الوقت ولم يعرف موعد درسها، كيف فاتته هذه؟ يا الله كيف يرضيها الآن؟
أطبق أجفانه محاولًا الهدوء والثبات، ودنا منها وهو يقول:
حبيبتي بجد أنا آسف، أنا نسيت غصب عني.
أمسك بكتفيها برفق وجثى ليصبح في إزاءها وقُال في رفق:
متزعليش حقك عليَّ. أي رأيك أذاكرلك أنا الدرس اللي المفروض تاخديه أنهاردة.
كانت تضم شفتيها وهي تجاهد كي لا تبكي، وأبعدت كفيه في أدب جم وهي تتمتم في نبرة مختنقة لا تخلو من الاحترام:
لا يا بابا… خير إن شاء الله، أنا داخلة أوضتي، بعد إذنك.
نهت جملتها وأنصرفت من أمامه، مغلقة الباب خلفها، فنفخ في ضيق وهو يتنهد في قلة حيلة، ماذا عساه يفعل؟ ما كاد يستدير لـ معاذ، حتى أقبل في اتجاهه وهمس متبسمًا:
بابا أنا جعان!
صُدم حقًا صُدم وتلاشت الراحة من على قسمات وجهه، لا يدري ما يفعل. ليس على دراية جيدة بأمور الطبخ، إذًا ماذا يجب أن يفعل؟ رباه أرفق بحاله، تبسم له مداريًا امتعاضه، وقُال متصنع البهجة يمدح في نفسه:
ماشي وأنا كمان جوعت، هخليك تدوق دلوقتي أكل مأكلتوش من إيد ماما.
أومأ معاذ مصفقًا، لا يعلم بما يعانيه في قرارة نفسه، ولجأ إلى المطبخ وجلس معاذ على مقعد الطاولة متابعًا إياه بعينيه، بينما فتح الثلاجة على أمل أن يجد بها شيء فقط للتسخين، ألا إنه فرغ فاه حينما لم يجد شيئًا في الثلاجة، أذرد لعابه وهو ينظر إلى معاذ ولا يدري لما خُيل له نظرة شماتة بعينيه وهو يحثه على الإسراع في إعداد شيء. حسنًا إذا كان لا بد من أن يعد شيئًا سيعد.
بعد ساعة تقريبًا أنهى إعداد المكرونة مع بانيه، ووقتما بدأوا الأكل آنذاك بصقوه سريعًا في قرف بيّن، ونظر الصغيرين له بنظرة محتجة واجمة. ونهضت لمياء دون كلمة بينما ضم معاذ وجهه بين كفيه وهو يحرك كتفيه في قلة حيلة وردد:
شكلنا هننام من غير عشا، فينك يا ماما بس؟
وتنهد حامدًا الله ثم نهض مغادرًا إذ وقف قبل خروجه من المطبخ ملتفتًا برأسه قائلًا:
أنا هدخل أذاكر يا بابا متنساش أغسل الأطباق ولم الأكل. وكمان روق المكان ياريت، وقبل كل ده مريلة ملك موسخة ياريت تغسلها وتنشفها عشان هتروح بيها المدرسة.
أنهى جملته وغادر دون انتظار ردًا ألبتًا، تاركًا والده غارقًا في صدمته، مزهولًا مما قاله، ينظر في أثره محملقًا والدهشة لا تفارقه. حسنًا كيف سيفعل كل ذلك بمفرده؟ ياويله كيف ينتهي بالأساس، آه لماذا تعبت سمر في هذا اليوم بالتحديد، نفض رأسه مستغفرًا فيما ذهبت به أفكاره.
وراح يلم الأطباق التي حقًا كان الأكل فيها رديء للغاية، وجلاهم في صعوبة وهو يشعر بالتيهة. ما إن فرغ شرع في غسل ما يحتاجه للذهاب به إلى المدرسة وما أن نثرهم على الحبال، حتى رمى نفسه على أقرب أريكة وجدها في تعبٍ جم مما بذله، وما كادت عيناه تغفى حتى نهض ليوضب المكان، وتبسم في ظفر ما أن انتهى، وكرر قبل أن يخلد للنوم أن يطمئن على الصغار، ففتح الباب وجدهما قد غطوا في ثباتٍ عميق كُلٌ إلى فراشه، لا إراديًا وجد البسمة تشق ثغره، وللحقيقة هذه أول مرة يراهم فيها نائمًا، لطالما كان يعود ليلًا متأخرًا للنوم فقط ولربما رآهما قبل ذهابه للعمل. ساقته قدماه ليتوجه صوب فراش معاذ وقبل رأسه، يا الله كل ما يشعر به من ألمٍ وهم وتعب ومجهود قد مُحى من فؤاده. دثره جيدًا في الغطاء، وتوجه إلى فراش لمياء قبل وجنتها، وأحس فجأة بكفين صغيرين تلتف حول عنقه وصوتٍ رقيق يهمس في نعاس أذاب قلبه:
نام جنبي يا بابا عشان أنت وحشني.
نظرت إليه في أعين بريئة لامعة فوجد نفسه يستلقي بجوارها فرحًا مسرورًا، الحبور قد غمر قلبه انغمارًا، وسعادة لا توصف ولذة لم يتذوقها قبلًا، وجد حاله يتشارك الحديث معها، أخبرته عن افتقدهما له، فـ علم خطأه وكم فوت على نفسه نعمة كبيرة من الله بصحبتهما. نام هذه الليلة في راحة لم يعتادها قبلًا، وقد علم مدى خسارته ببعده عنهما طيلة الأيام الفائتة.
وتعجب كل العجب من بعض الآباء الذين يعاملون أبناءهم معاملة الأعداء، يضربوهم، ويخوفوهم، ويدعون عليهم ظنًا منهم أنهم هكذا يتعلمون. يشتد عودهم، لا يدرون أنهم يسببون كرهًا في قلوبهم وشعورًا بالفتور، ولا غرو للأبناء أن يجلسوا في حضرتهم وجلين، متوترين، على أعصابهم، يخشوا حتى التفوه بحرف. يا للعجب وأشد عجب، لا يدرون لذة النعمة التي أنعم الله بها عليهم.
هذه هي الحياة أغلب المرء يعامل أبناءهم معاملة جافة غليظة، يتسببوا بكره الأبناء، ولا يدركوا أنهم غارقين في لذة لا تعادلها لذة في الوجود.
استيقظ عثمان في صباح اليوم التالي على صياح حاد ويدًا تهزه في قوة، وصوتٍ منزعج، يهتف:
يا بابا ليه كدا، إزاي متصحناش للمدرسة؟
فرك عثمان عينيه محاولًا التركيز، وأطال النظر في معاذ، قبل أن يعتدل في جلسته، وقال:
هي الساعة كام؟
ثم تابع وهو ينظر بجواره إلى لمياء التي تململت في انزعاج أثر الصوت:
أختك نايمة يا بني واطي صوتك دا!
ضرب معاذ الأرض بقدمه وقال في عصبية:
أنا عايز ماما، إيه ده؟
أنهى جملته وغادر، لـ يزم عثمان شفتيه في استياء وهو يتمتم:
أعمل إيه بس يا ربي؟
شعر برأس لمياء توضع على قدمه مستلقية، وفي صوتًا رقيق، أردفت في رفق بانتقاء كلمات أكبر من سنها:
متعملش يا حبيبي، أنت عشان بعيد عننا فمش عارف عنا إيه حاجة وكأنك مش موجود. لا بتعرف إمتى بنروح المدرسة ولا إمتى حتى بنرجع، إمتى بننام وإمتى بنصحى وإمتى نقعد وإمتى نذاكر وإمتى نقعد مع خديجة تحفظنا قرآن وتحكيلنا سيرة الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم.
تابعت وهي ترفع رأسها قليلًا وتنظر في عينيه:
بابا واحنا أصلًا إمتى بنشوفك ولا بنقعد سوا. تعرف إننا أحيانًا كتير كنا بنفكر إنك مش بتحبنا بس ماما كانت بتقولنا أنت قد إيه بتحبنا.
لُجمت كلماتها قلبه، لعل توقف نبضه لوهلة، وربما نهشت كلماتها روحه كإنها وحشٌ مفترس. لماذا عُقد لسانه وتغرغرت عيناه دمعًا، ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، ود لو يتوارى من أمامها الآن، ربما تهذي فقط، حقًا تفضيله للعمل جعل طفليه يحسا بأنه لا يحبهم وهو الذي يذوب حبًا فيهما؟ يا حسرة قلبه على هذا الوقت الذي ضيعه بعيدًا عن هذا الفردوس الذي خُلق له، ومنه، وفيه. تنحنح بعد هنيهة لا يدري ما يقول، ولكنه همس في صدق:
لمياء… أنا بحبك يا جنة أبوكِ وأنتِ ومعاذ قد بعض، أنتوا حياتي أصلًا، بس يا بابا… بابا ظابط شرطة يعني غصب عني وطبيعي أغلب الوقت مش موجود ولكن.
أسترسل في وجه مستنيرًا وهو ينظر إليها في اهتمام:
من النهارده وعد مني مش هضيع لحظة في وقتي من غيركم.
صاحت لمياء مصافقة وهي تعانقه في حبور جم، وفجأة وكان كالإعصار يركض معاذ ليقفز عليهم معانقًا إياهم في فرحة.
وسلبًا لحظةً من العمر ربما لن تتكرر، وعسى الفرحة تغادرهم، فـ الحياة لا تظل على حالها، فما بين الثانية والأخرى حياة، ربما موت لشخصٍ وربما ولادته.
أبتعد معاذ مفركًا في كفيه في توتر مفعم بالارتباك وغمغم وهو ناكس الرأس:
بابا على فكرة احنا مفتتناش المدرسة.
رفع عثمان حاجبيه وقد ساور الشك قلبه، وقال في حدة:
أومال؟
إشارة لمياء بالصمت لمعاذ حيثُ وضعت سبابتها على شفتيها وهي تحذره بعينيها. ثوانٍ وكانت تتأوه إذ أن عثمان أمسك مؤخرة رأسها متمتمًا وهو يهزها:
مخبين إيه عليَّ ومش عايزة يتكلم يا قردة أنتِ؟
تملصت لمياء من بين يديه في صعوبة، وقالت متصنعة الغضب وهي تعقد ذراعيها:
ماما هي اللي قالت نعمل كدا، واصلًا لو مصحناش على المنبه ومن غير ماما فمستحيل العيال يروحوا من غيرنا لأننا كلنا بنروح سوا.
ذُهل مما صرحت به الآن، فقال وهو يردد بصره عليهما:
وليه ماما تعمل كدا؟
هزت لمياء كتفيها بعدم معرفة، بينما زم معاذ شفتيه وهو يهز رأسه لا يعرف.
لامست لمياء بسمة خبث بدت على علامات وجه والدها، فدقت فيه النظر ثم نظرت لمعاذ تحادثه بالحركات فكانت تحرك كتفيه تتساءل عما يخطط والدها، فحرك معاذ كتفيه صعودًا وهبوطًا بعدم معرفة. كان عثمان يتابعهم بعينيه في حيرة، وقد احتقن وجهه بالتعجب ما لهم يتحادثان بالإشارات هكذا؟
صاح عثمان غارقًا في دهشته ورأسه تدور بينهما:
إيه بتتكلموا بالإشارات كدا ليه انتوا خُرص؟
ضرب معاذ براحته مقدمة رأسه وهو يغمغم:
دي طريقتنا الخاصة في التواصل إيش عرفك أنت؟
نظر له عثمان في امتعاض، قبل أن يشير إليه قائلًا في خبث:
أقعد يلا هنا جنبي واسمعوني.
أنصاع له معاذ جالسًا بجوارهما على الفراش، وسرد لهم عثمان خططه.
_ كانت مكة تجلس على الأريكة في شرود بينما سمر تقوم بتجهيز الإفطار، منشغلة الذهن على صغارها، هذه أول ليلة لا تنام معهما، هذه أول مرة تبتعد ليلة كاملة، هل استطاع عثمان الاهتمام بهما كما يجب؟ استغرقها هذه الأفكار ولم تشعر إلا ورنين هاتفها يتعالى منتشلًا إياها مما استحوذ عليها من أفكار لا جدوى منها في لهفة وقلب ينبض بالشوق هبت واقفة لتركض تجاه الهاتف الذي كان في إحدى الغرف، لتجيب سريعًا في أنفاس متهدجة:
الو، عثم...
ما كادت تكمل اسمه حتى أتتها صرخته منتزعة قلبها من مكمنه:
ألحقيني يا مكة الحقي لمياء وقعت أنا… أنا مش عارف أعمل إيه ولا أتصرف إزاي؟
شهقت مكة في خوف اتسعت حدقتاها في هلع وهي تردد في عجل وتغلق:
أن… أنا جاية انتبه عليها.
دارت حول نفسها، غشاوة عينيها تحجب عنها الرؤية، كأنها تائهة لا تدري ما تفعله، تشعر بفؤادها ينصهر انصهارًا. أنقذها صوت سمر القلق:
في إيه يا مكة حصل حاجة؟
أجابته مكة والدموع تسبق كلماتها:
أيوه عثمان قلي لمياء وقعت مش عارفة بنتي جارلها إيه؟
ربتت سمر على كتفها في رفق:
متقلقيش خير إن شاء الله.
ساعدتها على ارتداء العباءة، لتركض مكة ومن خلفها سمر بدقائق.
لجت مكة إلى الشقة شبه لاهثة، ألا أنها صُدمت ما أن رأت الشقة معتمة بشدة، وكل الأنوار منطفئة. أذردت لعابها في رهبة وقد تسلل الخوف لا إراديًا إلى أوصالها، تركت الباب منفرجًا على مصرعيه، وسارت في خطوات متمهلة للداخل حذرة، وهي تهمس في خوف ورأسها تتحرك يمنى ويسرى لربما تبصر أحد:
عثمان، معاذ، لمياء، أنتوا فين؟
كانت تدرك أن لا أحد خرج من الشقة هكذا طمأنتها حبيبة. انتفضت للخلف برعدة شديدة أحتاجتها وهي تصرخ في ذعر ما أن غُلق الباب في قوة مصدر صوتًا قوي، ولاح إليها شبح عند الباب ذو وجه مخيف يسيل منه الدماء، بينما عيناه بيضاء يخر منها الدماء تحدق بها في رعب. سال دمعها وهي تتراجع للخلف بأقدام تشعر أنها قد شلت لا تقوى على الحركة، وقلب قد توقف لتوه. كان الشبح يقترب في بطء شديد أثار رعبها أكثر، ودت لو تصرخ وتستغيث بأحد ولكن لسانها قد عُقد. استمعت لصوت صراخ لصغارها فألتفتت بعشوائية حولها، حتى دنا الشبح أكثر فتخشبت في مكانها وأستشعرت بيدين تتلامسها في طريقه مرعبة، لا ليس يد بل أيدي جمة تتلامسها، صرخت بصوت عال وهي تحاول الفرار حتى جاء الضوء ووقع الصغار أرضًا في نوبة ضحك، وخلع عثمان القناع الذي كان على وجهه وهو يمسك ببطنه ويقهقه، بينما نظراتهم هي في وجوم، لا تصدق أنهم فعلوا ذلك. هتفت مكة في غضب كاد يحرقها:
انتوا ازاي عملتوا كدا؟ أنا كنت هموت من الخوف!
توقفوا عن الضحك ليطرقوا الصغيرين رأسهم في أسف، وأقترب منها عثمان فما أن هم بأمسك ذراعيها حتى انتفضت مبتعدة قائلة في تحذير:
أياك يا عثمان.
نفخ عثمان في ضيق وتمتم:
دا مجرد مقلب يا مكة عشان كدبك امبارح متكبرهاش بقا.
لم تعيره أي انتباه كان قلبها أبيًا أن يسامح، نظرت إلى صغارها في عتاب فركضا محتضنا قدميها وهم يتمتموا:
متزعليش يا ماما بابا هو اللي أجبرنا نعمل كدا.
متزعليش مني يا ماما أنا آسف.
حركت مكة كفيها على خصلات كُلا منهم وغمغمت في بسمة هادئة:
خلاص حصل خير تعالوا اقعدا مع خالتوا سمر تحت، عشان تشوفوا جدو يوسف وتقعدوا معاه.
أخذت صغارها ونزلت في حين بقى عثمان يزفر في خزى وضيق من نفسه.
وما أروع الحياة حينما تهدينا شخصًا يُعلمنا كيف نحافظ على بعضنا بعضٍ، يحثنا على الاهتمام بأحبتنا، يعلمنا معنى أن نحافظ على أواصر الألفة بيننا كلا تنقطع ولا تدبل. هنيئًا لمن وجد شخصًا كهذا يكون دواءً من ندبات الحياة، وخليلًا للعبور في كل السبل لا يترك اليد ولا يرخي الوثاق، يظل مرشدًا للطريق، شخصًا إن غيرته الحياة لا يتغير معك، منارةً من ظلمة الحياة الحالكة، وبلسمًا للفؤاد المكلوم لعله يبرأ. يتمحور هذا الشخص في خديجة ويوسف، الذي لم يكن جدًا للصغار، بل كان رفيقًا للدرب، يجلس ويلهو معهم طيلة الوقت، يعلمهم كيف يحبوا بعضًا ولا يحقدوا على أحد، لطالما ضرب لهم أروع الأمثلة، في علاقته هو وفيكتور، يسرد على مسمعهم تلك الأواصر التي نشبت في أنقى الصدف لتصبح أحلاها، فيكتور الذي كان على غير هدى فهداه الله وأسلم، فيكتور الذي كان النصف الآخر له، أو بالمعنى الأصح تؤم الروح وظلها الذي لا يفارق مهما فارق الأهل والصحاب والأحبة جمعاء. جلس الصغار حول يوسف يتمازحون ويلهون في جوًا بهيج، ربما تلك اللحظات لا تعود مجددًا، ربما تولي هاربة تاركة جرحًا غائرًا في سويداء الفؤاد، لا تداويه الأيام، ولا تمحيه السنين، يجوز لجرحًا جديد أن يستتره خلفه، تلك كلها أمورًا مستترة في ضمير الغيب لا يعلمها إلا الله، وربما غدًا أجمل، أو عما قليل تمسي أسوأ، ومع ذلك أنها الحياة حيث لا مفر ستعاني حتمًا، إن لم تعاني فأعلم أن الحياة تبغضك.
تلقى زين مكالمة هاتفية وهو نائم ليصحو على أثرها. مد كفه ملتقط الهاتف ودون أن ينظر ليرى اسم المتصل أجاب قائلًا في صوتٍ ناعس:
الو السلام عليكم.
رد الطرف الآخر السلام لينتفض في جلسته من أن علم هويته، أنه صديقه الظابط وبالطبع قد أتى له بكل المعلومات. قد فارق النعاس جفنيه وهو يستمع لكلمات الظابط التي كانت كالأسهم تنطلق على فؤاده مباشرة تكاد تصيبه قتيلًا، عيناه توسعت على آخرهما كيف حدث هذا؟ كيف عاد بالأساس.
حذره الظابط وأغلق وظل زين على حالته، إذ علا رنين هاتفه في يده ليجيب وهو يذرد لعابه في توتر مربك:
أنت عاوز إيه؟
أجاب الآخر في هدوء ونبرة لا تخلو من الحقد:
أظن قد علمت من أكون؟
ثم استرسل بلهجته الطبيعية:
عايز موتك يا زين وبما أنك عرفت فـ الانتقام هيبدأ من النهارده، ودع عيالك يا زين!
أغلق الخط فور انتهاء كلماته التي صعقت زين في رعدة قوية، ظل يصرخ ويهيل له الشتائم. جاءت عائشة ما أن تناهى لها صوت صراخه، لتقترب منه وهو يلهث وصدره يعلو ويهبط في منظر أرتابها:
زين؟ مالك في إيه؟ حاجة حصلت في الشغل؟
نهض زين في حالة جنون، يدور حول نفسه في منظر مخيف، وتساءل في نبرة مريبة:
العيال، العيال فين؟
حركت عائشة رأسها يمنى ويسرى في استياء من حالته الغريبة، التي لأول مرة تبصرها عليه، قالت في حيرة:
ما أنت عارف إن في الوقت ده أكيد بيكونوا في المدرسة!
ظل يتنفس في عنف لدقائق وهو يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، ليتنفس في انتظام رويدًا رويدًا ويرنوا إليها ممسكًا مرفقيها قائلًا في أعين زائغة خائفة مما أخبره به صديقه الظابط، لقد علم أنه إن نجى فهذا حفظ الرحمن حتمًا، قال في رجا متوسل:
عائشة، اسمعيني كويس جهزي الشنط عشان هننزل مصر أنهاردة، أنا هروح اجيب العيال.
أطالت عائشة النظر إليه في حيرة، ألم يكونوا ينون اليوم بالاحتفال بعيد ميلاد الصغيرين، فما باله الآن؟ وما أصابه؟
نظرت له في تيهة، وقالت في حيرة:
أنا مش فاهمة حاجة في إيه؟
سحبها إلى صدره في قوة يكاد يغرسها داخله، بكل قوته… وخوفه… وقلقه.
تسلل الخوف إلى فؤادها، حالته غريبة وهو أغرب يا ليتها تعرف ما حل به لن تنأى عنه إلا أن تعرف.
غمغمت عائشة وهي تضمه، خفقات قلبه تحت أذنيها تصارع الحياة:
زين حبيبي مالك إيه اللي حصل احكيلي؟
رد زين وهو يضم وجهها بين كفيه، خافيًا ما يستتر بين ثناياه:
اسمعيني لو رجعت أو مرجعتش هتخدي العيال وتنزلي مصر، وتقولي للمار تكلم ضياء هيفهمها كل حاجة تمام.
عبارته فطرت قلبها، الذي تصدع من خوفه، تدفقت الدموع بعينيها غير مطمئنة:
هو في إيه؟ ليه بتتكلم كأنك مش هترجع؟
تبسم زين وقال وهو يلثم جبهتها في ود:
أنا هعمل أي حاجة عشان تكونوا بخير، مش هسمح لحاجة تحصلكم. لو مت اعرفي إني بحبك. أختي أسراء أمانة عندك هي وسجى خلي بالك منهم متسمحيش لحاجة تحصلهم. أنا لازم أروح اجيب العيال.
هزت عائشة رأسها عدة مرات ممسكة بكفه في قوة ترجوه قائلًا وعينيها تتوسله:
لا مش هسيبك تمشي… عشان خاطري!
طمأنها قائلًا مرة أخرى وهو يربت على كفها براحتيه:
مش هسيبكم أنا دايمًا معاكم بس هروح اجيب العيال تكونِ أنتِ جهزتي الشنط.
تركها لتنهار أرضًا وبدل ملابسه في عجل، وقبل مغادرته ارتفع بكاء صغيرته كأنها تناديه، تطلبه أن يودعها قبل رحيله، فـ اتجه حاملًا إياها بين يديه ضاممًا إياها إلى صدره بحنو وبقلبٍ يفيض شوقًا من الآن. لثم وجهها الصغير، لتتبسم له وتلاعبه فضحك لها وهمس بجوار أذنها:
مهما فرقت السبل الأحبة سيأتي الأوان ويعودوا ويجمعهم القدر.
بكت الصغيرة ليخطف قبلة سريعة من وجنتها وهو يضعها على الفراش مغادرًا في عجل. كان الوداع مؤثرًا وانهم على دراية إنهم لن يلتقوا مجددًا، وتلك العائلة ستتلاشى. ثوانٍ وكان ينطلق في سيارته بسرعة جنونية، كاد أن يفعل على أثرها أكثر من حادث لكنه تفاداه. وصل المدرسة ودخل سريعًا شبه راكض متوجهًا صوب مكتب المدير ليعلمه أن أمرًا جلل قد حصل وعليه أخذ "وليد وإسلام" الذين حضرا بعد دقائق مزهولين. أمسك فيكتور بكف كلا منهما بيده في قوة يخشى أن يغيبوا عنه، استلقى السيارة وأنطلق ولاذ بالصمت لم يجيب عن تساؤلاتهم. تصاعد رنين الهاتف مع صياح الصغار رعبًا من تسرع السيارة، فقرر أن لا يجيب. ألا أن زاد الرنين مشوشرًا عقله الذي لا ينفك من التفكير، ليجيب وهو يذرد لعابه ما أن علم ماهية المتصل:
عايز إيه؟
لم يُجب أحد فهتف:
رنيت ليه قول؟ أنت عايز إيه أصلًا، رجعت من الموت إزاي وقدرت تعمل كل ده إزاي؟
استمع لتنهيدة عميقة قبل أن يأتيه صوت المتحدث قائلًا في أسف:
أنا لو منك مش هفكر وأشغل بالي بكل ده، هفكر إزاي هنجي نفسي وعيالي من الانفجار هو أنت متعرفش؟ مش في قنبلة في السيارة!
أنهى جملته وظل يقهقه في انتشاء مستمتعًا، في حين اتسعت حدقتا زين وهو يسمع لضحكاته تصم أذنيه، أسبل جفنيه مستسلمًا، وراح الآخر يقول من بين ضحكاته:
إياك بقا توقفها عشان لو وقفت بــــــــــــــــوم هتنفجر.
ضحك في انطلاق وقال في برود مخيف:
وآه متقلقش أنا هاجي أشوفك وأنت بتموت.
أغلق زين الخط في وجهه، وسار على غير هدى منطلقًا، أسودت الحياة في وجهه وتيقن أنها النهاية لا محالة. أدمعت عيناه وشريط حياته تمر أمامهما. بعد ربع ساعة بالتحديد كانت سيارة سوداء تسد طريقه ويقف متكئًا بظهره على باب السيارة رجلٌ ذو بدلة سوداء اللون بيده الهاتف الذي حدد موقع سيارة زين، وتبسم له وهو يلوح بكفه مودعًا وهو يحرك شفتيه قائلًا:
باي يا زين هخلص منك وبعدين على إخوتك وعيالك.
توقف زين بالسيارة مسبلًا جفنيه وشفتيه تهمس بالشهادة وعلى وجهه نظرة الرضا والراحة مستقبلًا الموت بصدر رحب، وفجأة كان الانفجار منطلقًا كالرعد، ويندلع الحريق محرقًا السيارة حرقًا، وتوقدت النيران تلتهمها التهامًا.
هل هذه النهاية؟ أم إنها فقط بداية النهاية؟
من هذا المجهول؟ ماذا يقصد زين بعودته من الموت؟
ماذا سيكون مصير عائشة؟
كل هذا سنعرفه في الأحداث القادمة من؟
جحر الشيطان.....إحنا لسه في البداية خالص الجد لسه مجاش 😂
سؤالنا الديني أنهاردة 🙈
ما أول هدية أُهديت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة؟
عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها)، قال: ثم أي؟ قال: (ثم بر الوالدين) قال: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) رواه البخاري ومسلم.
رواية جحر الشيطان الفصل الرابع 4 - بقلم ندي ممدوح
ما زال للعشق بقية.
يبقى أثر الذكريات في ركنٍ جميلٌ في القلب حتى وإن كانوا سُكانها غير موجُدين.
جلس الصغار يحفظون القرآن الكريم سويًا في غياب خديجة، فما أن فرغا، رفعت أروى عينيها فيهن قائلة في تذكر، مفعم بالحماس:
- انهاردة عيد ميلاد إسلام و وليد، تعرفوا؟ قالولي هنكلمك طول الليل عشان ندردش سوا، يارب يجوا عشان وحشوني اوي؟
تبسمت ملك في صفاء، فقالت لمياء في شغف:
- وأنا كمان وحشوني هما هيجو امتى؟
صرخة.. صرخة عالية شقت هدوئهم وهمسهم وهزت فروع الأشجار حولهم وفرت الطيور مزعورة، صرخة كانت تشي بكارثة حلت، هبت أروى مزعورة قائلة في زعر وخوف:
- دي ماما.
ركضت فور جملتها إلى الأعلى يتعقبها الفتاتين، كان يوسف يجلس في غرفتة قد جاء أنفًا من المشفى مبتغيًا الراحة رويدًا، ليتناهى له صوت صراخ سجى، فدون تفكير كان يهرع للأعلى في خوف وجدها تصرخ بهستريا بإسم زين والهاتف في يدها، أروى تقف على عتبة الغرفة تبكي لبكاءها، والصغار جميعًا تأثروا لذلك، بينما مكة تحاول معرفة ما بها.
قبل دقائق من الآن، كانت تستلقى على الفراش تشعر بالإعياء، ليرن هاتفها بنغمة زين المخصصة، لترد في شغف سرعان ما تلاشت فرحتها وهو يقول في صوت متهدج:
- سجى! سجى أسمعيني مفيش وقت قدامي..
هبت جالسة تتساءل في لوعة وجزع:
- زين؟! أنت بتقول ايه؟ مالك؟! ليه بتقول كده؟
ثُم أستطردت في دهشة وقلق:
- إسلام و وليد بيبكوا ليه؟ ايه الصوت دا في ايه؟
قاطعها زين هامسًا في محبة:
- سجى أسمعيني أرجوكِ، خلي بالك من نفسك، عيالي وأسراء أمانة عندك أنتِ وياسين خلي بالك منهم ومن نفسك، عائشة أنا عارف أنكم هتهتموا بيها، بس العيال أمانتك يا سجى متسمحيش لحد يأزيهم ولا يأزيكِ.
لاذت سجى بالصمت أنسابت دموعها متأثرة بكلماته التي فطرت فؤادها، لا تقو على تحريك شفتيها كأن لسانها قد عُقد، صوت ضجة عالية وصراخ وبكاء وأحتكاك سيارة نبئها أن ثمة أمر واعر، تمتمت من بين دموعها وهي تنتصب واقفة:
- زين … في ايه؟ أنت روحت فين؟ ليه بتقول كده؟ أنت بخير صح؟ العيال دول عيالي مش عيالك، زين أنت اخويا وابويا وصديقي وكل حاجة، أنا اه لقيت أهلي بس أنت كل أهلي انت واسراء قولي في اي انا خايفة.
تنهد زين في عمق وأجابها قائلًا وهو ينظر لمن وقف على مرمى بصره مستند على السيارة في إسترخاء وبسمة مظفرة:
- سجى مش هوصيكِ تاني العيال في أمانتك، قولي لــ للمار تكلم ضياء في أسرع وقت حياتك في خطر!! سجى يا بنتي اي نعم مفيش روابط جمعتنا بس تأكدت من يوم ما شفتك ان الروابط مش بالدم دي بالمحبة يا بنت عمري، هتفضلي الغالية يا أجمل صدف القدر....
إنفجار... دوى صوته مع غياب صوته المحبب، لتصرخ بصوت رج المكان رجًا، بإسمه، أخيها الذي لم يكن أخيها؟ أخيها الذي لم تجمعها معه أواصر دم فجمعتهما أواصر الألفة برباط متين سرمدي، رباط جعلها تدرك أن الحب ليس فقط بروابط الدم وأن أحيانًا كثيرة الغرباء يكونوا ملاذ وأهل حقًا، رباط أعلمها أن أواصر الدم لا شيء إزاء أواصر المحبةً والقلوب، القلوب دائمًا ما تعرف ساكنيها، هكذا دون إنذار، هي فقط تصحو من غفلتها ما أن ترَ ساكنيها، لتهفو الروح لهم ويسكن القلب مرتاحًا أمنًا.
أخذها يوسف في حضنة يحاول تهدئتها، الآن فقط أحست وعلمت معنى العمى، الآن فقط أسودت الحياة أمامها، فقد رحل نجمها الثاقب الذي كان يضيء عتمة أيامها، رحل تاركًا إياها جسدًا بينما الروح والقلب قد احترقا معه، ذهب مغادرًا دون وداع، وهو الذي كان يحاكيها صباحًا ومساءً ليطمئن عليها أحقًا رحل؟ رحل الذي ألقاه القدر لها مغيثًا، أمنًا، وسعادة، وسندًا، أرحل حقًا لن تراه مجددًا، لماذا تشعر بالضياع واليتم إذًا، قد ترزقنا الحياة بشخصًا يكون الحياة وما فيها وفي غيابه تغيب الحياة ومن فيها.
أنهارت سجى أرضًا وهدأت صراخها تدريجيًا، كان ما زال يضمها لصدره بكى تأثرًا لصراخها وكلماتها قد مزقت فؤاده أشلاء، همهم وهو يمسح على رأسها في رفق:
- سجى.. مالك ياحبيبتي في أي؟ قولي لخالك حبيبك؟
لم يأتيه رد فلاذ بالصمت يضمها بشدة إليه يمسد على ظهرها في حنان أب حتى أستمع لصوتها المبحوح يقول في وهن:
- زين مرحش مش كدا؟ هو مش هيسيب اخته، أخته اي؟ أنا بنته اللي رباها.
رفعت رأسها لـ يوسف الذي كان مزهولًا من حديثها متعجبًا لا يدري ما حصل:
- هو مماتش صح صوت الإنفجار دا كان بعيد مش هو، صح؟ أنا ليه حاسة إني يتيمة، حاسة ان الدنيا ضلمة أوي حاسة أني خايفة، أنا ليه حاسة بالضلمة كدا، هو زين مات خلاص؟ عيني اللي اتحرمت منها راحت تاني.
ذاد بكاء مكة وهي تضم الصغار، ليقول يوسف بدهشة:
- مين مات؟ أنتِ بتقولي ايه؟ إنفجار ايه؟
نظر إلى مكة ربما تعلم شيئا ألا أنها هزت رأسها في آسف، فأشار لها قائلًا:
- خدي العيال دلوقتي ورني على عائشة شوفي في اي؟ وقولي لياسين يجي.
بقت سجى على حالها، لا تتحرك ساكنة كأن أطرافها شُلت كـ قلبها، وراح يوسف يمسح على شعرها في حنان يتلو القرآن بينما سبحت هي في عالم صنعته لنفسها فقط هناك زين وإسراء شقيقيها الذين جمعتها بهم الصدف.
تنادى الأحبة عسى أن يأتوا ، صورته لا تبارح مخيلتها، بلى بالها وقلبها، يا ليت الزمن يتوقف لتظل داخل أحلامها الوردية، كلا تشعر بالوجع ، آه من الوجع ذاك الرفيق لقلبها آهٍ، وآه لفؤادها المكلوم بثغرة لن تداوى، يا ليت قبل رحيلة تسنت لها فرصة لقاءه لتودعه آخر وداع، لتقول له أشياء كثيرة كانت تود قولها، إنهِا أنها أشتاقت له من الآن وفاض القلب حنانًا. لقد غادرها قلبها ونبضة، وهفت روحها لرؤيته، كانت تأمل أن كل ما مر ليس إلا خدعة أو مزحة هكذا كانت تُمنى فؤادها ليصبر، سيعود حتمًا، ما للغائب ألا العودة ذات يوم، المهاجر سيرجع لوطنة فمرارة الغربة بشعة.. موحشة.
جاء ياسين فور محادثة مكة له قلقًا خائفًا على محبوبته، دخل إلى الغرفة بقلب يسبقه وروحًا تهفو إليها، صُدم ما أن رآها في حضن والده منهارة على الأرض شبة جثة في إنتظار نعشها لتتوارى تحت الثرى، ظل محدقًا فيها في صدمة تجلت على ملامحه، غادرها مصحوبًا بضحكتها التي تحي فيعود ليجدها قد غابت مع ضحكتها لتغيب شمسه وقمره، دنا منها بتؤدة هامسًا في نبرة تكاد تُسمع:
- سجى … حبيبتي ايه حصلك؟
تلك المرة الوحيدة التي لا تجيبه فيها، إنحنى على ركبتيه ينظر إلى ملامحها الوهنة التي غرقها الدمع وعيناها المغلقة في إستسلام وجسدها الذي تهدل كليًا، حرك كفه على وجهها هامسًا بأسمها ألا أنها همست كأنها تحاول أن تستعب ما حدث:
- زين... زين مات؟!
تساءل يوسف دون أن ينظر إليه:
- مكلمتش عائشة او إسراء حتى؟
هز ياسين رأسه وهو يتفحص سجى بخوف:
- بتصل محدش بيرد، هو ايه اللي حصل؟
غمغم يوسف بتمنى:
- يا ريت أعرف!
جاءت أسراء ما أن حادثتها عائشة طالبة منها الإتيان سريعًا، كان ذلك ذريعةُ شك في فؤادها، لِمَ سينزُلوا إلى القاهرة اليوم وبهذه العجلة؟ ما الذي حدث جعل زين لا ينتظر؟
دنت من عائشة التي تحزم الحقائب في سرعة مغمغمة بضيق:
- أفهم بقا في ايه؟! ليه زين عايزنا ننزل مصر؟
ألتفتت إليها عائشة، مُحركة رأسها يمنى ويسرى وهي تُردد:
- معرفش! صدقيني معرفش! حالته كانت غريبة، صحي بيزعق وبيصرخ وطلب مني أجهز الشنط لحد ما يجيب العيال من المدرسة.
أغلقت إسراء عينيها في حيرة من أمره، وقد ذاد وجيب قلبها قلقًا، ثم فتحت أجفانها وهي تُردد في خوف وتوتر:
- ليكون سجى حصل لها حاجة؟ … دا زين روحه فيها!
ضيقت عائشة عينيها وهي تُردد بتحريك كتفيها صعودًا وهبوطًا:
- معرفش!! لكن غالبًا لا لأننا كلمناها بالليل وكانت فُل حتى الحمل تمام مفيش حاجة!
تنهدت إسراء في حيرة أكبر، وقالت:
- هيكون ايه اللي حصل معاه بس؟! وبعدين هو تأخر كدا ليه؟
جاءها الرد فورًا في طرق قويًا على الباب، لينقبض قلب عائشة فزعة في نغزة قوية شقته وهي تنظر تلقائيًا إلى الباب الخارجي للشقة، لتتبسم إسراء هاتفة وهي تنصرف لفتحة:
- أهوو زين جه الحمد لله.
خطت متجة صوب الباب وفي آثرها عائشة ، فتحته ليطالعها وجه صديق أخيها الظابط ضياء مطرق الرأس أرضًا.
سرقت نظرة حائرة إلى عائشة قبل أن تنظر إليه مرحبة:
- أستاذ ضياء حضرتك في حاجه؟ أصل زين مش موجود!
أغلق ضياء عينيه في قوة كابحًا دموعه كلا تنساب أمامهن، كررت إسراء سؤالها في قلق يذداد، لتتقدم عائشة خطوتين قائلة بقلب بدأت دقاتة مترقبة وجِلة وقد خفت ضرباته:
- زين كويس صح؟ مفيش حاجه مش كدا؟
رفع ضياء بصره إليها بعينين يغشاهما الدمع، ران عليه السكوت أكثر حتى ظنت أن أنفاسه قد سُلبت، في حين صرخة فيه عائشة في جزع، وقد تأكد حدسها أن ثمة أمرٍ ما قد حصل:
- قول في ايه؟! زين فين وعيالي؟!
ذاد نحيبها لا إرديًا، في حين كانت تطالعه إسراء في خوف من المنتظر، تمتم أخيرًا ملقيًا قنبلته ليفجرها في قلوبهن:
- زين.. زين والولاد وهما في طريقهم العربية أتفجرت التلاتة أتحرقوا!
كـ السهم إندفعت إسراء نحوه ممسكة في ملابسة صارخةً فيه بعدم تصديق:
- لآ إنت بتقول ايه مستحيل، أنت كداب كداب اخويــــــــا فين؟!
