الفصل 33 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
23
كلمة
7,236
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

الخوف استبد بقلبها من حبيب بات عدوًا. لم تعد تتلاقى دروبهم. خوفٌ جعل الدمع يهوى من مقلتيها بغزارة، وهي تحاول الإفلات جاهدة، أو التحرر من كفه الضخم المكمم لفمها، فتستنجد بأحد. لكن عبد الله لم يترك لها الفرصة، إذ غرس فوهة سلاحه في جنبها وهو يهتف بخشونة سرى لها الرعب في أوصالها: _أمشي معايا من غير صوت… هبعد دلوقتي إيدي بس، قسمًا بالله لو نطقتي بحرف لأفرغ رصاصات المسدس فيكِ! أومأت شيماء موافقة، فأبعد كفه

عن فمها مع همسه الضعيف: _هتيجي معايا دلوقتي من غير ولا كلمة! همت بالفرار من أمامه، لكن ما كادت حتى أن تستدير وتركض، وكانت قبضته تحيط إحاطة السوار بالمعصم، على معصمها وضغط بشدة على يدها وهو يسحبها إليه مجددًا ويلصق فوهة السلاح في صدغها، قائلًا بامتعاض: _شكلك مستغنية عن عمرك، وأنا رهن إشارتك. أعتصرت شيماء عينيها وهي تدرك أن لا مفر من حصاره أبدًا. كم أصبحت تمقته يا الله؟

إنها تستحق كل هذا، فهي من أمانته عمياء البصيرة رغم تحذير الجميع! ويلٌ لهذا القلب أن ذاق من كرهه كما ذاق من حبه الزائف وانخدع بسهولة! لكن الآن لا بُد أن تتعلم مما اقترفته بنفسها! مؤلم هو ذاك الحب، بلى أشد إيلامًا أن جاء من قلب حسبنا إنه لن يؤلمنا يومًا ولن يطعننا، فإذا به يطلق علينا كلايبه محمية بالنار، ويذرنا نحترق غير آسف أو صان للحب والود!

صوت وقع أقدام رزينة تهبط الدرج، نبه عبد الله الذي بادر بكتم فم شيماء التي تلوت بين يديه هائجة وقد راودتها فكرة الصراخ والاستنفار بالشخص، لكن صرختها انحسبت في صدرها وبكت بضعف حين تلاشى وقع الأقدام. ثم أحست بقبضة عبد الله تضغط على فمها وهو يديرها ليخبط ظهرها بعنف في الحائط، ويهتف: _أصرخي يلا أصرخي… لوح بالسلاح أمام عينيها، وهو يضيف: _عشان تكوني سبب في موت أي حد يحاول بس يقرب.

لهثت شيماء في انفعال وهي تغمض عينيها، مخافة رؤية وجهه البغيض، الذي لم يعد فؤادها يهواه بل يهابه ويخشاه. لكنها نظرت له فشهقت وهي تضع كفها على فمها، واتسعت عينيها ذعرًا وذهولًا، وهي تهتف ونظرها على بقعة دماء فوق قميصه: _إيه ده أنت متصاب… _بالضبط يا حبيبتي كده، وعشان كده زي الشاطرة هتيجي معايا عشان تعملي اللي هقولك عليه! هتفت شيماء باستنكار وقد استجمعت جأشها: _أجي معاك؟ أنت اتجننت؟

مستحيل طبعًا، وأمشي من هنا بدل ما حد يشوفك ووقتها هتتسجن. ببسمة باردة قال عبد الله مشدوهًا: _بقي ليكِ صوت معايا وتتكلمي يعني وتعارضيني! صاحت شيماء في عصبية شديدة وقد فاض بها: _تعرف إنك أذبل وأحقر إنسان عرفته في حياتي، هو أنت شايف نفسك راجل… بترت عبارتها صفعة قوية أسقطتها أرضًا أسفل قدمي عبد الله الذي مال عليها وأمسك حفنة من شعرها المتواري أسفل حجابها الذي تشعث وأسفر عن خصلاتها المستترة تحته، وقال بغلظة:

_مش الراجل ده اللي كنتِ هتبوسي إيديه ورجليه عشان يتجوزك؟ سحبها لتقف على قدميها وهو يشد من قبضته، هاتفًا بسخط: _اسمعي هتيجي معايا من غير ولا كلمة وهتمشي عدل لحد العربية وإلا والله هتبقى مذبحة هنا وأنتِ السبب ومش هيهمني كام شخص هقتله لو فكرتي تصرخي! صرخت شيماء من فرط الألم، ولهثت من شدة خفق قلبها، حينما دفعها هو بقوة، وهتف: _امسحي دموعك وأخلصي!

