مما أنتَ مصنوعٌ يا رجل؟ عدتُ من الموتِ توًا، وكُلُ همك الأطمئنان عليَّ؟! ماذا قد يصيبني وقد أنقذت حياتي؟! همست بتلك العبارة خديجة الجالسة فوق إحدى المقاعد بجوار فراش أراس الذي أفاق منذُ مدةٍ قليلةٍ غير مدركٍ لما يحدث حوله، أو فقدانه لوالده. ضم أراس كفها الصغير في راحته، وعيناه الهائمة برقت ببريقٍ عجيبٍ أرجف جفون خديجة خجلًا وهمس بصوتٍ يفيض بالحنان رغم الوهن الذي يختلط به:
سأظل أنقذها حتى الرمقُ الأخير يا خديجة، لا أسمح أن يُصيبك أي خدشٍ ما دمتُ على قيدُ الحياة. وسأل بقلق: لكن، ما بال هذا الحزن في عينيكِ؟! الجميع بخير؟ توترت خديجة وهي تجيبه زائغة البصر: جميعهم بخير، لا تقلق أنت! وعائلتك كلها بخير، لا تخفين عني شيئًا! تبسمت خديجة بهدوء، وأجابته: الجميع بخير، وكفاك تفكير فيّ، فكر في صحتك الآن ولا تشغل عقلك بأي شيءٍ سوا أن تقوم ليّ بخير. لكِ؟؟
تساءل بحبورٍ، فـ أطرقت خديجة رأسها، وقالت متجاهلةً سؤاله: كفى كلامًا حتى لا ترهق نفسك، ثُم تقول خديجة السبب. ضحك أراس بخفوتٍ شديدٍ ردًا عليها: خديجة محالٌ أن تكون سبب تعبي، إنها سبب فرحتي، جنتي، بسمتي، حياتي، أهدتني حياةٌ جديدة منذُ عرفتها، خديجة إنها روضة قلبي. كلامه زادها حياءً، فـ افتر ثغرها ببسمةٍ رائعةٍ، فغير أراس الحديث مشفقًا على حالتها: أبي بخير؟ سعلت خديجة فجأة، وأربكت وأشاحت بوجهها عنه وقالت بتردد:
بخير، بخير لا تقلق، يجب أن أخرج لأطمئن عليه وتأخذ أنت قسطًا من الراحة. تفاجأ من ردها المريب خاصةً حين هرولت من الغرفة مغلقة الباب. ***
جالسٌ وراء مكتبه شارد الفِكر، والبالُ، والقلب، والعينين؛ في تلك التي رحلت عنه دون وداعٍ يُذكر، تاركةً النيران تضرم في فؤادهِ من شدة الذنب، فحين سكت عنه الغضب قرر "مالك" أن يذهب إليها ليسمع ما لديها ويعتذر عما بدر منه، لكنه وجد الممرضة توقفه وتناوله ورقةً مطويةً وتخبره برحيلها هكذا بكل بساطةٍ، فعاد إلى مكتبه يجر أذيال الخيبة معه وفض الورقة، وسرت عيناه على محتواها: "السلامُ عليكَ يا دكتور مالك.
رد مالك السلام في قرارة نفسه وتابع القراءة بقلبٍ يخفق: أتعلم! هذه أول مرةٍ أكره اسمي ونسبي كثيرًا، لكن ما باليد حيلة، لم يكن ليّ اختيارٌ، أبي وأخواتي، أحقًا ظننتني متفقةٌ مع أخي؟ هل حسبت إن الحادث الذي كاد يودي بحياتي إنه خدعة؟ هلا فكرت قبل اتهامي؟ بالله كيف اعتقدت إني قد أأذيك وأنا أدينُ لك بحياتي! أعدك بأن أفعل جل ما في وسعي لأنقاذ أختك من براثن أخي!