إتسعت حدقتي عائشة في صدمة، هل كانَ منذُ قليل يودعها حقًا؟ كان على دارية أنه لن يلاقها مجددًا؟ هل كان ناويًا الرحيل بدونها؟ وكيف لها أن تحي بدونة!؟ دون وجوده، وأمانة، وأحتواءه كيف؟
سالت دموع ضياء على وجنتيه أثر كلمات إسراء الجارحة، المؤثرة ولكنه أراد أن يؤكد الخبر حتى يفيقن:
- زين وإسلام و وليد ماتوا، العربية أتفجرت بيهم، العربية توحي أن مفيش أمل لأي حد يكون عايش لأن العربية بقت رماد!
أنهى جملته مغلقًا عينيه في قوة ليحجب رؤيته لهن بتلك الحالة المؤلمة، رمشت إسراء صارخة فيه بعدم تصديق:
- زيـــــــــن مين اللي اتحرق أنت كداب امشي من هنا.
كانت تود أن تكون كلماته مزحة، ولم تخترق فؤادها كـ شرارة تشعلة بنيران لا يمكن إطفاءها ظلت تصرخ ما أن أستشعرت صدق كلماته حتى خرت أرضًا، بآوان ذلك كانت عائشة تهزُ رأسها في عدم تصديق، تتراجع خطواتها للخلف كمن يودُ الهرب من شبح الموت، صورة زوجها وأبناءها تحوم حولها وصدى ضحكاتهم لا يفارق أذنيها، كان عما قليل سيحتفلن بيوم قدومهم للحياة، لكن كيف للحياة أن تأخذهم بهذه البساطة، كيف أستطاعت أنتزاعها من مكمن روحها دون بذرة شفقه، كيف سول لها أخذهم ثلاثتهم سويًا حرقًا كحال قلبها الذي تلظى الآن، لماذا أيتها الحياة تأخذين منا الأحبة، تنتزعيهم منا هكذا دون رحمة؟ أين عدلك لماذا لا تعطينا إشارة بمغادرتهم حياتنا حتى نقتنص من الدنيا لحظات ربما تكفينا لنحيا على ذكرياتها، فـ الذكريات أثرٌ جميل يبقى أمد الدهر لا يطمسه شيء ولا يواريه أحد مهما جار عليه الزمن يظل منبعًا للسعادة ما أن نغلق أعيننا لنستحضر ساكنيها.
أرتطمت بشيء خلفها لتسترق نظرة سريعة تستند على الأريكة قبل أن تظل لـ هنيهة ترفرف بأهدابها كمن يصحو من كابوس، وبغتة كانت تنطلق ضحكاتها محلجلة المكان بأكمله، لتتعلق بها نظرات ضياء في بهت شديد، قهقهت عاليًا قبل ان تقول وهي تؤشر إليه:
- أنت بتخرف تقول اي بس؟
ضربة كف بكف وهي لا تتوقف عن الضحك تحرك رأسها كأنها تشفق على حاله.
- يا عيني أنت أتجنيت صح معلش هتخف دلوقتي.
ثم رددت وهي تتجه إلى الداخل:
- عيالي وزين هيرجعوا دلوقتي لازم اجهز الأكل.
كفكفت إسراء دموعها وهي ترمقها في قلق ونهضت سائلة ضياء ونظرها معلق على عائشة التي تهذي:
- اي ده هي.. هي عائشة مالها؟
هز ضياء رأسه في حيرة وأجاب:
- مش عارف يبدوا أن عقلها رفض تقبل موتهم ومش مستوعب.
ثم أستطرد وهو يستدير إليها:
- أنتوا لازم تمشوا من هنا وجُدكم خطر.
همت أن تستفسر لكن المصائب لا تأتي إلا على ذِكرها، أستمعا لوقع أقدام تصعد، فخطف ضياء نظرة بأعين متسعة وهو يردد:
- اللي كنت خايف منه حصل وبالفعل بعت ناس اهم.
أخرج المسدس من جعبته هاتفًا فيها وهو يدفعها للداخل:
- ادخلي جوا ومتفتحيش الباب حتى لو موت.
لم يعطي لها فرصةً الإستفسار عن شيء أنما دفعها للداخل لتسقط أرضًا على أثرها وأغلق الباب، وأختبئ هو في لمح البصر خلف الدرج فما أن تقدم أول رجل، حتى خرج هو من مخبئة، ملويًا ذراعه خلف ظهره، لاكمًا وجهه، ليدير جسده إلى الأمام متحاميًا فيه ليخترق رصاص زملاءه جسده فردد ضياء ضاحكًا:
- مفجأة مش كدا مش عيب عليكم تقتلوا زميلكم.
ألقاه عليهم وقفز هو على الدربزين بمهارة وفي حركة خاطفة كان يقفز على آخر رجل منهم واضعًا مرفقة أسفل عنقه ساحبًا من كفه السلاح، ليطلق عليهم بمهارة واحدٍ تلو الآخر، حتى أستطاع أحداهم دفعه للأمام ليسقط من يده السلاح ويحاصروه بينهم، كان ثلاثة رجال ضخام البنية، مخيفي الهيئة، زم ضياء شفتيه في حين أسودت عينية بهالة مخيفة وهو يهمس في غضب:
- لقد قتلتم صديقي يا هذا؟! وأنا لا أرحم من أزى أحبتي.
أنهى تمتمتة مبتسمًا بخبث، وفجأة لكم من أمامه بعشوائية، وركل من خلفة أسفل بطنه ليميل متألمًا، أم الآخر فقد دفعه ليسقط من أعلى الدرج، تبقى واحد هم أن يبطش به ألا أنه باغتة بلكمة بجوار شفتيه، ولكنه تفادى الآخرى منحنيًا ثُم أندفع مطوقًا بطنه دافنًا رأسه في صدره وأنطلق به يدفعه في الحائط حتى خارت قواه، فـ أمسك رأسه ليرطمها في الجدار عدت مرات حتى خر من بين يديه كـ القماشة البالية.
تنفس الصعداء وهو يضع كفيه في كلا جنبه، وأرتقى الدرج ثم طرق على الباب في عنف لتفتح إسراء التي كادت أن تذوب خوفًا وحزنًا، ليصرخ فيها قائلًا:
- هاتِ مرات اخوكِ ويلا معايا من غير كلام.
نظرت له إسراء دون فهم، قائلة في خوف:
- مين دول؟! عايزين مننا ايه؟
ثم أستطردت في ترقب متمهل:
- هـ... هو زين اخويا أ.. أتقتل؟
زفر ضياء في قلق وتحرك للداخل حاملًا الصغيرة برفق وهو يقول:
- هفهمك كل حاجة بعدين انتوا امانة اخوكِ لحد ما أسلمكم للمار يلا هاتِ مرات اخوكِ.
كانت عائشة تجلس على طرف الفراش تهذي ، دنت منها إسراء وقالت وهي تساندها على الوقوف:
- تعالي عشان هوديكِ لزين وللعيال.
هتفت عائشة وهي تنهض بأعين لامعة رُدت لها الحياة:
- بجد هنروح ليهم؟
أومأت إسراء وهي تواري دمعها وأمسكت بكفها لتسير بها في حذر على خُطى ضياء.
أخذهن إلى الشقة الماكث بها في أداء مهمته، لا بُد أن القدر ألقاه في هذا الوقت إليهن لحكمه يعلمها، فتلك المهمة جاءته في وقتها المناسب، ليكون عونًا لأمانة صديقه، ولكن لم يستطع أنقاذه، لم يعلم أن ذاك الرجل سيأخذ روحه بتلك السرعة، يا ليته كان على دارية بذلك.
مر يوم بليلته وهن يمكثن في شقة الظابط ضياء الذي كان يغيب ويأتي فقط طارقًا الباب، يسئل أن كانتا يحتجتا شيئًا ويغادر، الحزن يظللهن بظلله تأبى أن تغادرهن، أما عائشة ألا من رحم ربي، تجلس إلى الأرضية تحتضن لعبة صغِريها، تُحاكيها تارة، وتضمها تارة آخرى.
لقد صُنعت لذاتها عالمًا من الخيال، مرتحلةً فيهِ من هذا العالم الموجع الموحش دون أحبتها، وثمة هُنالك ما كانت تبتغية أطفالها وزوجها معها لا شيء آخر تُريده، كثيرًا منا يهرب من واقعه إلى دربٌ من الخيال يصنعه لنفسه، ليحيا فيه كما يشاء، ويصنع ما يحلو له، حيث لا ألم ولا خذلان، إذ من يألفهم القلبُ فقط.
ضمت عائشة لعبة صغارها حيثُ كانت لُعبة تشبه والدًا صغير، وتمتمت في عقلًا قد فُقد:
- أنت هتنام يا إسلام؟
قرفصت و وضعته في حجرها وقالت وهي تُهدهده في رفق:
- نام يا حبيبي في حضن ماما.. عشان أنوم أخوك.
قالتها وهي تربت بكفها الآخر على لُعبة شبيها لما في حجرها.
أقتربت إسراء في حالة مذرية، بوجهًا بات نحيلًا هزيلًا من أثر البكاء. وأعين يحُفها السواد يكسوها الأحمرار تمتمت في شفقه:
- عائشة.. حرام عليكِ بتقطعي قلبي كدا، دول ماتوا خلاص.
إتسعت حدقتي عائشة وهي تنظر لها في غضب صارخة:
- محدش مات امال مين دول؟
غطت إسراء وجهها بين كفيها تبكي بحرقة، لتتمتم عائشة وهي تهز رأسها في جنون وقد أهتز جسدها:
- محدش مات! مين مات؟ عيالي جنبي! في حضني، مين مات؟ محدش مات!.
جثت إسراء على ركبتيها ممسكه بكتفيها هامسة من بين الآمها:
- خلاص اهدي هما جنبك أهم ومعاكِ.
تبسمت عائشة في راحة، تنظر إليها في عدم تصديق وقالت وهي تضم اللعبتين لصدرها:
- ايوه هما جنبي اهم، جنبي.. جنبي.. محدش هياخدهم ابدًا.
ذاد بكاء إسراء بنشيج ونحيب، وصرخة في ألم، يا ليت الصراخ يطيب أوجاع القلب، يا ليته يعيد الراحلون، لظللنا نصرخ دون توقف ريثما يعودوا.
علا رنين الجرس فـ كفكفت دموعها واعتدلت بتثاقل لتتهادي ناحية الباب في تعثر بسبب الدوار الذي داهمه، فتحت الباب ليطالعها وجه ياسين الذي نظر لداخل الشقة هاتفًا في ذعر:
- عائشة فين، هي كويسة؟
أفسحت إسراء له الباب مشيرة إليه بكفها للداخل دون أن تنبس فولج ياسين و وقف ضياء بالخارج، تسمر مكانه ما أن رآها تحادث اللعبة هكذا، رمش بعينية يود تصديق ما يرآه، ليدنو بتمهل وحذر متمتمًا بحنو أخ:
- عائشة حبيبتي.
رفعت عائشة رأسها إليه في غبطة، وقالت:
- ياسين.. جيت امتى؟ تعالى.. تعالى شوف عيال أختك الحلوين.
تقدم ياسين لها مزهولًا، لتقترب إسراء منه هامسة في خفوت:
- جاريها عشان متنهارش هي لحد الان مش مصدقة لا بكت ولا صرخت ولا عملت اي حاجة.
إزداد لعابه في خوف عليها، أومأ لـ إسراء متفهمًا مشفقًا وهمس لها:
- عائشة تعالي عشان هوديكِ لزين هو نزل مصر.
صمتت عائشة عن تخاطب اللعبة لتنظر له وهي تهب واقفة تمسك كفه في تعجل:
- يلا، يلا نروح بسرعة، بسرعة عند زين يلا.
أدمعت عيون ياسين ألمًا وهو يؤمأ إليها، ومضى ينظر إليها في إشفاق، لقد خسر زوجته وأخته في ذات الوقت.. الخسارة كبيرة كبيرةٌ للغاية، والألم أصعب أضنى الفؤاد المتصدع كمدًا.
كان قد مر شهر، بعد إتيان ياسين إلى القاهرة بـعائشة وطفلتها وإسراء، لقد أتت عائشة ولكن أين هي؟ ربما تجول الطرق تبحث عن صغارها وزوجها؟! لطالما تختفي فجأة من بينهم، فما أن يبحثوا حتى يجدوها هائمة في دروب الحياة تسئل كل من تراه عن صغارها! لم تعد هي.. اختفت البسمة عن وجهها، تُحادث نفسها ولربما تحادث لعب الصغار، قلبها قد تدمر كليًا بفقدهم، الخسارة شقته شقًا، إذ أن الوجع جاء أشد صعقها صعقًا، ودك روحها دكًا فجعلها شظايا مُتناثرة.
فـ أنظر يا الله إلى حال قلبها، قلبها الذي فقد طفليه وزوجها ففقد الحياة، قلبها الذي بات فارغًا من كل شيء إلا من ذكراهم، ألم تمنن عليه بفرجٍ قريب، ولقاء يداوي ندباته الغائرة، وجبرًا يطيب خاطرها الكليل.
اما إسراء فقد وجدت ضالتها عوضها الآخر الذي تمثل في سجى، يهونون عن بعضهما ألم الفُقد، كانت تهتم بإبنة أخيها، ترى اهتمام ياسين لسجى الذي لطالما تمنته، رويدًا رويدًا بدأ شيءٍ ما يتسلل إلى قلبها، تحن لشخصٍ كـ ياسين الذي لن يتكرر مرتين في هذه الحياة، آنذاك كانت تحسد سجى على حب.. واهتمام.. وخوف ياسين لها، لماذا هي لا تملك أحد كـهذا وها قد ذهب من كان لها السند.
كرهت نفسها كثيرًا.. وقلبها لقد باتت حقًا تحب زوج أختها!!
الحزن غيم على المنزل بغمامة ثقيلة لا تولي، حتى الصغار نال منهم بخسران إسلام و وليد وحزن وتعب سجى الذي إزداد.
في حديقة المنزل كانت سجى تحمل أبنة زين دارين تُهددها لتهدأ فمنذ حالة عائشة وقد أهملتها، وسجى وإسراء من يهتم بها، إقترب ياسين منها متبسمًا في شوق وهو يتمتم:
- حبيبي عامل ايه؟
أومأت سجى متبسمة وهي تومأ برأسها ليلثم ياسين جبينها ويميل قليلًا ليداعب الصغيرة ويلاعبها، ثُم أنحنى واضعًا كفه على بطنها متسائلًا برفق:
- وحبيبة بابا عاملة ايه؟
ضحكت سجى لسؤاله وهي تجيب:
- حبيبة بابا بخير طالما هو بخير.
حمل ياسين الصغيرة منها مغمغمًا:
- هاتِ البت دي عنك كدا شوية وأنتِ قعدي عشان متتعببش.
جلست سجى على المقعد خلفها وجوارها ياسين ليتحادثا، كانت تتابعهما إسراء في أعيُن غائرة، حاقدة، تنوي شرًا ربما، وقد سولت لها نفسها بان تميل ياسين نحوها بإغراء فمهما كان هو متزوج من عمياء، لربما تنجح هي على يقين أنها ستنجح، لكنها لا تدرك أن قلب العاشق لا ينبض ولا يرى غير معشوقه.
صف حذيفة سيارته أمام البوابة وترجل دالفًا للداخل بخطوات متمهلة، وقعت عينه على ياسين وسجى فتبسم بإتساع كأنهما لوحةٌ فنية أبدع الراسم في رسمها. تنهد داعيًا لهما من قرارة نفسه، وتوجه نحوهما ملقيًا السلام مداعبًا الصغيرة قليلًا. ثم أنصرف للداخل وبينما هو في طريقه لمح إسراء، شرودها فيهما بنظرات مفعمة بشرارة غريبة من الغيرة، هذه ليست أول مرة يراها هكذا فمنذ أسبوع وإستعادة وعيها قليلًا وإندماجها على موت أخيها وهي ترمقها بسخط وحقد، وهو لن يسمح بذلك، لن يتركها للشيطان يتلاعب بها كيفما يشاء، هو يفقه جيدًا ما تعانيه بعد فقدان أخيها الوحيد، ولن يجعل حزنها يتغلفها حتى تقع في جب الحياة، أقترب إليها في خطوات سريعة وناداها في خفوت كي لا يلاحظ احد:
- إسراء.. إسراء.
ألتفتت إليه شاهقة بزعر من شرودها فطمئنها بعينيه هاتفًا:
- إهدي، إهدي مفيش حاجة دا أنا.
أومأت بعينيها وهي تجيب بأقتضاب:
- الحمد لله.
إستطرد حذيفة متسائلًا:
- حابب. أتكلم معاكِ شوية.
عقدت إسراء ساعديها وهي تستدير قبالته في إهتمام قائلة:
- طبعًا إتفضل، خير في حاجة؟
تلفت حذيفة حولة في حذر، ولم يبصر إسماء التي لمحتهما وتسلل الشك في قلبها وظلت تتابعهما بعينين تنذر بالغضب الأعمى.
في الوقت الحالي، هتف حذيفة بجدية:
- تعالي نقعد الاول هناك كدا عشان محدش ياخد باله.
أنهى جملته مشيرًا لأحد المقعد في الحديقة المتوارية عن الأبصار.
فتوجست خفية وهي تحل عقدة مرفقيها سائلة بريبة:
- ليه! ما تقول هنا؟
تنهد حذيفة وهو يضع كلتا يديه على خصره:
- لأني مش عايز الكلام اللي هقوله حد يسمعه ويتفهم غلط.، فتعالي خمس دقايق.
في توتر سارت خلفة في قلق حتى جلسا، فتنهد حذيفة تنهيدة عميقة، زفرها دفعة واحدة، وفجر كلامه قائلًا:
- ياسين مستحيل يفكر فيكِ أو يبصلك لأنه مش شايف غير سجى قدامه.
قاطعته إسراء وهي تهب متنفضة مستنكرة أستنكارًا حادًا:
- إنت بتقول ايه؟ أنا مستحيل أبص لجوز اختي!
تبسم حذيفة في تهكم قائلًا:
- لا يا شيخة والله؟ امال بتبصي ليه عليهم بحقد وغيرة.
أرتبكت إسراء وتمنت ان تختفى من أمامه وتحاشت النظر إليه ولم تنبس ببنت شفة، فتابع حذيفة زافرًا بضيق، وقال بتريث:
- بصي يا إسراء أنا هنصحك نصح الأخ لأخته، أنا عارف ومتفهم فقدك لزين سبب أثر وجرح كبير قد إيه مستحيل تطمسه الأيام، وعارف أن وحدتك سببتلك حالة نفسيه وأحساسك بالوحدة خلى قلبك يميل لياسين من حنيته، بس هل إنتِ هتكوني راضية عن نفسك لو كنتِ سبب غياب ضحكة سجى عنها، ووتشتيت العيلة الحلوة دي؟
قال آخر جملته حائدًا بعينيه نحو ياسين وسجى الذان يتضحكان بخفوت وهما يلاعبا الصغيرة، فنظرت إسراء لما ينظر، إلى ضحكة سجى وفرحتها التي تشع من عينيها فأدمعت عينيها وأنبها ضميرها، في حين قال حذيفة وهو يسلط بصرها عليه مرة أخرى:
- أنا عارف أنتِ بتحبيها أد ايه ! دي عاشت معاكم اكتر مننا وانتوا كنتوا عيلتها، متسمحيش للشيطان يفرقك عن أختك بأوهام زائفة هتزول مع الوقت، أختك حامل وقريب هتولد وهتبشرنا كلنا بطفلة جديدة تنور حياتنا، متكونيش سبب حزنها، حاولي تجمعي نفسك وفكري بعيد عن ياسين.
إنسابت دموعها رغمًا عنها وغطت وجهها بكفيها وذاد تحيبها وهي تهمس بحياء:
- أنا.. أنا والله بحبها اوي اكتر من نفسي بس مش عارفه إزاي كنت، يعني.. يعني أنا مليش القدرة على قلبي اهتمام ياسين بيا بسببها خد حيز في قلبي غصب عني.
تنهد حذيفة في حزن، وقال متفهمًا في إسهاب:
- أنا لو مش واثق في حبك ليها مكنتش هتكلم معاكِ وأحاول أوعيكِ وكان هيكون ليا تصرف تاني خالص بس خير احنا في البداية، واديكِ قولتِ بيسئل ويهتم بطلب من سجى، لأنك غالية عليها غير كدا لأ، راجعِ نفسك وفكري في حياتك وخطواتك الجاية، وانا موجود لو احتجتي أي حاجة اعتبربني اخ تاني.
نهض حذيفة من مكانة وقال هو على وشك الإنصراف:
- لو احتجتي حاجة انا جنبك كـ أخ ليكِ في أي وقت، ولكن لو لقيتك عملتِ حاجة هتسبب مشاكل لأخوتي صدقيني هتزعلي اوي، إسراء... حافظي على قلبك للي يستاهله ياسين مش هيكون ليكِ، ولي في قلبك مش حب دا مجرد إعجاب فمتجريش وراء أوهام عن إذنك.
أنصرف من أمامها وتركها منهارة في البكاء لا تدري كيف سولت لها نفسها تلك الأفكار منذُ أيام، لولا حذيفة لكانت أنصاعت خلف شيطان نفسها بيسر كـ المتغفلة.
أحيانًا ما يؤذي المرء هو شيطان نفسه.. فيجب الحذر من الغيرة والحقد، يجب أن تطهر قلبك فوالله أن هذه الحياةُ زائلة.
صف رحيم سيارته أمام منزل آل الشرقاوي فور وصوله من السفر، ألتفت برأسه إلى وعد دامع العينين، باكيًا الفؤاد، جاء على أملٍ نجاتها مما هي فيه، قد سأم من كل الأطباء الذينَ عرضها عليهم دون فائدة، ومل من الأدوية التي دون جدوى.
جاءه تساءل صغيره عاصم في حماس:
- وصلنا يا بابا ممكن أنزل عشان كلهم وحشوني؟
تنهد رحيم في حيرة ونظر له وتبسم بإيماءه خفيفة سامحًا له بالنزول، ليسرع الصغير في الترجل راكضًا للداخل في شوق، ترجل رحيم بدوره ودار جهة وعد ليحملها بين كفيها و ولج بها للداخل.
كانت لمار أول من فتح الباب لتستقبل حفيدها في سعادة غير مصدقة، قبلته في فرحة وهو يضمها في شوقًا جم هامسًا:
- وحشتيني اوي اوي يا ستو.
ردت لمار عليه في أعين لامعة:
- وأنت وحشتني اوي يا روح قلب ستو.
ما همت أن تتساءل عن والديه حتى لج رحيم سائرًا في تيهة، بادٍ عليه العجز، كساه الحزن وران على قلبه.
لا يدري كيف يخبرها بحالة أبنتها التي باتت جثة في إنتظار أن تتوارى خلف الثرى، قاوم رغبته في البكاء وهو يقف قبالتها مباشرةً، وقال في صوت متهدج حينما بدا عليها الزهول وهي تنظر إلى إبنتها بمقلتين متسعتين:
- أنا... أنا مش عارف مالها!
هز كتفيه وإزداد لعابه مردفًا بصوت متهدج:
- روحت بيها لدكاترة كتير مفيش أمل، صدقيني معرفش مالها.
صمت حينما أقتربت لمار تُلامس وجه إبنتها الباهت، الشاحب شُحوب الموتى وقد سالت دموعها بحرقة لا تصدق أن هذه هي وعد فلذة كبدها التي كانت كتلةً من الحماس لا تتوان عن العمل، ما الذي حل بها؟ ماذا فعلت لتخسر أبنتيها في ذات الوقت! عائشة أنفًا وها هي وعد في عدام الموتى، صدقًا ماذا فعلت؟ ما الذنب الذي أقترفته أيتها الحياة، مهلًا على فؤادها الواهن لا يتحمل هو كل تلك المصائب جملةٌ واحدة.
طالعها رحيم في خزى يعلم مدى ألم هذا الأمر العصيب. يعلم معنى العجز عن أنقاذ أحبتك؟ يعلم جيدًا تلك النغزة الساحقة المميتة.
هزت لمار رأسها في إستنكار وقالت وهي ترفع رأسها إليه:
- مين دي؟ دي مش وعد! أنا بنتي مستحيل تقبل أنها تكون ساكنة كدا من غير حركة، مين دي؟
أطرق رحيم رأسه هاربًا من عينيها المحدقة به، مداريًا دمعته الذي هوى قُسرًا، قال دون أن يرفع رأسه:
- سامحيني، بس معرفش مالها فقولت اجبها ربما يوسف يقدر يعرف مالها هو دكتور كويس ويعرف دكاترة كويسة عشان كدا جبتها.
إستمعا إلى صوت عائشة التي دنت قائلة وهي تحادث اللعبة التي بيدها:
- إسلام يا حبيبي شوف خالتو وعد جت، خالتوا جت، خالتو جت، مش إنت بتحبها.
طالعها رحيم مزهولًا، إزداد قلب لمار كمدًا وضحكت في ألم قبل أن تشهق باكية هامسة في حسرة:
- هو أنا عملت ايه عشان أتوجع الوجع ده كله في بناتي التلاتة؟
أشارت بكفها له مردفة:
- طلعها أوضتها لحد ما أقول ليوسف ونشوف في ايه؟
إنفطر قلبها ألمًا على ما يحدث لبناتها، وتابعت رحيل رحيم بفؤاد اضناه الألم، وعينين غائرتين بالدمع، وبينما رحيم يرتقي الدرج، إذ بيوسف أمامه عاقدًا حاجبيه في دهشه، متسمرًا أعلى الدرج في زهولٍ تام، غمغم في تساؤل متعجب:
- رحيم، اي ده مال وعد؟
أجاب رحيم وهو يقف امامه:
- جتلك عشان تعرف مالها!
رمش يوسف وهو يتأملها في حيرة، ممزوجة بالألم، ما هذه الحالة التي تعتريها؟ أشار إليه ليدخلها الغرفة، فأمتثل فورًا وبدأ يوسف في فحصها، وقد أخذها للمشفى لعمل كافة الفحوصات.
كانت الأيام تمر ولا تمر، فـ كل شيءٌ يمر إلا الحزن والعجز عن فعل شيء للأحبة، الفحوصات جيدة ليس بها شيء، بقلب مثقلٌ بالهموم جلس رحيم على ركبتيه، باكي العينين، متشقق الروح، معانقًا كف وعد في راحتيه، محتضنًا إياها في عينيه، هامسًا بنبرة ملؤها الحزن، متهدجًا:
- وعد، يا نور عيني مفكيش اي حاجة! طب مالك أنتِ ليه بقيتِ كدا؟ فيكِ اي؟
أسند رأسه على كفها، محررًا دموعه الحبيسة من مقلتيه، علها تُهدأ مما ألَمّ به.
غُمة مضنية مثقلة بالوجع غطت افئدة الجميع الصغار والكبار، وأحتواهم الظلام وغلف قلوب، وبصيص أمل بالثقة في الله يتسرب إلى الشرايين.
تجمع الجميع جالسون يتناقشون في حالة وعد الغريبة، بادر يوسف مردفًا في تنهيدة عميقة مثقلة بالألم على ما حل بأبنة اخته التي هي ابنته ايضًا:
- التحاليل الإشاعات كويسة مفيهاش أي حاجة ولا أي مرض كلها سليمة واعضاءها كذلك.
أحتدت نبرة رحيم وهو يقول في غضب:
- يعني ايه؟! إزاي مفيهاش حاجة؟! دي حرفيًا لا بتتكلم ولا بتتحرك وكـتهدج صوته واستأنف في ثقل:
- كإنها مشلولة!
زاغت عيني لمار في وجع وهي تتسائل:
- من امتى وبنتي حصل لها كل ده؟
ضم رحيم وجهه بيديه في هم، وقال:
- مش بعيد من شهر كدا أو اكتر شوية.
تنهد أدهم قائلًا في أمل:
- بنتي هتخف وهترجع احسن من الاول، الحكاية حكاية وقت بس يمكن عندها حاجة او مرض........
قاطع حديثة صرخة وعد التي رجت المكان رجًا.
لفظ رحيم بإسمها وهو ينتفض واقفًا مهرولًا للأعلى وفي اثره الجميع.
أندفع رحيم للغرفة بمقلتي متسعتين وهو يراها تتنفس في سرعة وكأنها في سباق، مغلقة العينين تصرخ بهستيريا، تنتفض ترتعش، تحرك رأسها يمينًا ويسارًا كان يظهر عليها الإختناق وهي تتحرك بعنف كمن يود النجاة من كف قابض على عنقها، وهي بالفعل كذلك.
تحرك نحوها ضمها بشدة محاولًا تثبيتها، بينما كانت خديجة تقف في آخر الغرفة محدقة فيها بصدمة، بقلبٍ مرتجف، سألتها لمار مستفسرة:
- خديجة.. في ايه مال وعد بتصرخ ليه؟
ظلت خديجة على حالها تستعيد رباطة جأشها، ثم نظرت إليها وقد سال دمعها وقالت بصوتًا خفيض:
- معرفش والله انا كنت قاعدة جنبها عادي فجأة لقتها بتصرخ كدا!
إستمعا لصوت عائشة التي تقهقه وهي تقول للعبة بيديها كـ الصغار:
- شفتوا خالتوا بتصرخ إزاي، هييييه، تعملوا زيها.
نظرت لها لمار بألم وأطبقت اجفانها في تحسر، بينما توجهت خديجة لتخرج ليقع بصرها على عاصم الواقف على عتبة الغرفة، مسند رأسه على الباب ينظر لوالدته باكيًا بقلبٍ منفطر، فأسبلت خديجة عينيها وذاد بكائها فهرعت إليه تضمه مواسية.
ضم أدهم لمار لصدره مهاونًا ونظراته مسلطة على ابنته التي سكنت تمامًا وغفت على ما يبدو.
شاء القدر ان يضعها على مفترق طرق، وكلاهم فيه وجعٌ أشد ولا بد لها ألا أن تعيشه وتمر منه، ربما تخرج منه رابحة، او خاسرة ولكن في كلا الحالتين لن تكون على ما يرام سيتهشم قلبها الرقيق حتمًا، فيبدوا ان القدر قد اقسم ان يذيقها مرارة حرمان أحبتها ويوجعها فيهم.
أحداثٌ قادمة ستقلب حياة الجميع رأسًا على عقب، موجة عاتية ستهب لتمحو كل وتد ثابت، ربما قد ينجو أحد وربما لا، ولكن ان نجوت أعلم أنها رحمة من الله.
ما مر ليس بشيء أمام القادم فـ القادم لا يخطر على بال أحد.
ماذا ستفعل لمار لتنقذ وعد مما هي فيه؟
هل خسرت عائشة حقًا كل عائلتها في طرفة عين؟
ما مصير عائشة وياسين أمام حبٌ وُلِد داخل فؤادٌ محروم.
رواية جحر الشيطان الفصل الخامس 5 - بقلم ندي ممدوح
ما زال للعشق بقية
قلة الثقة بذرة تنبت بين ثنايا القلب فتفتته، وتهدم كل حب ينمو بالفؤاد، فلا تكن فريسة له، فتخسر حياتك وتعيش فقط تتنفس.
وقف حذيفة على باب غرفته مصدومًا حينما وقع بصره على أسماء الباكية، هالُه بكاءها الذي شطر قلبه لإشلاء، هرع إليها مزعورًا، جالسًا على ركبتيه أمامها، متسائلًا بقلق وهو يزيح كفيها عن وجهها:
- أسماء. مالك يا حبيبتي فيكِ إيه؟ بتعيطي ليه؟
كأن خنجرًا يطعن فؤادها دون رحمة، وميضٌ أليم يطوف في خلدها وهو يقف مع إسراء، كم من مرة رأته يُحادثها بعيدًا، يتبسم ويضحك لها وهي النار تغلي في قلبها المتلظي، عاد ليخونها؟
مجددًا يخسر ثقتها يشق قلبها دون أدنى ذرة رحمة؟ لا جرم تلك المرة أمر حيثُ زلت تلك الغصة عالقة في جوفها بمرارٍ كـ الحنظل.
ضاق صدره من بكاءها، واعتقد إنها تبكي لحال وعد وعائشة، فإذا بهِ يسرق بسمةٌ من آلامه مُرددًا بخفوت مواريًا به وجعه لحالهم:
- هيبقوا بخير والله يا أسماء، ربنا موجود يا حبيبتي، ولا يكلف نفسًا إلا وسعها، ربنا له حكمة في ذلك، ولو مكنوش قد اختباره مكنش اختارهم، خليكِ قوية عشانهم لو ضعفتِ مين هيسندهم لو وقعوا؟
تبسمت في نفسها ساخرة وحادثت ذاتها في تهكم: "هل يشعر بمن حولها إلا هي؟ هي القريبة الساكنة قلبه لا يشعر بنار الغيرة التي تتأجج بروحها، أو ربما لم تعد كذلك، طفح الكيل منه لن تصمت مجددًا ولن تبقى مع خائن مثله، ليس جديرًا بالثقة".
أبعدت كفيه، وهبت واقفة تجأر بصوتها الجريح بمرار:
- أنت إيه إزاي كده، وثقت فيك أكتر من نفسي وحبيتك وأدتك عمري كله، ليه تخون ثقتي فيك؟ وقدام عيني أنت إزاي كده.
حدق بها مزهولًا ونهض في تقاثل، لا يدري عن أي خيانة تتحدث؟! هل أصابها الجنون أيضًا؟ تمتم متعجبًا في نبرة مندهشة وهو يؤشر على نفسه:
- أنا.. أنا خونتك؟! أنتِ اتجننتِ ولا بتقولي أي؟
إندفعت نحوه تضربه في صدره بقبضتيها الضعيفتين، تُردد في بكاء أدمى قلبه:
- كمان بتكدب؟! أنا شفتك بعيني يا خاين وإنت مع إسراء، يا ترى حبيتها؟ ولا حصل بينكم أي؟
هوى على وجهها بلطمة قوية دفعتها للخلف وهو يهدر مردفًا:
- اسكتِ بقا إنتِ بتقولي إيه؟
نظرت له نظرة أضنت فؤاده ألمًا على فعلته، وضعت كفها مكان كفه الذي ألمها بشدة لتقول بمرارة:
- أنا كرهتك يا حذيفة، كرهتك أوووي، مبقتش طايقة أشوفك، يوم ما اتجوزتك فكرتك إنك اتغيرت لكن لأ.. كنت غلطانة اللي فيه عادة مش بيبطلها أبدًا، طلقني وعيش حياتك مع دي ودي وكلم وخرج واعمل كل اللي يريح لكن أنا مش هقدر أكمل معاك.
جحظت عيناه لا يستوعب ما تتفوه به، يقسم إنها جُنت، زاد وجع قلبه يدك دكًا يؤلم صدره، طلاق؟! هل حقًا تود الأنفصال؟ كيف لها أن تفصل روحًا عن جسدها؟ لقد تغاضى عن كل فعلها الذي كان لا يروقه، تفتيشها في هاتفه وملابسه ومراقبتها له وهو في عمله، تغاضى عن كل شيء، لماذا لا تصدق إنه تغير ليس لأجلها فقط بل للرحمن أيضًا، لقد أنار دربه ليسير على نور الإيمان دون أعوجاج فلماذا تزحزحه؟
كان صدره يعلو ويهبط منفعلًا ليردد بصوت لا حياة فيه:
- بتقولي إيه؟! طلاق إيه؟ استهدي بالله وبلاش شيطانك يسوقك! أنا اكتفيت والله اكتفيت، كم مرة شوفت نظرة الشك في عينيكِ وتفتيشك في تلفوني ومراقبتك، كل ده تغاضيت عنه عشان بحبك وفي الآخر بتتهميني بـ إيه؟
ضحكت في تهكم مغمغمة:
- بتهمك؟! لأ مش بتهم، أنا شفت بعيني إنت إزاي بتكلمها بعيد عن الكل، إزاي بتبصلها وإزاي الفترة دي بقيت بعيد.
صاح فيها وهو يهزها في عنف ربما تفوق:
- مشغول إيه؟! ونظرات إيه وكلام فارغ، أنتِ عارفة نفسك بتقولي إيه؟!
صرخت فيه في عنف وهي تنفض كفيه بحدة عنها:
- سيبني كدا ولو عندك كرامة طلقني مش هعيش مع خاين.
رمقها بحدة وجأر بصوته دون وعي:
- هعمل اللي يريحك، طلاق! هطلقك.. بس مش قبل ما أشوف الندم والحسرة في عينيكِ.
رن صمت مفاجأ يقطعه شهقات الصغار الذين يقفون عن بُعد يشاهدون ما يحدث بخوف، تضم ملك مالك وهي ترتجف وهو يبكي في صمت ويحاول تهدئتها.
ما الذي أدى بهم إلى هذا الحال؟
ذرة شك وسوء فهم قد تهدم أرسخ العلاقات وأقواها دون رحمة، إذ يكمن السر بأنها تستولي على صاحبها فتغشى عيناه وقلبه عن كل الحقائق.
خرج حذيفة مسترقًا نظرة على صغاره في الم وغادر صافقًا الباب خلفه.
في حين انفجرت أسماء باكية منهارة على الفراش تبكي بلوعة، تتذكر لحظاتهم سويًا، لا تنكر إنها دائمًا كانت تشك فيه، لا ريب ما زال الماضي كامنًا في فؤادها، والخوف أن قد يكون عاد لما كان يفعله سابقًا، كفكفت دمعها حينما أحست بأكف صغارها تحاوطها فضمتهم لصدرها، كأنها تختبئ من حزنها فيهما ربما يولى؟ ولكنه بالطبع يعرف الطريق لقلبها.
***
جلست إسراء بجوار سجى بعد ذهاب ياسين على إحدى الأرائك في الصالون، مطرقة في خزى، تقسم إنه لولا حذيفة لكانت الآن تفعل ما تسول إليها شيطانها، ولكن الحمد لله بعث الله لها نورًا يضيء ظلمة قلبها الحالكة، مهما كان يأسك، ومهما زاد الظلام حولك وغلف قلبك، ثمة بصيص نور حتمًا في آخر الطريق، تابع سيرك توجه له ولا تهمك عثرات الطريق، انهض وعافر حتى تصل، وكن حذرًا من أن تخطو بقدمك إلى جب قاع الظلام فتغرق ولا تجد ضياءك.
تأملتها إسراء قليلًا بأعين دامعة، لا تدرك كيف حقَدت على أختها الحبيبة، جذبها من شرودها صوت سجى الرقيق، تقول:
- إسراء، مالك يا حبيبتي؟ في حد مضايقك هنا؟
أسندت إسراء رأسها على كتفها وهمست في حزن:
- سامحيني يا سجى.
لم تعِ على ما تسامحها فعقدت حاجبيها في حيرة متسائلة وهي تضم كتفها إليها في حنو:
- أسامحك! أسامحك على إيه؟
ضمتها إسراء بقوة وقالت في صوت مكتوم من البكاء:
- زين وحشني أوي يا سجى!
على ذكر اسمه الحبيب طافت ذكرياته قائمة من مخدعها، وصدى صوته يرن في أذنيها لتنهمر باكية، هي لن تنساه، وكيف تنساه وهو بين ثنايا القلب يحيا، وذكرياته تواسيها، نحن لا ننسى الموتى، نعم يغيبون ويرحلون عن دنيانا لا نبكي الميت لموته، إنما نبكي غيابه عنا!