ترنح لوهلة أمامها وبدا شديد الشحوب وهو يمسك جانب بطنه في توجع، ففكرت بضربه والعدو هربًا، لكنه عاد يصوب المسدس عليها وسبابته على الزناد، وقال وبنبرة واثقة: _بلاش الأفكار تلعب بعقلك اخلصي معنديش صبر. اضطرت شيماء صاغرة أن تنفذ، وتسير بجانبه وهو يخفي السلاح في سترته ويهددها حتى وصلا إلى السيارة واستقلاها وقاد في صمت وهو يتأوه كابحًا وجعه. هل يكره المرء نفسه؟ ربما حين يفضل من لا يستحقون!

ربما عندما يحب القلب من لا يليق به الحب! ربما حين يظل القلب يخفق من أجل من خان، وغدر. كانت في الأمس القريب تتصور أحلامًا، وتبني حياةً محورها هو فقط وفلكها هو فقط. أنى انهدمت تلك الأمنيات في لحظة! كيف لمن ظنته الأمان أن يصبح أكثر من تخشاه في الحياة؟ لقد زلها الحب الذي حسبته روضة في قلبها، وأطاح بروحها دون شفقة. وها هي ذا تذوق ثمار هذا الحب الذي أغرقها هي.

توقفت السيارة أمام بناية متهالكة نوعًا ما، وترجل من سيارته وهو يأمرها أن تحذو حذوه، ففعلت خاضعة ووقفت خلف باب السيارة كأنما تحتمي فيه منه، وكم غدا مؤلمًا لها هذا الأمر أن لا تجد ملجأ ممن ظنته ملجأها الوحيد، وأبت أن تتزحزح من مكانها، فأثار غضبه وهجم عليها وجذبها من ذراعها في قسوة وهو يهتف من بين أسنانه: _مفيش حد هنا ممكن تستنجدي بيه لأن الحارة مفيهاش غير الشممين وبس.

تحركت معه إلى شقته التي أغلق بابها فور دخولهما، فزاد ارتجاف جسدها وهي تتراجع للخلف كأنما استوعبت لتوها إنها معه في الشقة بمفردها وهي الآن ليست زوجته. ألقى هو جسده على أقرب أريكة وراح يرفع قميصه ليتراءى لها جرحًا غائرًا نازف، بشع المنظر جعلها تشمئز، واضجع في مقعده وهو يقول: _متخافيش، أول ما تخلصي هخلص عليكِ وهدفنك في أي مكان وخلاص.

كانت تعرف إنه لا يمزح. تعلم إنه لا يخدع. إنه يعني بالفعل كل حرف نطق به. لن يتورع في قتلها دون أن يطرف له رمش. في مرارة هتفت شيماء: _يمكن الموت أفضل من وشك ده، ربنا ياخدك، أنا إزاي كنت مخدوعة فيك كده؟ تجاهل عبارتها عمدًا، وقال في حنق: _إحنا هنرغي؟ يلا هاتي علبة الإسعافات من جوه وتعالي نضفي الجرح ده… عشان نشوف اللي ورانا! جلبت شيماء علبة الإسعافات وراحت تنظف جرحه قسرًا، وفيما هي كذلك سألته: _أنت ناوي على إيه بالظبط؟

فتح عينيه المسبلتين وشرد باسمًا رغم الوهن والحرارة التي استعمرت جسده، وقال هائمًا: _هنجبر أروى تيجي. ثم أدار رأسه إليها قائلًا: _بالأحرى أنتِ هتطلبي منها تيجي لأنك واقعة في مشكلة… وهتيجي. أذدردت شيماء لعابها في توتر، فـ أروى قد سافرت، أنى لها بالمجيء، لكنها كبحت جماح خوفها وهي تؤمئ برأسها لتجاريه، وتهربت بسؤال آخر بينما استرخى هو وأسبل جفنيه: _مين اللي عمل فيك كده؟ أجاب عبد الله، وصوته يخفت تدريجيًا، وكأنه

يوشك على فقدان الوعي: _الشرطة. اتسعت عينا شيماء ذهولًا، وهي تردف مسرعة خيفة أن يغرق في النوم: _الشرطة؟! ليه؟ عملت إيه بالظبط؟! بدا صوته كأنه يأتي من مكان سحيق وهو يقول: _رشيت ظابط يجيب لي بعض المستندات وكشفونا وهو بيسلمهم ليا ونجحت في الهرب منهم بس الرصاصة مرت من جنبي أصابتني إصابة سطحية. بدا كأنه يهذي، ولا يدرك ما يقول، وبغتة أدار الحوار، وقال: _أنا عايز أروى، أول ما هتيجي هخطفها وههرب بيها بلاد بره وهتجوزها و…

فقد وعيه دون أن يستكمل عبارته، وبكل المقت والبغض الذي سكن قلب شيماء نحوه بصقت على وجهه، وهبت واقفة نحو الباب وحاولت فتحه إلا إنه كان محكم الإغلاق ولا يوجد أثر للمفتاح، فعادت إلى جسد عبد الله وأخذت تبحث في ملابسه عن المفتاح دون جدوى، وغمرها اليأس وهي تقف حائرة لا تعلم كيف النجاة، وأظلمت الدنيا في عينيها وأُغلقت الأبواب. كيف السبيل للخروج من هذا المنزل؟ والنجاة من براثن حقير مثل عبد الله؟