ما زلت لا أعلم كيف لطبيبٍ مثلك أن يعلم بأن أخي يتاجر في المخدرات ولماذا أخي… عفوًا ليس بأخي مثل هذا لا يقالُ عليه أخ! لماذا إسماعيل اختطف أختك؟ لكني سأخبرك لأحسن صورتك أمامك، أخي هذا هو أكثر من أذاني وحالتي كانت بسببه، هل لك أن تتصور إنه قتل صديقه الصدوق… حبيبي أمامي؟! لا يا دكتور مالك أنا لستُ بتلك البشاعة، أنا أكثر من يود لإسماعيل أن ينال عقابه وسأفعل كل ما أستطيع عليه… أعدك بذلك. منار"
كرمش مالك الورقة في قبضته ونهر نفسه بضيقٍ أضناه: أنت غبي يا مالك، غبي، كان لازم تسمع منها قبل ما تتهمها. نفخ في ضيقٍ وأسبل جفنيه ليتمالك نفسه قبل أن يمسك هاتفه طالبًا رقم عاصم يُدلي له بالجديد الذي طرأ. ***
وقفت منار أمام باب شقة أخيها مترددةً ومدت يدها بالمفتاح الذي أخذته من البواب متطلعةً فيه بفؤادٍ واجفٍ وهي تقلبه بين أصابعها، ثُم أخذت نفسًا عميقٍ حاسمةٌ أمرها ووضعت المفتاح في القفل وأدارته حتى أصدر صوتًا منبئًا بأنه تم عمله، فدفعت الباب وهاجمتها برودةٌ مفاجئةٌ، وبثقلٍ شديدٍ أجبرت قدميها أن تدخلان، فـ أطاعت. وأوصدت الباب وراءها وما همت أن تلتفت إذ جاءها صوتٌ أنوثيٌ مخيفٌ يهمس في برود: حمد الله على السلامة.
فـ أنفزعت مطلقةً صيحة خوفٍ وهي تتراجع بجسدها تلقائيًا، حتى وقع بصرها على امرأةٍ كبيرةٍ في العمر، لكن رغم كبر عمرها ما زالت تتحلى بجسدٍ بدا لها رياضي، وتجاعيد وجهٍ خفيفة، تبتسم بسمةً ساخرةً وتنهض عن المقعد في بطءٍ شديدٍ كأنما تبثها بالرعب وراحت تسير بتؤدةٍ كأنها ستنقض عليها لتفترسها، مع كل خطوةٍ تخطيها تعود إزاءها منار أخرى، وأجمعت أطراف شجاعتها وقسرًا تحركت شفتاها في همسٍ متلعثمٍ خائف: أنتِ… أنتِ مين؟
أرتج عنها الكلام حين قاطعتها لمار بصوتٍ يجمد الدم في العروق: جدة مالك، جدة أروى اللي أخوكِ خطفها! شُلت ساقا منار عن الحركة، وتجلت الدهشة على ملامحها وقد زال الخوف قليلًا، وغمغمت: دكتور مالك، أنتِ جدته؟
تأملتها لمار بصمتٍ تامٍ، وما كادت تتحرك حتى انتفضت منار المرتجفة متقهقرةً للخلف، فلم تعيرها لمار اهتمامًا وتحركت نحو الأريكة وجلست فوقها باسترخاءٍ يثير الأعصاب، بل ومدت ساقيها على المنضدة أمامها كأنما هي مالكة الشقة وقالت في برودٍ ورأسها تستند على كفيها المتشابكين على ظهر المقعد ناظرةً للسقف:
أخوكِ واخد حفيدتي، والله لو أصابها بس خدش بسيط لهخليه يقضي اللي باقي من عمره في السجن… وهو كدا كدا محبوس، مبقاش لمار الشرقاوي لو مخدتش حق كل بنت أخوكِ قتلها. شهقت منار شاخصةً العينين وهمست بصوتٍ باهت: أنتِ، أنتِ بتقولي إيه؟ إيه مكنتيش تعرفي إن أخوكِ بيخطف البنات وياخد أعضاءها؟ أو بالأحرى كل اللي بيدخل محلكم لوحده؟ ولا متعرفيش إن المخدرات أخوكِ بيهربها في الملابس اللي بتبيعها!!