ظل على حالهما لبعض الوقت تعانقهما الذكريات أيضًا، حتى غمغمت إسراء بما صعق سجى:
- أنا لازم أسافر تاني هدير الشركة بنفسي لحد ما عائشة تخف وترجع زي الأول.
ابتعدت سجى عنها صائحة في استنكار:
- مستحيل طبعًا مش هتسافري.
صمتت إسراء قليلًا تستجمع كلماتها، لا ريب أن فراقها مؤلم أيضًا، فهي كانت تهون عليها رحيل أخيها، ولكن لا بد لها أن ترحل ستربط على قلبها بشدة، لن تسمح لشيطانها أن يستولي عليها مرة أخرى، لذا اغتصبت بسمة حزينة على وجهها وهي تضم كف سجى هامسة في إصرار لتقنعها:
- سجى افهميني أنا لازم أكمل اللي بدأه زين مش هسيب كل اللي بناه يتهدم دا شغله وتعبُه لازم كل حاجة تفضل كأنه موجود، زين كان سندي وظهري عمره ما رفضلي طلب، فأنا مش هتخلى عن شركته اللي خدت سنين عمره عشان توصل للمستوى ده أنا لازم أسافر لأن الشركة لوحدها.
طال الحديث ما بين رفض ومحاولة إقناع دامت طويلًا حتى انتهى بهم الحال بموافقة سجى على مضض.
***
في صباح اليوم التالي، كانت قد عزمت أمرها للسفر في مساء هذا اليوم، لذا جهزت كل شيء وحزمت حقيبتها، لا ريب يتألم فؤادها لفراق نصفها الآخر، لكن لا بد أن تبتعد هذا ليس مكانها، ستكمل ما بدأه أخيها حتى النهاية، خرجت من غرفتها وعلى وجهها بسمةٌ مشرقة، ملقية السلام على ياسين الذي رد بهدوء وهو يغض بصره، فجلست مقابل له وتنحنحت بحرج قائلة في استحياء:
- ياسين، أنا إن شاء الله هسافر النهارده....
رمقه ياسين مزهولًا وبادر قائلًا في لهفة خوفًا أن تسافر فتعود سجى لوحدتها:
- تسافري ليه؟ حد ضايقك هنا؟! خليكِ عشان سجى!
تبسمت إسراء وهي تفرك كفيها ببعضهما بتوتر، واردفت في تنهيدة عميقة:
- أنا تكلمت معاها متقلقش وبعدين مش هغيب كل شوية هنزل عشانها وعشان دارين دول اللي متبقيين لي في الحياة من بعد زين، بس كنت عاوزة أوصيك تخلي بالك منهم.
زفر ياسين بضيق مغمغمًا:
- طب إيه لزمة السفر ما تقعدي معانا واهتمي بيهم وكمان متبقيش وحدك أخوكِ مأمني عليكِ.
لاحت له بسمة حزينة طافت على شفتيها، وقالت:
- أنا خلاص بقيت وحيدة، بس ربنا عوضني بيكم.
ثم استأنفت حديثها بجدية وهي تميل للأمام:
- ياسين، الشركة واقفة من موت زين أنا لازم أرجعها زي ما كانت وأحسن كمان.
قاطعها ياسين متسائلًا في حيرة:
- طب أنتِ هتقدري؟
ردت إسراء بإيماءة خفيفة مؤكدة:
- هقدر طبعًا زين الله يرحمه كان معلمني كل حاجة تخص الشغل.
غشاهما السكون لدقائق قاطعه ياسين قائلًا في استسلام:
- اللي يريحك طبعًا اعمليه مقدرش أمنعك، بس اتأكدي إن وقت ما تحتاجيني هكون جنبك في أي وقت، اعتبريني أخوكِ زين.
تبسمت في امتنان وهي تنهض قائلة:
- ربنا يبارك في عمرك يا ياسين، أنت فعلًا بقيت أخويا وتأكد إن يوم ما هقع في مشكلة هلجألك وأنا واثقة تمام الثقة إنك مش هتخذلني، هروح أشوف دارين بعد إذنك.
أشار لها ياسين برزانة:
- اتفضلِ.
زاع بصره في الفراغ هامسًا في شرود مُغلف بالألم:
- فراق الأحبة صعب جدًا وألمه لا يزول يبقى أثره راسخًا بين ثنايا الفؤاد، ولا يكف عن أوجاعنا، نحنُ فقط نعتاده فنتابع حياتنا كما كانت محاولةً منا أن نتخطاه قليلًا، نضحك لنواري دموعنا الحبيسة فيظنوا إنها دموع فرح، نتحدث ونمزح حتى لا نتفوه بما يوجعنا.
هذا هو حال الفقيد.
توجهت إسراء لترى ابنة أخيها وحملتها إلى صدرها في شدة، وتوجهت للأسفل تاركة ياسين وسجى بمفردهما.
وقف ياسين على أعتاب الغرفة رامقًا سجى بحزن، تحزن هي ولا تدري بقلبه الذي يتمزق أن رآها هكذا، يا ليتها تعلم، يا ليت.
لا سيما يشعر بها، بما ألم بها، لقد فقدت شخصًا لطالما اعتبرته أخيها وقد قضت معه جل حياتها، وها سترحل من كانت أختًا لها.
دنا منها بتؤدة وجلس على طرف الفراش، لتقول سجى فجأة:
- ياسين عايزة أبقى لوحدي.
مال ياسين على جنبه ماسحًا برفق على رأسها المسندة إلى الوسادة تعتقد أنه هكذا لا يرى دموعها التي تحرقه حرقًا، تنهد بألم، وقال بعد برهة صمت:
- ومن امتى وأنا بسيبك تبقي لوحدك، ما وحدتك وحدتي.
ممكن أفهم مالك؟
إنسابت دموعها في صمت وهمست بخفوت بصوت يكاد يُسمع:
- إسراء هتسافر يا ياسين، زين راح وهي هتبعد! إنت متعرفش أنا وهي مكناش بنفارق بعض أبدًا، إسراء كانت ظلي دائمًا، كانت النور اللي بشوف فيه، الأيد اللي دايمًا سنداني و واخده بأيدي في الطريق، كانت الونس في الوحدة، كانت نور ظلامي يا ياسين.
كان على شفا جرفٍ هار من الانهيار، فـ انهار قلبه أثر كلماتها، سحبها لحضنه برفق، يمسح على رأسها يُهدئها، وقال مهونًا:
- يا حبيبتي هي مش هتبعد، وبعدين ياستي كلميها كل يوم واطمني عليها.
احتجت قائلة وهي تبتعد عن حضنه:
- الغربة وحشة يا ياسين من غير صحبة وأهل وأحباب، الإنسان لما يكون في وطنه هيطمن إنه هيلاقي حد جنبه، أما في الغربة مفيش غير الوحدة.
زفر ياسين في ضيق وازاح دموعها بإبهاميه، وقال:
- طيب يا حبيبي امنعها تسافر إحنا هنشيلها فوق راسنا كلنا...
صمت حينما ارتتمت في حضنه تضمه في قوة، تتشبث به كأنه طوق نجاتها من الحزن، وتمتمت:
- ياسين خليني في حضنك عشان خايفة.
طوقها ياسين بلطف، مقبلًا جبهتها في رقة، وقال في قلق:
- سجى، حبيبتي بلاش تتعبي نفسك أنتِ خلاص قربتي تولدي مش عايز أي مضاعفات يا بابا.
أومأت سجى في هدوء فتنهد في قلق يغزو قلبه لا يدري لما، ينتابه شعور سيء للغاية، ولكنه يدعو الله أن يمر كل شيء على ما يرام.
***
كانت تجوب الحديقة ذهابًا وإيابًا حينما وقع بصرها على حذيفة كم ممتنة هي له، أسرعت نحوه لتقف أمامه باسمة الثغر مشرقة المحيا تشعر بصفو روحها، فقال حذيفة في رفق:
- إزيك عاملة إيه؟
ثم أكمل وهو يميل برأسه رافعًا كفه يقرص خد الصغيرة، يداعبها بمحبة:
- حبيبة قلبي عاملة إيه النهارده؟
ردت إسراء ببسمة وهي تنقل نظرها بينهما:
- الحمد لله بخير.
ثم وهي تهز الصغيرة تناغيها:
- كلمي خالو يلا.
لاعب الصغيرة قليلًا قبل أن يستوي في وقفته واضعًا كفيه داخل جيب بنطاله متسائلًا في لطف:
- كنتِ عاوزاني في حاجة؟
أبتلعت إسراء لعابها وسائلته متعجبة من هيئته الغريبة التي تسفر عن حزنٍ عميق يقبع بين ثنايا روحه:
- إنت كويس؟
ارتفع جانب فمه ببسمة ساخرة وردد متهكمًا:
- مش عارف كويس ولا مش كويس، المفروض مش كويس بس الغريبة إنه عادي ممكن اعتياد الحزن.
هز كتفيه للأعلى وهو يزم شفتيه يهز رأسه يمنى ويسرى، ثم قال:
- سيبك مني كنت هتقولي إيه؟
- أنا قررت أسافر النهارده وكنت حابة....
قاطعها حذيفة وهو ينزع كفيه من جيبيه في تعجل:
- سفر إيه؟ وليه أصلًا؟! شكلك فهمتِ كلامي غلط لما كنت بتكلم معاكِ تبعدي عن ياسين فـ ده لأن دي مجرد أوهام مش أكتر وحبيت أفوقك منها مقصدتش خالص إنك تبعدي أنتِ بقيتِ وحدة من أهل البيت وإحنا أهلك....
ازدادت ابتسامتها اتساعًا بأعين دامعة من الفرحة، عجبًا للقدر يأخذ منا شيئًا فيعطينا أشياء، أخذ أخيها فأهداها إخوة، قالت وهي تهدهد الصغيرة التي على وشك البكاء تهزها برفق:
- لا، لا، لا بجد مش كدا خالص ولا فكرت كدا أنتوا بقيتوا أهلي فعلًا وعوض ربنا ليا ولكن فكرت في الشركة اللي بتقع زين ضياع سنين كتير عشان يبنيها وتوصل للي هو عايزه فمش هسيب تعبه يروح هدر.
عقد حذيفة كفيه وهو يقول مندهشًا:
- فكرة حلوة ولكن هتقدري لوحدك؟
أومأت إسراء في ثقة:
- وأخواتي معايا، هقدر.
رد حذيفة في ثقة:
- يبقى توكلي على الله وإحنا في ضهرك.
أنهى جملته مبتسمًا بإشراق وتأكيد، فأتاهما صوت أسماء من الخلف وهي تقبل نحوهما تصفق يكفيها:
- بتقولوا إيه ما تسمعونا؟ ومش عيب قدامنا كدا؟
التفتا إليها بدهشة زاد بكاء الصغيرة أثر صوتها الصارخ، في حين لم تفهم إسراء إلى ما ترمي إليه لكن نظراتها الحادة نحوها تشي بالكثير، تحفزت قسمات حذيفة، مكورًا قبضة يمناه يكبح انزعاجه، وخطى خطواته حثيثًا نحوها قبل أن تصل إلى إسراء وامسك مرفقها جازًا على أسنانه يقول في خفوت:
- لمي لسانك، وامشي ومن قدامي دلوقتي.
اشتعلت نظرات أسماء غضبًا ودارت ألمها من قبضة يده، وقالت:
- آه أغور عشان يحل لك الجو.
جذبت يدها بعنف من قبضته وألقت لـ "إسراء" نظرة ازدراء، وتفلتت عن يسارها وولّت مغادرة ببرود.
فصُدمت إسراء وتخشبت قدماها عن هز الصغيرة وهي تتابع مكانها الفارغ في صدمة، فيما يا ترى ظنت بها؟
لما تلك النظرات، صدقًا ماذا فعلت؟
أسبل حذيفة عينيه وهو يستدير ببطء وكم تيقن الصدمة بادية على وجهها هم بالتحدث، ألا أن غادرت إسراء المكان متوجهة للأعلى. يبدو أن قرارها كان في محله ستسافر فوجدها أصبح عقبة في طريق الجميع، ولكن قبل رحيلها عليها أن توضح لـ أسماء كل شيء، هي سترد المعروف لـ حذيفة حتمًا مقضيًا.
صعدت إلى سجى لتعطيها الصغيرة، ثم نزلت إلى شقة حذيفة، ستصلح ما أفسدته، كلما اقتربت خطواتها من شقته زادت دقات قلبها توترًا، لا تدري كيف ستستقبلها أسماء ولكن لا بد من ذلك ريثما تعلم كل شيء، وقفت أمام الباب وتنهدت تنهيدة طويلة، ورفعت كفها تطرق الباب، آنذاك تناهى لها صوت حذيفة يصيح في هيجان:
- إنتِ مجنونة إيه اللي عملتيه ده، قولتلك وهقولك مفيش حاجة بيني وبينها.
وضعت إسراء كفها على فمها مزهولة، ما الذي اعتقدته أسماء؟
قرعت الباب قرعات متتالية دون توقف حتى فتح حذيفة وصدره يعلو ويهبط من الانفعال وازدادت أنفاسه، أطرقت أرضًا وهمست على استحياء:
- ممكن أتكلم مع أسماء.
أومأ حذيفة وهو يتنحى جانبًا مشيرًا لها بالدخول، وقال:
- طبعًا اتفضلي.
ثم رمق أسماء بنظرة تحذيرية فهمتها، لتنهض على مضض مغتصبة بسمة مرغمة لترحب بها لتجلس، فنفت إسراء برأسها وقالت في توتر:
- ممكن اتكلم معاكِ من بعد إذنك؟
أدبها في الحديث أرغم أسماء أن تقول في هدوء:
- اتفضلي.
فتنهدت إسراء ورفعت نظرها لها بارتباك، ورددت بصرها فيها وفي حذيفة الذي فهم أنها لا تريد وجوده وهي تتحدث فدخل إلى إحدى الغرف صافقًا الباب خلفه، فقالت إسراء برفق:
- أنا مش عارفة أنتِ بتفكري في إيه؟ ولكن اللي فهمته إنك شاكة أن في بينا علاقة أنا وحذيفة.
ارتفع جانب فم أسماء ببسمة ساخرة، وقالت في تهكم بيّن:
- شاكة بس؟!
تقهقرت إسراء للخلف تنظر لها في صدمة، ما الذي فعلاه لتشك بهما؟ غشاها الزهول قليلًا قبل أن تضيف موضحة:
- أنتِ غلطانة، أنا وحذيفة مفيش بينا أي حاجة، أنتِ مش عارفة النعمة اللي في إيدك اللي ممكن تضيع.
كادت أسماء بتحريك شفتيها فـ استدركتها إسراء باسطة كفها في وجهها مغمغمة:
- لو سمحتِ متقطعينش، وبلاش كلام جارح، اسمعيني الأول للنهاية.
اضطرت أسماء أن تصمت وهي تعقد ساعديها في غيظ تلك الوقحة كيف لها الجرأة أن تقف أمامها وتحادثها بكل هذه البساطة؟
قصت عليها إسراء ما دار بينها وبين حذيفة كاملًا وعن انتشاله عن حبٌ زائف كادت أن توهم نفسها به، احتلت الصدمة قلب أسماء وودت لو كان كل حرف لفظت به ما هو إلا كذبة، كيف ستصلح علاقتها به الآن، ولكن هل لم كُسر أن يعود كم كان؟
عزمت أمرها أن تتركه لأيام حتى تتحدث معه ربما تخمد نيران غضبه، اعتذرت لـ إسراء بصدق وشكرتها قبل أن ترحل الأخرى وشبح ابتسامة يعلو ثغرها بارتياح.
ومع حلول الليل كانت تخرج من المنزل بعد وداعٌ حار من أهل، ترافقها سجى وياسين إلى المطار.
***
عادت سجى من عند الطبيبة التي تتابع معها برفقة ياسين، متشابكي الأيدي فما أن دلفا للدار، حتى لمح ياسين عائشة التي تجلس وسط الصغار تُحادثهم كطفلة صغيرة برفقة لعبتيها، فأسبل جفنيه في عجز، ركضت أروى نحوهما تضم قدمين سجى بسعادة، وتساءلت في لهفة:
- ماما، النونو عامل إيه؟
ردت سجى بإيماءة بسيطة وهي تمسح على حجابها:
- بخير وبيسلم على أروى حبيبته.
انحنى ياسين متبسمًا ملثمًا جبهتها بحنو وحثها قائلًا وهو ينظر لعينيها:
- أروى، قلب بابا خلي بالك من خالتوا عائشة متخليهاش تطلع برا، تمام يا بابا ولو حصل حاجة تقولي على طول.
أومأت أروى عدة مرات متتالية وغمغمت في ثقة:
- متقلقش يا بابا أنا مش بسيبها خالص.
قبل ياسين جبهتها بفخر، فقالت سجى وهي تمسك بكف أروى:
- تعالي وديني عند خالتك عائشة.
في تلك الأثناء أقبلت لمار نحوها تطمئن على صحتها هي وجنينها، ثم دنت من ياسين متسائلة بتنهيدة:
- برضوا مفيش أي أخبار عن ضياء؟
زفر ياسين وتجلى الضيق على سمات وجهه، وقال وهو ينظر لها بأسف:
- مفيش اختفى نهائي ملهوش أي أثر.
ثم استأنف بعد هنيهة بقلق:
- أنا حاسس إنهم أذوه، اللي قتلوا زين أكيد عرفوا أنه ساعد عائشة وإسراء فـ...
قاطعته لمار هاتفة بتنهيدة عميقة:
- احتمالك مؤكد، بس خلينا نتفائل.
حادت نظرتها تجاه عائشة، وترقرقت الدموع في عينيها وهي تقول في غضب مستعر في صدرها:
- والله ما هحرم اللي عمل كدا في بنتي، وحرمني من أحفادي.
دار بينهم حديثٌ خافت وهم يخطون لداخل المنزل، وبينما سجى تُحادث عائشة، وقد التهوا الصغار في المذاكرة، خُيل لـ عائشة ابنها إسلام يمر فتبسمت في اتساع وهي تنهض ضاحكة في سرور يغمد فؤادها ولحقت بطيفه لتخرج على غفلة من الجميع متسللة لخارج المنزل بأكمله.
قطبت سجى بضيق حينما ساد السكون وغاب صوت عائشة، لامست مكان جلوسها فلم تجد أحد، فهبت مذعورة تتلفت في خوف وهي تسير بحذر تمد يدها أمامها تحركها حتى إذا كان شيء أمامها، نادت في خوف وقد سرت دموعها على وجنتيها:
- عائشة، روحتِ فين؟ عائشـــــــــة حبيبتي أنتِ فين؟
تنبه الصغار لها فهرعوا إليها وتساءل خالد في لهفة:
- خالتوا سجى هي مش كانت جنبك؟
هزت سجى رأسها وهي تجيب في خوف:
- أيوة وأختفت مش عارفة راحت فين!
امسك خالد كفها موقفًا إياها عن السير مردفًا في ثقة:
- قعدي يا خالتوا هندور عليها، أكيد بتلعب هنا قريب.
أجلسها برفق، وتفرق هو وباقي الصغار يبحثون عنها دون أثر، فعلم الجميع باختفائها، وخرج الشباب في البحث عنها.
***
توقفت السيارة أمام المنزل المنشود، فألقت المرأة نظرة عبر النافذة وهي تمسك بعائشة قائلة:
- متأكدة هنا! .... دول بين لهم ناس غنية ومن الأكابر. متأكدة دا البيت.
أجفلت من صياح عائشة وهي تصفق في سعادة كالاطفال:
- خالوا يوسف.
أسبلت المرأة أجفانها عن صياح عائشة في ذعر وبلهفة نظرت لما تنظر إليه عائشة، ترمق يوسف في صدمة وهي تهتف بمحبة:
- دكتور يوسف! هو خالك؟ الله يجازيه كل خير دا شفى أبني من غير ولا قرش.
علا صوت السائق مجفلًا إياهم يقول في نفاذ صبر وملل:
- ما تخلصونا بقا وتنزلوا.
تبرمت شفتا المرأة وهي تسب في خفوت قبل أن تخرج الأجرة ترميها على قدميه وتنزل ممسكة بعائشة برفق.
***
وقف يوسف مكانه ما أن لمح تقدم عثمان بوجهٍ أكد له أن لا أثر لعائشة ومع ذلك بادر متسائلًا بلهفة:
- عثمان.... ها في إيه خبر، عرفت أي حاجة؟
هز عثمان رأسه في يأس كئيب وهو يقول بقلق:
- مفيش أي أثر ليها في كل مكان روحتُه.
نفخ بضيق وهو يمسح بكفه وجهه في عجز، نظر له يوسف في خوف وهو يردد:
- يعني إيه مفيش أثر؟
"دكتور يوسف"
تنبه يوسف لهذا الصوت فتلقائيًا زاغ ببصره نحو المرأة فأشرقت ملامحه وهو يقول في ارتياح مسبلًا جفنيه:
- عائشة....
أجفل عثمان متنبهًا ليوسف ليستدير فوجدها تقبل إليهم برفقة امرأة لم يتعرف عليها، فقطب جبينه وحثى الخطى نحوها:
- عائشة... أنتِ بخير كنتِ فين.
شملها بنظرة متفحصة وهو يتابع:
- حد عملك حاجة، بردوا تطلعي كدا؟
قال كلمته الأخيرة وهو ينزع سترته ويضعها على كتفها، في حين كانت هي مطرقة برأسها فقط لا تجيب وكأن الحديث ليس لها، والأمر لا يعنيها.
أقتربت المرأة من يوسف واقفة أمامه تقول في فرحة:
- دكتور يوسف.. ازيك يا دكتور عامل إيه؟
رمقها يوسف بحيرة من أمره، وتساءل:
- تمام، تمام... عائشة بتعمل إيه معاكِ؟ مين حضرتك؟
زَمّت المرأة شفتيها بعبوس وقالت في حسرة:
- مستني يا دكتور يوسف!؟ والله زعلتني.. على العموم.
التفتت برأسها مشيرة بسبابتها إلى عائشة واضافت:
- الحلوة دي أنا لقيتها واقفة وسط العربيات بتصرخ، خلوا بالكم منها لأن مش كل مرة تسلم الجرة، وربنا يشفيها يا رب.
شرد يوسف فيما قالته متألمًا، والخوف تسلل لقلبه من أن يصيبها شيء، فاق من شروده على كف المرأة تلوح بكفها أمام وجهه منادية:
- دكتور يوسف، روحت فين؟
تبسم يوسف لها وقال شاكرًا بنظرة امتنان:
- معاكِ، شكرًا لحضرتك لأنك مسبتهاش لوحدها في حالها زي دي، الدنيا لسه بخير طالما فيها ناس بتساعد.
ثم قال متعجبًا وهو يرمقها في دهش:
- بس عرفتِ العنوان إزاي؟
هزت المرأة كتفيها قائلة ببساطة:
- لا معرفش بس الحلوة قالتلي.
ثم استطردت بنبرة يشوبها الحزن:
- وبعدين أنا عملت واجبي يا دكتور مكنتش أعرف أنها قربتك، بس الحمد لله إني كنت سبب في مساعدتك ولو في حاجة بسيطة.
وتابعت وهي تؤشر لنفسها:
- أنا أم غزل اللي عملتلها العملية مجانًا ربنا يباركلك في عمرك يارب.
تهلل وجه يوسف ما أن تذكر الصغيرة التي أجرى لها العملية، وراح يسأل عن صحتها.
في حين رفعت عائشة نظرها إلى عثمان كالحة الوجه وهتفت:
- هما عيالي فين؟
امتقع وجه عثمان وأسبل جفنيه يود الفرار من أمامها، فارتفع رنين هاتفه منقذًا إياه من الإجابة، فأخرجه من جيب بنطاله وهو يشير لها بحنو بكفه الآخر:
- ادخلي يلا جوه الكل قلقان عليكِ.
ابتعد قليلًا فور جملته، وظلت هي مكانها تتنفس في إحباط، ورفعت نظرة تتلفت حولها تتأمل المارة كأنها ستجد بينهم زوجها وطفليها.
لاح لها شبح يقف موليًا إياها ظهره متحدثًا بالهاتف على ما يبدو يقف خلف سيارة قديمة نوعًا ما، فدقت النظر فيه مليًا ثم اختلست النظر تجاه يوسف المندمج في الحديث مع المرأة، وعثمان الذي يتحدث بالهاتف، وهتفت بخفوت لنفسها وهي تضحك بغباء:
- يكون دا زين.
فكرت قليلًا وهي تتأمل الرجل وصاحت كالأطفال:
- أكيد هو، هيييييييه.
تسللت بحذر دون صوت تجاه الرجل، وقفت خلفه دون صوت أو حركة وجاءها صوته يصرخ في الهاتف بنبرة أرْجَفَتها:
- بقولك هي مفيش، اللي بعت لي صورتها مفيش ليها أي أثر.....
متنساش أنا أصلًا ليا انتقام معاهم ومش هسيب حق أخويا، اللي قتله هقتله.......
صرخ بجملته وهو يستدير ليقع بصره على الراجفة أمامه وهي تنظر إليه بعينان بريئتان على وشك البكاء والخوف يظهر جليًا فيهما، تبسم بإتساع كمن حصل على جائزة توا وقال في هدوء كأنه ليس ذاك الشخص الذي كان يصرخ أنفًا:
- دي جت لي برجليها، الصدفة وقفت معايا واقفة مش هسيبها أبدًا اقفل.
لم ينتظر الرد فما أن أنهى جملته حتى أبعد الهاتف عن أذنه مغلقًا إياه بوجه الآخر وغمغم وهو يقترب بتمهل من عائشة:
- عمري مشفت إنسان يجي للموت برجله، دايمًا الموت هو اللي بيجي.
كانت تنظر إليه في بلاهة فما أن وجدته يقترب حتى رفعت كفيها مغطية وجهها كأنه هكذا سيختفي، دون أدنى مقاومة كان يبعد كفيها مكممًا فمه بباطن كفه الخشن، حاولت أن تبعده عنها، جاهدت كي تصرخ، ألا أنه رفعها عن الأرض بذراعه المتحرر وكان باب السيارة مفتوحًا مما جعلها يدفعها للداخل بقوة وحرر فمها ولكن قبل أن تصرخ كانت يمناها تضربها بقسوة على كتفها، وسبابته أمام فمه يحذرها بصوت مخيف:
- هششش اياكِ أسمع صوتك.
ابتعدت عائشة عن بجذعه عنه رافعة سبابته إلى فمها متسعة العينين مثله تهمس كحاله:
- هششششش إياكِ أسمع صوتك.
رمشت بعينيها وهي تنظر إليه بخوف قائلة وهي تحرك كتفيها:
- أنا خايفة....
لم تكمل كلامها، إذ غُطى فمها بقسوة بلاصق ثم ارتعدت ما أن صُفق الباب بحدة، فرفعت عينيها المنهكة تتابع وقوفه وهي ترى ياسين يقبل مسرعًا ما أن ترجل من السيارة مقتربًا من عثمان، فتراءت لها ملامح الرجل التي اكفهرت غضبًا وقبضته التي ضربت مقدمة السيارة بغضب، واخترق أذنيها صرخته الحادة الغاضبة وبصره يكاد يحرق ياسين في مكمنه:
- والله ما هرحمك.
دقائق وكان ياسين يبدو كأنه يصرخ في عثمان غاضبًا، وتمجهر الجميع مرة أخرى بحثًا عنها.
فأقترب الرجل ببسمة مظفرة وقال متوعدًا وهو يجلس خلف عجلة القيادة:
- راجعلك بس أخلص على الحلوة دي.
تُرى من ذا الذي خطف عائشة للتو؟ ومن قتل ياسين ويود الانتقام منه وبشدة، وهل سيفلح؟
رواية جحر الشيطان الفصل السادس 6 - بقلم ندي ممدوح
ما زال للعشق بقية
إنتفضت مُحدقة في خوف ما أن أصدرت السيارة صوتًا عالٍ معلنة عن وقوفها. ثم خرج المجهول من السيارة، صافقًا بابها وراءه، ودار لجهتها. رمقها بحدة أصابتها برعدة في أطرافها قبل أن يفتح الباب ويجذبها من مرفقها بقسوة، غير آبه برأسها التي ارتطمت في حافة العربية. سحبها خلفه كمن يسحب حيوانًا لا قيمة له. كانت عيناها تراقب الرجال الذين اقتربوا ناظرين إليها في تعجب، فالمعروف عن قائدهم أنه لا يمد يده على امرأةً أيًا كانت. وإذا كان لا بد، فهو يجعل أحدًا آخر يفعل.
دلف بها إلى ما يشبه المكتب، ومنه إلى غرفة جانبية. فتح بابها ثم دفعها للداخل لتسقط أرضًا على أثرها. ودخل هو مغلقًا الباب خلفه. ولم يلبث أن أخرج مسدسه من جعبته وطفق يحركه في برود وهو يناظرها بنظرة مخيفة وابتسامة مرعبة لا تبشر بخير قط.
أقترب منها فراحت تزحف تلقائيًا على كفيها للخلف، محدقةً فيه بخوفٍ جَم. مال عليها ورفع كفه إلى فمها، نازعًا اللاصق بقسوة. تأمل نظراتها الخائفة البريئة التي لا تحيد عنه. ثم قبض على فكها بقسوة مغمغمًا وهو يقلب في وجهها بتفحص:
"امممم، مدفوع لقتلك كتير أوي، بس مش خسارة."
جثى على ركبتيه عاقدًا حاجبيه في حيرة وردد:
"بس شمعنا اللي عايزين يقتلوكِ من بلاد برا! يا ترى عملتِ إيه؟"
ازدردت عائشة لعابها في توتر وهي تنكمش على نفسها. تحرك رأسها ذات اليمين والشمال عله يتركها. ورددت في تذمر:
"أنا عايزة أشوف زين وإسلام ووليد."
رفع حاجبه وهو يبعد كفه ناظرًا لها شزرًا وغمغم:
"دول مين إن شاء الله؟ ... وبعدين بتتكلمي كدا ليه؟"
دقق النظر إليها من رأسها إلى أخمص قدميها وردد:
"غريبة! في وحدة تطلع من البيت كدا؟!"
ترقرقت الدموع في عينيها وهي تشد من سترت عثمان حولها كأنها هكذا محمية.
رفع سلاحه على رأسها، لترتعش أوصالها وتتسع حدقتاها. ووضعت كفها على فمها وأسرعت بتخبئة وجهها في الحائط باكية كطفلة صغيرة:
"يا بابا..."
كتمت شهقاتها في حذر وهي تشد على كتم فمها بكفيها. فزفر هو صارخًا فيها:
"اسكتِ، مش عاوز أسمع صوتك."
دون أن تنظر إليه أومأت برأسها، فتركت دموعها تسيل دون صوت.
نهض هو هائجًا راكلًا إحدى المقاعد بقدمه هاتفًا في حدة:
"أنتِ لازم تموتي، لازم تموتي!"
أجفل ما أن وجدها تمسح دمعها سريعًا بظاهري كفيها وتركض نحوه ممسكة بذراعه مرددة في بهجة:
"هتوديني لعيالي؟ كلهم بيقولوا ماتوا يعني سافروا وأنا عايزة أسافر ليهم."
دق قلبه في عنف متألمًا لكلماتها، وصب تركيزه عليها ما أن شردت تاركة ذراعه تنظر للجدار أمامها قائلة بابتسامة لطيفة، حزينة:
"أصل وليد بيخاف من الضلمة، بس كان بيطمن لما إسلام يكون جنبه ومبيخفش. وزين مكنش بينام غير لما ياخدني في حضنه."
دفعها بكفه للخلف هادرًا بحدة:
"اسكتِ، كفياكِ رغي صدعتيني."
لا يدري لما ألمه وجعها؟ ولماذا أحس أنها فقدت قلبها فباتت خالية من الحياة؟ من ذا الذي نزع الأحبه من مكمن قلبها وتركها منغمسة في أوجاعها؟
ظل يطالعها وهي تحادث نفسها في خفوت بألم وإمارات غير مقروءة. رن هاتفه منتشلًا إياه من تأمله. فتنهد تنهيدة ثقيلة وهو يخرج هاتفه. فما أن نظر في شاشته حتى تفل مطلقًا لفظًا غير لائق وهو يجيب بكره:
"خير."
جاءه صوت يهتف في حدة:
"عملت إيه؟ ... قتلتها؟ ... أياك تقول لسه، أنا مش دافعلك فلوس عشان تتسلى..."
لم يتركه يتابع كلامه، إذ صرخ فيه قائلاً وهو يتحرك كالمجنون:
"أخرس واسمع بقا هقولك إيه! أولاً صوتك ميعلاش فوق صوتي، ثانيًا مش هقتلها وريني هتعمل إيه؟ ثالثًا بقا فلوس إيه اللي كل شوية تهدد بيها؟ أنا خسرت أخويا بسببك ولا أنت ناسي إنه بعد ما خطف العيال قضوا عليه. وأنا لا هسامحك ولا هسامحهم. وربني بقا هتعمل إيه؟"
فرغ من كلامه مغلقًا الخط بوجهه دون أن يسمع أي كلمة أخرى. ورمق عائشة بنظرة حادة وناداها قائلاً:
"أنتِ."
رفعت بصرها إليه وهي تزم شفتيها بعبوس، ليشير بذقنه وراءها آمرًا:
"اقعدي."
امتثلت عائشة له وجلست على المقعد الذي أشار إليه. والتفت هو ناويًا الجلوس ولكن طرقًا على الباب جعله يرغي ويذبد وهو يتجه ليفتح ولم يلبث أن خرج صافقًا الباب خلفه.
فُتح الباب برفق هذه المرة، فرفعت عائشة رأسها التي كانت تدفنها بين قدميها لذاك الذي دخل دون أي كلمة حاملًا صينية طعام وبيده حقيبةٌ صغيرة جدًا. تابعته بعينيها التي غُلفها الاحمرار. ولفها الإرهاق كأنها لم تنم مذ سنة.
وضع الصينية على طاولة صغيرة في زاوية الغرفة. ثم استدار ناظرًا في عينيها مباشرةً لبعض الوقت وتقدم نحوها في تمهل. ولاح لها ابتسامةٌ خفيفة على ثغره سرعان ما مُحت. وتنحنح قائلاً في صوت أجش وهو يلقي الحقيبة جانبها بحدة، انتفضت على أثرها وهي ترمش بارتياب وقال بنبرة لطيفة أول مرة يحادثها بها منذ جاءت:
"جبتلك هدوم... غيري، البسي حاجة غير البجامة دي لأنها متنفعش وغطي شعرك."
ألتفت برأسه مشيرًا للطعام، وقال وهو يسبل جفنيه:
"وكلي، أكيد جُعتي."
رفعت عيناها الباهتتان الشبيهتان بعيون الأموات لا حياة فيهما إليه ورددت في تعجب كأنه أطلق كلمة غريبة على مسامعها:
"جُعتي؟ كُلي."
زفر بملل وهو يرمقها بأسف وغمغم برفق وهو يميل عليها بوجهه:
"عائشة... كُلي وغيري هدومك دي مينفعش تفضلي بيها، فهمتِ بقول إيه؟"
تنهد تنهيدة ثقيلة موجعة وهو يقترب ليجلس بجوارها. بينما لا تحيد بعيناها عنه حتى جلس بجانبها ونظر لها برفق قائلاً بحنو:
"أنا عرفت عنك كل حاجة، ومش هقتلك أصلًا مش هقدر أقتلك. أنتِ شبه العيال الصغيرة، بريئة. وكفاية اللي خسرتيه عيالك وزوجك في... في الحريق."
قال آخر جملته بنبرة متهدجة اختلط بها الارتباك. ثم استأنف حديثه ناكس الرأس:
"اللي أعرفه أنك مازلتِ الشخص ده بحاجة فـ ليه عايزة يقتلك! وليه حرق قلبك بحرق عيالك..."
بُترت كلماته حينما هبت عائشة واقفة وكانها تحولت لشخصٍ آخر. مُتسعة العينين تصرخ فيه وتضربه وتخربشه بقسوة وغل:
"عيالي متحرقوش، متحرقوش، متحرقوش مــــــــ"
أمسك كفيها كاظمًا غضبه ولكن ارتخت ذراعيها بين يديه باجفان راجفة تكابح كلا تنغلق ولكنها أطبقتهم مستسلمة للظلام الذي ابتلعها علها لا تفوق منه فلا تسمع أحد يخبرها بفقدانها جذور قلبها حرقًا.
صرختها ملئت فؤاده رعبًا، فجثى سريعًا على ركبتيه، يلطم وجنتها بقلق مغمغمًا:
"عائشة، عائشة."
لم يجد بُدًا إلا أن يحملها، والقلق ينهش قلبه نهشًا. ربما شفقة على قلب أمٌ فقد طفليه حرقًا. لقد شاهد أنفا قبل دخوله إليها فيديو حرق السيارة التي بداخلها زوجها وطفليها. وصدقًا لقد تألم كثيرًا جدًا وبكى قلبه دمًا تأثرًا. نعم هو قاتل مأجور وقد يفعل ما لا يخطر على قلب بشر، ولكنه لا يقتل بنفسه في أغلب الأحيان. وإن أضطر تكون برصاصة وانتهى الأمر. ولكنه تألم لحرق الصغير اللذان لم يرا الحياة بعد. رؤيتها ساقطة أمامه، شاحبة شحوب الأموات، أضنى قلبه المكلوم. لقد فقد أخيه منذ أيام قليلة بمداهمة من الشرطة ويعلم معنى كلمة فقد الأحبه جيدًا.
أراحها على الأريكة، وأحضر ماء راح ينثر به على وجهها بكفه. فحركت رأسها وهي تهذي قائلة:
"إسلام ووليد فين؟"
فُجع من هذيانها فجعًا شديدًا وخرج من الغرفة غير قادر على رؤيتها بهذه الحالة.
كان يغيب بين الحين والآخر مختلسًا النظر إليها من الباب الموارب قليلًا فيجدها على حالها مستلقية على ظهرها تحدق في سقف الغرفة، وتحادث نفسها كمجانين بهمهمات غير مفهومة. فيسبل جفنيه وينصرف.
كان يجلس متكئًا بمرفقيه على فخذيه أمامه الحاسوب يشاهد عليه شيئًا ما، يتابعه بغموض تام حينما تناهى له طرقًا خفيفًا على الباب يتعقبه دخول "نجيب" قائلاً وهو يدنو منه:
"أراس، هذا الرجل أظن أنه ينوي شيئًا ما! شيئًا يحيكه لا أعلم إذ ضددنا أم ماذا؟ ولكن شيئًا مبهم."
أشار له "أراس" بذقنه أن يجلس، فجلس وهو يضيف بلهجة عملية حائرة بينما ينصت له "أراس" باهتمام جَم:
"له عدة أيام لا يبارح المشفى إلا نادرًا!"
ضيق "أراس" عينيه وهو يرجع بظهره لظهر الأريكة في استرخاء، وردد متعجبًا:
"لماذا؟ هل يعاني من مرضٍ ما؟"
ران صمت مفاجئ بدا خلاله تفكر "نجيب" قبل أن يهز رأسه نافيًا، وقال:
"لأ، الموضوع عجيبٌ للغاية، تحريت عنه فلم أصل لشيء."