تعرف إنه لن يتوان في قتلها أن استيقظ وعاد لكامل صحته. ولِوهلة سبحت في ذكرياتها في بحر حزنها. وراحت تسترجع لحظاتهما معًا، أحاديثهم، وكلامه التي كانت تذوب فيه. كم أحبته! إنها لم تحب في حياتها كلها سواه، ولم يخفق قلبها إلا من أجله. وتعجبت كيف خدعها وأوهمها بحبه، لكنها كانت واهمة أشد وهمًا. كيف سمحت لقلبها ألا تسمع تحذير أخيها وأقرب ما لها. أقدام آتية من أمام الباب جعلتها تفوق من ذكرياتها، فحثت الخطى إلى الباب وطرقته

بعنف وهي تصرخ في رجاء: _حد هنا.. حد يساعدني ويفتح الباب، أنا محبوسة هنا. ولم تدرك أن صراخها وطرقها المدوي على الباب جعلا عبد الله يتململ فاتحًا جفنيه في إرهاق ولم يأخذ وقتًا ليتذكر ما حدث بل اعتدل جالسًا ورمقه بتجاهل وقال: _محدش هنا هيهتم بيكِ!

شحب وجهها حين بلغها صوته، وتسمرت قبضتاها على الباب في تهالك أليم، لكن صوته القاسي كان أشد إيلامًا. وفي بطء استدارت له ورمقته شزرًا وهي تراه جالسًا في استرخاء وقد استرد بعض من عافيته وشرع ينثر الماء من الزجاجة على وجهه، ثم يصبها فوق رأسه لتغمر المياه رأسه بأكملها وأخذ ينفضها بقوة وهو يمسح بكفه وجهه، لتتناثر قطرات الماء حوله، ثم التفت وحدقها بنظرة صارمة لا مبالية، ونهض آخذًا من البراد زجاجة عصير وشرع يتجرعها في ارتياح وهو يسترخي في مقعده قائلًا في هدوء آثار

الرعب والقلق في أوصالها: _متستعجليش على عمرك، هريحك مني ومن الدنيا كلها بس اصبري شوية وقت مش أكتر لحد ما أنفذ خطتي. سرت ارتجافة قوية في قلبها وهي تفقه إلى ما ترميه عبارته، وأنكمشت أمام الباب الذي دفعها بقوة إلى الأمام لتسقط على وجهها مع ظهور محمد أمامه وهو يهتف لاهثًا في انفعال: _متأخرتش صح؟ أنتِ كويسة؟

وأندفع يعاونها على النهوض متأسفًا لسقوطها بسببه. وعندما نهضا وجدا محمد ينظر لهما باستمتاع وهو يسند ذقنه إلى راحته مغمغمًا: _الله، إيه المشهد الحلو ده؟ البطل جه ينقذ البطلة! وصفق بكفيه في حرارة وهو ينهض في تلكؤ، ويتابع: _رائع بجد رائع ابهرتوني جدًا! مش أنت اللي أنقذتها برضو المرة اللي فاتت؟ وصوب بصره إلى شيماء التي تشبثت في ذراع محمد مرتعشة واختفت وراء ظهره مع صوت عبد الله وهو يضيف ويقترب منهما:

_أنتِ يا حلوة لحقتي تحبي؟ قلبك ده غريب يا شيخة والله، بس بقولك إيه يا أخ أنت شيماء دي محبة بجد. صب محمد وشيماء سمعها إلى عبد الله الذي غفلهما ليغلق الباب مجددًا وانتزع مسدسه من جيبه وأشهره في وجههما، وقال: _بس للأسف انتوا الاتنين هتموتوا سوا، بس مش قبل ما تقولي بتدافع عنها ليه؟ تحفز جسد محمد تلقائيًا، وأبعد جسد شيماء وراءه وكان مستعدًا ليفديها بروحه ولا يصيبها أذى حتى يرد لخالد بعض من صنيعه لأجله وفضله. وهتف مراوغًا

عبد الله: _بدافع عن خطيبتي، عندك مشكلة؟ نظرت له شيماء بطرف عينيها في دهشة واستنكار، بينما صاح عبد الله مبهورًا وهو يرخي ذراعه إلى جانبه التي تمسك السلاح: _واو خطيبتك! إيه يا شوشو بالسرعة دي؟ برافو عليكِ أتخطيتي لعبتي في أعجوبة تستحق التصفيق.