لقد كانت الطامة الكبرى على قلب منار التي تهاوت أرضًا كأن ساقيها غير قادرتين على الوقوف، فجثت على ركبتيها ودموعها كنهرين جاريين فوق وجنتيها يطفقان من مآقيها. بحدةٍ هدرت لمار وهي تعتدل جالسةً بلهجةٍ فزعتها: فين أخوكِ يا بت؟ من قبل ما يخطف حفيدي وهو مرجعش الشقة! بشفتين مرتعشتين ردت منار بصوتٍ متحشرجٍ أثر البكاء: أنا… أنا هتصرف، هعرف إزاي أجيبه لحد هنا. أمعنت لمار النظر في عينين منار التي يغشاهما الدمع،
وتساءلت في اهتمام: إذآكِ في إيه؟ لم تنبس منار ببنت شفة، بل قالت وهي تسند رأسها على الحائط بعد لحظات: تلفوني مش معايا ومش حافظه إلا رقم بابا. ضاع منك فين؟ ليت لمار لم تسأل فسؤالها أجج ذكرى يعزُ عليها نسيانها! ذكرى تريد أن تفعل المحال لتُمحى من خانة الذكريات! تلك الذكرى التي دفنتها وهي ما زالت على قيدُ الحياة. يوم إن كانت في هذه الشقة، يومئذٍ خرج أخوها ولم يلبث عن رحيله الكثير فجاءتها رسالةٌ مريبةٌ
على هاتفها كان مضمونها: "أخوكِ قدوتك دلوقتي في طريقه عشان يقتل "علي" حبيب القلب، لو مش مصدقاني روحي على المكان ده ********** وشوفي بعينك، سلام يا حلوة" فاعل خير".
لم تدرك أو تصدق ما قرأته، وحسبتها مزحةً من إحدى مزحات "علي" السخيفة، فمن ذا قد يصدق أن أخيها قد يُخاصم حتى علي صديق طفولته وليس قتله، فضحكت باستهتارٍ ومع ذلك فقد حسمت أمرها في الذهاب، لا ريب إن حبيبها هو من أرسلها، فذهبت بسيارة أجرةٍ أقلتها إلى العنوان المطلوب ومن زجاج السيارة رمقت المكان النائي بقلبٍ مترددٍ، خائف، ولم تمكث أن لوحت سيارة أخيها على مد البصر، فقضت السائق أجرته وهبطت في حماسٍ، وسارت وهي تتلفت في حذرٍ حولها فوجدت منزلًا أدهشها في مكانٍ خالٍ من السكان، وتابعت سيرها حتى وجدت علي يقف بجانب سيارته على ما يبدو إنه جاء توًا، وأخيها يخرج من المنزل ليقف قبالته، فكادت تخطى لكن انتظرت حين بادر علي قائلًا بصوتٍ
يملؤه القلق: إيه في يا إسماعيل؟ جولتلي تعال طوالي وجيت، خير في حاجة حصلت في الشحنة؟ شحنة! عن أي شحنة يتحدث؟ فضولها وتساؤلات نفسها جعلتها تستتر خلف الحائط ليصلها صوت أخيها يقول نافيًا: لاه مفيش حاجة متجلجش كده، المخدرات اتسلمت ووصلت كمان بخير ومن غير أي دوشة وعمك أحمد فرحان جوي. شهقت منار في مكانها كاتمةً صيحةً كادت تفلت من بين شفتيها، ورأت أخيها يضع كفه على منكب علي وهو يقول بصوتٍ حزين: ليه عملت كده يا علي؟