ربع أراس إحدى ساقيه وهو يلتفت بجسده تجاه نجيب والأخرى متدلاه، وتساءل بتؤدة:
"ما.. هو؟"
أباح "نجيب" بصوت خافت:
"ثمة طفلًا... أو أقصد إنه ليس صغيرًا للغاية... أي إنه لا يتجاوز العاشرة من عمره، لا أدري لماذا بالتحديد موجود، لا أحد يبوح بحالته ويتحدث بتاتًا."
هز "أراس" رأسه عدة مرات دون أن ينبس. فاستأذن نجيب مغادرًا. فنهض أراس وسار نحو النافذة ينظر من خلالها للسماء وقد جن الليل. لم يمكث طويلًا على حاله وإذ به يستدير ملتقطًا سترته ذات اللون اللبني مرتديًا إياها قبل أن يأخذ طريقه للأسفل ومنه إلى السيارة وأنطلق يشق غبار الليل. صف السيارة جانبًا أمام المشفى وترجل بخطوات سريعة للداخل وسأل عن رقم الغرفة وتوجه من فوره. دون أن يطرق الباب أدار المقبض ووقف بطوله الفاره ينظر لذاك الذي انتفض واقفًا متوترًا ينظر إليه في خوف بيّن. فرمى الفراش بنظرة سريعة مدققًا النظر بالصغير الذي سُلب لبه بملامحه البريئة. حاد ببصره عنه وقال بمقت لذاك المرتجف أمامه:
"أوه لم نكن نعلم أن ابنك هُنا! هو ابنك.. أليس كذلك يا ماهر؟"
هز "ماهر" رأسه وهو يقول نافيًا بتهدج وأعين مفعمة بالارتباك:
"لا، لا، ليس..."
أستدرك ذاته في آخر لحظة متنبهًا لما كاد من فرط خوفه أن يتفوه به، فقال مستدركًا وهو يحاول الثبات:
"أقصد هو ابني جاء مذ أيام قليلة وكما ترى مريضًا فلم يعتاد السفر بعد."
قال آخر جملته مشيرًا بكفه للصغير وعيناه مرتكزة عليه. فتنهد "أراس" زامًا شفتيه بإيماءة خفيفة متأوهًا بآسف ووضع كفيه بجيبي بنطاله وهو يتفحص ماهر جيدًا ولم يخف عليه الكذب والقشعريرة التي تجلت بقسماته وعيناه الزائغة.
تنهد "أراس" في هدوء يحسد عليه من شدة نقمه على ذاك الرجل. وإستدار باسم الثغر للصغير الذي يطالعه باهتمام. ودنا منه بتمهل وقال وهو يداعب خصلاته بأنامله:
"كيف حالك يا صغيري؟"
تبسم الصغير مستمتعًا بمداعبة "أراس" لخصلاته، شاعرًا بالأمان فجأة، وقال:
"بخير."
جلس "أراس" على طرف الفراش معطيًا ماهر ظهره وتساءل برفق وهو يضم بين كفيه كف الصغير:
"ما رأيك أن نصبح أصدقاء؟ ما اسمك؟"
أومأ الصغير في لهفة عدة مرات موافقًا، وتلاشت ابتسامته مفكرًا، ما اسمه؟ ما أدراه هو ما اسمه! بين ليلة وضحاها وجد نفسه في هاك الغرفة حبيسًا لها ولا يدري أي شيء آخر.
تنبه من شروده على صوت "أراس" هاتفًا في حزن مصطنع:
"أين ذهبت يا صديقي؟"
زم الصغير شفتيه وقال وهو يهز كتفيه صعودًا وهبوطًا:
"لا أعلم ما اسمي، أنا فقط وجدت نف..."
لم يكمل حديثه وإذ بـ ماهر يقترب مصعوقًا كمن لدغه عقرب قائلًا بكلمات متعثرة:
"هو... اكيد الضربة أثرت بعقله."
التفت إليه أراس ملجمًا إياه:
"أي ضربة؟ ألم تقل تعبٌ من السفر؟"
زاغت عينا ماهر برعب وسقط قلبه من مكمنه وقال وهو يزدر لعابه بصوت باهت:
"بل... بل ولكنه ما إن جاء قد... قد..."
لم يتم جملته وإذ بـ أراس ينهض مقبلًا عليه وهو يقول في برود:
"لأنه يعاني نزيفًا في الدماغ إثر سقطة قوية على رأسه!"
شحب وجه ماهر شحوبًا يوازي الأموات وهمس بكلمات متهدجة:
"بلى... اه.. أقصد لا لم..."
قاطعه أراس مرة أخرى قائلًا ببساطة:
"ناهيك عن هذا، عافاه الله لك، وبما أننا قمنا بتغير اسمك وحياتك فلا بد من تغير اسم الصغير."
التفت برأسه للصغير وغمز له ببسمة مشرقة مطمئنة وغمغم:
"سأختار له اسمًا جميلًا كملامحه.... سيكون اسمه آجار."
هز ماهر رأسه سريعًا جاذبًا اهتمام أراس لينظر إليه، وقال مهللًا ليجاريه عله يغادر وينتهي هذا العذاب والخوف:
"كما تريد يا سيد أراس، آجار اسمٌ جميل."
بإيماءة بسيطة قال أراس وهو يتهيأ للمغادرة:
"سأذهب الآن لدي بعض الأعمال وسأكلف الشباب ليجهزوا ورق الصغير، وساكون في انتظار عودتكم. إلي اللقاء."
أستدار ما أن فتح الباب برأسه للصغير ملوحًا له وخرج مغلقًا الباب خلفه.
أسرع ماهر نحو آجار ممسكًا بحفنة من خصلاته صارخًا فيه بحدة:
"اسمع مش عاوز أسمع صوتك مع حد غيري هنا! وبالأخص السيد أراس مش عاوز موتك وأخلص منك وأنا أصلًا محتاجك، فاهم ولا لأ، أنطق."
دفع رأس الصغير تزامنًا مع آخر ما نطق به ليؤمأ آجار برأسه بخوف. أجفلهم فتح الباب وصوت أراس يقول:
"لقد نسيت هاتفي."
ثم دقق النظر في ماهر الذي انتفض متقهقرًا للخلف وهو يشيح بوجهه عنه بينما نظر للصغير الذي نظر إليه بلهفة وأعين تفيض دمعًا فتساءل وهو يهز رأسه ويدخل تاركًا الباب مفتوحًا:
"ما الذي يحصل؟"
وأضاف وهو ينظر للصغير:
"ما بك يا حبيبي. هل حصل شيء؟"
رفع آجار بصره إلى ماهر الذي حذره بعينيه، فهز رأسه سريعًا برعب.
فصك أراس أسنانه بغل وهو ينظر إلى هلع الصغير وعيناه تكاد تحرق ماهر ولكنه بدد ما يشعر به وهو يمسك هاتفه قائلًا:
"لقد وجدته."
أستدار ليخرج مجددًا ولكن كف الصغير الذي تشبثت به منعه، وعيناه الراجية المتوسلة كلا يتركه جعلته ينظر بحدة إلى ماهر قائلًا من بين أسنانه:
"لقد حدثت الطبيب وأكد لي أن الصغير بأحسن حال ويمكنه الخروج. لذا أعتقد أن وجودكم هنا ليس له داعي، لما لا تذهبون معي؟"
ودون أن ينتظر رد حمل الصغير برفق وهو يقول:
"إذن سترحلون معي وسأهتم بمجيء الطبيب يوميًا للاهتمام بـ آجار. هيا تعالَ خلفي."
أنهى جملته وانصرف من أمام ماهر الذي كاد أن يذوب خوفًا بوجه شاحب شحوب الأموات وأمر، ولكنه كان بارعًا في إخفاء خوفه ولحق به سريعًا وهو يأمل ألا يكتشف أراس شيئًا.
حلّت عائشة عقدة ساقيها وهي تنهض من فوق الأريكة تزفر بملل وتوجهت إلى الباب وفتحته في حذر فتحة صغيرة وطلت برأسها ذات اليمين واليسار فلم تجد إلا مكتبًا خالي. تحمست وهي تخرج وساقتها قدميها خارج المكتب بإجمعه. وراحت تتأمل ذاك المكان بغرابة وزهول. انبهرت وهي تتأمل المقاعد الرثة والجدران المشققة. ثم اتجهت خطواتها نحو نافذة من الزجاج فتطلعت عبرها إلى الحديقة وهي تظلل جانب وجهها بكفها تدقق النظر إلى الرجال الذين يحملون أسلحة خلف ظهورهم ويسيرون برتابة. زمت شفتيها بملل وفجأة قفزت وهي تصفق صائحة بحماس:
"هخرج ألعب معاهم، هلعب هييييه هلعب."
وركضت لتخرج من الباب الخشبي ووقفت مكانها تتطلع بالرجال الذين باغتوها محيطين بها محدقين بها بغرابة. فبسطت كفيها متسائلة بدهشة وهي تتأفف:
"مالكم بتبصوا كدا ليه؟ أنا عاوزة ألعب معاكم."
تنقلا الرجال النظر فيما بينهم ثم تراجع أحدهما مجريًا اتصالًا على عجل وعيناه لا تحيد عن عائشة التي وضعت كفيها خلف ظهرها تنظر إليهم نظرات طفولية وتتمتم متأففة:
"عاوزة ألعب مش بتفهموا انتوا؟"
ثم ركضت فجأة دافعة الرجال من طريقها، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منها خوفًا من زعيمهم. وقع بصرها على سلاح على أحد الصخور بين حشائش خضراء اللون فأسرعت لتلتقطه ليسود الصراخ بين الرجال وهم يلحقون بها هنا وهناك وهي تركض ضاحكة وتوجهه نحوهم. ثم وقفت مكانها ليقفوا هم أيضًا لاهثون منهم من يحاول محادثتها لتتركه. ومنهم المنحني بكفيه إلى ركبتيه يلتقط أنفاسه الزاهقة من الركض خلفها. ومن يرميها بنظرات غاضبة متوعدة.
أقترب أحدهم بحذر وهو يمد يمناه قائلاً في هدوء:
"هاتي السلاح يا حلوة دا مش لعب، هاتي يلا ومتخافيش."
ألقت إليه عائشة نظرة ازدراء وقالت بقرف وهي تواري السلاح خلف ظهرها:
"لا، لا، لا مش هديهولك أنا هه."
أسبل الرجل جفنيه ماسحًا كفه بوجهه يحاول السيطرة على ذاته كلا تتلف أعصابه. ومنحها نظرة مطولة بدا فيها مفكرًا ثم تبسم وهو يخطو إليها متلكئًا:
"طيب بصي تعالي نلعب سوا أنا وأنتِ؟"
هزت عائشة رأسها وهي تبعد السلاح من خلفها، لتضمه بكفيها إلى صدرها وقالت:
"لأ، انت بتقول كدا عشان تاخده مني وبتضحك عليا وكدا عيب."
زُهل الرجل من كلماتها ورفع حاجبه مرددًا بتعجب:
"كدا عيب؟ عيب إيه!"
في حين تفعمت نظرات عائشة بالانبهار وهي تنظر للسلاح كمن ملك شيئًا ثمينًا، وتهمس بنبرة انبهار محدثة السلاح:
"إنت جميل، تعرف ماما معاها سلاح وبابا وأختي بس صغير أووي لكن انت جميل."
ثم ضمته إلى صدرها ملثمة إياه تحت اندهاش الحاضرين الذين فغرت أفواههم واتسعت حدقتاهم غير قادرين على التفوه بحرف. وفجأة انتفض الجميع مجلجلًا ما أن أطلقت عائشة طلقة نارية وهي تصرخ وتصيح راقصة بحماس. ثم حادثت نفسها قائلة:
"هييييبه يلا تانــــــــــــــــــــــي تاني، تاني."
وجهت السلاح هذه المرة إلى الرجال الذين هزوا رؤسهم بهلع وصاروا يركضون يمنى ويسرى يتخبطون ببعضهم بعضًا وهي تطلق الرصاص بعشوائية وتقهقه بجنون وانشراح. وعلى غفلة أصاب ذراع أحدهم لتقف مكانها مشخصة عيناها عليه في خوف وانزلق السلاح من يدها قبل أن ترفع كفيها واضعة إياهم على فمها. أسرع أغلبهم إلى زميلهم ليسعفوه سريعًا بينما اقترب أحدهم جاذبًا السلاح من الأرض وصفعها بقسوة وهو يعتدل، لتسقط أرضًا على وجهها.
مر كل شيء في طرفة عين وتزامن مع احتكاك سيارة مندفعة بسرعة فائقة ليخرج منها من جاء بها لهذا المكان وعلى وجهه غضب كفيل بحرق هذا المكان حرقًا. اندفع نحو عائشة التي تنظر إليه واضعة كفها على وجنتها ومسندة بكفها الآخر إلى الأرض. أعانها على النهوض، والتفت لمن ضربها ممسكًا إياه من ملابسه وإنهال عليه ضربًا مبرحًا وهو يصرخ فيه. ثم دفعه على الأرض بقوة. كان ناويًا في قرارة نفسه وهو يستدير أن يعاقبها أشد عقاب لخروجها، ولكن اندفعت عائشة ممسكة بذراعه بكلتا يديها راجفة تمط شفتيها بأعين على وشك البكاء. وطاف بذهنه وهو يتأملها ابنته الصغيرة حينما تتشبث به هكذا، حينما تختبئ خلفه من والدتها ما إن تتعصب عليها، حين تفعل شيئًا خاطئًا وتأتيه مستترة فيه. رق قلبه ولانت ملامحه، وخلبت أحاسيسه. هذه الفتاة تتسلل رويدًا رويدًا لتستحوذ على قلبه وجوارحه شيء خطير ينبئه بذلك. لا إراديًا كان يربت على ذراعها بحنو مطمئنًا إياها وصوته يهمس بنعومة:
"متخافيش أنا جنبك."
شهقت عائشة باكية وهي تؤشر إلى وجنتها هامسة بنبرة مضحكة كطفلة صغيرة تشكو والدها ممن ضربها:
"ضربني بالقلم هنا."
كتم ضحكته لتظهر ابتسامة ساحرة أُهشت من يشاهدون ما يحصل، وقال:
"ما أنا ضربتهولك."
أزاحت عائشة دموعها بكفيها بعصبية وهي تشكي قائلة:
"مكنوش عاوزني ألعب معاهم."
رفع حاجبيه مزهولًا وهو يتمتم:
"تلعبِ إيه بس؟ أنتِ إزاي أصلًا تطلعي من جوه."
صرخ فيها فجأة بآخر جملته فأبتعدت وهي على شفا حفرة من البكاء فبسط كفيه مستدركًا بحنان جارف:
"خلاص خلاص متبكيش تعالي يلا."
أراحت كفها بكفه الممدودة وآخذها للداخل وهذه المرة أغلق الباب خلفها قبل أن يقول أمرًا:
"اقعدي هنا من غير صوت لحد ما أرجع."
لم تلقِ عائشة له بالًا وجلست على المقعد تهز قدميها في حزن لأنها لم تواصل لعبها.
ما أن التفت بعد غلقه للباب جيدًا حتى رأى أحد رجاله يدخل قائلًا في جفاء مكفهر الوجه:
"حسن.. ممكن أفهم البت دي هنا ليه؟ ليه منقتلهاش ونخلص أو..."
لم يستطع إكمال كلامه وإذ بـ حسن يدفعه بقسوة صارخًا فيه وهو يرفع سبابته بوجهه محذرًا:
"إياك تفكر حتى إن أي حد يقرب منها وعزة جلال الله أدفنه."
لم يدرك ما الذي دهاه ما أن خطر على باله فكرة رحيلها. رحيلها؟ كلمة ستكون بعيدة عن قاموسه لن يفرط بها. سيفديها بروحه أن حتم الأمر. لكنها لن تحصل أبناءها. سيفعل ما بوسعه لتتخطى أزمتها هذه القاتلة حينها سيتركها. لكن يستحيل وغير الممكن أن يصيبها شيء وهي بجواره إلى فؤاده.
رفع الرجل كفيه مستسلمًا وهو يتراجع للخلف قائلًا في هدوء:
"تمام.. تمام اهدئ، قررت إنهاردة هتقوم بالعملية ولا إيه؟"
سأل سؤاله ونوى يقترب منه باهتمام.
حك حسن ذقنه مفكرًا ثم هز رأسه قائلًا:
"أيوه، إنهاردة هنهي على البت، أتصل أنت بيه وقولوا إن كل حاجة هتخلص إنهاردة."
أومأ الرجل برأسه وقال متسائلًا:
"وبخصوص التاني دا هتخلص بردوا إنهاردة؟"
نفى حسن قائلًا:
"لأ دا ثأري أنا وبراحتي هاخده. أما دلوقتي فنعمل حسب ما اتفقنا مع ماهر ده وبعدين أفضى للتاني."
دار خلف مكتبه ليفتح إحدى الأدراج مخرجًا مسدسه متفحصًا إياه بنظرة سريعة ووضعه ببنطاله خلف ظهره وهو يقول:
"هروح أجهز كل حاجة دلوقتي، لازم كل حاجة تمشي صح زي ما اترتب لها، مش عايزين ولا غلطة."
تنحى له رفيقه جانبًا وهو يتبعه قال يوصيه:
"تمام بس انتبه على نفسك."
لم يجبه حسن. ولكن التفت فجأة قائلًا:
"محدش غيرك هقدر آمنه على البت اللي جوه دي. خلي بالك منها، تمام؟"
خبط رفيقه على كتفه قائلًا في ثقة:
"اطمن أنت أمانتك في رقبتي."
قالها وهو يضرب بكفه الآخر على رقبته دليل الحفاظ على كلمته، ثم استدرك قائلًا:
"متحطش كلامي في بالك أنا قولت كدا بس عشان أضايقت بس دلوقتي متقلقش هخلي بالي كويس منها."
أومأ حسن قائلًا وهو ينصرف:
"دا العشم بردوا."
وقف فيكتور في نافذة غرفته، عيناه لا تحيد عن الباب الذي مفتوحًا لمصرعيه، يتآكل الانتظار شغاف فؤاده، والقلق ينهش جسده. منذ الصباح والشباب متفرقون للبحث عن عائشة لم يتركوا وسيلة إلا واتخذوها. لا يدري ما سر تلك القبضة التي تشق صدره. مال بجذعه مستندًا بكفيه لحافة النافذة زافرًا بقلق، مسبلًا جفنيه في ألم، مرددًا في حيرة:
"فينك بس يا يوسف؟"
تناهى له صوت بكاء الصغيرة دارين التي على ذراع سجى الواقفة على مرمى بصره تذهب وتجيء بها وهي تهددها عسى أن تسكت قليلًا، فزفر بضيق متنهدًا بثقل. أرهف النظر لـ لمار التي جاءت للتو تسير على عجلة ملقية السلام على سجى وهي تلج شبه راكضة. فإنطلق هو للأسفل وتقابلا على الدرج ليشير إليها متسائلًا:
"في جديد؟ مالك في حاجة حصلت؟"
هزت لمار رأسها نفيًا وهي تستند على الدربزين بكفها قائلة بثقل:
"لأ، عندي مهمة ومداهمة كمان شوية معنديش وقت لازم أجهز أمشي."
أنهت جملتها وإندفعت ترتقي الدرج على عجلة من أمرها فعاد فيكتور للأعلى جالسًا على طرف الفراش بيده الهاتف مجريًا اتصالًا على يوسف للمرة التي لا يدرك عددها للآن. وحينما لم يجبه أحد ألقى بالهاتف إلى الفراش ونهض قائمًا إلى النافذة وعيناه لا تحيد عن البوابة مراقبًا الذاهب والآتي بلهفة، حتى رآه يظهر فجأة جائجًا بخطوات متمهلة، فـ اطمئن قلبه وارتاحت نفسه وتنهد حامدًا الله. فرفع يوسف رأسه للأعلى وكأنه يشعر بوجوده وابتسم له بمحبة مغلقًا عينيه بإشارة ليطمئنه. وتنبه لوجود سجى فتوجه نحوها حاملًا منها الصغير وهو يخرج ليسير بها قليلًا أمام البوابة. وبينما هو يعود أدراجه للداخل رمق دراجة نارية تسير بتؤدة ورجلًا يركباها وإذ بالأخير يخرج سلاحًا موجهًا إياه نحو سجى، فخفق قلبه بعنف وهو يصرخ باسمها راكضًا للداخل وضمها لصدره لذا اخترق الرصاص جسده. صرخات فيكتور العالية باسمه تشق هدوء الليل وترج القلوب رجًا، بينما ضمت سجى الصغيرة بجسد يوسف الذي سقط بين كفيها وهي تبكي صارخة. ودّت لو كانت ترى، لا، لا في تلك اللحظة حمدت الله كثيرًا أنها لا ترى، فكان من الصعب أن تشاهد خالها قتيلًا بين يديها. ألم يكف القدر عن أوجاعها؟ أم أنه لا يشبع ويظل يرويها؟ ألم يرَ أرويتها حد الموت! لقد فاضت ألمًا.
خبط فيكتور في طريقه لـ لمار التي كانت كالصنم واقفة على أعتاب المدخل وقد رحل أخوها أمام عينيها. وتعثرت قدمه في قدم المقعد ليقع على وجهه وينهض مجددًا بعينان لا تفارق الحبيب الذي مد كفه له. لماذا فجأة باتت المسافة بعيدة؟ سقط فيكتور بجوار يوسف أخذًا رأسه على ساقيه يهزه بجنون طالبًا منه أن يعيش. في حين رمش يوسف وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة مغمغمًا وهو يرفع كفيه ليلامس وجه فيكتور! أخيه الذي لم يلده من رحم أمه فرزق به من رحم الحياة. وهمس بصوت متألم، متعب، باسم الثغر:
"فـ ... فيكتور حبيبي ... متبكيش خليك قوي أمال مين هيهتم بعيلتي من بعدي؟"
صرخ فيكتور وهو يهز رأسه غير قادر على النطق بحرف ودمعه يسيل كنهرين على وجنتيه.
تعالت صرخات الفتيات والصغار الذين حضروا على أثر صراخ فيكتور وبكاء سجى. بينما دنت لمار بقدمين مرتجفتين كأنما أصيبتا بالشلل وما إن أشرفت عليه حتى شهقت صارخة، باكية، وهي تسقط أرضًا. فأمسك يوسف كفها مغمغمًا بأنفاس تتلاشى:
"عملك يا لمار عندك مهمة وناس بتناديكِ تجيبي حقها مش هسامحك لو مرحتيش."
شهقت لمار مرتمية على صدره تهزه بجنون وهي تتوسله كلا يذهب.
بينما صرخ عثمان وهو يركض للداخل تاركًا ياسين الذي لم يقو على الاقتراب فسقط أرضًا:
"إسعـــــــــــاف عايزين إسعاف بسرعة."
كان يوسف يردد بصره على الجميع مبتسمًا للصغار الذين يبكون بقوة وخديجة التي سقطت أرضًا باكية دون صوت. ألقى نظرة وداع أخيرة عليهم، حافرًا ملامحهم بداخله. فما أن استقر بنظره على سجى حتى ابتسم آخر بسمة وردد لـ فيكتور بتعب:
"خُدني في حضنك، عايز أموت وأنا بين إيديك يا فيكتور زي ما عشنا سوا ومتفرقناش لحظة مش عايز نفترق دلوقتي."
شدد فيكتور بقوة على أحضانه وقد تمزقت أحباله من الصراخ فظل يبكي منتفضًا، باكيًا الفؤاد دمًا، وغمغم بصوت غير مفهوم من البكاء:
"يا حبيبي، متروحش يا حبيبي، هتسبني لمين؟ لا يا يوسف طب خدني معاك يا حبيبي، عشنا سوا خلينا نموت سوا، هعيش لمين دا انت عيلتي، يا حبيبي."
شعر بارتخاء جسد يوسف وثقله بين ذراعيه فصدم وهو يبتعد متطلعًا إليه فكان يهمس بالشهادة قبل أن يسقط رأسه قليلًا، فضمه أكثر وارتفعت صرخاته وهزه بقوة.
نهض فيكتور وألقى على أخيه نظرة وداع حانية، يحفظ فيها صورته في عقله، ويحفر لها مكانًا في قلبه، لتبقى أثرًا لبقية عمره، إذ كان له عمرًا من بعده. تجمدت دموعه بمقلتيه وهو يصوب بصره بـ أثر مغادرة الدراجة النارية، بهالة مخيفة قاتمة تفعمت بحدقتيه، بقلب يتوعد بأشد الانتقام.
مالت لمار لترفع رأس يوسف، وقبلت جبهته والدموع تسيلُ سيلاً من عينيها، ثم ضمت رأسه إلى صدرها بقوة. هذه آخر ضمة... آخر مرة... آخر لمسة. أطبقت أجفانها الوهنة كأنها تحاول كتم وجعها بداخلها، ثم أبتعدت لتنظر لملامحه وسبابتها تتلامس وجهه علها تحفرها بفؤادها، وراحت تقبل وجهه بجنون. آخر قبلة... قبلة الوداع هي، وما أصعبها من وجع. لن تقبله مرة أخرى، لن تراه، لن يمازحها. سيرحل للأبد. لن تستيقظ على صوته الحاني ورؤية وجهه البشوش. لن تتشبع من حنانه واهتمامه مرة أخرى. لن ينادها أحد بأميرتي مرة أخرى. آه أيها القلب توقف، توقف هي غير قادرة على هذا الفراق. لقد اشتاقت من الآن.
ألقت إليه نظرة وداع أخيرة، توعده فيها على الثأر. استوت قائمة وهي تتنهد وتكفكف دمعها، بأعين حادة لا تبشر بالخير هتفت في حدة لا تسفر عن مكنون قلبها من أوجاع:
"العزاء لما أرجع من مهمتي أقوموا باللازم."
ألتفتت إلى عثمان وهتفت في عنف:
"مش هنسيب شغلنا بقا، امشي لازم نخلص المهمة دي إنهاردة، أقسم برب الكعبة ما حد هيفلت من تحت إيدي."
نظر لها عثمان في تيهه، غير مستدرك لما تقوله، ربما تهذي؟
لقد خسرت من كان لها الحياة، الأهل، الأمل، الوجود.
فما الذي ممكن أن تخسره؟
تنهدت بقوة وهي تستدير ولكن فجأة تعالت تأوهات سجى وهي تمسك بطنها ليهرع ياسين إليها، وتصيح لمار قائلة:
"سجى أظاهر هتولد وديها المستشفى."
نظر ياسين لأبيه ثم لزوجته التي تتألم بين ذراعيه ليحملها سريعًا ويحث الخطى للخارج خلفه مكة التي حثتها لمار على الذهاب خلفهم فغادرت وهي تبكي بعنف غير مصدقة أنهم خسروا خالها توًا. ربما كانت في حلم يأسرها. يا ليتها تفيق منه سريعًا. يا ليته كان حلمًا.
استدارت لمار مشيرة برأسها لـ عثمان وغادرت بقوة تُحسد عليها حقًا كانها لم تنهار منذ ثوانٍ قليلة.
تبعه عثمان مزهولًا ناظرًا إليها بقلق يخشى أن تنهار في أي لحظة غير محسوبة.
لا أحد كان يدري ما تعانيه في قرارة نفسها. لقد سقطت في هوة الأحزان والضياع وللنجاة من الألم الذي يأكل قلبها ويلتهم روحها كان لا بد له أن يزول، علها في تلك المداهمة لا تعود. ربما تلحق به. ربما حن عليها القدر الذي لا يرى غيرها. أو ربما تشرق الشمس ويزول كل شيء مع زوال الليل. غريب هو الليل لماذا وهو لا يزول كليًا دون ترك أثر في القلوب. لماذا لا ينصرف بكل أحزانه، وأوجاعه، وتشرق الشمس وتضيء القلوب وتطفئ منها الأحزان.
رواية جحر الشيطان الفصل السابع 7 - بقلم ندي ممدوح
متى تضحك لنا الحياة؟
أُسدلت الشمس تغمر بدفئها الأرجاء، تشرق الحياة بنورٍ جديد لبداية جديدة مبددةً معها هموم الجميع. أنارت بأمل جديد على قلوب الجميع، إلا هُم. لم تشفق لقلب فيكتور الذي كَدَرتُ أيامه، وخيم الظلام قلبه فلم تعد الشمس تشرق ولا القمر يضيء، كأنهم سيضحون على خصام معه. بوجهٍ باهت وعينان متقرحتان وصوتٌ تمزقت أحباله وجسدٌ فقد قوته فبات هشًا، ما زال جسد يوسف قابعًا بين ذراعيه، إلى صدره في قلبه، يُسند برأسه على رأسه كأنهم لوحة بديعة تعبر عما يكنهُ. منهم من ذهب للمشفى ليقفوا مع سجى بقلبٍ فاقد للحياة، بينما المداهمة التي شُنت على وكر الإرهاب بتخطيط ممن خسرت توًا أخاها، أُنتصرت وتم القبض عليهم.
بالمشفى تنهد ياسين في قلق وهو يجوب أمام غرفة العمليات في قلق، وعلى المقعد جلس أدهم مسند رأسه إلى الجدار مطبقًا جفنيه في وهن مداريًا ألمه. بجواره مكه وسمر.
فُتح الباب ليهرع ياسين إلى الممرضة التي خرجت بطفلٍ صغير بين ذراعيها وبسمة مشرقة على ثغرها. فتلألأ ثغر ياسين ببسمة وتسللت الدمعات متوارية، متنحنًى وهو يمد كفيه بقلبٍ خافق. فناولته الممرضة الرضيع هامسة في فرحة: "ولد، مُبارك ربنا يجعله ذرية صالحة عليكم".
ضمه ياسين لصدره ولم يتمالك دموعه فبكى موليًا ظهره. هو متيقنٌ يقينٌ تام في عوض الله وفرجه، لكن أن يأتي بهذه السرعة؟ مرطبًا قلبه لهو شيءٌ مُحال. لكن ما المحال؟ وهو الحنان المنان.
ضحك بخفوت من بين دموعه مهمهمًا: "يوسف، هسميك يوسف".
دنت الممرضة لتاخذه وهي تقول: "لو سمحت هات الطفل أنا جبتهولك زي ما طلبت بس لازم يدخل الحضانة عشان نازل في السابع".
أومأ ياسين وهو يناولها لها برفق وتساءل في لهفة: "سجى.. سجى عاملة إيه؟"
ردت الممرضة ببسمة: "بخير، تقدر تشوفها دلوقتي".
أومأ برأسه وهو يتلفت حوله كـ التائه، فربت أدهم على كتفه قائلًا: "خد البنات وروح اطمن على سجى وأنا هروح مع يوسف الصغير".
امتثل ياسين له دون وعي وتوجه للغرفة ليطمئن على ملكة قلبه.
بعد مراسم الدفن وتفرُق الجمع، أفترش فيكتور الأرض بحالة لا يُرثى له ينعي قلبه الميت. تقابله لمار لا تقل حاله عنه، بينما رحل الجميع حين أصروا على ذلك. لقد سقطَ الاثنين في هوة الفراق، وهذا حال كل مرءٍ اتخذ من شخصٍ واحد الحياة، فإذا فقده فقد نفسه وبقَ جسدٌ دون روح فـ انتظار أن يتوارى أسفل الثرى.
الحزن كلمة خفيفة النطق، مضمونها صعب، وواقعها أليم.
بملامح باهتة وكفٌ يلامس المقبرة بوهن، مضت بذهنها آخر نظرة وداع للحبيب الراحل فتهدج صوتها وشهقت باكية تهمس بنبرة تقطع نياط القلب: "لا تقل وداعًا أبدًا، بل قُل إلى اللقاء، لأننا حتمًا سنلتقي، إن لم يكن هُنا فهناك في الفردوس الأعلى يا يوسف".
علا نحيبها وهي تغط وجهها في كفيها، تراودها جسمان أخيها قبل أن يهديها نظرة الوداع.
ما أن دوى نحيبها مجددًا حتى انفجر فيكتور باكيًا. لماذا عليه أن يُعذب فيمن أحب؟ كان يوسف عائلته حينما كان وحيدًا، لذا مات قلبه وفارقت روحه. كان في الدنيا معًا، فهل سيكونا في الأخرى؟
وفي ثنايا أنهماكهما صُدح صوت خديجة تقول بوله وهي تضع كفها على كتف لمار: "كفاية عياط".
ضغطت على شفتيها وهي تغلق جفنيه باكية لا تدرِ هل تواسيهم أم تواسي نفسها، فـ الفراق صعب للغاية مؤلم شديد الألم يُفقدنا الحياة.
امتزج بكاءهم لدقائق قبل أن تربع خديجة ساقيها أسفلها وترفع المصحف قائلة بقوة: "كفاية عياط دلوقتي يوسف محتاج لدعواتنا، هو عند الرحمن دلوقتي".
وعلى كلمات خديجة رن بذهن فيكتور كلمات يوسف ذات يوم: "لما اموت مش عاوز حد يبكي عليَّ، لو بتحبوني هتدعولي وتسئلوا الله ليا الرحمة وطلعوا صدقة".
فزاح دمعهُ بعصبية وهو يطالع ذاته مستغربًا كيف استحوذ الحزن عليه حتى نسى أن يدعوا لتؤم روحه، فأمر لمار أن تكف عن البكاء وهو يؤكد كلمات خديجة التي بدأت في تلو القرآن لتضع لمار رأسها على كتفها، فـ احتوتها خديجة بذراعها ملثمة جبهتها.
مرت أيام العزاء وخف المعزين من المجيء. خرجت لمار من غرفتها لاول مرة منذُ ذهابه الذي ترك وجعٌ جاثمًا بالفؤاد. سارت بالممر بخطوات بطيئة للغاية تتأمل كل زاوية وركن بعينان مُشتاقتان يفيضان بالحنين، ونهضت الذكريات من مرقدها صائحة تهفو ببهجة مشتاقة. تدور كل زاوية وركن على أمل رؤيته. وقفت مستندة بكفها لسور الدرج وشخصت بصرها على باب غرفته. في هذا الوقت كان يخرج ليدنو مصبحًا عليها بوجهٍ يتلألأ نورًا فينير قلبها وتبتهج نفسها، بقبلة الصباح يلتقيها. وخُيل إليها فجأة أنه يقترب فتسمرت مكانها وأشرق وجهها واستشعرت بطيفه يقبل جبهتها ويده تطوقها لصدره. وفي لحظة تلاشى متبخرًا طيفه لتلامس جبهتها وهوت دمعاتها دون صوت فطبقت جفنيها لتغلق على أحزانها وتتابع نزولها. طاولة الطعام هُنا كان يأكلها بحنو كانها طفلته الصغيرة، لطالما أحست أنها ابنته. حركت كفها على مقعدها. رباه، ألن يجلس عليه مجددًا؟
ألن تراَه باسم الثغر ضاحك الوجه يتوسط الطاولة مرة أخرى؟
إلهي؟ لن تضمه لصدرها مجددًا؟ وتشكو إليه شجونها، وتبثُ إليه ما بجعبتها من أفراح وأحزان. ألن تضع راسها على كتفها لتغفو بأمان؟ ألن يمسح على رأسها مجددًا؟ ألن ترى بسمته مرة أخرى؟
يا ويلاه، ألن تراه مجددًا؟ عيناه المفعمة بالحنان، وبسمته الحانية، وضحكته التي تنعش فؤادها. هل حقًا غادر دون عودة؟ متى تتطامن السعادة في قلبها؟ متى؟
دارت حول نفسها تتأمل كل رُكن بسيلٍ من الدموع وضاقت بها الدنيا بما رحبت. لقد ضل قلبها المثقل بالأحزان طريق السعادة، أم السعادة هي من ضلت الطريق لفؤادها؟
رن الهاتف بيدها على إشعار رسالة من رقمٌ مجهول ففتحت شاشته التي تُضيء بصورة الحبيب قبل أن تقرأ فحوى الرسالة بوجهٍ ممتقع وعينان ضائقتان: "كيف حال قلبك اخبريني؟ عجبي أسئل حال قلبك وأنا على يقين أنه ليس بخير ولن يكون. لا عجب يا ابنة الشرقاوي، الفراق مرتين لذات الشخص مؤلم، وخاصةً أنك عشتي خبر موته مرتين. أووه لم يكن هو المقصود أحلف لكِ، كانت ابنتك ها ها أجل سجى ولكن لماذا هو ضحى لاجلها ووقف أمامها يا إلهِ، كم غريبون أنتم ما هذا الحب الذي تكنوه لبعضكم بعضًا، لمَ تموتون لاجل بعض؟ عزائي لكِ يا لمار ولا أخفي عنكِ أمرًا، لقد سُعدت كثيرًا لكسرك وتحطيمك بموته مرتين. إلى اللقاء، ولكن ليس للمقابلة، إلى اللقاء في رسالة أخرى عزيزتي".
مرتين؟... نعم، عاشت وجع موته مرتين! يا ليته لم يعد! وأفرحاه لأنه عاد، عاد فتذوقت مرارة فراقه مجددًا، وتكدر قلبها. لِمَ عليها أن تحيا وجع موته مرتين؟ ما الجرم الذي اقترفته؟
نفضت رأسها بعنف وأوقدت الرسالة غضبها فكورت قبضتها وهي تجز على أسنانها والشرر يتطاير من عينيها. وفجأة صرخت محدقة بالفراغ تخبط بقبضتها بقسوة على الطاولة كمن يعاقب نفسه حتى ظلت تلهث في عنف. ثم نهضت ساحبة هاتفها مرتقية الدرج في خطوات سريعة متجهة إلى غرفة فيكتور. طرقت الباب وفتحته بعنف لتجفل تالا مغلقة المصحف في دهش. فبادرتها لمار قائلة وهي تنظر لفيكتور الممد على الفراش دون حياة: "معلش سيبنا خمس دقايق".
لملمت تالا سجادة الصلاة في عجل وخرجت دون كلمة. لتقترب لمار من الفراش وامسكت قارورة المياه الموضوعة على الكومود. ثم فتحت غطاءه وسكبته على وجهه لينتفض جالسًا ناظرًا لها بغضب. وقبل أن ينهرها ألقت بالقارورة أرضًا وهي ترفع سبابتها في وجهه قائلة: "أنت هتفضل مستسلم كدا وهنسيب حقه؟... لو هتفضل كدا قولي عشان أبدأ أنا لوحدي".
لاذت بالصمت ما أن رأت تغير ملامحه لتجلس على طرف الفراش متطلعة في عينيه مردفة بنبرة أكثر رفقًا: "كنت بفكر انتقم وحدي، بس أنا متأكدة أنا لو عملت كدا لوحدي مش هتسامحني، فـ عشان كدا...".
مدت كفها وهي تضيف في ثقة: "جاهز نحط ايدينا في ايد بعض وتفوق من أحزانك اللي بدمرك دي".
تبسم فيكتور بثقة وهو يصافحها وثورة الانتقام أُضرمت في قلبه، على أهبة الاستعداد ليأتي بحقه ثم يذهب إليه مرتاحًا يشعر هو بذلك. قرب أجله، فما الذي تبقَ له بعد غيابه؟
غادرت لمار لتنتظره بالأسفل. في اثناء ذلك اقترب حذيفة كالح الوجه وقال في وجوم: "أنا عايز أكون معاكِ وأنتِ بدوري على قاتل عمي".