وقهقه ضاحكًا فهجم عليه محمد بجسده وسقطا معًا على الأرض، تفاجئ عبد الله من صنيعه وسقط على ظهره صارخًا من الألم الرهيب الذي طحن عظامه، وكاد يرفع السلاح على صدغ محمد لولا أن هذا الأخير قبض بأصابع من فولاذ على معصمه وراح يضرب كفه في الأرض حتى ترك السلاح، فأطاح به محمد بعيدًا، في نفس اللحظة الذي دفعه عبد الله لينقلبا ويصبح هو فوقه وأمسك برأسه وضربه في الأرض عدت مرات… لكن فجأة، قبضة أصابع محمد على عنقه مما اضطر عبد الله بترك رأسه وشرع يحاول إفلات عنقه من أصابع محمد التي بدت كقبضة فولاذية صعب فكها، وسعل مختنق وكاد يتهاوى أرضًا، فشهقت شيماء بخوف وهي تبتعد منكمشة في إحدى الزوايا وكم تمنت أن يكون حمزة معها. فتشعر بالأمان ويزول خوفها!

فقط لو كان موجودًا لكنها الآن تدرك أن ما بينها وبين حمزة بحار وجبال وبلاد. ورغم أن محمد كان موجودًا وبدا إنه قد ظفر عندما ضرب عبد الله في جرحه الذي نزف مجددًا وركله فارتد عبد الله على الحائط وسقط على وجهه، ورفع رأسه رامقًا السلاح فلاحظ محمد نظره على السلاح وتدارك إنه ينوي أخذه وقبل أن يقفز نحوه كان عبد الله المبادر في الوثب عليه ووقف ضاحكًا في شماتة مصوبًا السلاح على قلبه مباشرةً.

خبأت شيماء وجهها بين كفيها، وتركت لدموعها العنان، وهي تنادي حمزة أن يكون موجودًا… الآن فقط أدركت أن أمانها كان يكمن في أخيها ووجوده. الآن أدركت إنه سندها وإنه قد يضحي بروحه لأجل سلامتها.

سحب عبد الله إبرة سلاحه بصوت مسموع، رهيب، أرجف جسد شيماء التي وقفت في ذعر وهي تقلب بصرها، وتحفز جسد محمد ورأت شيماء سبابة عبد الله متحفزة على الزناد وفي بطء راح يضغط، فصرخت في انهيار وهي تغمض عينيها بعنف، وتسد أذنيها مع صوت إطلاق النار.

نعم انطلقت الرصاصة… لكن وللمفاجأة، إنها خرجت من مسدس ياسين الذي حضر توًا أمام الباب ولم يلبث أن أطلق على عبد الله وأخترقت رصاصته ذراعه وانزلق السلاح من يده، ونظر بهلع إلى الشرطة التي اندفعت تحيط به إحاطة السوار بالمعصم، فعلم إنها النهاية… نهاية خائن لوطنه… فالخائن ليس له مكان قط في وطن يعظم أبناءه! الوطن يضم من يحافظ عليه فقط! وهذا خائن لا يستحق إلا سجن سحيق. انتهت حياته وانتهى حبه.

فتحت شيماء جفنيها وما كادت ترى ياسين إذ انطلقت نحوه ملقية نفسها بين ذراعيه وهي تبكي منتحبة: _خالو. ضمها ياسين رابتًا على ظهرها برفق، هامسًا: _أنتِ بخير؟ متقلقيش مفيش حاجة أنا جنبك يا… اتسعت عيناه في هلع مع بتره لعبارته وهو ينظر لشيء وراءها صائحًا: _لا، لا إياك.

ودوى صوت رصاصة أفزع شيماء وأرتجف قلبها وهي تلتفت في سرعة وشهقت في عنف عندما تراءى لها جسد عبد الله متهاويًا أرضًا والدماء تنفجر من رأسه بعدما جذب سلاح إحدى الجنود واطلق فورًا النار على نفسه. صاح ياسين في عطف وهو يأخذ شيماء خارج الشقة: _تعالي معايا. والتفت إلى محمد الذي تبعهما، قائلًا: _خدها دلوقتي عند والدتك لحد ما أخلص شغلي.

وافق محمد بإيماءة من رأسه وأخذها إلى شقته التي يقطن فيها مع والدته، التي كانت سببًا في نجاة شيماء، ودرء مخطط عبد الله. فقد رأته وهو يسحبها قسرًا لداخل البناية وتعرفت عليها فورًا حين ذهبت لمنزل آل الشرقاوي في حفل زفاف ملك الذي لم يتم، وبلا هوادة اتصلت على ابنها لتخبره بما رأت وقام محمد بدوره بإبلاغ ياسين وذهب هو لإنقاذ شيماء ويرى ما عليه فعلاً. وقد كان ما كان.

في المطار وبين الذاهبون والقادمون وقفت خديجة تحترق شوقًا في انتظار ظهور الفتيات بعد ما حطت الطائرة على أرض المطار، وشرعت تشرأب برأسها وتشد قامتها، وتقف على أطراف أصابعها تنظر في الوجوه بلهفة، حتى رأتهم أمامها جميعًا، فتهللت أساريرها وهي تلوح لهم، فلوحوا لها وهم يحثون الخطى إليها، وبدا مشهدًا مثيرًا للدموع، ودافئًا للقلب لكل من يراهن وهن يتعانقن في شوق امتزج بدموعهن. آترون إنهن يبالغن!