ليه كده يا صاحبي؟ قطب علي حاجبيه مستغربًا، وسأل في تعجب: عملت إيه أنا؟ وأستدار ناظرًا إليه، فقال إسماعيل بصوتٍ متهدج: أمنتك على أختي يا علي، جولتلك خلي عنيك عليها وكون زي ظلها! لكن تحبها؟ وهي تحبك؟ ازدرد علي لعابه في توترٍ، وقال مرتبكًا: كنت هجولك يا إسماعيل وهاجي أخطبها بس مستني تخلص امتحاناتها. ما أنت عارف إن أبويا مش هيدي منار لواحد من رجالاته! فـ أسرع علي قائلًا:
كنت هسيب الشغل معاكم وهشتغل في الحلال، وأظن إنك عارف إني بس بنفذ اللي عمي أحمد بيقوله وبسلم الشحنات ومليش في حاجة غير دي. فجأة! ضمه إسماعيل باكيًا بمرارةٍ ولم يجب تساؤلات علي عن سبب بكائه، كأنما ضمة وداعٍ قبل أن يلقى مصيره على يديه. وعجبًا للمرء، فدائمًا ما تأتيه الطعنة من أقرب حبيب. ابتعد إسماعيل عنه وردد بصوتٍ باكيٍ مرير:
سامحني، سامحني يا علي، سامحني يا صاحبي، أنا بحبك جوي أكتر من أخ، وأنت عارف مليش قريب غيرك بس أوامر أبوي صدرت وأنت عارف كلامه سيف على رقبتي. وبغتة كان يتراجع مشهرًا السلاح في وجه علي الذي باغتته المفاجأة، فشخص بصره عليه غير مستوعب، وهز رأسه في صدمةٍ، متمتمًا: هتقتلني؟ هتقتلني يا إسماعيل، هتقتل صاحبك؟ أخوك علي! وتبسم قائلًا بثقةٍ بعد دقيقة:
مهتعملهاش، أنا متأكد، دا أنت مكنتش تستحمل تشوفني عيان، ولا حد يكلمني نص كلمة وتجيبلي حقي، مهتعمل… ما كاد ينهي عبارته وأخترقت رصاصة إسماعيل صدره فـ أهتز جسده متقهقرًا للخلف، وحاد ببصره ناظرًا لكفه الذي ضغط تلقائيًا على مكان الطلقة فوجده مغطى بالدماء، فعاد ببصره إلى إسماعيل مترنحًا وقبل أن يتهاوى جسده كان إسماعيل ملقيًا السلاح ويتلقى ثقله كأنما أفاق لتوه من فعلته وراح يصرخ بانهمار.
في ذلك الحين كانت منار تلهث، واضعةً كفها على صدرها في ذات الجانب الذي تلقى فيه علي الرصاصة، ومرتاحةً بكفها الآخر على الأرض وهي منكفئة على وجهها، صدى الرصاصة اخترق فؤادها وليس أذنيها، وصرخ قلبها صرخةً مدويةً لم تعبر حنجرتها التي عُقدت بالصم فجأة، كانت تجاهد أن تنادي باسمه لعلها تلحقه ولم تستطع، ثُم استوت جالسةً القرفصاء تنظر أمامها رامشةً وتحيد ببصرها على أخيها الذي يضم جسد حبيبها ولم يكف عن البكاء، فضحكت فجأةً كاتمةً فمها بكفها، هامسةً كمن أصابه مسٌ
من الجن: هش هش، هيسمعوكِ، اسكتي.
وضربت على فمها ثم انتحبت وهي تنهض مترنحةً وألقت نظرة وداعٍ عليهما وهي تلوح بكفها كأنهما يراها ومشت هائمةً على غير هدى في الطريق الذي طال مسيره حتى وجدت نفسها على الرصيف لكنها لم تشعر إلا باحتكاك عجلات سيارة خلفها وقبل أن تستدير كانت السيارة تسبقها لتنصدم في جسدها الذي كان في مهب الريح بيسرٍ ويطير جسدها دون صراخٍ من حنجرتها ويرتطم أرضًا ثوانٍ وكان الألم يصرخ في جسدها برمته وجفنيها يرفرفان بثقلٍ عظيمٍ قبل أن تغيب عن الوعي.