ضيقت لمار عينيها، وقالت في تعجب وهي ترمقه بتفحص: "تدور معايا؟! ليه؟"
أشاح حذيفة بوجهه مجيبًا باقتضاب: "من غير ليه".
رفعت حاجبها مزهولة وقد خامرها الشك لتدير وجهه إليها سائلة وهي تدقق النظر فيه: "حصل إيه يا حذيفة؟"
تجمعت العبرات في محجريها فدنت منه أكثر بقلق متسائلة بقلب أم وحنان عمه: "مالك يا حذيفة في حاجة حصلت معاك؟"
اندفعت أسماء كأنها تملكت فجأة قوة عجيبة غير تلك الزابلة ضربت بكفيها على صدره لتقبض على ملابسه بقوة صارخة ببكاء صارخ وهي تنظر للمار بملامح شاحبة: "هو دا اللي قتل أبويا، صدقيني هو، أنا شفته".
صُدمت لمار من كلماتها لتنظر إلى حذيفة الذي لم يأبه بها مستسلمًا لضربها متفهمًا لحالتها حزينًا لأجلها رغم حزنه.
جذبتها لمار من مرفقها ودفعتها للخلف وهدرت فيها: "أنتِ اتجننتي ولا موت أبوكِ ضرب عقلك؟ حصلك أي؟"
أطرقت أسماء برأسها وعيناها تذرفان مغمغمة بنبرة وهنه: "صدقيني أنا شفته بعيني هو اللي ضرب النار عليه، شفته وهو على الموتسكل...".
دارها ياسين إليه من معصمها بقسوة وقبل أن يسقط بكفه على وجنتها كانت كف حذيفة حائل بين ذلك ووقف قبالة ياسين وهو ما زال قابض على معصمه: "أيدك متتمدش عليها يا ياسين كفاية اللي هي فيها دي خسارة أبوها، ياسين يا يوسف أحن خلق الله اللي بيحبه قريب وغريب والصغير قبل الكبير".
تشبثت به أسماء كالبلهاء تختبئ فيه كدرعًا حامي محصن لها، وقد كانت توًا تتهمه بغباء.
جز ياسين على أسنانه وهو يدفع كفه قائلًا بجفاء: "انت مش سامع بتقول إيه؟... دي شكلها اتجنت!".
هز حذيفة رأسه قائلًا ببساطة: "اعذرها معلش".
لوح له ياسين بكفه واستدار ليجلس بينما نفض حذيفة ذراعه من ذراعا أسماء وغادر.
تجمع فيكتور وياسين وحذيفة وأدهم وفيكتور وعثمان ولمار أمام شاشة الحاسوب التي تُعرض مشهد موت الغائب... غائب؟ منذُ أيام قلائل كانت الدنيا لا تسعه. غريبة هذه الحياة، فما بين الثانية والأخرى لا ندري ما ينتظرنا. ربما نفقد حبيب، أو يهاجرنا قريب، أو يخذلنا رفيق... وبين هذا وذاك وجب علينا التحمل رغم قلوبنا التي ندهسها دون رحمة لندري ضعفنا.
رؤية مشهد موته، أحيا الذكرى وهاجت القلوب. وشهقت لمار متألمة لتختبئ وجهها قائمة من مكانها وابتعدت آخر الغرفة تبكي بحرقة كأنها محفوفة بكلاليب الأحزان تلتقطها يمنة ويسرة.. دون ذرة شفقة.
جففت دمعها واستجمعت أطراف شجاعتها مع شهقة عثمان الذي أشر باعين متسعة إلى الشاشة مغمغمًا بعدم تصديق: "دا.. دا حذيفة؟!".
نهض الجميع من أماكنهم يتناقلون النظر في بهت. بينما خفق قلب حذيفة وهو يهز رأسه نفيًا يكاد يجن. تقهقر الجميع على كف لمار التي دفعتهم من طريقها و دققت النظر في الشابان فوق الدراجة. ثم نهضت متنهدة براحة ملتفة إلى حذيفة الذي بادر قائلاً بنبرة مرتجفة وهو يؤشر على الشاشة: "دا مش أنا، أنا مستحيل أعمل كدا، يوسف دا كان أبويا التاني".
أومأت لمار بعينيها وجذبته لصدره بقوة تربت على ظهره في هدوء. لينظر حذيفة من خلف كتف لمار إلى ياسين يهز رأسه برفض، ألا أن ياسين تبسم له رافعًا حاجبه يقول ببساطة: "مال الغبي ده!".
ابتعدت لمار عن حذيفة ثم وبدون سابق إنذار هوت على وجهه بصفعة قوية يعقبها سحبها له من مقدمة ملابسه وهدرت في وجهه بغضب: "أنت غبي؟... مفكر إننا هنصدق إن ده أنت؟".
دفعته بحدة على الطاولة ثم أمسكت بمؤخرة رأسه تقربها إلى الشاشة وهي تردف: "بص كويس يا أغبي خلق الله، دا لابس نفس لبسك ومداري وشه، هو أي حد هيلبس ذات لبسك هيكون أنت؟".
رمش حذيفة متاوهًا من شدة قبضتها وهو يقول معتذرًا: "آه.. خلاص أنا آسف.. آسف بقول سيبيني".
دفعته لمار ليرتطم جانب وجهه في الطاولة قبل أن يعتدل مدلكًا وجهه. غابت لمار مليًا شاردة بتفكير وهي تسند بكفيها إلى ظهر المقعد ثم قالت بغموض: "أنا عارفة مين اللي بيوقعنا في بعض كدا".
نظر لها الجميع في اهتمام أن تتابع ليقول ياسين بدلًا عنها: "اللي خطف العيال هو نفسه؟... مش كدا؟".
هزت لمار رأسها في هدوء وسكتت لـ هنيهة قبل أن تلتفت إلى عثمان آمره: "خد صورة الواد ده اللي سايق وتجيبلي كل المعلومات عنه... فاهم؟".
أشار عثمان برأسه في ثقة: "اعتبره عندك".
تُهاجمنا الذكريات دون ذرة رحمة، غير عابئة بقلوبنا المكلومة تنقذف دون هوادة بدواخلنا وتضغط دون شفقة على ندباتنا فتزيدها ألمًا وتزيدنا ألمًا فلا تضمحل أبدًا ولا تتركنا نحيا بسلام.
جلس ياسين شارد الذهن أسير الذكريات الأليمة مريح رأسه لظهر الأريكة مغلقًا جفنيه بقوة كلا تهوى دمعاته. سحبه من قوقعته كف سجى الذي وُضع بغتة على ركبته وهي تجلس بجواره مردد بأسمه برفق. ليلتفت إليها متسائلًا بتنهيدة مثقلة: "يوسف نام يا حبيبتي؟"
أومأت سجى قائلة في هدوء: "أخيرًا نام".
تمتم ياسين وهو يرجع رأسه كما كان: "خليه يرتاح ويريحك شوية".
فاجأته سجى وهي تقول في حزن: "وانت امتى هترتاح؟"
انتفض ناظرًا لها ماسحًا دمعها بحنو هامسًا ببسمة حزينة: "بتعيطي ليه؟ أنا مرتاح يا حبيبي الحمد لله، حد ربنا يمنن عليه بهدية زي القمر وميكونش مرتاح؟ يوسف بدد أحزاني وعوضني شوية".
هزت سجى رأسها وهي تجذب رأسه إلى صدره قسرًا وقالت وهي تربت على رأسه: "متكذبش عليَّ يا ياسين.. الأب عمره ما يتعوض وإذا كان الأب ده زي يوسف يا ياسين... ابكي يا حبيبي وهون عن قلبك متحملهوش اكتر من طاقته".
انفجر ياسين باكيًا كأنه كان في انتظار هذه الكلمات لتهوى دموعه من محجريه وتتحرر أخيرًا. ظل ينتحب وهي تمسح على رأسه باكية دون صوت حتى ضمها ياسين متمددًا على ساقيها يدفن رأسه في صدرها يبكي كأنه يبكي أمام نفسه دون خجل أو خزى، يبكي أبًا لن يعوض، كان له الأب والصديق والحبيب. ما يصبر قلبه قليلًا أن الموت حقًا وهو عند الرحمن وأن الموت آتٍ مهما طالت بنا الحياة.
ثوانٍ، دقائق، ساعات لا يدرك صدقًا كم مر عليه وهو يهون عن قلبه بالبكاء وحمد الله أن رفيقة دربه بجانبه تشعر به وتتفهم ألمه ونفسه. دُق الباب ليعتدل جالسًا وهو يكفف دمعه، لتبادر سجى قائلة له: "ادخل انت وأنا هشوف مين".
دون كلمة توجه ياسين للداخل، وفتحت سجى الباب لتقول مكه بأسف وهي تحمل دارين التي تبكي: "سجى.. اسفة والله بس دارين مش راضية تسكت معايا ومش عارفة أعمل إيه؟"
تبسمت سجى بتفهم وهي تفتح ذراعيها لتأخذها منها، وقالت: "هاتيها أنا عارفة إنها مش هتسكت مع حد غيري؟"
ناولتها لها مكة برفق وقالت في تأكيد: "طيب خديها ولو احتجتي حاجة بس قولي يا مكة وهكون عندك في ثواني".
شكرتها سجى وهي تدخل وتهدد الصغيرة برفق ليصرخ من الداخل يوسف كأنه على علم بأن أحدًا آخر يشاركه والدته. ليخبط ياسين كفه في جبهته قائلًا في غيظ: "يا ابني حرام عليك انت لحقت تصحى؟"
حمله ياسين سرعان ما تقزز سادًا أنفه بأصبعيه مغمغمًا بقرف: "يخرب بيتك وكمان عاملها، تعالَ يا عم أم نغيرلك، أحيانًا بحسك بتنتقم مني يلا".
تبسمت سجى ضاحكة قائلة: "طب خد انت دارين وأنا هغيرله".
نفى ياسين وهو يأتي بالحفاضة: "لا هغيره أنا متقلقيش".
هم ياسين بنزع الحفاض بتقزز وقد بدا جليًا ملامح الوجوم على وجهه، ألقاه سريعًا في سلة النفايات وهو يسد أنفه. فما أن كاد بأن يلبسه الحفاض الجديد حتى بال الصغير وتناثر على وجهه. صُدم ياسين وجحظت عيناه وفجأة علت ضحكات خديجة وهي تضرب كف بكف في استمتاع. لينظر لها ياسين في حدة، وتصيح سجى متسائلة ما الذي يجري لتقول خديجة وهي لا تكف عن الضحك: "كان لازم تشوفي إيه اللي حصل؟ الواد عملها على وش ياسين".
شاركتها سجى الضحك. تاوهت خديجة وهي تحاول كتم ضحكاتها تحت أنظار ياسين الغاضبة. جز ياسين على أسنانه وهو يتفل بجوار الصغير قائلًا: "عبو شكلك يا شيخ دا جزاتي عشان بغير قرفك".
تقززت ملامحه وهو يميل شاعرًا بالتقيؤ. ثم سار نحو خديجة ضاربًا إياها بالحفاض قائلًا بمقت: "اضحكي اضحكي، امسكي يلا روحي غيريله".
انفجرت خديجة في وجهه مقهقه وهي تمسك منه الحفاض متجه إلى الصغير.
طرقت خديجة على الباب ليأذن رحيم من الداخل لها، فطلت برأسها وقالت: "رحيم، أدخل؟"
أجاب رحيم وهو يقترب من الباب متهيئًا للخروج: "أيوه يا ديجا ادخلي، أنا هروح المستشفى وكمان هدور شوية على عائشة ممكن أعرف حاجة فـ خليكِ معاها، معلش هنتعبك معانا".
عاتبته خديجة قائلة: "إيه تتعبوني دي؟ وعد دي اختي الكبيرة انت بتقول إيه يا جدع انت؟"
ضحك رحيم بخفوت ضحكةٌ لم تصل لعيناه الحزينة وقال في استسلام: "خلاص يا ست الكل اسفين".
تنحت خديجة جانبًا ليمر وقالت: "أيوه كدا، ربنا معاك يارب".
أمن رحيم على دعاءها وخرج فأغلقت الباب واتجهت جالسة بجوار وعد الممددة دون حياة.... دون أمل.... دون روح، جاحظة عينيها في الفراغ وكل أطرافها مرتخية. ملست على رأسها وهي تقول ببسمة: "وعود عاملة إيه؟ .... مش كويسة أنا عارفة! لأنك لو كويسة كان زمانك بتدوري على اللي قتل خالك".
تهدج صوتها وفاضت مقلتاها واسترسلت: "يوسف مات يا وعد... عارفة مفيش كلمة توصف اللي في قلبي، أنا مفتقده أوي، ووحشني أوي".
التفتت نحو الباب ما أن فُتح فجأة يتعقبه صوت عاصم الحاني: "خديجة، ممكن نقعد معاكِ؟"
أشارت له خديجة بالدخول فدخل وتبعه باقي الصغار لتقوم خديجة من جوار وعد مفترشة الأرضية وهم حولها. وساد صمت لدقائق قاطعه صوت أروى وهي تهمس في ألم: "خديجة إحنا مش هنشوف جدو تاني؟ ليه؟"
همت أن تجيب إلا أن بادر عاصم متسائلًا: "يعني إيه موت يا خديجة؟"
طرفت خديجة قليلة تطالعهم بسكوت طغى عليها مليًا مفكرة ثم أردفت بحنو: "مين قال جدو مش هنشوفه تاني؟ ما هو عايش جوانا، هو موجود وحاسس بينا ولما ندعيله بتوصله دعواتنا وبيفرح جدًا بيها. الموت يا عاصم؟"
التفتت إليه وسكتت لهنيهة واستتبعت: "الموت حياة تانية ربما جنة أو نار".
تساءل حمزة وهو يحمل أخته شيماء على ركبتيه: "احكيلنا عن الجنة يا خديجة".
ما كادت بأن تجيبه حتى قال خالد: "هو إحنا لو طلعنا صدقة لموت جدو عادي؟"
أومأت خديجة وقالت في هدوء: "بالطبع، الدعاء والصدقة تصل صوبها للميت".
فُزعت خديجة ما أن أبصرت دموع ملك الصامتة لترنوا إليها سريعًا متسائلة وهي تجلس بجوارها: "ملك، مالك بتعيطي ليه؟"
هزت ملك رأسها وحركت أصابعها تود قول شيء لها إلا أنها لم تفهمها فقاطعهما معاذ قائلًا ببساطة: "بتقول افتكرت جدو يا خديجة وإنها وحشته".
زمخت خديجة قليلًا وهي تنظر لمعاذ برفع حاجب وسألت في دهش: "أنت فهمتها إزاي؟"
حرك معاذ كتفيه ببساطة وقال: "عادي، مش عارف".
زَمَّت خديجة شفتيها ومسحت دمعات ملك المتساقطة وأردفت: "متبكيش يا ملك كل ما افتكرتيه ادعيله أفضل".
ساد صمت حزين معبق بالذكريات، ففكرت خديجة قليلًا قبل أن تلفت انتباه الصغار قائلة في حماس: "إيه رأيكم أحكيلكم قصة سيدنا آدم أبو البشر".
رفع الصغار أنظارهم إليها دون حماس ولكنهم رضخوا في النهاية ينصتون إليها في اهتمام رغم حزن قلوبهم، فتنهدت خديجة متبسمة وسرحت بأفكارها وقالت: "خُلق آدم في الجنة، أخبر الله عز وجل ملائكته بخلق آدم عليه السلام فقال تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة} (البقرة:30). في الآية إخبار من الله تعالى لملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة عنه، يقيم أمرها، ويصلح شأنها. فاستفسرت الملائكة حكمة خلق الله للإنسان، وقد علمت أن منهم من سيفسد في الأرض، ويسفك الدماء، فإن كانت الحكمة من خلقهم هي العبادة فهم يعبدونه فقالوا لله {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} [البقرة: 30]. فأجابهم الله عز وجل عن استفسارهم بأنه يعلم الحكمة التي تخفى عليهم فإنه -سبحانه- سيخلق بني البشر ويجعل فيهم الرسل والأنبياء والصديقين والصالحين والشهداء، والعلماء والعاملين لدين الله، والمحبين له، المتبعين رسله، قال تعالى: {قال إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30]. وخلق الله -سبحانه- آدم من تراب الأرض ومائها، ثم صوره في أحسن صورة ثم نفخ فيه، فإذا هو إنسان حي من لحم ودم وعظم، وكان ذلك يوم الجمعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)_[متفق عليه] وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحَزْن (الصعب)، والخبيث والطيب) [الترمذي]. وعلم الله سبحانه آدم الأسماء كلها فقال تعالى {وعلَّم آدم الأسماء كلها} [البقرة:31]. وأراد الله عز وجل- أن يبين للملائكة الكرام فضل آدم ومكانته عنده، فعرض جميع الأشياء التي علمها لآدم على الملائكة، وقال لهم: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} [البقرة:31]. فقالوا: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } [البقرة:32]. فأمر الله آدم أن يخبرهم بأسماء هذه الأشياء التي عجزوا عن إدراكها، فأخذ آدم يذكر اسم كل شيء يعرض عليه، وعند ذلك قال الله -تعالى- للملائكة: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} [البقرة: 33]. ودار حوار بين آدم -عليه السلام- والملائكة حكاه لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "خلق الله آدم -عليه السلام- طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب فَسَلِّم على أولئك -نفر من الملائكة- فاستمع ما يحيونك، فإنها تحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله..."_متفق عليه. وأمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم تشريفًا وتعظيمًا له فسجدوا جميعًا، ولكن إبليس رفض أن يسجد، وتكبر على أمر ربه، فسأله الله -عز وجل- وهو أعلم: {يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين} [ص:75]. فَرَدَّ إبليس في غرور: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [ص: 76]. فطردَه الله -عز وجل- من رحمته وجعله طريدًا ملعونًا، قال تعالى: {فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين} _[ص: 77-78]. فازداد إبليس كراهية لآدم وذريته، وحلف بالله أن يزين لهم الشر، فقال إبليس: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82-83]. فقال الله -تعالى- له: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص:85].
طافت عينا خديجة في الصغار، فوجدتهم يحدقون بها في حماس ودون صوت، أو حركة، ينصتون في اهتمام شديد، وهل يوجد شيء أجمل من هذا يستمعون إليه؟
أسبلت أجفانها وهي تستنشق عبير الكلمات وقالت وهي تطالعهم في محبة: "خُلقت حواء من ضلع سيدنا آدم_عليه السلام".
"لماذا سُميت حواء يا خديجة؟" تساءلت بهذا السؤال لمياء في تعجب ممزوج بالحيرة.
فـ أردفت خديجة وهي تنظر إليها: "لأنها خُلقت من ضلع حي وهو ضلع آدم".
ثم استرسلت وهي تردُد بصرها في الجميع: "في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً".
يوصي رسولنا وحبيبنا بالمرأة لنرفق بها، ونحتوي ضعفها ونحسن معاملتها، كلا نحزنها أو نأتي عليها ونعاملها بالمعروف، أن نتجاوز ونصفح عن سيئاتها وأخطائها، نحتويها ونكن لها اليد التي تأخذها من النور إلى الظلام، فهي بحاجة لمن يعلونها على السير دون عوائق.
قالت أروى بانبهار: "هل وصى علينا الرسول يا خديجة! حقًا؟"
أومأت خديجة لها بعينيها وتابعت: "أجل يا قلب خديجة؛ أمر الله -سبحانه- آدم وزوجته حواء أن يسكنا الجنة، ويأكلا من ثمارها ويبتعدا عن شجرة معينة، فلا يأكلان منها؛ امتحانًا واختبارًا لهما، فقال تعالى: {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} [البقرة:35]. وحذَّر الله -سبحانه- آدم وزوجه تحذيرًا شديدًا من إبليس وعداوته لهما، فقال تعالى: {يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى . إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} [طه:117-119]. وأخذ إبليس يفكر في إغواء آدم وحواء، فوضع خطته الشيطانية؛ ليخدعهما، فذهب إليهما، وقال: {يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ . وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) [الأعراف/20]. أي أنما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة من أجل أن لا تكونا ملكين.[طه:120]. فَصَدَّق آدم وحواء كلام إبليس بعد أن أقسم لهما، ظنًا منهما أنه لا يمكن لأحد أن يحلف بالله كذبًا، وذهب آدم وحواء إلى الشجرة وأكلامنها.. وعندئذ حدثت المفاجأة؟!! لقد فوجئ آدم وحواء بشيء عجيب وغريب، لقد أصبحا عرايا؛ بسبب عصيانهما، وأصابهما الخجل والحزن الشديد من حالهما، فأخذا يجريان نحو الأشجار، وأخذ يقطعان من أوراقها ويستران بها جسديهما، فخاطب الله-عز وجل- آدم وحواء معاتبًا: {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} [الأعراف: 22]. فندم آدم وحواء ندمًا شديدًا على معصية الله ومخالفة أمره وتوجها إليه -سبحانه- بالتوبة والاستغفار، فقالا: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}[الأعراف: 32]. وبعد الندم والاستغفار، قبل الله توبتهما ودعاءهما، وأمرهما بالهبوط إلى الأرض والعيش عليها.) وبهذا الذنب هبط آدم وحواء إلى الأرض...
نقر ياسين على غرفة والدته ليطمئن عليها. أدار مقبض الباب ودفعه قليلًا ليطل برأسه فوجدها كـ جثةٌ هامدة تنام على جانبها تضم صورة الحبيب إلى صدرها، العينان الشاحبتان المنهمكتان تدلان على أنهما لم يكتحلا بنوم ولم يرقأ لهما دمع. خطى للداخل بتمهل كلا يزعجها، ثم جلس بجوار رأسها ملثمًا جبهتها استتبعها بكفيها، وأردف بحنو: "أمي، أنتِ كويسة؟"
لم تجبه وإنما انتفضت معتدلة بعد دقائق كمن تذكر شيءٌ فجأة ونهضت قائمة متجه إلى خزنة الملابس لتفتح إحدى ضلفتيها. تابعها بعينيه حتى اقتربت منه بدفتر صغير مدت كفها به له واردفت: "الدفتر ده أبوك كان كاتب فيه أدوية الناس اللي محتاجة كل شهر كان بيبعتهم من غير الناس دي ما تعرف مين اللي بيوصلهم الأدوية دي، فـ دلوقتي أنت هتعمل بوصية والدك وهتكمل أجر والدك".
بلهفة وعينان دامعتان قال ياسين بإيماءة بسيطة: "بابا كان بيعمل كدا؟"
تنهدت حبيبة بثقل وتابعت بجفاء: "وفي أسماء ناس محتاجة عمليات كلم أسماء ترتب كل حاجة".
هوت دمعة من عين ياسين وهو يتأمل الدفتر بحزن. كم اشتاق لوالده، لرائحته تغمر المكان فتزيده بهجة.
أكد لوالدته التي عادت إلى الفراش بقلبٍ ميت قائلًا: "وعد يا ماما طول ما فيا نفس هكمل مشوار بابا".
حينما لم يأتيه رد، تنهد في ألم ووقع بصره على الصينية التي تقبع عليها أطباق الطعام كما هي، فآخذها ووضعها على الفراش أمامه بعدما جلس وظل يلح عليها لتأكل دون جدوى، ولا زال يحاول جاهدًا حتى دلفت سجى بالصغير قائلة بمرح متصنع: "لينا مكان معاكوا ولا نمشي؟"
ألتفت ياسين باسمًا لها وأشار لها برأسه لتدخل: "تعالي يمكن الواد يوسف ينجح في اللي أنا فاشل فيه".
وعلى ذكر اسم الحبيب أشرقت ملامحها بنور الحياة مهللة، لم تغب عن عينيه البسمة التي تلألأت على ثغر والدته فأخذ يوسف من سجى وقال وهو يقربه من والدته التي لم تره للآن: "يوسف زعلان منك يا ماما عشان لسه مشفتوش".
علقت أبصارها بالصغير وهي تعتدل لتضمه لصدره وتلاعبه بهمس فاتسعت ابتسامة ياسين، وقال: "ممكن تاكلي يا ماما عشان خاطرنا".
قالها مقربًا المعلقة من فمها لكنها لم تبالي حتى بالنظر إليه، فدنت سجى بحذر وقالت: "ممكن تاكلي عشان خاطر يوسف طيب ولا هتزعليه منك؟"
قفزت أروى فجأة على الفراش صائحة: "لا هي هتاكل من إيد أروى عشان متزعلش".
صرخ فيها ياسين معنفًا: "يا بنت هتكبي الأكل".
زَمَّت أروى شفتيها وهي تأخذ منه المعلقة قائلة: "طيب ابعد انت كدا عايزة آكل ستو حبيبتي".
راحت أروى تأكلها برفق وقد استجابت لها حبيبة تحت دهشة ياسين الذي رفع حاجبه عجبًا مرددًا: "بقيت تاكل من إيد بنت ابنها وابنها لأ، أنا غلطان أصلًا إني جيت أتحايل".
قالها متذمرًا كالاطفال لتلكزه سجى في بطنه بمرفقها قائلة بضحكة خفيفة: "أُسكت".
أخبرهم عثمان بعدما جاء بكل المعلومات الخاصة بشاب الدراجة أنه موجود في ملهى ليلي، ليتوجهوا على الفور. هبطت لمار وفيكتور درجات الدرج القلائل ودخلا يتلفتون حولهم عنه، لا سيما قد كان المكان مرشق بالنساء والرجال والألوان حمراء وخضراء تشع في المكان ورائحة الخمر تعبق المكان والأغاني الصاخبة تسد الأذان. المنظر كان كفيل ليوقد بداخلها الغضب على ما غارقون فيه هؤلاء الذين نسوا أنفسهم وانغمسوا في الحياة الدنيا وملاذاتها فأستهوتهم ونسوا ما عند الله.
نفخ فيكتور بضيق وهو يدفع أحد السكارى قائلًا: "هو فين دا ملهوش أثر هنا، غور يا عم من وشي الساعة دي".
دقت لمار النظر في الوجوه جيدًا، ثم تبسمت في ظفر ما أن تراءى لها جالسٌ على أحد الطاولات مع فتاة فمالت برأسها ضاحكة: "حبيبنا مشرف أهو وبيضحك كمان".
غابت بسمتها وحل محلها الغضب وهي تجز على أسنانه هامسة بصوتٍ مخيف: "يا حرام هتختفي ضحكته للأبد دلوقتي".
أنهت جملتها سائرة بخطوات سريعة وعلى غرة منه ضربة بكفها الطاولة لتنتفض الفتاة بينما ارتعب الشاب قائلًا بارتجاف: "إنتِ مين؟ وازاي تضرب....."
لم يكمل كلمته، إذ أمسكته لمار من مقدمة ملابسه هامسة بفحيح: "عملك الأسود، موتـــــــــــك.. أنا موتك".
حاول الشاب نزع يدها بملامح مرتعبة بينما توقفت الحركة من حولها وهدأت الأغاني. نزع الشاب كفها وركض سريعًا متعثرًا في رجل المقعد ونهض وهو ينظر لها بزعر. لكنها تقف ببسمة ماكرة على ثغرها تعقد ذراعيها في برود. ما كاد الشاب أن يركض حتى باغتته فيكتور بركلة قوية أطاحته للخلف ثم انكب عليه يبرحه ضربًا. هم بعض الشباب بالاقتراب للفصل عنهم وقد ساد الهرج والمرج لكن طلقة رصاص أُطلقت من سلاح لمار للأعلى جمدتهم بمكانهم وفروا هاربين ما أن صرخت فيهم بـ: "كله يطلع مش عايزة أشوف حد هنا وإلا كله هيشرف في الحجز".
استغل الشاب غفلةً من فيكتور الذي يلهث في تعب ودفعه للخلف وهو يقفز واقفًا راكضًا للخارج، لتهرع لمار إليه تساندة على الوقوف. لمح الشاب الباب متبسمًا كمن ردت له الحياة. ذُهلت نجاته هو من النجاة من تلك المرأة التي لم يرَ مثلها في الوجود. تلاشت بسمته سريعًا ما أن ظهر ياسين أمام الباب يسده بعرضه ورفع كفه ببسمة سمجة ملوحًا له في برود، ثم أعاد كفيه خلف ظهره. استدار الشاب ملتفًا خلفه يبحث يمنى ويسرى عن أي مخبأ يستتر فيه عن أعينهم. رَ الباب الخلفي فارغًا فهرول إليه سريعًا ولكن على غرةٍ تعثر في قدم لمار التي بُسطت في طريقه وقبل أن يعتدل بادرته لمار بعدة لكمات كالمتغيبة. أبعدها ياسين عنه ما أن انهار الشاب غارقةً ملامحه في دمائه: "هيموت كدا من غير ما يعرف حاجة سيبيه".
دفعته لمار وهي تمسح على وجهها بكفها ماسحةً على وجهها تقول في صوت متهدج لاهث وهي ترفع سبابتها: "احمد ربنا أنه نجاك من تحت إيدي وإلا كان زمانك بيدفنوه ويقروا عليك الفاتحة".
تاوه الشاب صارخًا وهو يرمقها بحذر وخوف من أن تبطش به مجددًا.
ضرب ياسين على صدر الشاب قابضًا على ملابسه يرفع جذعه للأعلى ليوجه وجهه الغاضب وجأر فيه: "قتلت أبويا ليـــــــــــــــــــــــــــه".
قال جملته بلكمة على وجه الشاب جعلته يهتز مرتخيًا. ولولا كف ياسين القابض عليه لكان سكن جسده أرضًا.
اعتدل ياسين في وقفته وسحب الشاب خلفه وبكفه الآخر سحب مقعدًا وأجلسه بعنف عليه ورفع قدمة ليضعها بجواره ومال إليه بجذعه قائلًا بتهديد وهو يخرج سلاحه أمام نظراته المرتعبة: "هتحكي كل حاجة ولا هتلف ودور؟ أنا معنديش وقت وأنت مفكش رصاصة وتموت أصلًا".
هز الشاب رأسه وهو يذرد ريقه في ارتياب مغمغمًا بصوت متهدجٌ: "معرفش.. معرفش حاجة".
أنزل ياسين قدمه وهو يحك ذقنه بتفكير يرمقه من طرف عينه هامسًا في برود: "أعصابي بتتفلت بسرعة ولو تفلتت مش هقولك على العذاب اللي هتشوفه، وبــــــــــــردوا هتقول".
صرخ بأخر جملته وهو يضرب كفه في الطاولة، بينما جلست لمار في برود وهي تعقد ذراعيها. يجاورها فيكتور.
قبض ياسين على عنقه واقترب منه بشدة وهمس في هدوء: "صدقني أنا ماسك نفسي عنك عشان مقتلكش بالعافية فـ احكي احسن لك".
هز الشاب رأسه نفيًا، فـ أطلق ياسين طلقة نارية في ذراعه ليصرخ الشاب من الألم وهو يبكي بحرقة ممسكًا بذراعه التي تسيل منه الدماء. ولكن ضغط ياسين على جرحه قائلًا في قسوة: "هااااا شايف أنا حلو معاك إزاي هتحكي ولا لأ".
أشار له برأسه على السلاح فهز الشاب رأسه قائلًا من وسط شهقاته: "هحكي.. هحكي.. اللي انتوا عايزينه، بس ابعد ده عني".
قالها وهو يرفع كفه على وجهه بنظرات مرتعبة من السلاح، فوضعه ياسين خلف ظهره، ثم ربت على كتف الشاب قائلًا ببساطة: "احكي سامعك أهو".
بأنفاس متضطربة وصوتٌ راجف ردد الشاب: "حسن اسمه حسن........"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتقام يليه آخر وتقع أرواح الأبرياء متساقطة كأوراقٍ بالية دون ذنب لا لشيء إلا من وطأة الانتقام......
رواية جحر الشيطان الفصل الثامن 8 - بقلم ندي ممدوح
ما زال للعشق بقية
لا يوجد دواءً لألم الفراق وخاصةً الموت
أنتشرَ رِجال القوات المسلحة في المزرعة الخاصة بـ "حسن الدسوقي" يفتشون كل ركن وزاويا، وقفت لمار واضعة كفيها في كلا جانبيها تكاد تموت غيظًا وغضبًا، المزرعة خالية من كل شيء لا وجود لأي أثر فيها لأحد، يبدوا انهم كانوا على دارية بالمداهمة وألا لِمَ فروا هاربين، قاطع شرودها الغاضب قول احدى العساكر يقول بنبرة خاصة :
- لقينا دول يا فندم!
إلتفتت لمار مكفهرت الوجه فما ان وقع بصرها على الملابس بين يدي العسكري، اتسعت عينيها حتى بدتا كانهما ستخرجان من محجريهما وانتشلتهم من يده في لهفة تقلبهم بين كفيها متسائلة:
- عائشة.. دي هدوم بنتي! لقيتها فين؟
تنحى العسكري جانبًا وهو يشير بكفه لاحدى المكاتب قائلًا بذات النبرة العملية:
- هناك يا فندم.
هرولت بقوة، لا تدري كيف دبت في قدميها، تتلفت بجنون في انحاء الغرفة، تعتقد انها ستجد ابنتها، لماذا خُيل إليها هذا الهاجس؟
تنهدت بيأس مسبلة جفنيها في ثُقل كاد ان يودي بروحها، خرجت باقدام متثاقلة، وسرعان ما اُرتسم على ملامحها الصلابة والحادة مجددًا، و وقفت متنهدة تصلب جسدها، تجمع حولها الرجال وصدح صوت عثمان قائلًا وهو يؤدي التحية:
- تمام يا فندم، ملقناش اي حاجة!
هزت لمار رأسها واشارت لهم ليخلوا المكان ويغادروا....
🌻اللهم اجرنا من النار 🌻
وقف متململًا حائرًا يتنهد في قلق قبل أن يلقي نظرة مختلسة لـ "عائشة" التي تفرق أناملها متذمرة، أقترب منها فجأة ونظر لها قائلًا :
- عائشة، أنا هنزل لازم أشوف ايه اللي حصل واطمن ان كل حاجة تمام والشرطة معرفتش حاجة أنتِ هتفضلي هنا... تمام؟
لم تجبه بل زلت تُردد في حزن :
- انا عاوزة أرجع هناك عشان العب، عاوزة أرجع، وديني يلا.
ظل يُحادثها دون جدوي حتى فاض به فصك اسنانه من شدة الغضب وأمسك كتفيها يوقفها وهزها بعنف:
- أسمعيني وبطلي تكلمي نفسك، أنتِ سامعة؟
تطلعت "عائشة" بعيناه وقد حُجبت الدموع الرؤية عنها فشهقت باكية وهي تولول :
- انت بتزعق فيا ليه؟ انا مخصماك!
كظم غيظه لا يدرِ أيضحك .. ام يبكي على حالتها وكلماتها؟ ولكن بالاخير تبسم ضاحكًا وقد غلب حزنها الطفولي غضبه فقال برفق :
- طب متزعليش مش هزعق فيكِ تاني يا عائشتي!
اتسعت مقلتيها وفغر فمها وشهقت واضعة كفيها على فمها فسلبت لُبه وتوهجت عينيه وهز راسه مقهقهًا:
- ايه مالك مصدُمة ليه؟
أشارت له بكفها ان يميل، فمال باذنه على الفور إلي فمها، كانه سيستمع لسرٌ خطير،فوشوشت له في خفوت :
- إنتَ بتقول عائشتي!!
رفع حاجبه ناظرًا لها بدهش:
-وايه الصدمة من الكلمة دي؟
تقهقرت للخلف رافعة كتفيها تُردد في بساطة:
- انا عائشتك؟ لأ أنا عائشة!
خبط جبينه بكفه لقد كاد أن ينسى الرياح العاتية التي ممكن ان تودي بحياته بالخارج فزفر ومد يده لمرفقها يديرها إليه وقال:
- عائشة انا همشي هتفضلِ قاعدة هنا من غير ما تعملي اي مشاكل وهقفل عليكِ الباب من برا تمام؟
بإيماءة خفيفة قالت :
- طيب.
هم ان يغادر لكنه عاد أدراجه وهو يقول متجهًا إلى التلفاز:
- هشغلك التلفزيون عشان تنشغلي بيه ومتعكيش الدنيا!
قفزت عائشة مصفقة بغبطة وهي تربع قدميها امام التلفاز :
- هيييه، عاوزه اسمع فتيات القوة!
غابت فرحتها وتلاشت بسمتها وقالت في همس:
- ياريت إسلام و وليد كانوا هنا بيحبوهم اوي!
اعتصر قلبه المًا وردد وهو ينظر لها بشفقه:
- وعد مني هجيبلك حق عيالك يا عائشة.
نظر لأندماجها إلى الكارتون ببسمة.
ثم أنصرف صافعًا الباب خلفه وأجرى مكالمة هاتفية وهو يهبط الدرج في سرعة:
- ايوه يا عماد .. عملت أي؟
لم يتلقَ ردًا لثوانٍ قبل أن يجيبه عماد في ارتياح:
- ايوة يا حسن كله عدى بخير مفيش مشاكل، انا دلوقتي في المزرعة استنيت الشرطة تمشي ودخلت، قلبوا الدنيا لكن ملقيوش حاجة ومشيوا، هتصل دلوقتي بالرجالة و.......
أُتسعت عينيه و جُمد الخوف جسده عن الحركة و عقله عن التفكير، دنت منه لمار ملوحة بسلاحها في وجهه بتحذير خفي، فـ ازدرد لعابه في خوف وتناهى له صوت حسن مناديًا في قلق: -عماد! أنت يا بني روحت فين؟ عماد .. في حاجة حصلت ... انا جيلك!
أشارت له لمار بسبابتها في صمت ان يتابع حديثه معه ويطلب منه الإتيان فورًا ، فتابع "عماد" حديثه متلعثمًا من شدة الخوف الذي قُذف إلى قلبه :
ااا ... حسن لا لا مفيش حاجة، بس اتفجات ان الدنيا مقلوبة جامد هنا، هناخد أيام لما نرتب الوسط.
وصلته تنهيدة حسن في ارتياح مع صوت أنطلاق السيارة:
قلقتني ياخي، انا جيلك اهوو وانت اتصل بالرجالة، الشرطة اكيد مش هترجع تاني لمكان فتشت فيه، ولكن بردوا للاحتياط خلي حد من الشباب يراقب الدنيا لو في حاجة يبلغك.
لم يتلق رد فضيق عينية ناظرًا لشاشة الهاتف الذي أُغلق في دهش، ولكنه لم يبالي، بل ذاد من سرعة القيادة، شُرد ذهنهُ قليلًا منذُ متى و (عماد) يغلق الهاتف قبل منه؟
لا بُد أن ثمة شيءٌ ما، أيمكن أن تكون الشرطة هُنالك وفقط يستدرجهُ؟
عند هذا الخاطر ضغط على مكابح السيارة لتقف بعنف محدثة غبار مشوش للرؤية منتشرًا في الأرجاء، ضيق عينيه مفكرًا وأدار مفتاح العربية عائدًا من حيثُ أتى.
🌼 اللهم أصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراما انها ساءت مستقرًا ومقاما 🌼
وقفت ( اسماء) ودمعها ينساب على وجنتيها في صمتٍ تام مؤلم، ما أن دلف ( حذيفة ) غالقًا الباب خلفه، همت بالاقتراب منه ولكنه تجاوزها كانها نكرة لا وجود لها، لم ينظر إليها حتى!