وإن الغياب لم يطل وإذا به يتتوجه بالتلاقي! ربما… هكذا تظنون، لكن أولاء لم يغبن يومًا عن بعضهن، فماذا عن تلك الأيام والليالي التي مرت وهن لست معًا!

كانت عسيرة شاقة إذ كانت نوارة البيت غائبة. وخديجة هي منارة البيت إذ غشاه الظلام ليلًا. وهي السراج المنير لقلوبهن إذ لفتهن الظلمة لحظة. فتحتم اللقاء بكل هذا البكاء… بكاء الفرح، والاشتياق، وربما عتاب الغياب أيضًا. لكن ملك كان لها النصيب الأكبر من حضن خديجة التي كادت تخفيها بداخلها. أسفًا لأنها لم تكن بجانبها في نكبتها. وحزنٌ إنها لم تكن موجودة لتؤزرها. عزاءها الوحيد إنها لم تكن بمفردها فيما مرت به، عزاءها إنها لم تكن قريبة فتذهب إليها وقتما تشاء، وإلا فيعز عليها تركها.

قالت خديجة والدمع يهطل من عينيها في أذن ملك وهي تضمها بشدة: _سامحيني عشان مكنتش جنبك يا ملك، بس كنت عارفة إنك هتعدي، كنت متأكدة إن ملك قوية مش هتنهار من أي حاجة.

رحبت بالشباب في غبطة، وصافحهم أراس بذات الفرحة التي قبلت بالبرود التام من طرف الشباب. استقلوا ثلث سيارات نقلتهم إلى المنزل الذي استأجروه بقرب منزل خديجة. كان منزل صغير يطل على حديقة رائعة المنظر، ألوانه هادئة تبعث السكينة في القلب، وجلسن الفتيات معًا في إحدى الغرف تاركين الشباب مع بعضهم. وعلى الفراش الذي احتواهن، قالت خديجة لملك: _ها عاملة إيه في العلاج مع دكتورة هيام. أشارت لها ملك باسمة بـ:

_"إنها طبيبة جيدة وتعاملها كأنها أخت وليست مريضة لديها."

كانت قد بدأت في الجلسات مع طبيبة اقترحتها لها خديجة ومالك بعد ما رفضت رفضًا تامًا أن يكون معالجها مالك، ربما خجلًا منه، فمع شخص غريب حتمًا سيكون الأمر هين عليها. في أول الجلسات كانت تجاهد ألا تمد يدها على شيء بكل جهدها، وهي تنفذ كلام الطبيبة، والحق إن الفتيات في تلك الفترة تركوا كل شيء ليكونوا معها ويمنعوها حتى من سيطرة هذا المرض عليها. الطبيبة تحادثها يوميًا عن طريق الرسائل، وباتا صديقتين مقربتين، وكان الفضل يعود لعائلتها التي شاركوها محنتها.

أنفض اليوم وغادرت خديجة برفقة أراس، بعد ما أبلغتهن إنهم سيذهبون لزيارة صديقة لها مريضة، ووافقن البنات فورًا. في اليوم الثاني مرت عليهن خديجة وتناولت معهن الفطور، لم يكن الشباب موجودين ولم تسأل لأنها كانت تعرف إنهم حتمًا سيقابلون خالد أخيها، وأخذتهن لزيارة منة، كانت تشعر خديجة بالقلق طيلة الطريق مخافة أن يروا البنات آجار وتحدث مشكلة وما شابه، وكانت تدعو الله أن يمر الأمر بسلام، وحين وصلن لمبتغاهن، ركن أراس السيارة جانبًا وانتظرت خديجة البنات حتى نزلن فالتفتت إليه،

وقالت بقلق لم يخف عنه: _هل حادثت آجار وسيرحل من غرفتها؟ لم يدري ما سر اهتمام وحذر خديجة بأن يرحل آجار حتى لا يتقابل مع البنات، فزفر بضيق، وهو يقول: _أجل يا خديجة لن يبقى… ثم أردف مستفسرًا: _لماذا تصرين على هذا؟ ما الذي يخيفك ويقلقك؟! هل ليّ بتفسير لذلك. رمشت خديجة ذاهلة إثر السؤال المباغت، وتجلى التوتر في عينيها وهي تغمغم بارتباك: _لا يوجد سبب لذلك لماذا ظننت هذا؟

أنت تعرف إن البنات لن يوافقن على زيارة منة في حضرة غريب لهذا السبب. لم يزاوله الشك إلبتًا، ومع ذلك أومأ لها متصنع التصديق، وهمس: _حسنًا يا خديجة، أنتِ أدرى! تنفست خديجة الصعداء وهمت بفتح الباب لكنها عادت تنظر إليه حين ناداها، قائلًا: _خديجة، انتبهي لنفسك جيدًا وأن حدث أي شيء اتصلي بي، ونجيب سيبقى في انتظاركن هنا لن يبرح مكانه حتى يوصلكن. التقط كفها ولثمه، وقال بنبرة حنون رخيم: _سأشتاق إليكِ كثيرًا.. فلا تغيبين.