فاقت من ذكراها لتجد ذاتها كانت تصرخ بكل ثقل قلبها ولمار تحاول جاهدةً أن تهدأها، ناولتها كوبًا من الماء بشفقةٍ وقالت بحنوٍ وهي تجثو أمامها: مين علي ده اللي قتله أخوكِ؟ كانت في شرودها أمام لمار تهذي بكلماتٍ فقهتها لمار جيدًا، دلكت لمار ذراعيها صعودًا وهبوطًا بكفيها، وهي تهون عليها قائلةً: عدى، كل شيء سيمضي. ***
أستجمعت منار جمع شجاعتها وكظمت كل الآلام بداخل فؤادها المُتقرح، وطلبت رقم أبيها من هاتف لمار الجالسة بجانبها، كانت كأنها تستمدُ الشجاعةُ منها إذ إن بصرها مُعلقٌ بها، وقدميها تهتزان بتوتر. جاءها صوت أبيها قوي النبرات، أجش الصوت، يتساءل عن هوية المتصل، فـ أغرورقت عيناها بدموع كُرهٍ، فحثتها لمار على الرد، فتحمحمت وقالت بنبرةٍ جاهدت أن تخرج عاديةً لا توحي ببكائها: بابا، أنا منار… بتر والدها عبارتها بقوله المتلهف:
منار بتي حبيبتي، أنتِ فين؟ أنتِ بخير ردي على ابوكِ يا بتي، حصل إيه معاكِ. كانت منار مطبقة أجفانها وهي تستمع إليه ودموعها تترى على خديها، وأجابته بصعوبة: اسمعني يا بابا الأول وهحكيلك كل حاجة بعدين، أنا في شقة إسماعيل حاليًا بس هو مفيش وأنا خايفة أفضل لوحدي وتلفوني ضاع مني لما خبطتني العربية، أنا يلا طالعة من المستشفى! خليكِ عندي متتحركيش من الشقة أنا هكلم أخوكِ يجيلك دلوج، بس إيه اللي حصل معاكِ؟
أخواتك كلهم نزلوا يسألوا عليكِ في المستشفيات والأقسام ودوروا وملقوش ليكِ أثر. يا بابا هحكيلك كل حاجة حاضر، بس كلم إسماعيل يجيلي أنا خايفة. أجاب والدها بتعجلٍ وهو يغلق: طيب طيب هقفل معاكِ وهكلمه، ما عايزكش تخافي. ولم يكذب والدها خبرًا، فما إن أغلق معها حتى طلب إسماعيل وأمره بالذهاب فورًا إلى شقته، ورغم رفض إسماعيل من خوفه أن تكون الشرطة محاطة بالمكان، إلا أن والده أجبرهُ على الذهاب فـ أطاع.
أغلق إسماعيل مع والده وحدج أروى التي تبكي وهي تطلب المخدرات بجمودٍ، لقد أسرف في إعطائها كل الأنواع غير عابئٍ بما قد يصيبها أو تموت أثر ذلك، و التقط علبة سجائر من فوق المنضدة وأخرج واحدة وألقى العلبة دون اكتراث وأشعل السيجارة وما زال بصره على أروى، وراح ينفث الدخان مقهقهًا على حالتها التي ساءت بغبطةٍ كأن فؤادًا قد بُدل بالصم الصلب، ونهض وهو يطفئ السيجارة في الطفاية وألتقط كيسًا يحتوى على بودرة بيضاء ما أن رأتها أروى حتى أشرقت ملامحها الشاحبة وهي تضحك في سعادةٍ، وتقدم نحوها وهو يقطع طرف الكيس بأسنانه ويبصقه ويسكب محتواه على كفه الذي قربه من أنفها فراحت تشمه بنشوةٍ ثم رفع كفه ناثرًا ما تبقى على أنفها فيتناثر على وجهها.