شيعته بعينيها حتى توارى خلف باب حجرة الصغار مغلقًا أياه وراءه، فأغلقت جفنيها لتنهمر الدموع اكثر حتى شهقت باكية قد فاض بها الوجع، لكن يكفي ما ضاع من يدها إلى الآن!
لن يسامحها تعلم ذلك، لكن لا بد من المحاولة، يبتغى ان لا تستسلم.
اتجهت إلى الباب وما همت بالدخول حتى فُتح ومرة اخرى يتخطاها بصمت تام يقتلها، يا ليته يتكلم، ينفجر فيها، يُعاتبها، كم اشتاقت إلى صوته.
وحنانه ومزاحه وحضنة ياويها من هموم الحياة.
أن يصل الحبيب لمرحلة الصمت، لا يتحدث، لا يُعاتب، لا يهتم أعلم أنه لم يعد كما السابق قد تغير شيءٌ ما به، شيءٌ دمره وحطمه وتركه وحيدًا يُعاني، وسلامًا لقلبه الذي فقد الحياة.
لحقت به بسرعة تناديه ولكنه لم يبالي بمنادتها كأنه قد صُم ؟!
دلف لغرفته صافعًا الباب خلفه في وجهها لتنتفض متراجعة للخلف مصدمة، مزهولة، اندفعت تقرع الباب في حدة وهي لا تكف عن البكاء ترجوه ان يفتح ويسمعها، واخيرًا بعدما ضاق بها ذرعًا وكادت تستسلم انه لن يخرج او يفتح لها، فُتح الباب وخرج ومعه حقيبة ملابسه، فتلاحقت انفاسها وهي تهمس في تلعثم :
_ اي ده؟ .... أنت رايح فين؟
كلمة ... كلمة واحدة فقط نطق بها وقام مراسم دفن قلبها :
- طالق .. أنتِ طالق يا أسماء.
هربت الدماء من عروقها، و انتزع قلبها من مكمنة، متسعت العينين في عدم تصديق تطرف ربما تفوق من هذا الحلم المخيف، دفعها من كتفها في طريقه ومر سريعًا دون أدنى كلمة، فانهارت واقعة ارضًا تصرخ بجنون تناديه بقلبٌ ملتاع.
لم تصدق .. هل حقًل رحل ؟
تخلى عنها وتركها وحيدة!
كيف تحيا دون وجوده، ماذا تفعل عندما تضيق بها الحياة بمن تلوذ إذ لم يكن هو؟
ما معنى الحياة ان كان غير موجود فيها!
يا إلهِ المرء يتيتم مرة انما هي تيتمت مرتين دفعةٌ واحدة دون ذرة رحمة، لم يكن زوج كان ابٌ ثاني، وابنها الأكبر، حبيبها، وزوجها وصديق كان الحياة بكل ما تُعنيه الكلمةٌ من معنى.
ستبقى وحيدة ؟ تواجه الحياة بمفردها ؟ حين تُزهد بها الحياة بمن تستغيث من بعده.
هرعت ( ورد ) بفزع إليها ما ان تناهى لها بكاءها تضمها لصدرها بلهفة، ولسان حالها يتساءل في قلق:
- في اي يا اسماء حصل ايه؟
بانفاس متقطعة وصوتٌ يكاد يسمع همست في وهن:
- طلقني، حذيفة طلقني ومشي.
صرخت بقوة كمن للتو استوعب ما قاله :
- طلقني يا ورد هان عليه يسبني، طلقني.
سكتت ( ورد) هُنيهة وقالت في مواساة :
- اهدي يا أسماء حذيفة بيحبك مستحيل يبعد عنك، يمكن محتاج وقت يبعد ويرجع تاني.
هزت أسماء رأسها نفيًا، لن يعود تعلم ذلك، المته كثيرًا جدًا لدرجة لن يمكنه مسامحتها ابدًا، ساندتها ورد على النهوض ثم إلى الفراش ودثرتها بالغطاء وجلست بجوارها تمسح دمعها بحنو تبثها بكلمات صبرٌ ورضى.
اندفعت خديجة إلى الشقة لتبصر الصغار على باب الغرفة باكيان فـ هالها ذلك وهرعت إليهما تتساءل ما الذي حدث، لم تتلقَ ردًا آنذاك ارتمت ملك في حضنها وهي ترتجف فتسرب القلق لقلبها ونظرت لـ مالك الذي قال في تلعثم :
- بابا .. بابا طلق ماما.
- أنت بتقول ايه؟
تساءلت خديجة في عدم تصديق، ولكن نظرة واحدة لحالة اسماء اكدت لها ذلك، فاخذت الصغار إلى غرفتها تحاول تهدات ملك التي تنتفض من الحين للآخر.
🌱 اللهم آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة وقنا عذاب النار 🌱
جالسة تتأفف بملل وهي تعقد ساقيها مسندة إليهما بمرفقيها و وجهها بين كفيها، تنفخ بملل ما بين الثانية والآخرى، تنظر للمكان الخالي حولها إلا منها بضيق وهي تزم شفتيها، وحينما ضاق بها الحال عندئذ ظلت تقلب في قنوات التلفاز حتى وقفت على قناة تُعرض صورة خالها وفتاة تتحدث قائلة :
- الدكتور يوسف الشرقاوي، من أشهر الجارحين في العالم، كم أنه أخ للواء لمار الشرقاوي، توفى دكتور يوسف في حادث غريب مثير للأهتمام حيثُ تم قتلة امام منزله بطلق ناري.....
لم تستطع سماع اكثر من هذا، ظل جسدها يرتعش بشدة وهي تهزي، تمسك بكفيها رأسها تهزه في عنف ترفض موت احد آخر سيحطم فؤادها، امسكت بجهاز التحم الا ان ظهر فيديو يعرض مقتل يوسف فاتسع بؤبؤ عينيها على اخرهما تنهار مع انهيار الجميع امامها، وفجاة اختفى الفيديو وظهرت الفتاة متحدثة مرة آخرى ، فسدت اذنيها كلا تسمع ما ستقوله من كلمات ستطعن روحها، وتحرقها حرقًا، ودت لو تبكي لكن حتى البكاء أقسم بالا يرفق بحال قلبها المكلوم، جذب أنظارها وجه زوجها الحبيب فتبسمت ودنت لتجثو امام شاشة التلفاز حتى بقت قاب قوسين او أدنى تطالع الشاشة باعيُن لامعة، تظهر سيارة زوجها وهو بالداخل وفجأة دوى الأنفجار وتوقدت النيران في السيارة .... فصرخت صرخة رجت لها الجدارن كانت تتلامس الشاشة كأنها تود أخراجهم منها وانقاذهم، مؤلم أن ترَ روحك تحترق أمام عيناك وأنت عاجز عن انقاذ نفسك، تاركًا النيران تلتهمك دون هوادة، رويدًا رويدًا هدأت صرخاتها وبدت كأنها فقدة النطق والحركة، شاحبة للغاية كمن تُسحب روحه منه، مَدت بها الأرض، شعرت بقلبها يتوقف عن دقاته، ولِمَ يدق؟ وقد كان يدق بالأحبة بهم ولهم، وهل من بعدهم حياة ؟
اي حياة تلك وهم ليسوا فيها؟
جف دمعها وما زالت على حالها بالسكون حتى انفجرت ضاحكة وهي تصفق بجنون، جُنت هي صدقًا يا ليت للفراق دواء لنحيا دون الم بعد رحيلهم عنا.
دفع الباب مغلقًا اياه خلفه وأستند بظهره عليه متنهدًا في ظفر لقد نجى !
لقد كان على شقا جُرُفٍ هار من الأنهيار وبمعجزة بات على بر الأمان.
ألتفت برأسه باحثًا عن ( عائشة) فوجدها تجلس بوجهًا شاحب ارعبه فهرول نحوها والقلق وصل به لزروته، جثى امامها متسائلًا في لهفة
- عائشة .. مالك حصل ايه؟
لم يصل له ردًا، فكاد ان يموت قلقًا، صمتها وسكونها بتلك الحالة تصيب قلبه في مقتل!
لو يعلم فقط ماذا دهاها؟
ألح في سؤالها عما حصل فـ اخيرًا رفعت عينيها إلى عينيه وهمست ببسمة بثت القلق في اوصاله:
_ أنا عايزة انام عشان انسى، انا عاوزة أنسى، أنا..
لم تتابع وإنما مالت لتنام على الارضية واضعة ذراعها اسفل رأسها تضم قدميها لبعضهما تطبق جفنيها زاهدة في الحياة ومن بها، تود الاختفاء عن العالم، لا تريد رؤية احد ولا احد يراها، يا ليت يمكنها الاختفاء عن الجميع.
وآهٍ لو يستقبلها النوم دون رجعة لتظل تحيا مع الاحبة حتى وان كانوا داخل حلمٌ جميل يُنسيها قسوة الواقع.
ضاق صدره وهو يطالعها بحزنٌ عميق، لا يقو على فعل اي شيء لها....
🌲 اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك 🌲
وصل إليه مكالمة هاتفية لينهض مبتعدًا من جوارها على مضض يرمق الرقم الغير مسجل في مقت ورد قائلًا :
-الو.
وصل إليه صوت ( لمار) في نبرة صارمة وصوتًا حاد:
- حسن بيـــــــــه ليك امانة عندي.
قال ( حسن) مقاطعها :
- أنتِ مين ؟ وامانة اي؟
تعمدت السكوت قليلًا قبل ان تنتهد في تمهل متعمد وتقول في برود :
- زعلتني آزاي متعرفش لمار الشرقاوي؟
فغر فاه واتسعت حدقتيه وهو يردد اسمها مصدومًا، فقالت لمار ضاحكة :
- ايون انا هي لمار الشرقاوي..
ثُم احتد صوتها، وقالت:
- بنتي بتعمل ايه معاك؟
أغلق ( حسن) الخط فورًا، يجوب الغرفة في قلق بيَّن، عقله قد شُل عن التفكير لحل لهذا المآزق.
انتفض على رنين هاتفة الذي ما زال بين يديه فوجدها زوجته اجاب سريعًا عليها:
- ايوه يا رشا....
قاطعه من اكمال حديثه صراخها الخائف وهي تجأر بصوتها باكية:
- ألحقنا يا حسن، في... في رجالة هنا تعال.....
فارت دماءه وصرخ قائلًا :
- انا جاي انا...
صمت حين وصل إليه صوت رجلٌ أجش يقول :
- يكون احسن تيجي عشان معملش حاجة تندم عليها طول عمرك ... بالمناسبة عيالك قمامير اوي.
صاح ( حسن) فيه على. ذكر اسم ابناءه وهو يركض خارج الشقة ناسيًا بابها مفتوحًا :
- عيــــــــــــــالي لأ متقربش منهم لو لمستهم هدفنك.
قهق الرجل في برود مغمغمًا :
- بحب أنا نقطت ضعف اعداءي.
🌳 اللهم أني أسألك الفردوس الأعلى 🌳
انطلق بالسيارة يقطع الطريق قطعًا ولو بمقدُره لـ طار بها حتى يصل سريعًا، كاد أن يفعل كذا حادث لكنه تفادى في كل مرة، وأخيرًا ها هو يصل قُرب منزله فأوقف السيارة وقبل ان ينزل أخرج سلاحه ضاغطًا على الزناد على اهبة الاستعداد لقتل كل من سولت له نفسه بتهديده بصغاره، ترجل من السيارة في خطوات سريعة غاضبه، ولحسن حظه فـ الظلام يغشى السماء فيما ساعده الا يلفت الانتباه نحو السلاح، كما أنه لا يوجد مارة، هم بالدلوف للبناية لكنه تسمر كليًا وشُلت الحركة جسده إذ باغته أحدٍ من الخلف واضعًا فوهة السلاح برأسه وصوت ( لمار) يهتف في حدة :
- على مهلك رايح فين؟ متقلقش عيالك انقاذناهم!
ألتفت إليها في حذر مضيقًا عينيه يتساءل مندهشًا :
- انقذتوهم ؟!
بإيماءة بسيطة ردت لمار وهي تسحب السلاح من كفه :
- ايون، اللي تفقت معاهم كانوا هيخطفوهم ولحسن الحظ اني كنت هنا قريب.. مهما كان هما ملهمش ذنب..
اذرد لعابه مفكرًا كيف يفر منها وعلى غفلة دفعها بكفيه وركض فجأة لكن سد ياسين طريقة واضعًا كفيه في كلا جنبه، وقال من بين اسنانه :
- رايح على فين لسه بدري!
تأججت النيران في قلب ( حسن ) فـ امامه قاتل أخيه، لا بُد ان يقتص حقه، اندفع إليه وسدد له لكمة لكن تفاداها ( ياسين ) وهو يميل لجنبه ثُم قبض على ذراعه وفي طرفة عين كان يسدد له لكمتين متتاليتان نُزف على أثرها بغزارة، ولكنه تمالك نفسه ودفعه بقوة للخلف ليتقهقر ( ياسين ) متراجعًا خطوتين وهو يلهث، لم يمهله حسن الفرصة وهجم مرة أخرى وما كاد بـ لكمه حتى ركله ياسين بقدمة في صدره سقط على اثرها إذ ذاك انقض عليه ياسين يلكمه دون ذرة رحمة مهتاجًا يصيح في صوتٍ متهدجٍ :
- كنت عاوز تقتل مراتي ليـــــــــــــــــــــه؟
قتلت ابويا وقبلهم خطفت عيالــــــــــــــــــــي!
تجرأت وخطفت حد يخصني.
في كل لكمة وجملة كان يسبه غير متمالكٌ لنفسه، صورة أبيه الحبيبة التي نُقشت على فؤاده تميض امام عينيه، بسمته الرائعة غابت بسبب هذا المتكوم امامه، هذه الخواطر تتدافع دون مثقال ذرة رحمة إلى ذهنه لتفتح جروحه ... مهلًا! تفتحها ؟ هل التئمت لتنفتح مجددًا ؟
🌳 اللهم نجينا من عذاب القبر.. وفتنتة.. وظلمته.. و وحشته 🌳
في غرفة الأستجواب مُلقى حسن على احد المقاعد يحاول التماسك من فرط ألمه، تجلس امامه لمار ممسكه بهاتفه بيدها تشير له في تساؤل :
- بنتي فين؟! لو هنفضل للصبح هنا معنديش مانع نهائي، بس في الاخير هعرف بنتي فين برضاك او غصب عنك.
مالت للأمام مدققة النظر فيه تهمس في حزنٍ مصتنع:
- كدا ميصحش دا خلا وشك شوارع.
رفعت نظرها لياسين معاتبة بتصنع :
- مش عيب يا ابني، بردوا كدا؟
ثُم أضافت وهي تنهض ضاربة بيمناها الطاولة التي بينهما لينتفض مفزوعًا، أمسكت بياقة قميصة مقربة وجهها فيه صارخة بنبرة مخيفة :
- بنتي فيـــــــــــــن؟
نظر لها حسن في ثقة يُحسد عليها بوجهه الذي امتلأ بالكدمات والجروح وقال في يصدق :
- كويسة مأزتهاس! بس لو قولتلك مكانها وخدتيها حياتها هتبقى في خطر!
ابتعدت لمار عنه تحدجه في تعجب وجلست مكانها مشبكة اناملها في بعضهم امامها، وتساءلت :
- مين اللي هيازيها ؟
- ماهر..
نهضت لمار تقرب المقعد على كثب منه اكثر، وساءلت في حيرة :
- مين ماهـر؟
أذرد حسن لعابه وهو يأخذ نفسًا عميقًا مردفًا :
- معرفش .. كل اللي اعرفه انه مصري ولكن عايش في بلاد بره، في يوم رن عليَّ طبعاً كان رقم غريب بس رديت اتفق معايا اخطف العيال عيال عيالك بمبلغ هايل محلمش بيه و وفقت طبعًا وتقتل اخويا لما داهمتوا المكان وخدتوا العيال.
اطبق اجفانه يلتقط انفاسه وتابع :
- طلب مني اقتل بنتين واحدة عائشة والتانية معرفش اسمها كنت هقتلها بس اخو حضرتك وقف قدامها.
كورت لمار كفها وصكت اسنانها وغارة عيناها فجأة فُتح الباب وكـ الثهم الذي لا تدري من اين انطلق، انطلق فيكتور قابضًا على عنق حسن يخنقه بكل قوته صارخًا فيه :
- مش هسيبك زي ما خدت روحه هاخد روحك.
تلوى حسن بين كفيه، يحاول ان يبعد كفيه عن عنقه دون جدوي كانه قد جُثمت كفيه على عنقة بغراء لا يمكن فصله اتسعت عينيه وشحب لونه واستشعر بخلو الأكسجين من حوله، كانت تحاول لمار جاهدة ان تبعده عنه حتى جاء عثمان وبذل قصاري جهده في فصله عنه ففلح اخيرًا، ظل فيكتور يصرخ فيهم وعثمان يضمه بكل قوته يمنعه من الأقتراب من حسن، بينما مسك حسن رقبته يسعل في ألم يلتقط انفاسه المتلاحقة، يستنسق الهواء الذي للتو علُم قدره، يا إلهِ لقد كاد ان يفقد روحه ويكون ميتًا.
أشارت لمار برأسها لـ عثمان ان يخرج فيكتور، فجذبه للخارج قسرًا وما زال فيكتور يرغي ويذبد.
ناولت لمار حسن كوبًا من الماء ليلتقطه منها سريعًا كظمأن حين تنقطع عنه الماء لأيام وتجرعة جملةً واحدة و وضعه امامه في حدة وهو يتنفس في سرعة متنهدًا في عدم تصديق انه نجى من موت ظن انه لن يحور منه.
جلست لمار واضعة قدمًا فوق الآخرى امامه وتساءلت دون ان تعطيه الفرصة ليستريح قليلًا :
- وريني الصور.
اومأ حسن منصاعًا والتقط هاتفه وظل يفتش فيه لدقادئق حتى وجهه ساشته نحوها مرددًا :
- اهوو الصور، والرقم.
ردد وهو يقلب في الشاشة وعلى حين غرة وصل أشعر محتواه جعل قلبه يسقط من مكمنة " تسلم يا حسن، يا راجل مش تقول ان البنت معاك، على العموم شكرًا يا كبير هناخدها واللي مقدرتش انت اتنفذه هنفذه احنا "
كانت عيناه تتسع شيءٌ فـ شيئًا وقد جف حلقه تمامًا ينظر للمار كـ التائهة بينما تتساءل هي بعينية مقلبه نظرها فيه وفي الهاتف، لم يجيبها انما نهض ضائعًا يهتف وهو يتلفت حوله:
- عائشة، عائشة
هم ان يتجه للباب لكن امسكته لمار من تلابيب ملابسه تهدر في قلق :
- مال بنتي؟
ردد بكلمات متقطعة خائفة بقلبٌ يخفق وجلًا :
- هيقتلوها، عرفوا مكانها.
- بتقول ايه؟
راودها سؤال كاد أن يصيبها في مقتل " هل ستخسرها "
🌴 ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا 🌴
اندفع حسن يرتقي الدرج سريعًا خلفه لمار وياسين وعثمان وقوة من الشرطة، وجد الباب مفتوحًا فدخل يدور فيها بعينيه بحثًا عنها، تبعثُر الشقة يدل على انهم اخذوها بالفعل ولا اثر لها، فضاقت به الدنيا واستند على الجدار خلفه وجثى واضعًا رأسه بين كفيه ود لو يستتر عن العالم خلف ستار عازل عن كل البشر كلا يرَ أحد كسرته، فتشت لمار ومن معها الشقة بدورها حتى عادت إليه فبادر هو قائلًا ما ان احس بقربها دون ان يرفع رأسه :
- خدوها.
هذه المرة كانت لمار هي من تنطلق إليه تضربه ضربًا مبرحًا، وهو مستسلم تمامًا دون أدني حركة.
وبينما هما ينزلا الدرج تدفع لمار حسن بحدة امامها تناهى لهم صوت عائشة من احدى الشقق التي فُتح بابها وطلت منه :
- حسن.
وكأن صوتها له القدرة على إعادته للحياة توهجت عينيه واشرق قلبه والتفت متجاوزًا لمار واقفًا امامها يتساءل في لهفة بدت جليه عليه:
- عائشة.. أنتِ كويسة فيكِ حاجة .
- يا بني متسبهاش كدا تاني لوحدها، بفتح الباب كنت خارجة لقيتها كانت نازله مقدرتش اسيبها ومن وقتها وهي معايا.
لُفظت بها مراة تخرج من خلف عائشة....
ضمت لمار عائشة في عدم تصديق، كان الشباب في الأسفل داخل العربيات، شكر حسن المرة وفكرة جنونية استحوذنت عقله فنفذها دون تفكير حيثُ أمسك خشبة في غمرة إنشغال لمار في ضم ابنتها وهوى بها على رأسها، لتتاوه لمار ممسكة برأسها وهي تستدير ناظرة إليه فغمغم هو معتذرًا :
-انا أسف بس شكلي حبيت بنتك ومش هسيبها.
شهقت عائشة في خوف وهي تكتم فمها بكفها واتسعت عينيها حينما همت بان تميل تهمس لوالدتها جذبها حسن مشهرًا سلاح لمار الذي انتشله بعد وقوعها، إلى رأسها ودفعها للأمام ليخرج بها امام الجميع، حفوه الشباب من كل جانب فاقترب ياسين في حذر مرددًا في خوف:
- سيبها متازيهاش...
لم يكمل كلامه إذ ضرب حسن رصاصة في الهواء جعلته يتراج خائفًا على عائشة التي بدت ترتجف في رعدة مرتعبة وهي تشهق وتزفر في سرعة.
اشار حسن لياسين بالابتعاد فامتثل فورًا مبتعدًا عن السيارة ففتح الباب ودفع عائشة للداخل وصعد خلفها منطلقًا، ليسرع ياسين خلفه بعدما طلب من عثمان ان يطمئن على لمار.
🪴 اللهم اهدنا الصراط المستقيم 🪴
لقد أولع بها وما كان ليتركها . . وكيف يتركها وهو يعلم أن ثمة من يريد اذيتها، سيفعل ما بوسعه ومقدُره كلا يصيبها أذى.
بل لعله أراد أن تكون الشيء الوحيد البرئ في حياته، الجزء الذي يحيه ويغمره بالسعادة.
قاد في سرعةٌ فائقة يتخطى كل السيارات كأنه في سباق وقد أقسم الا يخرج منه إلا فائزًا، خلفه ياسين يخبط بسيارته مرارًا بسيارة حسن عساه يقف، وسارت السيارتين إزاء بعضهما في الطريق، يضرب ياسين سيارة حسن التي احدث فيها خللّ لا بأس بها، ألهاه حسن وهو يشهر سلاحه ليطلق طلقه نارية على عجلة سيارته التي دارت حول نفسها حتى ثبتت، اهتاجت عائشة التي كانت ساكنة في غمرة حزنها وصورة انفجار السيارة لا تبارح ذهنها كأنها قد وصمت بداخلها، صدي الإنفجار ينفجر في اذنيها تجعلها تنتفض ويُثب قلبها مهتزًا، يُخيل إليها طفليها يحترقان فيحترق فؤادها.. بل يتلظى كمدًا، ولكن ما أن سمعت صوت اطلاق المار حتى انتفضت متسعت العينين تردد اسم ياسين في صدمة ومدت كفيها تضرب حسن بغل حتى بدأت في نزع يده عن عجلة القيادة التي بدأت تتحرك بهما يمنى ويسر وتهتز ليصرخ حسن فيها يحاول يدفها على المقعد، وفجأة جحظت عينيه رهبةٌ وهو يرَ السيارة تندفع إلى المنحدر، صراخه وصراخها امتزجا سويًا برعدة، حاول أن ينعطف وفلح لتنصدم السيارة في صخرة كبيرة وانكبا هما للأمام لتنصدم رأسهما في مقدمة السيارة مما ادى لشرخ في رأس عائشة التي تهاوى جسدها للخلف مغشيًا عليها، وكذلك حسن.
_ ركل ياسين السيارة يفرغ غضبه بها كا الموتور، يسب نفسه ويسب السيارة، أطبق جفنيه يحاول الوصول لحل لإستعادة عائشة، تنهد في ثقل وهو يشير لسيارة اجرة مارة وزج بنفسه داخلها ممليًا عـ السائق العنوان، طول الطريق عقله لا يكف عن التفكير، حتى قطع سيل توهانه السائق يقول بنبرة عملية :
- وصولنا يا بيه.
نفخ ياسين ممدًا له بالأجرة وترجل سائرًا لداخل المركز ليقابلة عثمان يهتف في قلق وهو يقبل نحوه :
- ايه يا ياسين اكتر من ساعة مفيس ليك اي خبر، فين عائشة قدرت تمسكه؟
جز ياسين على أسنانه ممسكًا بحفنة من خصلات شعره يحاول ان يكظم غضبه باعجوبة متمتمًا في غل:
- ابن ال........ ضرب على عجلة العربية وقفت مقدرتش الحقهم.
أنهى جملته راكلًا الجدار بقدمة..
🌵 اللهم إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين 🌵
تململ حسن وبدأت تنقشع الغشاوة عن عينيه وأمسك برأسه متأوهً وهو يرفع رأسه في تمهل من فوق عجلة القيادة المُنكب عليها، طرف بعيناه عدت مرات حتى أسجماع شتات نفسه، والتفت لـ عائشة بلهفة، يلطم على وجنتها هاتفًا في قلق :
- عائشة .. عائشة فوقي.
تحسس الجرح برأسها في رهبة استولت عليه وخرج من السيارة يدور للجهة الاخرى ركضًا، فتح الباب ومال واضعًا كف اسفل ركبتيها والآخر محاوط بيه ظهرها وهمس في حيرة:
- حصلك أي بس؟
نظر حوله واسرع الخُطى على الرصيف يحاول إيقاف سيارة حتى وقفت احداهم ولج بداخلها بعدما وضع عائشة الغائبة..
انطلقت السيارة بعدما أملاه العنوان لمنزل آخر شيده أنفًا.
أثناء الطريق كان يحاول جهده لإفاقتها دون جدوى وكل محاولاته بات هباءًا، توقفت السيارة وترجل منها و وضعها بالداخل وخرج معطيًا السائق الأجرة، وهرول للداخل مجددًا، توجه للمطبخ محضرًا قرورة ماء فتح غطاءها وملأ كفه ونثره على وجهه لتحرك رأسها في تململ، أنتفضت ما ان رأته أمامها، بل قرييًا منها يكاد وجهه يلتصق في وجهه، دفعته في صدره بحدة و وثبت واقفة وهي تقول في خوفٍ جلي ونبرة متلعثمة :
- انت .. أنت قتلت خالي يوسف، ومشترك مع اللي قتل عيالي.
صُدم من معرفتها بالأمر ولكنه نفى آخر تهمة عنه، وقال :
- لا يا عائشة أنا مش مشترك في قتل عيالك!
انتحبت دون بكاء قائلة:
- بس كُنت عارف، أنت عارف مين اللي قتلهم، وقتلت خالي .. قتلت يوسف حبيبي.
- افهميني بس انا...
نطق جملته التي لم تكتمل وهو يخطو إليها في حذر .. وهي تتراجع في رهبة والرعب سيطر عليها، تهتف في نبرة أوجعت قلبه وألهبت نفسه :
- لأ متقربش مني .. متقربش مني.. متقربش مني أنت مجرم متستهالش تعيش.
الله كم كره نفسه في تلك اللحظة، و ود لو تنشق الأرض وتبتلعه كما انشق قلبه توًا دون رحمة، توجس خفية وهو يرآه تهزى فحث الخطى نحوها وما هم بامساك ذراعيها حتى صرخت في رعب منتفضة بجسدها كله متقهقرة للخلف وصرخة فيه قائلة:
- دفعلك كام عشان تقتل خالي؟ عشان كام ضيعت أخرتك.
بكت هذه المرة منفجرة وهي تسقط ارضً كأن قدميها غير قدرتا على الوقوف وقالت في صوت يقطع نياط القلب كمدًا:
- دفعولك كام تحرق قلب ام على عيالها؟ وتنتزعهم منها؟ مبسوط ؟! الفلوس هدتك السعادة اللي مستنيها؟
قلبـــــــــــــــك راضي؟
ضربت بكفها على صدرها محل قلبها الخافق وقالت وهي تطالعة في حزن واعيُن لا تكف عن سيل الدمع :
- قلبي مش مصدق انهم راحوا، حاسه بيهم حواليا! كنا هنحتفل بعيد ميلادهم اليوم اللي تولدوا فيه ونوروا فيه حياتي وهو نفس اليوم اللي راحوا فيه وغابت حياتي معاهم منك لله على حرقة قلبي.
بسطت كفيها قائلة ببكاء حارق :
- رجعهملي!
سقط مستندًا بكفه على حافة الاريكة مسبلًا جفنيه، آنذاك مات قلبه من كلماتها، وبغض نفسه كثيرًا .. كثيرًا جدًا، وما اقسى ان يكره الإنسان نفسه ويبغضها فلا هو قادر على العيش ولا قادر على الحياة في عذابٌ أليم، كلماتها كانت كالنار في الهشيم تكوي قلبه كويًا وتصعق روحه صعقًا وهوى دمعه هويًا، رفع رأسه ما ان اعتدلت واقفة وتركض تجاه الطاولة في حركة سريعة، وباغتتة بأشهار السلاح نحوه بكفين مرتعشين تضغط على الزناد بظفر وبسمة كألمتغيبة تهتف بآسى :
- هقتلك زي ما قتلت حبايبي
رفع كفه مصعوقًا يهز رأسه نفيًا الخوف سيطر عليه وهو يهمس :
-اهدي وسيبي السلاح من ايدك... انا مقتلتش عيالك.
ضحكت عائشة بجنون تهز رأسها وقالت :
- متحاولش، متحاولش.
نطقت كلماتها متواترة وهي تطلق الرصاص عليه مغلقة عينيها ترتجف، اخترق الرصاص جسده وزهقت انفاسه وخر جثه هامدة على ظهره جاحظ العينين......
فتحت عينيها تصرخ كمن فاقت للتو على نفسها القت السلاح من يدها، تنظر لكفيها بعدم تصديق، تدور حول نفسها، حتى ركضت إليه جالسة خلفة تضم راسه إليها تطلب منه ان يفيق......
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اي ده ايه اللي حصل 🙂🙂 اول مرة اقتل شرير في رواية واعيط عليه، دا عادي ولا ايه؟
يا ترى ايه هيحصل لـ عائشة ؟ عايزة رآيكم وتوقعاتكم.
مش عارفه انا امتى بقيت شريرة كدا 🙂
رأيكم مش هقول تاني 😌
حد عنده سؤال؟ سواء في الرواية او برا عاتي؟
باي بقا في الفصل الجاي.
رواية جحر الشيطان الفصل التاسع 9 - بقلم ندي ممدوح
ما زال للعشق بقية.
المحب لا يعرف الفراق أبدًا.
فلاش الكاميرا لا يكف عن التقاط الصور لجسد حسن المجسّى أرضًا. قوات الشرطة تحيط بالمكان، تفحصه بدقة. نظرات الدهشة مصوبة نحو عائشة التي تنزوي بأحد الأركان، تحاوط ذراعيها في قدامها مسندة ذقنها إلى ركبتيها، تنظر بأعين غائرة وجلة بوجوه الجميع.
انتفضت بغتة واقفة ما إن لمحت والدتها تدخل بلهفة، لتغدو سريعًا ترتمي بين ذراعيها تستتر من العالم فيها. حاوطتها لمار بكلا كفيها تبثها بالأمان. ابتعدت على صوت والدها، يتساءل في لهفة ونبرة قلقة:
"عائشة.. أنتِ كويسة يا حبيبتي؟"
شهقت عائشة باكية تلقي بذاتها بين ذراعيه، تشد بقبضتيها على ملابسه كأنه الأمان الذي لا تود البعد عنه، أمان لطالما طمأنها ولفها بسكينة تتطامن إلى قلبها، أمان لا يوجد مثله نظير. فأمان الأب وحنان قلبه وابتسامة عينيه وضمتهما ودفء ذراعيه لا يمكن أن يكون في مثله. يظل دائمًا هو الملاذ والمتسع مهما ضاقت الحياة.
ما زال أدهم يحتويها بكفيه يهدأها، حتى فجأة رفعت رأسها تنظر لعينيه مباشرةً، وقالت:
"بابا.. هو فين إسلام ووليد؟ حتى زين مشفتهوش؟ أنا عايزة أروح أدور عليهم."
تبادل أدهم ولمار النظر في دهشة. لم تلبث طويلًا أن تلاشت ما أن قال ظابط في ود واحترام:
"أنا آسف جدًا يا سيادة اللواء لمار وأدهم، ولكن لازم ناخد المتهمة."
أدارت لمار رأسها تطبق جفنيها في ألم. لم تتوقع يومًا أن تلقي القبض على قطعة من قلبها وبتهمة قتل!
لم ينتظر الظابط أكثر، بل جذب عائشة ليكبلها بالأصفاد. وأمام أنظارهما ساقت ابنتهما إلى سيارة الشرطة، لتدمع عينا لمار وهي تهمس في حسرة موجعة:
"عملتِ إيه في نفسك يا عائشة؟"
شعرت بكف أدهم يطوق كتفها وهو يهمس في خفوت بجوار أذنها:
"خير إن شاء الله، مش هنسيبها وهتخرج متقلقيش. قولي يا رب."
سارت معه للخارج لترفع عينيها إلى السماء تناجي الرحمن بفؤادها أن يمر هذه الأيام على خير، ولا يؤذيها في أحد من أحبتها مجددًا، ترجوه أن يرفق بحال ابنتها وحالها، وتسأله العوض والجبر.
بأقدام مرتعشة خطت داخل المشفى. تتطلع حولها في اشتياق للغائب الذي كانت تضج روحه فيها. المشفى ليست كما هي، بها شيء ناقص. بسمة غائبة، وفرحة ضائعة. الجميع في حالة حزن، أطباء، ممرضين، مرضى. فالغائب ليس أي أحد، إنه شخص كان يغمر الجميع بحنانه وكرمه. بذل جهده لفرحة من حوله.
وبذل كل ماله في سبيل الله. للفقراء والمحتاجين والمساكين. لم يقل: "لا أدخر المال قد أحتاجه غدًا!" إنما كان يقول: "قد لا يأتي عليّ غدًا، فلماذا أدخر مالًا لن ينفعني؟"
لم تشعر خديجة بدمعها الذي يهوى على وجنتيها، وكم حمدت نقابها في تلك اللحظة الذي تتوارى خلفه الدمعات. وقفت أمام الحجرة التي بداخلها وعد. تستجمع رباطة جأشها، تتنهد وتزفر عدة مرات، ثم أدارت المقبض ودلفت وهي ترفع نقابها، مشرقة المحيا ببسمة تتألق على ثغرها. جلست بجوارها تُحادثها ربما تُبدي أي ردة فعل.
لم تلبث أن بدأت تتلو القرآن بصوت شجي مطرب الآذان.
كان رحيم يسير بطريقه للمشفى شارد الذهن مشتت. موجة غريبة تمتلكه من الضياع. وسوس له الشيطان قائلًا:
"لماذا لا تطلقها؟ لماذا ستدفن نفسك مع امرأة شبه حية! ولماذا ستحافظ عليها؟ سيركض عمرك دون أن تشعر أن ظللت بحوارها. أتركها وتزوج بأخرى."
وابل من الأفكار تجتاحه بلا هوادة وهو يسير كالمتغيب، كأن ثمة من يشده من يده ويفكر بدلًا عنه. وطأة قدميه المشفى، وفجأة حدق فيها مزهولًا لا يدري متى وصل. ثم انفض رأسه وتابع طريقه بوقار ورزانة. استمع لصوت خديجة فعلم أنها بالداخل فطرق الباب وانتظر قليلًا حتى أذنت له، فدخل بصمت واتجه إلى الأريكة وجلس عليها دون أن ينبس، مما أثار عجبها. لكنها رجحت ذلك لإرهاقه البادي على وجهه المنهك. عادت لقراءتها مجددًا.
رويدًا رويدًا بدأ رحيم يطرف بأجفانه في ثقل غير قادر على فتحهما، كأن ثمة من يغلقهما عنوة. ألمه رأسه حتى أحس بأنها ستنفجر فظل يحركها يمنى ويسرى دون صوت. صفير حاد اخترق أذنيه ليسدهما وهو يميل بمرفقيه إلى فخذيه. ولم يلبث إذ إن عاد بجسده للخلف ورأسه أيضًا وغفى. لم يغفى تمامًا، كلا، إن روحه قسرًا ذهبت لمكان آخر.
فجأة وجد نفسه داخل غرفة مظلمة وحية تسعى تجاهه، فأحتار لم يدرك ماذا يفعل ولا يوجد طريق للخروج. ظل يبعد عنها يمنى ويسرى حتى طلع في وجهه وجه أسود مخيف ذو بؤبؤ عينين حمراء كالدم. فأتسعت عيناه وهو يهوى للخلف بظهره على الجدار جاحظ العينين به. أنقذه صوت خديجة المنادي بقلق قائلة وهي قريبة منه بعدما صرخ مستغيثًا مرتجفًا متقلبًا كمن يواجه كابوسًا:
"رحيم.. رحيم.. رحيم.. أنت كويس؟ فوق مالك، بسم الله الرحمن الرحيم.. رحيم."
بصعوبة رمش بعينيه ينظر إليها في تيهة وهو يهز رأسه يمنى ويسرى. فابتعدت خديجة آتية بقارورة مياه كانت بجانبها وناولته له قائلة برنة قلقة:
"رحيم، خد اشرب."
تناولها منها وتجرع منها وللعجب كان حلقه جافًا للغاية مرًا. ثم سكب حفنة بيده ومسح بها وجهه وهو يتنهد بقلب خافق. تساءلت خديجة مرة أخرى عما به، وما هم بإجابتها حتى مال برأسه كاتمًا فمه بكفه شاعرًا بالتقيؤ، فوثب واقفًا وحث الخطى إلى دورة المياه تحت أنظار خديجة الذاهلة.
دقائق وخرج وقد تلاشى الإرهاق وشحوب وجهه. فتقدمت إليه تسأله بلهجة قلقة:
"رحيم أنت كويس؟ اجيبلك دكتور؟"
هز رحيم رأسه نفيًا، وقال:
"لأ مفيش داعي. شكلي خدت دور برد.. هو إيه اللي حصل؟"
تساءلت خديجة بنبرة وبسمة قَلِقَتان:
"متأكد؟ أنت كنت بتحلم بـ إيه؟"
"حلم إيه؟ هو أنا نمت؟" سأل متعجبًا.
فأردفت خديجة:
"أيوه نمت وكنت بتنادي على وعد وبتتنفس بالعافية."
رفع رحيم حاجبيه وقال في دهشة:
"أنا مش بنام في النهار أبدًا."
ثم هز كتفيه وقال في بساطة:
"يمكن غفيت شوية. والله ما أنا فاكر أي حاجة. مش عارف ليه."
توجه إلى وعد ملثمًا جبهتها وكفها الموصل بمحلول تغذية. أستدار لـ خديجة وهو يعتدل، وقال:
"هروح أكلم الدكتور أعرف لو في جديد ولا حاجة. خليكِ جنبها."