كادت خديجة أن تجيبه عندما أطلت أروى على النافذة ودقت عليها بسبابتها، هامسة: _يلا يا خديجة. فأومأت لها خديجة وردت في عجل: _جايه أهو. ودارت رأسها إليه قائلة: _سأذهب الآن. أفلت أراس كفها من راحته وهو يومئ برأسه، كادت خديجة أن تترجل حينما أمسك مرفقها مجددًا بلهفة يستوقفها: _رويدك رويدك. قالت خديجة بحنق: _ماذا هناك أيضًا؟ ما الذي أصابك اليوم؟ كيف يجيب وهو لا يدري سبب تلك الغصة في حلقه؟

أنى له أن يعرف سر تلك القبضة الباردة التي تعصر قلبه بألم ساحق. ترآه يبالغ إذ قال إنه لا يريدها أن تغادره؟ وأن تظل بجانبه هكذا حتى تزول هذه الغصة التي لا تفتأ تمزق قلبه! فجأة، ضمها بقوة إلى صدره فتفاجئت خديجة بفعله وتوترت مخافة وخجلًا إن يراهما أحد، وهمست بصوت خافت: _اراس ما لك اليوم لا تبدو على سجيتك هل حدث شيء؟ غشاوة دمع ظللت عيناه كبحها بداخله وهو يتمالك جأشه، قائلًا: _أنا بخير.

وأحاط وجهها براحتيه، ونظر لعينيها، وهمس بنبرة آسرة مفعمة بالحنان والحب: _انتبهي لنفسك جيدًا من أجلي، وأعلمي إني لم أحب غيرك، ولم يخفق قلبي إلا لكِ، ولم يسكن سويداءي سواك، ولم ترى عيناي غيرك، اعرفي أنني… سكت هنيهة قبل أن يستتبع قائلًا: _بدونك لا شيء مجرد فُتات تذره الريح أين ما تشاء، وإني أهدم وأحرق الدنيا… صمت لحظة، وقال:

_ناهيك عن الدنيا، أنا أحرق العالم كله لأجل عينيكِ يا خديجة، إياكِ أن تفارقيني فأفارق نفسي أو تغيبي فيغيب روحي. لمست كلماته قلبها، فتطلعت حولها خجلة، وقلبها يخفق في تأثر، ثم قالت بصوت خافت: _حسنًا هذا ليس المكان المناسب لهذا الكلام، حين أعود. ودفعت الباب تغادر السيارة بعجلة فابتسم متابعًا إياها بعينيه التي امتلئت بالحنان والدفء. جميلة هي خديجة!

عذبة الحديث، رقيقة الشمائل، منبع من حنان، إنها كوكب دري في سماء قلبه أزال سواده وأترعه بالضياء. إنها عيون النجوم تضيء طرقات ليله، هي الحبيبة التي لم يعرف القلب حبيبه غيرها. لا يمكنه أن يتخيل خسرانها، يتحمل أي شيء وقد يدخل في لجة اللهب لأجلها ولا تصاب بأذى. غيابها عن عينيه وإن كان لدقائق مؤلم، يهاب دائمًا ألا تعود ويجد نفسه بلا ملجأ. هي موئله في هذه الحياة، ليته كان سربالًا فيتيح له إحاطتها في كل حين ووقت. آهٍ من تلك النخزة الطاعنة لفؤاده المكلوم تنبهه أن أمرًا جلل سيحدث!

دارت خديجة بصرها في البنات وهي تسأل متعجبة: _أين لمياء، لا أراها؟ فتنبه الفتيات لغياب لمياء عنهن دون أن ينتبهن أين ذهبت؟

وشملهن القلق والتوتر والخوف وهن يدرن حول أنفسهن. إما لمياء فقد كانت تلحق مسرعة بـ آجار ظنةً منها إنه إسلام وراعها أن تجده في المستشفى وهي على يقين إنه ذهب مع الشباب لمكان لم يسفروا عنه أمامهن. لم تستطع مجابهة خطواته وهي تنادي باسمه، ولأنه كان يتحدث في الهاتف باهتمام لم يلتفت إليها، فأسرعت خطاها نحوه وما كادت تقترب منه وتلفظ باسم إسلام. وفجأة!