قال إسماعيل وهو يتحرك مغادرًا: انهارده هرحمك ومش هطفي فيكِ السيجارة، عشان أختي رجعت زينة. وكمن تذكر شيئًا عاد أدراجه نحوها وقد ارتسمت علامات الحزن على محياه، وقال: أجولك سر؟ ما هو أصلي حاسس إني هموت من الكتمان، أنا جتلت صاحبي كان صديقي من الطفولة وجاري، كبرنا سوا وتعلمنا سوا وعيشنا سوا. وضحك متابعًا بوجع: عارفة جتلته ليه؟ عشان حب أختي!
أبويا أول ما عرف أمرني بجتله، عشان خاف لـ أختي تتمسك فيه وهو عاوز يجوزها لحد زين مش بيبع مخدرات زينا اصلها تستاهل كل الحلو. وهوت دموعه وقال بصوتٍ يفيض بالكسرة: هو ليه اختارني أنا أجتله وهو عارف أنا بحبه جد إيه؟ آه دُنيا غدارة يا مرات المجدم، غدارة جوي، متعرفيش امتى هتقلب ع الواحد.
وتحولت ملامحه للقسوة مجددًا، وقد كانت أروى لا تعطيه اهتمامًا إذ كانت مغلقة جفنيها بوجهٍ شاحب… شاحب للغاية بتلك الهالات السوداء التي أحاطت بشدة عينيها، و وجهها المصفر، الذي غطته الحروق جراء إطفاء إسماعيل عُقب السيجارة عليه، وجسدها متهدلًا كأنما عظمها برمته بات لينًا… شديد الليونة. بصوتٍ جادٍ، غمغم إسماعيل متأهبًا للمغادرة: هسيبك شوي وراجعلك نكمل وصلت العذاب، وادعي ربنا ميكونش جوزك مترصد لي بالمكان عشان هجتله طوالي.
عاد إسماعيل إلى شقته وقد بدل جلبابه الصعيدي ببنطالٍ من الجينز وقميصٌ وخبأ عيناه خلف نظارة سوداء وتسلل للبناية بحذرٍ وترقبٍ وهو يتلفت حوله، حتى وصل إلى شقته، أغلق الباب وراءه، وتنفس الصعداء، وأشرقت ملامحه وهو يهرول إلى منار بلهفةٍ، مصيحًا: منار حبيبتي، أنتِ زينة يا جلبي. ضمها لكنها لم تستطع أن تبادله سوء جمود المشاعر، لقد خُدعت! كانت مخدوعة منذُ ولدت! والدها خدعة وأخوها خدعة، وحياتها خدعة، كل شيء بات خدعة فجأة.
كانت تحيا في وهمٍ ويا ليت هذا الوهم لم يزول! ليتها ظلت موهومة في كل ما حولها! لا غرو! الوهم أهون من الواقع أحيانًا. وخفيةً وضعت جهاز ترقبٍ في ملابسه دون أن يدري، وفعلت ما أمرت به لمار تمامًا. ثُم جلسا وطفق يسألها عن الحادث وهو على يقينٍ تامٍ بمن دبره لأخته. وفجأة! تساءلت منار بتريثٍ وهي تركز عيناها في عينيه: أومال فين علي؟ لما نزلت عشان أجيب حاجات من السوبر ماركت مكنش موجود! ودلوقتي بردوا مش موجود؟
راعها إن أخيها أجاب بهدوءٍ كأن ذكر من قتله لم يثر فيه شيئًا، ولم يكن يُعني له شيئًا: علي سافر، أبوكِ وداه يخلص له شغل، وهيتأخر شوية وراجع، المهم إنك زينة ورجعتيلنا بخير… واللي كان السبب هياخد جزاته. كظمت منار كلُ ألمٍ هام في جوانحها، وقالت وهي تكبح موجةً من البكاء: سافر! وهيرجع فعلاً تاني. أومال إيه؟ مصير الغايب يعود لأهله! نظرت له نظرةً متوقدةً بنار الحزن، يا له من جرئ ومُمثل رائع! يكذب أيضًا بكل مهارة؟