أومأت خديجة في تيهة. كل شيء يبدو غريبًا. ما بال رحيم؟ تقسم أن هناك أمرًا ما. لوهلة يكون هو ذاته، وأخرى لا؟ هزت كتفيها واتجهت جالسة جوار وعد تعود لتتلو القرآن مجددًا.
لم تمكث طويلًا وإذ بالباب يفتح بعد طرقة واحدة وتدخل والدتها والصغار معها ويتحول الهدوء إلى ضجيج محبب لقلبها. أقترب عاصم مقبلًا رأس والدته يسأل عن صحتها، لكنه لم يتلق إجابة. فجذبته ورد لحضنها. وبحنان أم أردفت في أذنه:
"متزعلش يا حبيبي ماما تعبانة عشان كده مش بترد عليك."
هز عاصم رأسه متفهمًا، وابتعد عنها ليقف مع الصغار. فتساءلت خديجة وهي تميل على أمها:
"مفيش أخبار يا ماما عن عائشة؟ هتخرج إمتى من السجن؟"
سكتت ورد لهنيهة قبل أن تجيبها شاردة:
"ربنا يستر. عائشة حالتها وحشة."
أدمعت عينا خديجة وهي تدعو في نفسها لها.
في زنزانة يسودها الهدوء. السرائر الحديدية مصفوفة بجوار بعضها يعلوها أخرى. المسجونات يتخذن كُلًا منهن فراشًا. منهن النائمات في غمرة أحزانها، ومنهن الصائحات الجالسات دون صوت يتفكرن. أما هي كانت تقبع فوق فراشها تضم قدميها لبعضهما تحاوطهما بذراعيها. تارة تهذي بأبنائها وزوجها، وتارة... تارة ماذا؟ تصيح صارخة مرتجفة رعبًا بات قلبها معمورًا بالرهبة. ترى حسن بغتة يظهر أمامها غارقًا في دمائه، فتظل تصرخ وتصرخ وهي تنزوي آخر فراشها حتى تتجمع حولها النسوة يهادونها بشفقة. منهن الساخطات الذين يرغين ويذبدن، ومنهم اللاتي يشفقن عليها فيجلسون بجانبها يحاولون معرفة ما بها، لكنها تبقى محدقة في الفراغ كأنها يتراءى لها شبحًا لا يرى إلا لها.
مرت الأيام تباعًا دون جديد. لا شيء يمر أو يزول، ولا الأيام تولي، ولا النور يضيء قلبها. وذات يومٍ كانت مستلقية على جانبها فوق الفراش الحديدي، تحدق في حسن الذي يتراءى لها جالسًا يحدق فيها بحقد. طلع الدمع بعينيها حين نهض مقتربًا منها، فانتفضت شاهقة وهي تستوي جالسة متسعة العينين تهز رأسها بجنون، تبسط كفها لعلّه يقف، ألا أنه تابع سيره نحوها والدماء تغرقه غرقًا. فوضعت كفها ونهضت مبتعدة عن الفراش بحذر تسير بظهرها للخلف وهي تهمس في خوف شديد:
"متقربش لأ، لأ متقربش، خليك مكانك ابعد عني، ابعد عني."
أمسكت بها مسجونتان وهتفت إحداهما بقلق:
"مين يا حبيبتي اللي ميقربش؟ تعالي اقعدي هنا، واستهدي بالله؟"
نطقت إحداهما بسخط:
"يكش يا شيخة عفريت يلهفك صرعتينا ليل نهار بعفاريتك."
دفعت كفيهن عنها وتابعت سيرها بأعين مرتعشة تترقرق بالدمع حتى ارتطمت بطاولة الطعام الذي جاء أنفًا. ألتفتت للخلف بحذر فوقع بصرها على نصل حاد فجذبته سريعًا وحادت ببصرها إلى طيف حسن ثم طعنته بقسوة وهي تهتف:
"قولتلك متقربش ابعد عني."
فتحت عينيها على الصراخ الذي دوى حولها وتجمهر النسوة جوار جسد زميلتهن ذا الجسد المسجى أرضًا تتأوه بألم وهي تمسك جرح بطنها الذي ينزف بغزارة. علا صراخ عائشة وهي تهز رأسها غير مصدقة أنها طعنت إحداهن. فُتح الباب واندفع سيل العساكر ليسعفوا المصابة، بينما جذبوا عائشة معهن ليضعوها في المنفردة.
في يوم جلسة الحكم، تجمع كل آل الشرقاوي جميعهم داخل القاعة، بقلوب وجلة مرتجفة خوفًا مليئة قلقًا. رأوا عائشة في يدها الأصفاد مع أحد العساكر يجرها خلفه حيث وراء القضبان الحديدية. أدمعت أعين الفتيات وهم يهرعون نحوها ممسكين بأعمدة الحديد يحادثونها ويبثونها بالأمل، لكن هي في وادٍ آخر تمامًا. هدوء عم المكان وعاد الجميع لأماكنهم ما أن دخل القاضي بجانبه المستشارين.
وما بين أقوال الشهود والأدلة التي أثبتت جرائم حسن وقتله ليوسف وخطفه لعائشة، أثبتت ورد أنها قتلته دفاعًا عن نفسها، كما أنها تعاني من حالة نفسية أدت لذلك وأثبتت التقارير صحة ذلك. أوضحت ورد أن عائشة ليست في وعيها تمامًا، فما تدري ماذا تفعل. فحكمة المحكمة بإيداعها في مشفى الأمراض العقلية تحت المراقبة.
في غرفة في مشفى الأمراض العقلية، كانت عائشة تتشبث بـ أدهم تنظر إليه في رجاء وإستغاثة تبكي بحرقة ترجوه ألا يتركها، ألا أنه أشاح بوجهه وهو يشير للممرضات ليقتربن فسحبوها عنوة وقام الطبيب بحقنها بحقنة مهدئة حتى هوى جسدها بين ذراعيهم ليهوى قلب أبيها معها، وأمها التي تتطلع من الزجاج الخارجي بألم. قاموا برفعها على الفراش. ومر الطبيب المكلف بحالتها بجوار لمار. وقبل أن يدخل نادته:
"دكتور.."
التفت لها الطبيب ومكث حتى أقتربت إليه فتبسم لها مشيرًا للغرفة مردفًا:
"أنتِ والدة المريضة اللي جوه؟"
هزت لمار رأسها، وقالت:
"آه."
مد الطبيب كفه هاتفًا ببسمة هادئة:
"دكتور هيثم، الطبيب المعالج لحالة عائشة."
صافحته لمار بدورها معرفة عن نفسها، ليأخذها إلى مكتبه بعد خروج أدهم ليقصوا عليه حالتها فتعهد لهم بأن تعود قريبًا بأفضل حال.
غادر الاثنان فهب هيثم واقفًا وخرج من مكتبه وتوجه لحجرتها. فتح بابها وطل برأسه متأملًا إياها قليلًا قبل أن يخطو للداخل بتمهل. وطالع ملامحها الشاحبة بأسف وهو يردف بصوت هامس:
"صعب اللي عشتيه يا عائشة؟ أنا مقدر حالتك جدًا. الله يكون في عون قلبك ويصبرك على فراقهم ويجعلهم شفعاء لكِ يوم القيامة."
سحب مقعدًا وجلس عليه قرب رأسها وظل يحاكيها وهي غائبة تمامًا.
من بوابة المطار كانت تخرج لمار تنظر حولها كأنها تبحث بعينيها عن أحد حتى وقع بصرها عليه فتقدمت إليه باسمة وهي تقول:
"ضياء.. أخبارك إيه؟"
أومأ ضياء في هدوء، مغمغمًا:
"بخير. نورتي المكان."
ثم تنحى باسطًا كفه مشيرًا لها، قائلًا:
"أتفضلي..."
سارت لمار حتى استقرت داخل السيارة في المقعد الخلفي، بينما أخذ ضياء المقعد الأمامي بجوار السائق الذي انطلق فورًا.
ألتفت ضياء برأسه قائلًا:
"هاخدك تستريحي الأول وبعد كده أحكيلك كل حاجة بخصوص ماهر ده."
نفت لمار في غضب هادر لا يقبل النقاش:
"لأ أحكي دلوقتي واحنا في الطريق عنده، ولا أنت مش عارف مكانه؟"
في هدوء أجاب ضياء في ثقة:
"عارف طبعًا."
دار بعينه للسائق ممليًا له العنوان، ثم عاد ببصره إليها وهو يستند بمرفقه على ظهر المقعد مردفًا:
"اللي عرفته عن ماهر ده أنه مصري الجنسية، ومشترك هنا مع منظمة من المافيا يقودها جومالي جهانغير راجل محدش قادر يمسك عليه أي حاجة لحد الآن حتى ابنه الظابط."
ارتفع حاجبا لمار دهشة وقالت في اهتمام:
"ظابط؟"
تابع ضياء مؤكدًا:
"أيوه كان ظابط وانفصل لأسباب غير مؤكدة كان من الكوماندوز. المهم زين مسك حاجات ضد ماهر."
أطرق برأسه قليلًا وعلى وجهه علامات الحزن، لتحثه لمار على المتابعة، فأضاف قائلًا:
"عشان كده ماهر ده قتله!"
تعلقت أنظار لمار فيه مليًا، واستشعرت بحلقة مفقودة. أخترق صوت ضياء أفكارها وهو يقول مع إيقاف السيارة:
"وصلنا."
نظرت عبر النافذة تفحص المكان بعينيها في حذر وهي تسأل:
"هو عايش في بيت جومالي؟"
رد ضياء وهو يستعد للخروج من السيارة:
"آه.."
فتحت لمار الباب بحدة وهتفت بصرامة:
"خليك أنا هدخل لوحدي."
"بس..."
بنظرة من عينيها لم يتم عبارته وأغلق الباب مجددًا.
تقدمت لمار من الباب فسد طريقها رجل وهتف أحدها في غلظة:
"لا يمكنك الدخول يا امرأة، من أنتِ؟"
قلبت لمار بصرها بينهما في غضب، ولكنها سيطرت عليه وهي تقول:
"إن لم تبعدا عن طريقي الآن لا تلومان إلا نفسيكما!"
رد الشاب ساخرًا:
"حقًا؟ وماذا ستفعلين يا امرأة؟!"
قال الآخر ضاحكًا:
"أقسم أني قد أدفئها بين أصابعي ولن آخذ فيها دقيقة، هيا اغربي عن وجهي."
كالأعصار تحركت لمار بغتة، دارت حول نفسها، لتحطم بقدمها أنف إحداهما، وبيمناها لكمة فك الآخر. انحنيًا للأمام يتأوهان بألم وزعر وفي ثانية كانت تهوى لمار بقبضتيها فوق عنقيهما ليخرا أرضًا، فضحكت هي وهي تضرب كفيها مغمغمة في حماس:
"يا رجل لقد جعلتما الحماس يعود وكنت قد فقدته."
تلاشت ضحكتها بغتة كما انطلقت وبصقت عليهما وهي تدفعهما بقدميها وتدخل في خطوات سريعة حتى حاوطها رجال كثر، رافعين أفواه مدفعاتهم الآلية بوجهها، في زم شفتيها في ملل، هامسة:
"آه يا إلهي، هذا الجسد الذي هرم ليس كالسابق ولكني لها."
ما كادت أن تقاتلهم حتى تقدم رجل ذو وقار يسير في هيبة نحوها ذو حلة سوداء وخصلات غلبها الشيب. تفحصت هيئته بنظرة سريعة قبل أن تدفع الرجال من طريقها وهي تهمس:
"أبعدا عن طريقي."
وتابعت وهي تقف أمام جومالي بتذمر:
"يا هذا؟ أيصح أن تودع رجال كهذا؟ من لكمة واحدة خروا أرضًا، عيبًا عليك!"
رد جومالي بذات البسمة الهادئة:
"معكِ حق سيدتي، وجب عليَّ تغيرهم جميعًا."
وواصل منبهرًا:
"لقد أعجبتيني جدًا كيفية دخولك دون خوف والقضاء على رجالي."
ثم انحنى للأمام وهو يضع يمناه على صدره:
"أحييك صدقًا من كل قلبي، لمار الشرقاوي وزادني شرفًا رؤياكِ."
في جمود غمغمت لمار في عصبية هادرة:
"أين ماهر يا هذا؟"
هز جومالي كتفيه مجيبًا في بساطة:
"موجود، ولكن تفضلي لنتحدث."
تبعته لمار حتى جلسا داخل منزله، فمال للأمام قليلًا واردف:
"أتريدين حربًا؟"
تبسمت لمار ضاحكةً وقالت في ثقة:
"إن كان لا بد فهو كذلك."
مالت للأمام وهي تشبك كفيها قائلة بلهجة مخيفة:
"أريد ماهر يا هذا وإلا ستندلع حرب سيموت فيها الكثير... وسآخذه."
عاد جومالي بظهره لظهر المقعد فاردا ذراعيه على حافته في استرخاء قائلًا:
"أنا لا أدري ما بينكما، ولكننه أحد رجالي وأنا لا أترك من طرق بابي يريد مساعدتي. أنا ليس لي عداوة معك يا لمار، وماهر تعالي سأريك مكانه."
هب واقفًا مع انتهاء عبارته وخطى للخارج ولحقت هي به، دلفا لمنزل صغير الحجم بجوار منزله الكبير، ثم وقف على الباب قائلًا لها:
"ماهر هنا وأنا أسلمه لكِ بكل إرادتي، لكني لا أريد حربًا خاصةً معك."
حدقت فيه لمار قليلًا، قبل أن تولج للداخل كالأعصار تبحث في كل زاوية ألا أنها لم تجد أحد.
فخرجت مكفهرة الوجه تجأر في وجه جومالي وهي تجذب سلاح أحد رجاله بغتة مشهرة إياه في وجهه:
"هل تلعب معي يا هذا؟ لا يوجد أحد بالداخل."
رفع جومالي كفه موقفًا رجاله الذين رفعوا مدافعهم الآلية على لمار، وقال:
"لمار.. كنت صادقًا معي، وأنا لست على دراية بمكانه ولا متى وكيف خرج. بالأخير أنا غير مراقب تحركاته."
صمت للحظة ثم قال في ثقة:
"لا بأس سأعرف لكِ أين هو حالًا."
ارتفع صوته مناديًا في صرامة:
"نجيب... نجيب."
جاء نجيب ركضًا يهمس في عجل:
"أؤمرني يا سيد جومالي!"
أمره جومالي وهو لا يحيد ببصره عن لمار:
"اعرف ليّ أين ماهر بأسرع وقت يا نجيب."
رد نجيب وهو يتراجع بظهره:
"اعتبره تحت قدميك في الحال."
أنهى جملته وتلاشى. تلاشى تمامًا في لمح البصر ليقول جومالي لـ لمار:
"أنتِ اليوم في ضيافتنا."
ما كادت شمس هذا اليوم أن تغيب حتى كان هذا الـ نجيب يلقي تحت قدميها شاب نحيل حنطي البشرة متوسط القامة ويهتف في جمود:
"هذا ماهر سيدتي."
ظنت أنها لم تسمعه، إذ أسبلت جفنيها على عينيها المجهدتين، مسترخية تمامًا على الأريكة، فأنفرجت شفتيه وما كاد بإعادة ما قاله حتى فتحت عينيها على آخرهما بطريقة جمدت الدماء بعروقه فانتفض للخلف وللحق هذه أول مرة يهاب أحد. تبسمت لمار بسمة مخيفة وهي تهز رأسها يمنى ويسرى مغمغمة:
"اخرج يا نجيب ثمة فأر عليه أن يدخل المصيدة."
أومأ نجيب عدة مرات، وفر هاربًا في عجل، مغلقًا الباب خلفه، وانتفض مرتعشًا ما أن جاءه صوت جومالي يسأله:
"لماذا خرجت.. ما بك ما هذه الحالة؟"
أردف نجيب لعابه قائلًا في خفوت وهو يمسك قلبه المرتجف:
"إنها تبدو.. تبدو مخيفة، هذا الرجل سيخرج ميتًا لا محالة."
تبسم جومالي بسمة مخيفة وهو يربت على كتفه، وقال:
"أحسنت صنعًا..."
أومأ نجيب في فخر. بينما في الداخل نهضت لمار في تمهل لتدب الرعب بمهجة الشاب الملقى أرضًا. واتجهت نحو الطاولة التي يعلوها طبق من الفاكهة وفوقه سكين أخذته واتجهت نحوه، فزحف الشاب للخلف بأعين تكاد تحرج من محجريهما. تقدمت لمار إليه على مهل، حتى انحنت عليه ملوحة السكين أمام وجهه مغمغمة ببسمة هادئة كأنها تتحول:
"أنت لست ماهر.. أليس كذلك؟"
أومأ الشاب تلقائيًا سرعان ما أدرك ذلك ونفى برأسه مستنكرًا، يردد في تهدج:
"أنا.. أنا ماهر.. ماهر."
من فرط غضبها طعنته بالنصل في ذراعه ليصرخ وهو يتلوى أرضًا ممسكًا بذراعه الذي يسيل منه الدماء، فعادت لمار سؤالها فقال الشاب بنبرة شبه باكية:
"أنا لست ماهر، أنا أحد رجال السيد جومالي وقعت بيننا مشادة، بسبب المخدرات وأنا أسير لديه منذ بضع أيام..."
التقط أنفاسه وهو يتابع لاهثًا:
"اليوم جاء نجيب وقال ليّ أني سأقول باني ماهر لكِ وإلا سينهون نسلي جميعهم."
أمسكت لمار بفكه تثبته وهي تسأل:
"إذن أنت تعمل في المخدرات؟"
أومأ الشاب في ألم شديد وصل لذروته فبدأت أنفاسه تتلاشى، فقالت لمار في بسمة ساخرة:
"إذن تستحق الموت..."
قالت جملتها وهي تعتدل واقفة وفي لحظة كانت تضغط على الزناد تطلق عليه رصاصة، فسكن جسده تمامًا، لذا همست لمار لنفسها:
"إذن ستعرف الآن مع من تلعب يا سيد جومالي."
ارتسم على ثغرها بسمة ماكرة وهي تتجه لتفتح الباب وتخرج لتقابل جومالي في وجهها، فشكرته في امتنان مصطنع ثم قالت:
"يجب أن أرحل الآن يا سيد جومالي.. تشرفت بمعرفتك يا رجل."
رفعت سبابتها مشيرة له في تحذير:
"جثة ماهر بالداخل لا تنس أن تدفنها جيدًا فاكرام الميت دفنه."
أومأ جومالي قائلًا في ثقة:
"بالطبع سيدتي، ولكن لماذا العجل في السفر فلتبقي في ضيافتنا لعدة أيام أخرى."
نفت لمار شاكرة:
"لا لدي مشاغل في القاهرة هذا يكفي، شكرًا لمساعدتي."
تبسم جومالي في بساطة، وقال بنبرة بها رنة الانبهار:
"على الرحب والسعة سيدة لمار، أنا لن أنسى امرأة شجاعة مثلك لن تتكرر."
ردت لمار في ثقة وعين تبرق:
"بالطبع، أعدك أنك لن تنساني ما دمت حيًا."
ثم ودعته ورحلت مغادرة المكان أجمعه في ثقة تحسد عليها وبسمة خبيثة. تنهد جومالي في ارتياح وبسمة مظفرة وفتح الباب فما كاد بدفعه للخلف حتى دوى انفجار دفعه للخلف ليرتطم أرضًا ناسفًا نصف الغرفة آخذًا معه نصف وجهه. صرخ صرخة مدوية رجت المنزل رجًا. صوت الانفجار أتى على أثره كل الرجال ركضًا.
يليها صوت أبواق سيارات الشرطة.
بعد عدة أشهر، ربما مرت أو ربما لم تمر، فهي نعم تمر لكنها تكون ثقيلة على قلوب في غمرة الأحزان. تمر.. ولا الجروح تبرأ.. ولا الألم يزول.. ولا الكسر يجبر.. ولا حرقة القلب تنطفئ ولا العيون تكتحل بنوم ولا ترقأ من دمع. فتح هيثم باب غرفة عائشة بعد نقرة بسيطة على الباب وطل برأسه في ابتسامة مرحة زادته وسامة وردد في مرح صفي محب:
"أخبار مريضتنا إيه؟"
تبسمت عائشة وهي تلتفت إليه تحيد ببصرها عبر النافذة وتعتدل جالسة، وقالت:
"بخير يا دكتور الحمد لله."
وسألت في لهفة:
"هي خديجة لسه مجتش؟"
نفى هيثم وهو يجذب مقعد وجلس على مقربه منها:
"لأ لسه... غالبًا عندها امتحان النهارده.. فمؤكد هتتأخر."
وأستطرد في اهتمام:
"طمنيني عنك عاملة إيه؟"
عادت عائشة ببصرها نحو النافذة، وقالت:
"بخير..."
عادت شاردة مرة أخرى، ترفع ساقيها تحاوطهما بكفيها تسند رأسها على ركبتيها إلى جانب اليسار وراحت تتابع بعينيها دون شغف العالم في الخارج، فـ تنهد الطبيب وقال في خفة:
"إيه رأيك ننزل الجنينة تحت؟"
ردت نافية دون أدنى حركة:
"لأ."
هتف هيثم يرغبها في النزول:
"الجو النهارده حلو جدًا والشمس مشرقة والقعدة فيها جميلة خاصةً وسط الورد."
ثم أردف هامسًا في نفسه:
"وأنا ناقصني وردتي يا وردتي."
تنحنح مغمغمًا ليستعيد جديته، وقال:
"يلا ننزل دا جزء من العلاج يلا بينا."
تأففت بضيق وهي تنظر له بحنق قبل أن تعتدل في مجلسها وتتخطاه للخارج وهي ترغي وتذبذ بصورة جعلته يضحك بصوت مكتوم، وتبعها وهو يتذكر أيام مجيئها الأولى كيف كانت تضربه حتى سببت له جراحًا عدة في جسده من الأشياء التي كانت تلقى إليه فيتفادى بعضها والآخرى تصيبه.
سار بجوارها في الحديقة عاقدًا كفيه خلف ظهره مستمتعًا بهذه اللحظة التي لن تتكرر، فما ندري متى يزورنا الفرح أو يتذكرنا. راحت تتأمل الورود وهي تسير على العشب الأخضر، وأخذها تفكيره لغمرة الأحزان فـ خُيل إليها صغرييها يلهون حولها، وزين بجلس فاردا ساقيه متكئًا للخلف بكفيه، غزا الحنين مهجتها بشدة، وفاض قلبها شوقًا، يا ليتها تستطيع أن تداوي ندوبها بفيض هواهم. جرحها ما زال داميًا لم يبرأ. ولن يبرأ.
أخترق شرودها المتواتر صوت هيثم مناديًا:
"عائشة.. روحتي فين؟"
هتفت بتلقائية مطلقة، بثغر يتلألأ ببسمة مشرقة نادرًا ما تشرق:
"عند العيال..."
تلاشت بسمتها وهي تختلس النظر له كأنها تتذكر واقعها الذي تناسته لدقائق، تنهد هيثم وأشار لها على مقعد قريبًا منهما:
"تعالي نقعد."
سارت دون أن تنبس حتى جلست وجلس بجوارها وساد الصمت قاطعه هو في مرح:
"ما أروع النهار."
لم تجبه ولم تبد أنها استمعت إليه، فمال إليها هامسًا بصدق:
"اتكلمي باللي في قلبك يا عائشة، الكلام بيهون أحيانًا، شاركيني وجعك."
لم يتلق أي ردة فعل غير شرودها الطاغي، فقال في محبة خالصة:
"عائشة لازم تفوقي لنفسك عيشي حياتك أنتِ لسه عندك بنوته زي القمر محتجالك وناس كتير محتاجالك...."
قال آخر عبارته بحالمية، وتنهد مجددًا وأردف:
"متعتبرنيش الطبيب المعالج اعتبريني صديق مستعد يشاركك أحزانك قبل أفراحك ويحتوي وجعك بكل رحابة صدر...."
قاطعته قائلة ونظرها معلق بالفراغ:
"مش مصدقة أنهم راحوا، بطريقة كل ما افتكرتها توجع قلبي وتموته، حاسة أني لما أخرج من هنا وأرجع البيت هلاقيهم مستنيني، ويعاتبوني عشان بعدت."
شهقت دون بكاء، وقالت بصوت متهدج من الألم:
"مش مصدقة أني قتلت إنسان."
ترقرق الدمع بعينيه ولكنه أبى أن يراهم أحد فاقحمهم في مهدهم مجددًا، وتنهد في وجع قائلًا في هدوء:
"دي حاجة غصب عنك يا عائشة، مكنتيش في وعيك، دي حاجة لا تُحاسبي عليها، أنتِ مقتلتش عمدًا عن سبق إصرار وترصد، عقلك كان مغيب."
وأكمل مستطردًا في صدق:
"عيالك وزوجك شهداء في الجنة يا عائشة من مات محروقًا مات شهيدًا عسى يكونوا شفعاء لكِ يوم القيامة أبشري دي حاجة تفرح."
سكت لهنيهة وأستأنف في راحة:
"الفراق صعب أنا عارف ومفيش أصعب منه وخاصةً الموت لأننا بنبقى متأكدين أننا مش هنشوفهم تاني، بس كمان اللي بيصبر قلوبنا أنهم عند الأحَن مننا كُلنا (الحنان) ربنا رحيم أوي بينا بيختبرنا ومن حمد وشكر زاده. قولي الحمد لله وكوني راضية النفس الأرواح أمانة ربنا متغلاش عليه، عيالك في الجنة، ويا لها من فرحة دي جنة يا عائشة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر."
بكت عائشة في صمت ولهج لسانها بالحمد قبل أن تقول بصوت متعثر باكي مرتجف:
"كان نفسي حتى يكون لهم قبر متى وحشتوني أزورهم وأروح أقعد معاهم وأحكي وأشكي، كان نفسي...."
اختلج صوتها بالبكاء فـ دفنت وجهها بكفيها فـ تنهد هو في وجع واعتصر ألم قلبه بداخله وهو يقول في مرح:
"البنت خديجة مجتش ليه؟ تصدقي البنت دي بحبها كدا لله في لله من الناس اللي متتكررش ومش هننسى إن لولاها مكنتيش هتخططي مرحلتك دي."
ضحكت عائشة بخفوت ضحكة لم تصل لـ عينيها، وقالت:
"فعلاً خديجة نسمة من الهواء تتحط على الجرح يطيب."
"علمتني معلومة مهمة إن أي حاجة بتتعالج بالقرآن، لأن القرآن دواء لأي مرض جسدي أو روحي أو نفسي حتى، ربنا يحفظها."
أطلق ضحكة فجأة عالية مزلزلة لتلتفت له في دهشة متعجبة فقال وهو غير قادر على كبح ضحكته:
"في بداية الأيام لما دخلت عندك وبقيتي تصرخي وترمي عليَّ كل ما تمسكه إيدك وفجأة لقيت صوت خديجة جاي كدا من الخلف بيصيح في عيال إخوتك يعضوني....."
شاركته هذه المرة عائشة الضحك وهي تتذكر الموقف ولم تخف عليها ضحكته الساحرة التي ظلت تتابعها في شرود غير متوقع.
استلقى إلى الفراش مشبكًا كفيه أسفل رأسه شاردًا في معتوهته، بسمة مشتاقة مظفرة طافت على شفتاه، مرتاح النفس والقلب عما فعله فيها، حتى لا تكرر فعلتها، سيعلمها من أول وجديد كيف تثق به ثقة عمياء لا يشوبها شائبة، ضحك بإنطلاق وهو يعتدل جالسًا حتى أدمعت عيناه، وخطفته ذكرى سعيدة منذ أسبوعان بعد تعمده الاختفاء عنها تمامًا لأشهر، أما طفليه فكان يحادثهم خلسة عند أخيها في الهاتف، تذكر حفل توقيع روايتها بهذا اليوم بالتحديد تعمد الظهور، وللحق كان يود أن يشاركها فرحتها بكتابها.. كتابها الذي كان له فترة لا تكترث به في خضم أحزانها، ورآها بين حشد من الناس تتجمع حولها فتبسم وتبسمت عيناه وقلبه.. بسمة مشتاقة تفيض بالحنين، ووقف على بعد حتى لا تبصره يتأملها في شغف واضعًا كفيه في جيبي بنطاله، كانت باهتة بدا الحزن جليًا على ملامحها، هزل جسدها للغاية كأنها لم تعد هي. التهمها الحزن التهامًا فلم يتبق منها إلا فتات حطام، ترقرق الدمع في عينيه بغتة بين أجفانه اللذان أسبلهما سريعًا ليخمد عبراته قبل عبورها إلى وجنتاه.
تعلقت في لحظة أنظارهم لا يدري كيف أبصرته فـ نهضت على الفور هاتفة باسمه بلوعة وهي على وشك البكاء، فـ أسرع هو هربًا من المكان أجمعه، دفعت الناس في طريقها بعينين تبحثان عنه في لهفة وقلب موثوب، تلفتت حولها كالمجنونة تنادي باسمه، حتى أقبل ياسين ركضًا إليها ممسكًا بكتفيها، يتساءل في قلق:
"في إيه اهدي.. الناس بتبص علينا."
هزت رأسها وهي تجيب ورأسها يدور بحثًا:
"حذيفة يا ياسين.. حذيفة كان هنا."
ترك كتفيها وهو يعقد حاجبيه متسائلًا:
"كان هنا؟ أنتِ متأكدة."
ألقت نفسها بين كفيه ليستقبلها بحنو صادق وهو يربت على ظهرها مهونًا، كان يدرك أنها تبكي حتى لو كان ألف نقاب يواري وجهها، بكت على صدره بصوت مكتوم، حتى انتفضت بغتة مبتعدة تهتف في لهفة:
"حذيفة أكيد في الشركة أنا لازم أروح."
قال ياسين مستنكرًا برفع حاجب:
"نعم ياختي؟ والناس دي؟"
هزت كتفيها باللامبالاة، هاتفة ببساطة:
"تتعوض."
تركته واقفًا مزهولًا وهي تحث الخطى إلى السيارة، مغمغمة:
"يلا يا ياسين اخلص مفيش وقت."
كاد أن يلطم أو يصاب بالجنون لكنه لم يجد بدًا من أن يأخذها، فاستدار إلى السيارة متذمرًا وهو يسب حذيفة في نفسه. أثقلها الكتمان فـ قالت دون أن تلتفت إليه:
"في رأيك ممكن يسامحني."
قالتها، وتجمعت العبرات بعينيها، فتبسم لها ياسين عبر مرآة السيارة قائلًا في ثقة:
"هيسامحك أصلًا حذيفة عمره ما بيشيل منك، وبعدين ده طلقك وردك في ذات اليوم كأنه نسي فجأة."
قالها، بفم متبرم هازئًا، فـ همست لتأكد لقلبها:
"متأكد."
أومأ ياسين لها بعينيه في حنان مردفًا في مرح:
"متأكد طبعًا، وحتى يا ستي لو عمل نفسه زعلان كتير، هخطفهولك وهبجهولك أهم حاجة ولا تزعلي انتِ."
ضحكت بخفة مرددة:
"تخطفه مرة واحدة."
"أمال في حد يقدر يزعل بنت يوسف."
أوقف السيارة أمام الشركة، فترجلت في لهفة تركض للداخل دون انتظاره، فمغط شفتيه في سخط وهو يترجل ليلحق بها شبه راكضًا، فما أن أستدركها حين وقفت بغتة وظلت تميل وهي تنظر لـ حذيفة الذي يقف مع فتاة زميلته يبدو أنه يراجع ملفًا ما، فـ أمسك بمرفقها كلا تسقط أرضًا قائلًا بضحكة:
"اجمد."
رمقته في مقت، وهي تجز على أسنانها وفي لمح البصر كانت تختفي من أمامه تتحرك في عصبية تجاه حذيفة الذي تعمد أن يبين لها أنه لم يرها، فجأة كانت تديره بحدة مردفة بعصبية وهي تتخصر:
"مين دي يا أستاذ حذيفة؟ وبتضحك ليها كمان!"
رفع حذيفة حاجبيه واخفضهما وبلامبالاة نظر لزميلته متابعًا معها حديثه، فتأججت النيران بعينيها، وأحرقتها الغيرة، فديرته مرة أخرى تقول في نبرة ممتزجة بالسخرية:
"مين السنيورة دي كمان؟"
رد حذيفة في برود مستفز وهو يميل إلى أذنيها:
"واحدة بخونك معاها، فيكِ تقولي حبيبتي."
من فرط عصبيتها وهي تحدجه في غضب دبت الأرض بقدميها وصاحت فيه في ثقة:
"أنت مستحيل تخون أصلًا."
تقدم خطوة.. فتراجعت خطوة، فـ أمسك كتفيها هامسًا بخفوت:
"مين قالك أني مخوّنتكيش."
تطلعت في عينيه وهي تجيب هامسة:
"لأني واثقة في حذيفة."
انفرجت شفتاه ببسمة ساخرة وتركها فجأة عائدًا لزميلته في حين بقت هي متسمرة مكانها تعيد ما لفظت به توًا.
ألتفتت فجأة تبحث عن ياسين الذي جلس واضعًا ساقه فوق الأخرى يتابعهما بإستمتاع. نقلت بصرها إلى حذيفة الذي أشاح بعينيه فورًا عنها.
فاق من شروده على صوت إشعار في هاتفه، فتبسم وهو يلتقطه بخفة وسرعة، وينقر أزراره وكما توقع نشرت منشورًا لتلين قلبه به كحال كل يوم، وراحت عيناه تلتهم أحرف المنشور في شغف:
"وفي نهاية يومي الأليم، وقبل أن أطبق أجفاني غارقة في نوم عميق متمنية أن تزورني في حلم ما، اشتقت إليك يا أجمل هداية القدر."
إلى ابني.
لم يرتوي قلبه من حروفها فراحت عيناه ترتوي من كلمات قلبها مرارًا وتكرارًا دون كلل أو ملل، حتى وصل إليه إشعار رسالة أخرى منها، فتحها سريعًا فكانت:
"أشتاق لبسمة عيناك لتهون آلام قلبي."
اشتقتُ إليك يا حذيفة، لم أعهدك قاسي القلب، أمات حبي أم هُدم حتى تعاقبني بما لا أستطيع عليه صبرًا، يا خليل الله إن أحزنت قلبك مجددًا، ألن تغفر لقلب يتلوى شوقًا وفقدًا؟
اتسعت ابتسامته أكثر، ولم يتحكم بأنامله التي بدأت تكتب لها:
"والله؟"
بدا له أنها لم تخرج من الشات، كأنها قد كانت تشعر أنه سيجيب وراها تكتب حتى ظهرت له رسالتها المزهولة:
"إيه ده؟ حذيفة.. أنت رديت يعني أنت حذيفة؟"
ضحك بإنطلاق وانامله تنقر كاتبة:
"لا عفريته."
وصل إليه ردًا لم يخطر بباله قط:
"حيوان... بارد معندكش دم."
رمش بعينيه وهو يعيد قرأتها حتى كتب مزهولًا:
"ده أنا.؟ فين أسماء الرقيقة اللي لسانها كان بينقط عسل من شوية."
بعثت له إيموشنات ضاحكة قبل أن يصله:
"دي في المنام يا حبيبي."
نظر بازدراء للرسالة قبل أن يكتب متبرمًا:
"أنا غلطان إني رديت أصلًا."
كتبت إليه في لهفة:
"حذيفة استنى متمشيش."
رد في مرح:
"أمشي؟ أنتِ شايفة عفريتي قدامك."
أغمضت عينيها في عصبية وهي تضرب على لوحة المفاتيح في حدة:
"حذيفة.. امشي من وشي."
أرسل لها إيموشن يلوي فمه مع رسالة مضمونها:
"والله أنتِ اللي بعتي مضربتكش على إيدك."
قرأت رسالته وكادت تموت غيظًا وهي تعض على شفتيها قبل أن تكتب:
"يا رب تتحرق وأنت قاعد."
رد إليها في برود مستفز:
"أنتِ اللي هتولعي دلوقتي."
أنهى رسالته عائدًا بظهره لظهر الفراش ضاحكًا في انتشاء ومرح.
جفنيها يغشاهما الدمع، لا تدري لماذا تشعر بالوحدة منذ قطعها، وسلم حالتها لطبيب آخر، نعم هي المخطئة تستحق ذلك فهي من قست عليه بالكلمات الجارحة وطردته شر طردة، لكنها تشتاق لا تنكر لكلماته اللطيفة التي تدخل إلى قلبها فترطبه وتنعشه وتملأه أملًا، كان يشاركها أحزانها ويفهما دون حديث، كان يعاونها أن تكون بخير، لقد كان ذروة النجاة التي أنقذها من هوة الضياع، حسمت أمرها أن تراه الليلة ستخرج من هذه الغرفة وتذهب لمكتبه حتمًا ستتأسف له، سترجوه أن يعود، تود رفيق الحياة بجوارها.
تمتمت وهي تنهض من فوق الفراش:
"أنا مش هقعد كدا لازم أشوفه."
تسللت على أصابع قدميها وفتحت الباب بحذر وأخرجت رأسها، وراحت تنظر يمنى ويسرى في ترقب، فوجدت الممر خاليًا فتسللت للخارج وهي تغلق الباب ببطء كلا يصدر صوتًا. وصعدت الطابق الذي به مكتبه في حذر شديد. وقفت أمام غرفته تفرك كفيها في توتر بالغ وما همت بطرق الباب حتى فُتح وظهر هو متسائلًا بتعجب:
"عائشة.."
وقفت أمامه مطرقة الرأس كالمذنبة، وران صمت مفاجئ على كليهما، قاطعه هو مرددًا في دهشة:
"عائشة.. أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
رفعت عينيها إليه وهي تقول في تلعثم:
"أنا.. أنا جاية أشوفك."
مال برأسه ملتفًا يمنى ويسرى وهو يشير إليها بالدخول:
"ادخلي."
دلفت وأغلق الباب وقال بلهجة جافة:
"إيه جايبك في وقت زي ده؟ لو حد شافك هيتكلم عنك كلام وحش."
فاضت عيناها بالدمع وهي تنظر له في براءة قائلة وهي على وشك الرحيل:
"كنت هطمن عليك، أنا ماشية."
سد الباب بكفه وقد رق قلبه لدموعها وهمس بلين:
"أنا مش بقول كده عشان تزعلي، بقول كده بنصحك من خوفي عليكِ."
ابتسمت فـ لمعت عيناه بهجة وتساءل في حنو:
"كنتِ جايه ليه بقا؟"
لم يعطها الفرصة لتجيب بل تابع بهمس رقيق:
"افتقدتيني صح؟"
أومأت برأسها في صدق، وهمست مطرقة في حياء:
"أنا آسفة."
"أنا بحبك..."
رواية جحر الشيطان الفصل العاشر 10 - بقلم ندي ممدوح
أيقظه رنين هاتفه الذي وقته على الساعة الرابعة عصرًا. مد ذراعه يوقف رنينه المتواصل المزعج، قبل أن يعتدل جالسًا على طرف الفراش، وتنهد مدلكًا جبينه بالسبابة والإبهام، ثم مسح بكفه وجهه ومط ذراعيه متثأبًا وقام واقفًا ودلف لدورة المياه ليستعد لما عليه فعله. لقد غفى ساعتين بالتحديد لم تنقص ولم تزد. لم يلبث أن خرج ليرتدي ملابسه التي كانت عبارة عن بنطال جينز أسود اللون يعلوه معطف طويل أسود ليقيه من البرد القارص بالخارج. خطف عينيه المطر الخفيف المتساقط من نافذة غرفته فأزاح الستار وراح يتأمله بجمود وفي قراره بسمة مشتاقة للحبيبة التي تعشق هذا الجو وتذوب شغفًا للهفو تحت المطر. أستنشق نفسًا عميقًا قبل أن يستدير خارجًا من الغرفة. وقبل أن يهبط الدرج توقف مكانه على صوت والده الآتي من خلفه:
"أراس.. هل كل شيء جاهز؟"
زفر بملل وهو يستدير. أسبل جفنيه وهو يجيب بصبر:
"نعم.. لماذا تسأل هذا السؤال الغبي مرارًا وتكرارًا؟ هل أخطأت يومًا في أي مهمة أقوم بها؟ لا أظن هذا! أم لك رأي آخر؟"
وقف جومالي أمامه واضعًا كفيه في سترته، يقول في برود:
"كلامك صحيح، لكن ما الذي يزعجك في سؤالي لا أعلم!"
أرتكن اراس إلى دربزين الدرج بجسده وهو يردف:
"لا شيء يا أبي.. منذ خرجت من السجن تبدو غريبًا."
هز كتفيه سريعًا وردد وهو يهبط الدرج:
"كل الأمور ستسير على ما يرام يا أبي لا تقلق أنت."
صعد سيارته وأنطلق ينهب الأرض. أنهى عدة أشياء سريعًا قبل أن يوقف سيارته مع تمام الساعة 11 مساءً أمام منزل شاهق الأرتفاع ذو طراز مذهل تحيطه الرجال والسيارات. ولج للداخل برزانة وخطوات ذادته وقار وهيبة وقف أمام رجال جالسين حول طاولة عليها كؤوس من الشاي والقهوة. وقفوا له احترامًا. ما أن طل عليهم بطوله و وسامته. كان عريض المنكبين رياضي الجسد أسمر اللون والخصلات لكنها عيناه غريبة فهي عن قريب تبدو مائلة للرمادي ومن بعيد خضراء. صافحهم جميعًا قبل أن يجلس في زهو وخيلاء وأخذوا يتحدثون عن الصفقة.
فجأة! ران صمت مباغت ليكور قبضته في عصبية لا أحد يدرك سببها. وقتمت عيناه للغاية وقطب حاحبيه وهو ينظر لهم شزرًا. زمجر في غضب مفرط وهو ينهض جأرًا:
"كيف استطعتم فعل هذا؟ لقد بعتوني...."
ارتجف الرجال رعبًا، وتردد أحدهم قليلًا، قبل أن يردد في خوف:
"من الذي خانك يا سيد اراس؟ وهل نخونك بعد هذه العشرة."
نظر له اراس في برود مغمغمًا:
"لقد كدتم تقتلون أخي يا هذا.. تقتلـــــــــــــوا أخي."
قالها، وفي لمح البصر كان يخرج مسدسين مطلقًا عليهم غير تاركًا فرصة ليستدركوا الموقف. استطاع فقط رجل واحد بالهرب ولكن رصاصة اراس استقرت بقدمه تطرحه أرضًا، قبل أن يقفز عليه من فوق الطاولة، قابضًا على مقدمة سترته يهتف في حدة:
"أين تظن نفسك ذاهبًا يا هذا؟"
تمتم الرجل وهو يحدق فيه برهبة:
"أراس اتركني أنت تعرف أخي لن يرحمك انه سفاح!"
"أوه، خوفتني يا رجل فليأتي السفاح وتمساح إذ تريد."
قالها واطلق على صدره في برود، مط شفتيه وهو يبصر الرجال يهرولون للداخل بعدما تناهى لهم اطلاق النار. تمتم متذمرًا:
"يا الله لماذا تأتون متأخرين لقد كدت أن أصاب بملل رهيب."
سيل من الرصاص اندفع نحوه فقفز سريعًا على جانبه ليتفادهم ببراعة وهو يطلق الرصاص بكلا كفيه يصيب بمهارة، فتخرج رصاصته لا تخيب موقعها، ليصيب عدد لا بأس بها. وقفز واقفًا يركض تجاه الدرج منحني الظهر. اختفى بغتة من بينهم، ليدوروا الرجال حول بعضهم في زهول وتعجب لأختفاءه المفاجئ. توارى وراء الجدار، وهو يتأفف في ملل ثم رمى السلاح في الهواء وتلقاه في كفه قبل أن يطلق رصاصة في الاتجاه الآخر، مما جعل الرجال كل اهتمامهم ورصاصتهم في هذا الاتجاه. وبالفعل ما هي إلا ثواني وحدث ما خطط له حيث نفذت ذخائر الرجال وأعتراهم الزعر حين خرج هو من مخبئه مشهرًا سلاحيه يطلق ببراعة وتمتم:
"مفاجأة!"
ضحك بخشونة وهو يرى تساقطهم واحدًا تلو الآخر ونجح بعضهم في الأختباء. زم شفتيه إذ أنتهت رصاصته فـ ارخى كفيه بسؤم. خرج الرجال من مكامنهم ما أن توقف سيل الرصاص ليقفز اراس ٠على الدربزين ويهوى بجسده للأسفل ثم انزلق متدحرجًا تحت الطاولة، لينحنوا الرجال بأجسادهم ينظروا أسفلها. فأصابتهم الدهشة إذ لم يكن له أثر.
ولحظة ظهر بينهم مصفرًا بإستمتاع يغرز في أعناقهم بمهارة نصل حاد ليتساقطوا كالوراق البالية. وبيسراه لكم فك من حاول أن يقترب منه وركله وكال للآخر ضربًا مبرحًا قبل ان يهوى بحافة كفه كالسيف على مؤخرة عنقه ليسقط على وجهه فاقد الوعي. بقى واحد فقط فطأطأ رقبته وقفزا على بعضهما وفي آخر لحظه من الهجوم تنخى جانبًا متلقيًا جسده بكلمة قوية في صدره تبعها أخرى على فكه سالت لها الدماء وعقبها بأخرى في معدته ليسقط مترنحًا.
بعد ما انهى عليهم، قال ساخرًا وهو يطالع اجسادهم بإزدراء:
"ما هذا يا رجل لم أستمتع ما هذا الملل... تستحقون ذلك يا أنذال فمن يخون اراس حفر قبره بيده..."
قبل ساعة بالتحديد، صف سيارته التي لا تتسع ألا لراكبين فقط، وألتفت للفتاة التي بجواره عاقدة ساعديها في حنق وتمتم في أمر:
"لن تخرجي من السيارة يا هنا، حسنًا؟"
أبتسمت هنا أبتسامة صفراء، واجابته دون ان تلتفت:
"حسنًا يا أخي العزيز لن أنزل."
ثم ألتفتت في عنف صارخة وهي تحل ذراعيها تلوح بهما:
"أتظنني صغيرة يا آجار ام ماذا؟ أهتم بنفسك يا هذا واخرجني من دماغك. أنا سأفعل ما أريده فقط."
قالتها، وعادت تنظر أمامها تضم ذراعيها، ليحدجها آجار بمقت وما كاد بتعنيفها حتى تناهى له السيارات القادمة معلنة عن بدأ تبادل الشحنة. ترجل من السيارة مهندمًا معطفه بعد أن اوصاها بألا تخرج من السيارة مهما كان السبب. سار بهيبة نحو الرجال الذين وقفوا امام سيارتهم. كان الظلام يلف المكان إلا من ضوء القمر والنجوم التي تتلألأ على صفحة السماء. أقترب رجل يبدو من هيئته انه سيدهم بحلته الأنيقة الباهظة وصافحه وهو يتمتم:
"هل كل شيء جاهز سيد آجار؟"
أومأ آجار قائلًا في هدوء:
"بالطبع، ويمكنك أن تطالع بنفسك."
تبعه الرجل إلى حيث شاحنات بيضاء اللون كبيرة الحجم ثم أزاح مزلاجها الحديدي ويدفع أبوابها على مصرعيها ويقفز داخلها في مهارة ورشاقة وجذب سلاح من إحدى الصناديق الخشبية بين كفيه يجريه للرجل الذي ألتقطه سريعًا بأنبهار يقلب فيه في رضا وناوله له قائلًا:
"أعجبني..."
قفز آجار من السيارة وأغلق بابها بأحكام، وألتفت للرجل قائلًا وهو ينفض كفيه:
"بضاعتنا ليست كأي بضاعة يا رجل، ستعجبك حتمًا."
وتابع وهو يخبط على كفه:
"هيا قل للرجال أن يتحركوا."
اومأ الرجل بعيناه، وأشار لرجل من رجاله ليقترب بحقيبة كبيرة تحتوي على النقود ليفتح ساحبها مقربًا إياها من وجه آجار الذي أرتسمت على ملامحه الرضا وهو يلتقطها غالقًا سحابها. وفجأة!
سحبت الحقيبة من يده بعنف، و وجد فوهات مدافع آلية تصوب نحوه، فرفع كفيه على رأسه، ناظرًا للرجل بغضب افلح في اخفاءه وهو يتمتم:
"ماذا تفعل بالظبط!"
قهقه الرجل في انبساط وهو يجيب في برود:
"لقد أمرونا بتصفيتك سيد آجار."
قال آجار رافعًا حاجبيه:
"حقًا؟ اتدري مع من تلعب أنت؟ وبمن توقع نفسك؟"
نفى الرجل برأسه بأسف مصطنع وقال:
"للأسف لا، ويؤسفني أني لن أعرف لأنك ستذهب للجحيم."
ابتسامة باردة ارتسمت على محياه وهو يردد في برود مستفز:
"سنرى من سيذهب للجحيم يا هذا."
تجاهل الرجل كلماته وأستدار لسيارته ليصعدها وينطلق بسرعة وهو يلوح له قائلًا لرجاله:
"أنهوا عليه يا رجال وأياكم أن يفلت منكم."
دار آجار ببصره على الرجال وتساءل قاطبًا حاجباه:
"كم يقاضيكم هذا الرجل؟"
تبادلا الشباب الخمس النظر في تعجب، ولم يتصوروا أن تلك اللحظة قد كانت قادرة على جعل آجار يشتت انتباههم عنه لينقض فجأة على المدفع الآلي الذي امامه يدفعه ليسقط من يد الرجل اعقبها بلكمة اطاحت بفكه. وفي ذات اللحظة كانت ركلة منه تصيب الرجل الذي خلفه. وكال عدت لكمات للآخر بيسراه ليسقط أرضًا. التحم هو والرجل الآخر لتصيبه لكمة في فكه سالت لها خيط رفيع من الدم على زاوية فمه. لكمة في صدره يليها أخرى في معدته يعقبها أخرى على عينيه جعلت الرجل يسقط أرضًا يتلوى من الألم. فجذب السلاح من على الأرض وأطلق عليهم في برود. قبل ان يتسمر في دهشة على صوت طلقة نار من الخلف. ليلتفت فيجد احدهم مطروح أرضًا. وهنا تبتسم في ظفر متمتمة وهي تضرب السلاح بكفها في مرح:
"يا الله، كنت ستكون ميتًا الآن لولاي."
غمز لها بمرح وهو يتوجه إلى السيارة شبه راكضًا:
"دومتي منقذتي يا فتاة..."
لم يكن لدينا وقت.
زمت شفتيها وهي تتبعه لتستقر بجواره. تسأله في تردد:
- هل سنلحقه؟ لا بد أنه ابتعد.
تجاهل سؤالها تمامًا، وقد احتقن وجهه بشدة وهو يضغط على دواسة البنزين ليقود بسرعة فائقة جعلتها تسحب أنفاسها تتشبث بحافة النافذة بجوارها.
أستطاع بمهارة أن يلحق بسيارة الرجل الذي خدعه. فتخطى الشاحنات، وسار إزاء سيارة الرجل مباشرة ليتطلع عبر النافذة. متلاعبًا بحاجباه يغمغم ببسمة باردة:
- ما رأيك بهذه المفاجأة؟
كاد (الرجل) أن يموت غيظًا وهو يسب رجاله. صرخ في رجاله ليطلقوا النار. فتجاوز آجار سيارة الرجل ما إن بدأ سيل الرصاص يرشق نحوه. ليقهقه في استمتاع وهو يسحب صمام الأمان مخرجًا ذراعه للخارج يطلق بمهارة وهو يبطئ من حركة السيارة ليصبح في موازاتهم. وحذت (هنا) حذوه، إذ أنها أمسكت سلاحًا بكل يد وبرزت بجزعها من النافذة تطلق عليهم بشراهة.
الشراسة تزداد من كلا الطرفين. لكن (هنا) نجحت في إصابة أغلبهم إن لم يكن كلهم. في حين تعمد (آجار) الإطلاق على سيارة الرجل.. يستهدفه. يريده. ونجح، إذ انحرفت سيارة الرجل يمينًا لترتطم بإحدى الأشجار وكان سائقه يسقط رأسه على عجلة القيادة غارقًا في دمائه. فأوقف (آجار) بدوره سيارته ووثب منها متوجهًا للأخرى ليجذب الرجل بحدة دون أدنى شفقة ودون كلمة. هوى بقبضته على وجهه وصرخ فيه هادرًا في عصبية:
- أظننت أنك نجوت؟ أظن لم يخبروك من أكون؟
مال على أذنه هامسًا بنبرة مخيفة:
- أنا الموت يهرب مني يا هذا. ولا أترك خائنًا.
ارتعد الرجل حين صوب (آجار) السلاح نحو رأسه بعد أن هوى على جبهته بجبهته، ليتهاوى جسده أرضًا. وقال لـ (هنا) التي تقف ببرود وبيدها حقيبة النقود:
- أخشى على قلبك الرقيق أن يرى انفجار رأس كهذا. أغلقي عينيكِ صغيرتي.
تأففت (هنا) ملوحة له دون اكتراث. لتدوي صوت الطلقة مخترقة جبهة الرجل بثقب انفجرت منه الدماء.
التف (آجار) متوجهًا نحوها يغمغم بمرح غامزًا بمكر:
- ما رأيك في أدائي؟ ملايين وشحنات تعادلها كم نحن محظوظون يا فتاة.
ما كادت (هنا) تجيبه حتى جاءهما صوت (أراس) يقول من خلفهما:
- رائع كالعادة مثل صديقك يا فتى.
وفتح ذراعيه مستقبلًا (آجار) بهما وهو يربت على ظهره متسائلًا:
- أنت بخير؟ هل أصابك أحد بأذى؟
هم بإجابته لكنه عاد مطبقًا شفتيه ببسمة سخرية ما أن تمتمت (هنا) بسخط وهي تتجه للسيارة:
- يا إلهي يسأل عن صديقه كأن أخته غير موجودة ولم تكن في خطر هي أيضًا.
نكز (أراس) كتف (آجار) مشيرًا له:
- يا بني ستحدّثنا هذه الفتاة. أخشى أن نقتل بعضنا غدًا.
تعالت قهقهاتهم وهما يأخذا مقعديهما في السيارة. ويوصلا (هنا) إلى البيت. ثم توجها لملهى ليلي استقرا بداخله أمام بعضهما على مقاعد متوسطة الطول مستديرة. ليضع النادل أمامهما فور جلوسهما كوبين بداخلهما سائل أبيض تجرعوهما جملة واحدة وهما يعدا برأسيهما للخلف ثم للأمام بشكل لاذع. من تأثير طعمه. ران عليهما الصمت للحظات بدا فيها شرود (أراس) كأنه يفكر في شيء ما. قاطبًا حاجبيه بضيق بدا جليًا على سماته. فسأله آجار في اهتمام:
- فيما تفكر؟ هل حصل شيء؟
أجابه (أراس) دون أن يلتفت:
- هذا الهدوء يحيرني. ويقلقني.
هز (آجار) رأسه بعدم فهم وهو يرتشف من مشروبه الذي وضع أمامه للتو:
- لا أفهم ما هو الشيء الذي يحير ويقلق أراس جيهانغير؟
أسند (أراس) بمرفقه على الرخامة وبكفه الآخر التقط مشروبه. وأردف بعد ما تجرعه كله:
- أبي... جومالي منذ خرج من السجن يبدو طبيعيًا بصورة تثير قلقي يا رجل. هادئًا طول الوقت لم يفتح الموضوع أو يتطرق له. أخشى أن يفعل شيئًا للمار الشرقاوي.
- إذن هذا هدوء ما قبل العاصفة؟
- يبدو كذلك يا صديقي.. لكني لن أسمح أن يصيبها وعائلتها أي مكروه.
خرجت من سيارتها الواقفة أمام مشفى للأمراض العقلية. بفستان واسع محتشم وحقيبة يد. وراحت تتهادى بتمهل للداخل تحيي من يقابلها ببسمة لطيفة. حتى فتحت باب إحدى المكاتب وغمغمت ببسمة على محياها مندهشة:
- دارين هنا.. بتعملي إيه يا بت؟
قالتها. وأغلقت الباب خلفها لتزم (دارين) فمها وهي تتمتم محتجة بالإنجليزية:
- ماذا؟ هل تحاسبيني على زيارتي لأبي؟
حدجتها (عائشة) بغيظ وهي تضم هيثم الذي نهض من مقعده مطوقًا إياها بين ذراعيه مغمغمًا:
- حبيبة قلبي إيه الزيارة الحلوة دي؟
أستطرد ملثمًا جبهتها:
- خلصتِ شغلك؟
ردت (عائشة) وهي تهز رأسها:
- أيوه.. وجيت قلت نطلع نتعشى سوا.
استوت (دارين) ناهضة وهي تستعد للمغادرة حيث أخذت تلملم أشياءها وهي تقول:
- أعذراني من هذه السهرة اللطيفة سأذهب إلى عمتي إسراء.. فقد وعدتها بالذهاب إليها هذا المساء.
قطب (هيثم) حاجبيه بضيق وقال:
- هل ضروري أن تذهبي ربما غدًا.
أيدته (عائشة) قائلة بحنو:
- هيثم معه حق اذهبي غدًا إليها أم اليوم سنخرج سويًا في سهرة جميلة.
هزت (دارين) رأسها لتتطاير خصلاتها المسترسلة إلى ظهرها حول وجهها وقالت:
- آسفة لكما حقًا. لكنّي وعدتها وللحق اشتقت لها.
قبلة وجنة والدتها متابعة:
- أعدك أن نخرج مرة أخرى.
أشار لها (هيثم) بآمر:
- حسنًا يا ابنتي العنيدة سنوصلك معنا.. هيا.
خرجا معًا من المكتب. وبينما كانوا يسيروا في الرواق إذ فجأة من إحدى الغرف دوى صوت صراخ يليها أشياء بدأت تُلقى من داخلها. فتراجعوا مزعورين. وضرب شيء ما ظهر (عائشة) التي أطلقت صرخة مدوية وهي تلتصق بـ (هيثم) فـ انفجرت (دارين) ضاحكة عليها. ليرمق (هيثم) فتاة مصابة بحالة نفسية تُدلّى رأسها إلى جانبها الأيسر تتحرك في وقفتها وألقت عليهم شيئًا. ليضم (هيثم) عائشة وهو يتنحى بها جانبًا منحنى الرأس. مال بغتة على أذن دارين مغمغمًا بلهجة ضاحكة:
- بقولك إيه. خدي أمك واستنيني تحت لتتجنني تاني مش ناقص أنا.
ضربته (عائشة) في صدره بينما غادرا المكان لينتظراه في السيارة. ولم يمكث إذ جاء وانطلق بهما فورًا ليوصل (دارين) أولًا إلى عمتها ثم توجها إلى إحدى المطاعم المطلة على النهر ليتناولا العشاء.
ما كادت (دارين) بالدلوف إلى البناية. إذاك أقبلت عليها عمتها وزوجها ضياء باسمين الثغر. حيتها عمتها ببسمة عذبة وهي تضمها بحنو مشتاق لصدرها مغمغمة:
- ياااه أخيرًا شفتك حاسة إن ليا سنة. الدنيا واخدكِ مننا كدا؟
أعتذرت لها (دارين) وهي تصافح ضياء بود:
- معلش يا عمتو أنتِ عارفة الكلية وقرفها.
ضمت (إسراء) وجهها بكفيها وقالت برفق:
- مش مهم أهم حاجة إنك بخير يا بنت الغالي.
ثم تابعت وهي تمسك كفها:
- يلا الحفلة رايحة تبدأ.
استقرا في السيارة التي قادها (ضياء) في سرعة وغشاهم الصمت لفترة قليلة قبل أن تقول (دارين) في هيام:
- يا إلهي لا أصدق أني سأرى جان أرسلان الآن.
ضحكت (إسراء) بخفوت تشير لها بمرح:
- بلى صدقي ستريه الآن.
غطت (دارين) وجهها بين كفيها وهي تهمس لنفسها:
- ستريه يا دارين المغني الذي تذوبين به عشقًا ستريه يا فتاة أخيرًا.
قالتها. وأطلقت صرخة سعيدة. فما استقرت السيارة برقت بعيناه عبر النافذة لا تكاد تصدق أنها قاب قوسين أو أدنى من رؤيته. خفق قلبها بجنون لتضع كفها عليه تحاول تهدئة خفقاته. ترجلت بعد برهة من الزهول وعدم التصديق لتسير مع عمتها وزوجها للداخل حيث الحشد المتجمع بشدة حول المسرح الكبير. فور ولوجهم خيم صمت مفاجئ فتعلقت كل الأنظار على المسرح وقطعت الأنوار. ألا من بقعة ضوء مستديرة بيضاء قبعت على الستار خلف المسرح وأنسابت موسيقى لطيفة عذبة تدغدغ القلوب بعذوبتها. وظهر شاب فاره الطول. عريض المنكبين. بملامح جذابة ساحرة رغم بساطتها. مرتديًا بنطال جينز فوقه تشيرت أسود اللون. يحمل جيتاره مسبل الجفنين مستمتعًا بما يغرده في تؤدة وهو يسير خارجًا إلى المسرح يتبعه الضوء مثبتًا عليه مع حركاته كأنه قد وُصم به. علت شهقات الفتيات في إعجاب وهن يلوحون بكفوفهم. بينما ازدادت الموسيقى صخبًا وانامله برشاقة تلعب على أوتار الجيتار بإتقان وسلاسة. وعلا صوته مع بعض الحركات الراقصة وهو يقترب ليصافح معجبيه في سعادة. حتى انتهت أغنيته وأصابعه معًا ليقف رافعًا كفيه ضاحك الوجه مع التصفيق الحار من الحضور. ليضع يمناه على صدره منحنى الرأس يحييهم بمودة وامتنان. واستدار عائدًا من حيث خرج وهو يخلع الجيتار ليمسكه بكفه. يناوله لإحدى الشباب الذي أسرع نحوه يستلمه منه. بينما توجه هو لغرفته الملحقة بالمكان وارتمى على أقرب أريكة مستلقيًا عليها متنهدًا في ثقل. ما هي إلا للحظات وكان يثب واقفًا يجذب معطفه من على المشجب المعلق به ليضعه خلف كتفه ويسر للخارج صاعدًا دراجته النارية وينطلق بها بسرعة فائقة. أرتكن بها في جانب إلى شط البحر. وترجل عنها وأزال الخوذة ليضعها في موضعها. واستدار متخصرًا وهو يأخذ نفسًا عميقًا يملأ رئتيه بالهواء النقي. لفحته برودة الجو. ليضم ياقتا معطفه لبعضهما وفرك كفيه وهو يسير رغم جنح الظلام ويجلس أمام البحر. وراح يتأمل أمواجه المتقلبة في شرود كالح الوجه. وأحاط بكفيه ساقيه. يشكي للبحر والبحر يشكيه... يشكيه أن يكف عن أواجه فهو غير مجبور ليتحمل أحزانه. كان صامتًا.. ساكنًا عكس هيجان قلبه المتفطر حزنًا حتى وشم بين شغاف. يحاكي البحر عن آهاته ويستمع البحر بل يغوص بها في أعماقه ويدفنها هنالك في القاع. البحر أوفى صديق للأسرار. لا يغدر لا يخون لا يبوح لا يتملل لا يكل. كلا لقد اعتاد وجوده كـ رفيق يؤنس وحدته يبوح بما يعتمله. وكـ رفيق وفي يطبطب على أوجاعه بهوائه المنعش فيجدد فيه الحياة.
فاق من غمرة أفكاره على كف وُضعت على كتفه وصوت أنثى رقيق للغاية يتساءل في قلق بلغ ذروته:
- جان!
ما بك يا حبيبي؟ أأنت بخير؟ طمئن قلبي.
غمرته الراحة غمرًا، وتلاشى الكمد عن قلبه كمن لم يكن، وافتر ثغره عن بسمة رائعة هادئة وهو يجذب كفها بحنو، ملثمًا إياه بامتنان وغمغم مرتكزًا بعينيه في عينيها الزرقاوين:
- بخير ما إن رأتك عيناي، وبلل عذب صوتك قلبي الظمآن.
كسى وجهها حمرة الخجل وهي تجاوره في استحياء، فاستدار للخلف مستندًا بكفيه، فارداً ساقيه أمامه وهو يتساءل:
- كيف خرجتي؟
التفتت إليه مجيبة:
- ألهيتهم وجئت، كنت أعلم أنك هنا.
قال (جان) برفع حاجب وهو يميل إليها بمكر:
- وكيف عرفتي أني هنا؟
أطرقت برأسها في خجل من عينيه الثاقبتين، وقالت وهي تطبق جفنيها:
- لقد أخبرني قلبي!
تنهد في راحة ورضا، وكأن عوض هذه الحياة تمثل فيها في زهرته (ناردين)، اسم على مسمى، فتاة بيضاء البشرة، ذات عينان زرقاوان، وشعر أسود مخلوط بالبني، نحيلة الجسد...
أراح رأسه على كتفها لتطوقه بذراعها وهي تسأله في لهفة:
- كيف كانت حفلتك..
لم تمهله الرد بل استطردت معاتبة نفسها:
- ربااه، كيف أسألك هذا السؤال؟ أكيد كان حفلًا رائعًا مبهجًا كالعادة يضج بالنجاح.
تمتم في حزن وهو يغمض عينيه:
- كان ينقصكِ، كنت أتمنى وجودكِ فقط، حينها ربما كنت سأكون سعيدًا من قلبي وليس متظاهرًا.
أبعدت رأسه وهي تحاوط وجهه بكفيها وتنظر لعينيه وهي تقول في حب:
- كيف لم أكن معك؟ وأنا روحي وقلبي دائمًا معك... أنا معك وإن لم أكن، تذكر هذا، حسنًا.
أومأ رأسه وهو يتمدد، واضعًا رأسه في حجرها، يتأمل وجهها المشرف عليه عن قرب، لتسأل هي وأناملها تداعب خصلاته:
- أخبرني كيف هربت من معجباتك؟
ضحك بخفوت وهو يقرص وجنتها:
- كحال كل مرة حبيبتي، بالتخفي والمغادرة كاللص.
ضحكت ضحكة ساحرة رقيقة، خلبت قلبه، فهام فيها.
دوى صوت الصيحة المميزة لاعبي الكراتيه، وانقض (خالد) على (حمزة) بلكمة تفاداها الآخر بمهارة وسدد له أخرى، ليرتد (خالد) للخلف ويقفز سريعًا واقفًا، وصوب إلى وجهه ركلة قوية صدها (حمزة) بساعده، وفجأة قفز بمهارة طائرًا في الهواء، يدور بجسده، وكانت ساقاه في وقت واحد تلتف حول رقبة خالد تطرحه أرضًا، مر هذا بلمح البصر بطريقة لم يستوعبها خالد الذي ترنح قليلًا فاقدًا اتزانه، ليمد حمزة كفه له، فأمسك به خالد ونهض، وببسمة ماكرة جذب (حمزة) ليوقعه أرضًا ويثبته بركبته على صدره، وأنامله العشر تلتف حول رقبته، فما إن استوعب (حمزة) حتى رفع قدمه راكلًا خالد الذي تشقلب للأمام، صدح صوت المدرب وهو يقول مصفقًا في إعجاب شديد:
- رائع يا شباب، أحسنتم صنعًا، في كل مرة تبهراني.
رنا إليه الشابان وصافحاه بشكر، ودار بينهم حوار قصير قبل أن يأخذ كل منهم حقيبته على استعداد لمغادرة الساحة، ليقطع طريقهما شاب يقول لاهثًا وهو يلتقط أنفاسه:
- فينك يا حمزة؟ مدير المخابرات يطلبك للحضور فورًا.
والتفت لخالد:
- وأنت كمان يا خالد.
ضرب حمزة على ذراعه وهو يقول:
- شكرًا يا أشرف، هنروح حالًا أهو.
طرق (خالد) طرقًا خفيفًا على باب المدير، فأتاهما صوت يأذن لهما بالدخول، وبنبرة قد شابها القلق:
- ادخلا يا شباب.
دخلا، فأشار لهما المدير بالجلوس، وهو يميل للأمام، تاركًا الملف من يده، وشبك أنامله وهو يردف في حسم:
- عندك مهمة ضروري يا سيدة المقدم.
أومأ حمزة، بينما أشار المدير لـ خالد وهو يناوله ملفًا ما:
- خالد، خذ الملف ده وادرسُه كويس، عايز القضية دي مفيهاش ولا غلطة، وفهمتك إيه اللي هتعمله.
أخذه خالد ونهض سريعًا وهو يقول:
- اعتبرها انتهت سيادتك.
أدى التحية وغادر المكتب، ليلتفت المدير إلى حمزة الذي نظر له بدوره باهتمام شديد، فـ قال المدير:
- تعرف (كريم عبد الله)؟
أومأ حمزة برأسه في هدوء، فتابع المدير دون انتظار رد:
- كريم عبد الله مقدم مصري ذهب في مهمة لأمريكا واختفى من فترة وجيزة، صنع قنبلة متفجرة على هيئات صغيرة لا يمكن لأحد أن يعرف كنهها، واختفى هناك بطريقة مفاجئة... المطلوب منك...
عاد المدير للوراء في مقعده وتابع:
- أنك هتعرف هو فين، ومتسمحش لأي من كان بأخذ التصميم مهما كلفك الأمر.
ضيق حمزة عينيه وهو يقول:
- معنى كدا إن في حد عرف بالتصميم، وبسببه خطف كريم.
أومأ المدير مؤكدًا:
- بالظبط كدا.
في هدوء أمام حمزة بعينيه، فـ أضاف المدير وهو يتنهد:
- ستقلع طائرتك غدًا في الثامنة صباحًا، وهتكون معاك الملازم أروى ياسين.
صُدم وجف حلقه فجأة، وما هم بالاعتراض حتى أشار له المدير قائلًا:
- ستنفذ ما أقوله أيها المقدم، اتفضل.
خرج حمزة كالح الوجه غاضبًا، وخرج من مبنى الاستخبارات.
دخل لمنزله لتستقبله والدته بفرحة عامرة وقد أعدت كل ما يشتهيه، بل راحت تطعمه بنفسها بنفس راضية سعيدة، خرجت أخته من غرفتها، فما إن أبصرته حتى قطبت حاجبيها بضيق وبدا البغض على وجهها جليًا وهي تتمتم لنفسها:
- جه حبيب أمه، يكش تروح مهمة وما ترجع منها أبدًا، وربنا يأخدك.
تنبهت لذاتها حين اقترب (حمزة) يحضنها بشوق صادق، هامسًا بلهفة:
- شيماء.. عاملة إيه يا حبيبتي؟ وحشتيني.
بادلته العناق وهي ترمق والدتها من خلف ظهره ببسمة، فما إن غابت والدتها داخل المطبخ حتى ابتعدت بكره مغمغمة:
- رجعت ليه؟
صُدم من سؤالها المباغت، لكنه أجاب بهدوء وبسمة لطيفة:
- ماشي تاني يا شيماء، اطمني.
شوحت بكفها له هامسة بجوار أذنه:
- أحسن... يا رب ما ترجع تاني.
قالتها، وانصرفت مخلفة وراءها ذاك الذي تسمر موضعه مبهوتًا حزينًا، وأنفطر قلبه من كلماتها القاسية، توجه لغرفته صافقًا الباب خلفه، وأخذ يعد حقيبة سفره، وهو كالح الوجه وعقله منهك من التفكير، لماذا ذاك الكره الطاغي في قلب أخته؟
لماذا هما ليس مثل خديجة وخالد أو ملك ومالك أو لمياء ومعاذ، مقربون يدردشون يتمازحون يخافون على بعضهما بعضًا؟ لماذا؟
هل وصل بها الحال لتدعي عليه؟! ألهذه الدرجة تكره.
استلقى على الفراش مشبكًا كفيه خلف رأسه، محدقًا في السقف في شرود، وقد جفاه النوم وأبى أن يزور جفنيه، وأبت الأفكار إلا أن تنهك تفكيره حتى يبيد، بعد وقت طويل كان النوم قد رأف به لياخذه في سبات عميق.
فتح عينيه في صباح اليوم التالي، على أشعة الشمس التي تسللت بخفة من بين فتحات النافذة، وصوت رقيق محبب لقلبه، يطربه، هي لا غير، أوقف رنين منبه هاتفه وهو يعتدل، ولم يلبث طويلًا إذ خرج من الغرفة رافعًا الحقيبة على كتفه، رسم بسمة خفيفة على وجهه وهو يردد في لطف:
- إزيك يا أروى، عاملة إيه؟ منورة.
تسارعت دقات قلبها بين أضلعها وهي تذدرد ريقها مرتبكة، وحاولت أن تبتسم ففشلت وهي تجيب ناكست الرأس بحياء:
- بخير الحمد لله... بنورك.
قالتها ونهضت على الفور حاملة حقيبتها، فسأل في دقة:
- أنتِ جاهزة؟
أكتفت بهز رأسها، فأشار لها لتتبعه بعدما ودع والدته الباكية ككل مرة إذ خرج لمهمة، ولم ينفك من توصياتها الحاسمة أن يحافظ على أروى وينتبه لها، وهو يجيب بكل أدب "حاضر".
كانت عيناه معلقة على باب غرفة أخته، ود لوهلة أن تخرج تحضنه وتودعه كما تفعل خديجة مع خالد في كل مهمة يخرجها، ثم تبسم متهكمًا، فـ أخته تتمتى موته، المعتوهة تظن أنه أخذ منها حب الجميع، دائمًا ما تعايره أنه ليس له أم، وأنه قاسمه في أمها، بل أخذها منها.
كانت الأفكار المتواترة تنغص قلبه وهو يستقل السيارة بجواره أروى التي يحاول تجنبها قدر الإمكان.
اتخذ مقعدهما في الطائرة التي أوشكت على الإقلاع، وبدأ في ربط حزام الأمان مع صوت المضيفة، ليميل على أذنها هامسًا باختصار بعد الأوامر عليها.
سارت شبه راكضة في رواق المشفى كأنها فراشة تحلق تنشر السعادة في كل مكان ببسمة عينيها المميزة، القرآن الكريم ينساب من عدة أجهزة متفرقة في كل المشفى، فتدب السكينة بالقلوب رغم عنها، دلفت إلى مكتبها تلقي عليه حقيبتها وهي ترتدي على عجل معطفها الطبي وتخرج مجددًا، في تلك الأثناء ظهرت أمامها ممرضة تقول بأنفاس متقطعة:
- دكتورة خديجة، الحمد لله أني لقيتك، محتاجينك في غرفة العمليات ضروري.
أومأت بعينيها وهي تتجه على عجل لغرفة العمليات وترتدي قفازيها في سرعة.
بعد ساعات مرت قضتها في غرفة العمليات، خرجت وهي تخلع قفازيها ببسمة متسعة، وقد هش قلبها، لقد نجحت عمليتها وكملت بالبشر، تنهدت في راحة وهي تنحرف يسارًا متوجهة لآخر الرواق في غرفة تتصدر وجهته، ودارت مقبضته لتفتح منه فتحة صغيرة، وتطلعت بعينيها إلى أطفال تلهو وقد لفهم الفرح، فتأملتهم قليلًا كأنها تطمئن قلبها أنهم سعداء فرحون لا يتألمون، وأغلقت الباب بحذر حتى لا يصدر صوت يزعجهم وحتى لا يروها، فإذا رأوها لن يتركوها ترحل وتتركهم وهي منهكة.. متعبة للحد الذي لا تطيقه.
جلست خلف مكتبها وأسندت رأسها عليه علها تستريح قليلًا، ندبات قلبها المتقرحة تقرحًا عميقًا أبى ذلك، إذ أدمعت عيناها، ورفعت رأسها ساهمة في قهر، جذبت دفتر من درج مكتبها وقلم من بين عدة أقلام وفتحت دفته، وظلت شاردة قليلًا قبل أن تنكب كاتبة:
"ليت الحزن لا يطرق باب قلوبنا يومًا، فلا ندري ما هو ولا نتذوقه وتغرقنا مراراته، هنيئًا لمن أجتازه عابرًا الحياة كأنه لم يكن، أم هؤلاء.. هؤلاء الذين أبوا أن ينسوا لحظة واحدة مما قدمته لهم الحياة التي تكدرت في وجوههم دون إنذار، الذين أقسموا ألا ينسوا وطرقوا ندبات أرواحهم دون دواء، نحن من بأيدينا أن ننسى، فإن عزمنا على النسيان سننسى، سنمحى من قلوبنا كل لحظة ألم، يا ليتنا نمتلك عزم هؤلاء للنسيان ونتخطى ونتابع السير."
تركت القلم وأغلقت دفة الدفتر بحرص، استرخت في جلستها، وأسندت رأسها للخلف مطبقة جفنيها اللذان انسابا منهما الدموع كأنهما نهرين لا يخطأ طريقهما.
وأقتنصت ذكرى أليمة.
تتكرر يوميًا ما إن تصحو، حيث تستيقظ لتجد والدتها في وجهها صارخةً فيها أنها قد تخطت الثلاثين، هل ستظل دون زواج؟
هل ستترك ذكرى أليمة تعيق الباقي من حياتها؟
إلى متى ستظل ترفض كل عريس يتقدم وقد باتت عانسة؟
لماذا لا يفقهون أن الزواج أرزاق يرزقه الله لمن يشاء خير كان أو شر، وأن قطار الفتاة لم يمر سيمر حتمًا ليقلها إلى محطتها التي ستخوضها مع من يختاره النصيب لها.
صرخة فجأة صرخة مكتومة، أرتج لها قلبها ودك دكًا أليمًا وهي تردد في همس لنفسها:
- مش كل حاجة الجواز، امتى تفهموا أنه نصيب، هيجي هيجي مهما طال، إيه الفرق سوا اتجوزت صغيرة أو كبيرة، ما هو كله واحد أصلًا، والجواز لا بد منه، مفيش حاجة اسمها عانس يا ماما، الناس هي اللي أطلقت الكلمة دي وخلاص.
أطرقت برأسها بنشيج مؤلم يفطر القلب وقالت بقهر وذل:
- مش السبب يا أمي، اللي عشته أنا مجبورة، ما أوفقش على أي حد، وإلا هيقتلكم.
يا شيخـي هل سيستجيـب اللـه لـي؟
يا بـنـي والله كـل الأدعيـة التـي صعـدَت إلـى السمـاء ستنـزل يومـًا إلـى الأرض، كـلـهـا، فـقـط إصبـر.