تساءلت منار مرةً أخرى باهتمام: إلا هو الحادثة عمد، أصلك بتقول هياخد جزاته؟ هو مين؟ رد إسماعيل بحنوٍ وهو يملس على رأسها: متوجعيش دماغك أنتِ بالحاجات دي، جومي ارتاحي جوة وأني هنا وفي الصبح بدري هنسافر ونرجع بلدنا. أومأت له منار وقامت وما همت بالرحيل أوقفها قائلًا: أيوه صح افتكرت، لو صحيتي مع الفجر وملقتنيش متجلجيش ولا تخافي لأني هعدي مشوار كده وراجع. بسمت ظفر ارتسمت على ثغر منار وهي تعي إلى أين سيذهب أخوها. ***
انسابت سيارة إسماعيل عقب آذان الفجر في الطريق، تتبعها سيارة خالد الجالس خلف عجلة القيادة وبجانبه حمزة وفي الخلف قبع عاصم ولمار، ومنار التي لم يغمض لها جفن، حتى أحست برحيل أخيها فـ أسرعت ركضًا إلى السيارة التي كانت تدرك تمامًا إن لمار تقبع فيها بجانب البناية، فوجدتهم على وشك اللحوقك بأخيها فأصرت على الذهاب معهم، فغادر جان السيارة وصعدت هي بجوار لمار. لم يشعر إسماعيل أو يشك بالسيارة التي تتعقبه ولم يخطر له على بال.
أتبع حمزة بعينيه نزول إسماعيل من السيارة، فإذا بنيران الحقد، والغضب تتأجج في فؤاده، وفتح الباب لكنَّ خالد أمسك بساعده ما أن استقرت إحدى قدميه على الأرض، وقال: اصبر بس يا حمزة أكيد في رجالة.
لكن حمزة لم يبال ونزع ذراعه وترجل، فترجل خالد وعاصم وراءه فورًا، مشهرين سلاحيهما، كان رجلان جالسان على مقعدين إزاء بعضهما يتسامران حين أحسا برياحٍ هوجاء تندفع نحوهما فحانت منهم التفاتة، وقبل أن يستلا سلاحيهما كان خالد وعاصم يطلقان على أكفهما فرفعا إيديهما في استسلام.
كان إسماعيل لم يصعد إلى أسيته حين تفاجأ بعاصفةٍ دفعت الباب على مصرعيه، وبرز حمزة مشتعلًا غضبًا بث الزعر في قلب إسماعيل الذي قبل أن يستوعب وجوده أنقض عليه حمزة بلكمةٍ ساحقةٍ على فكه هشمت أسنانه، وكومته أرضًا، فرفعه حمزة من تلابيبه وكال له لكمةً ما بين عينيه جعلت الدنيا تظلم في عينه والأرض تميد به، ومن شدة الألم الذي صرخ في وجهه لم يعرف كيف يدافع عن نفسه إذ أنهال عليه حمزة بلكمةٍ تردفها أخرى دون هوادة، حتى أنهارت أرضًا فـ اندفع خالد
يحاول إبعاد حمزة وهو يصيح: هيموت في إيدك يا حمزة سيبه، روح شوف أروى أنت. بصق حمزة فوقه، ودفع خالد صاعدًا السلالُم في سرعةٍ، تمالك إسماعيل نفسه وأسند بكفيه على الأرض وكاد يقف حين ركله خالد فاعاده مكانه، فصاح عاصم ساخرًا: هو ده اللي هيموت يا حمزة سيبه؟ باخد نصيبي يا جدع، الله، وبعدين لسه، هو شاف حاجة. صدح صوت لمار وافيًا من لدن الباب، تقول: اطلعوا شوفوا حمزة، وتأكدوا إن أروى بخير.
أنصاع الشبان فورًا دون أن ينبسوا، فتقدمت لمار لتظهر منار من خلفها، رفع إسماعيل بصره بصعوبةٍ أثر انتفاخ عينيه من لكمات حمزة، شطر الباب، فرأى منار، ظن إنه يُخيل إليه، فـ أسبل عينيه وفتحهما ممعنًا النظر فيها إلى أن تأكد إنها هي… أخته. توترت منار وهي تفرك كفيها في ارتباكٍ، فـ انتفخت أوداج إسماعيل وهو يربط كل شيء في بعضه؟ أخته من قدمته لهم لقمةً سائغة؟
نهض مترنحًا متحاملًا على نفسه واجتاز لمار التي حدقته ولم تبادر بأي شيءٍ، و وقف قبالة منار وبقى ذاهلًا قليلًا، ثُم أردف بصوتٍ خافتٍ كمن يُمني نفسه إنها ليست هي: أنتِ مش أختي منار، صح؟ ثُم أردف، يقول بهمس: لا، لا أنتِ، أنتِ سلمتيني ليهم كده؟ ليه يا بت أبوي؟ هزها من كتفيها صائحًا فيها فلم يتلق إلا دموعٍ تنساب من عينيه بخزى، وحسرة. رفع إسماعيل كفه بغية صفعها مع صياحه: انطقي، ليه عملتِ كده دا أنا أخوكِ.
وقبل أن يهوي كفه على وجهها وبينما هي مغمضة العينين بقوةٍ إذ قبضة لمار أمسكت كفه وظهرت حائلًا بينهما فجأةً، ودفعت إسماعيل للخلف مع هتافها فيه: أيدك إياك تتمد على أي بنتٍ وخاصةً أختك، أنت محدش علمك الرجولة؟ أشتعل صدر إسماعيل غضبًا، وصرخ فيها وهو يهم بضربها: منقصشي غير مرة تعلي صوتها عليّ. ثنت لمار كفه خلف ظهره، وهمست له في أذنه بصوتٍ يجمد الدم: يبدو إنك متعرفيش أنا مين؟
أنا لمار الشرقاوي، الاسم ده افتكروا دايمًا عشان هيكون بداية جحيمك، وبعد كدا فكر تلعب مع اللي قدك. لو إن أحدًا قد أخبره إن ثمة امرأة ترعب أعتى الرجال وبقدرات لمار المذهلة ما صدق! فقد دفعته لمار بقوةٍ وقبل أن يلتفت كانت هوى بلكمةٍ قويةٍ في معدته. اندفعت منار نحوه وصفعته بكل ما يصطخب بداخلها من أحاسيسٍ شتى، وصاحت فيه:
أنت من انهارده مش اخويا، علي اللي سافر أنت اللي قتلته، أنا اخويا مش تاجر مخدرات ولا بيقتل، يا شيخ يخرب بيت اليوم اللي اتولدت فيه وخدتك فيه قدوتي، أنا بكرهك. نزلت كلماتها على مسامعه نزول الصاعقة فكانت الطامة الكبرى له. في أثناء كل هذا، كان حمزة يضم جسد أروى بعد ما فك قيودها، ينظر لوجهها المكتسي بالحروق بعجز، وشحوب وجهها بخزى، وهالاتها بجزع. ضربات قلبها كانت متزايدة للغاية، وبدا له إنها تلتقط أنفاسها الأخيرة.
فغدا كطفلٍ صغيرٍ يُناجي والدته ألا ترحل. ألا تتركه. يعتذر عن كل ما عاشته! كان خالد وعاصم واقفان بجانبه بصمتٍ، عيناهما لم تفارق جسد أروى، المتهدل كأنما فارقت الحياة. استدمعت عينا خالد بمرارةٍ، وبكى حمزة وهو يضم جسدها مرددًا: سامحيني أنا جيت متأخر، بس متسبنيش يا أروى، يا ريتني كنت مكانك. وبكى… بكى كطفلٍ صغيرٍ يرجو أمه ألا تذهب. كضالٍ يتوسل أن تستهديه! كغريقٍ في بحرٍ لُجي يستنفر بذورق نجاةٍ تعيده على المرسى.
ثُم نهض حاملًا إياها بين ذراعيه، وصك على أسنانه، قائلًا بغضبٍ عارم: الكلب كان بيديها مخدرات، والله ما هرحمه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!