كان يستدير آجار ممسكًا بمنكبيها ودفعها في الحائط بقسوة وهم بأن يستل سيفه، فتسمر أمامها وهو ينظر لها مبهوتًا، هامسًا: _لمياء!! تلقت لمياء الارتطام بتأوه مكتوم وهي مصدومة مما فعل، وتشهق بخوف جلي، فاذدرد آجار لعابه بتوتر، لقد ظن في بادئ الأمر إنه أحد يود اغتياله لذلك تصرف بذلك العنف، وكان من الجيد أن تنتبه قبل أن يخرج السلاح، نظر لها بإشفاق وهو يرى الخوف يطل من عينيها، فغمغم بهمس خافت يهدئ من روعها:

_اهدئي رجاءً، أنا أسف لم أظن إنه أنتِ. للحظات ظلت تنظر له كالحة الوجه، وأطل الهلع في مقلتيها، وأخذت نفسًا عميق تهدئ من أعصابها الثائرة، وهي تقول: _يا الله اخفتني يا إسلام ما الذي جرى لك؟ ثم ما الذي تفعله أنت هُنا بالله عليك؟ ألم تذهب برفقة الشباب؟ لم يدرك آجار بما يجيب؟! بما يقول… بما يفسر… والأدهى ماذا لو علمت هويته وإنه ليس إسلام؟ انفرجت شفتيه لكنه عاد يطبقهما وقد انعقد لسانه، فحثته لمياء، قائلة:

_أخبرني ماذا تفعل هُنا؟ بدا تائهًا زائغ العينين، وعن قرب أوقف أراس سيارته ودفع بابها وكاد أن يغادرها لولا إن رأى خديجة تقبل عليهما فجأة وتتحدث معهما، ثم أخذت بكف لمياء وغادرت، لم يفقه شيء مما جرى! ولكن… بدا له إن آجار يعلم ما هي لمياء حق المعرفة. ثم توتر خديجة الملحوظ الذي زاد من ارتيابه في الأمر. لم يسمح لذهنه بالغرق في التفكير، أنما أدحره بعيدًا وأغلق باب السيارة وقاد اتجاه آجار ووقف بجانبه ليصعد آجار وينطلق.

" ماذا تنوي فعله بالضبط؟ .. " صاح بهذه العبارة آجار وهو جالس بجانب أراس على مقدمة السيارة أمام الشاطئ. فهز أراس كتفيه وهو يجيب وراحتيه تستند على السيارة خلف ظهره: _سأكمل ما بقي لي من عمر في مصر مع خديجة. عاد آجار بظهره للخلف وأسند كفيه خلفه في محاذاة أراس، وهتف مستنكرًا: _أراس، ما بك يا صاح اليوم، هل تتحدث بصدق، هل تنوي فعلًا هذا الأمر الجنوني؟ ألتفت له أراس، سائلًا في تعجب: _جنوني! .. ما الجنون في الأمر يا رجل؟

.. لن أحرم المرأة الوحيدة التي أحب عن عائلتها. هتف آجار في دهشة وهو يضرب كفًا بكف: _أنت مجنون حتمًا. في حنق رد عليه أراس وهو يسبل جفنيه مستنشقًا الهواء بعمق: _ما بك يا رجل اليوم لا تملك إلا كلمة الجنون تنطق بها؟ نعم سأستقر في مصر من أجل خديجة وربما آخذها معي هنا. ران لحظات صمت، سبح فيها الاثنان في تفكير عميق، وإذ فجأة انبعث صوت آجار بنبرة تحمل حزنًا دفين: _إذن سأعود وحيدًا مجددًا، لماذا يتلاشى من بين يدي كل ما أحب؟

لماذا الفرحة لا تطرق باب قلبي يا رجل؟ هل نحنُ على خصام، أم أنها لا ترى غيري في الوجود؟

نبرته الأليمة زادت قلب أراس إيلامًا، آهٍ لو يعرف المرء أن بعض الكلمات التي يظنها ألمه فقط هي طعنة في قلب أحبائه، لما نطق بها، لما فكر في أن يتألم. وآجار لم يكن يومًا غريبًا، أواه، كان أخًا ضمه في قلبه واحتواه بين ذراعيه، لا يفتأ يخشى عليه من لمسة رياح قد تصيبه بأذى. لا يزال يراه في قلبه ذاك الطفل الصغير الذي كان يرجوه بعينيه ألا يتركه. يا لجمال الصداقة حين تكون برباط متين لا ترخيه الأيام. ضم آراس كتفه إليه، وهمس بنبرة

تتفعم بالحنان والعطف: _يا لك من غبي يا فتى، وهل تظن إني قد أتخلى عنك؟ ثمة أواصر ألفة تربطنا أقوى من ألف رابط دم، فكيف بالله أتركك؟ تنهد آجار تنهيدة حزن وهو يسند رأسه على كتفه، وغمغم: _إذن لا تسافر! زفر أراس ولاذ بالصمت لفترة قصيرة، وقال وهو يميل برأسه لترتاح فوق رأس آجار: _ضع نفسك مكاني، وإذا بالفتاة التي تذوب فيها عشقًا وغرامًا وطنها وعائلتها وسعادتها بأكملها في بلد آخر… ألن تستقر في هذا البلد لأجل راحتها؟

عقد آجار حاجبيه بضيق، وقال: _أنت أيضًا وطنك هنا، هل ستتخلى عنه لأجل خديجة… قاطعه أراس يقول بنبرة تقطر حبًا وولعًا: _أتخلى عن كل شيء لأجل عيون خديجة يا آجار، ببساطة لأنها وطني الذي أوجدته بعد غربة شاخ لها قلبي وهرمت روحي. غربة لم أذق فيها إلا العذاب والمهانة والوحدة وهجران الروح، أتظن إني بعدما وجدت روحي بعد طيلة هذا الهجران ألا أذهب في لمح البصر لأستقر في وطني؟ تنهد ساجيًا للحظة، وقال بصوت رخيم عذب:

_خديجة هي وطن إذا وجده المرء لا يغترب منه أبدًا لأن العالم بدونها غربة مخيفة موحشة. رفع آجار عينيه في عيني آراس، وهمس: _أتحبها لهذه الدرجة يا رجل؟ لدرجة أن تغادر وطنك، بكل ذكرياته التي عشتها فيه، وأهلك وتذهب دون أن تولي على شيء! رد أراس وهو يومئ برأسه: _ربما سأذر ذكريات لم تأتيني منها إلا الوجع وقهر الضمير لأصنع ذكريات أجمل. تهدج صوته بغتة، وخُيل لآجار أنه رأى عينيه ترقرقان بالدموع، وهو يستطرد:

_هُنا ليس لي ذكريات غير ذنوب ومعاصي وأخطاء، هنا لم أصنع إلا كل ما يغضب ربي، أنا الآن أشعر أني بت إنسان يا رجل، إنسان يعيش وهو لا يفكر إلا كيف سيموت ومتى وأين، وإن مات هل سيغفر لي الله؟ هل سيعفو عني؟ بسط كفيه أمام وجهه وتابع بحسرة: _تُرى هل ستشهد عليّ يدي بكل من قتلتهم؟

حين يوارى جسدي الثرى تُرى هل سأثبت عن سؤال الملكين وأجيب، هل سيستنير قلبي بنور الله أم سيظل مظلمًا، هل سيكون قبري حفرة من حفر النار أم روضة من رياض الجنة؟ حين سأقف فوق الصراط هل سأسقط، أم تتخطفني الكلاليب، أما سأمر سالمًا. هل ستكون خديجة زوجتي في الجنة أم لا؟

هل تظنني كنت أحيا، ربما أنا أيضًا حسبت نفسي إني كنت أحيا لكني علمت أن حياة القلب في رحاب الله فقط. وأن لذة الراحة بقربه لا تعادلها أي لذة. خديجة غيرت فيّ الكثير أشعر باني مهما أفعل لن أوفيها حقها، كل ما أريده ألا يحرمني الله منها. حين التفت إلى آجار وجده صامتًا، مأخوذًا بكلامه، دامع العينين، ولفهما صمت طويل، شقه آجار يقول:

_أتعلم، أنا أيضًا أهاب أن يسرق المرض مني منة، منة التي كانت سببًا في إنعاش قلبي… لماذا الحياة توجعنا فيمن نحب يا رجل؟ تختار أكثر ما يؤلمنا وتصفع. خيم عليهما الصمت والسكون مليًا، قبل أن يقهقه أراس ضاحكًا، ودفع بكتفه آجار متمتمًا: _أنظر ماذا فعل بنا العشق يا رجل؟ لقد جعلنا عطفيين للغاية. أطلق آجار ضحكة مرحة وهو يغمغم: _تبًا على الحب الذي حطمنا. صاح الاثنان فجأة معًا وهما ينظران لبعضهما: _حطمنا؟؟

ضحكا مجددًا وهما يصفقان كفًا بكف، وامتزج صوت ضحكتهما مع أمواج البحر التي هاجت فجأة معلنة عن وجودها، وسماعها، ومشاركتهما، كأنما تخبرهما أن الدنيا بما فيها لا تستحق الحزن على شيء إلا البعد عن الله عز وجل. تلقى آجار رسالة على هاتفه من إسلام جعلت ضحكته تخفت وهو يقرأها: " يجب أن نتلاقي الآن… أنا في انتظارك، تعال على هذا العنوان **** لا تتأخر " زفر آجار وشرد فسأله أراس في اهتمام: _ما بك عبست فجأة، هل كل شيء على ما يرام؟

قفز آجار واقفًا وأستدار له، قائلًا: _بخير لا تقلق، ثمة أمر طارئ سأذهب الآن. أومأ أراس متفهمًا، فخبط آجار على كتفه مودعًا. قضت البنات يومًا جميل هادئ مع منة التي بدت نفسيتها مرتاحة في وجودهم كأنها تفتقد للمة العائلة وجوها، وانغمست مع الفتيات اللآتي تعاملن معها كأنها واحدة منهن ولست وحدة قد تعرفا عليها في يوم واحد، وزادت بهجتها حين حضرت هنا وشاركتهم الجلسة.

" إذن ستخرجين غدًا، كم هذا رائع " هتفت بتلك العبارة أروى في حماس، فتدخلت خديجة تقول: _غدًا لن يكون يومًا عادي، سنخرج ونروح عن أنفسنا. ترقعت هنا بأصبعيها فجأة وصاحت في لهفة: _أتركن أمر غدًا ليّ، هذا عندي، سأخذكم لأمكان ولا الأحلام. وكانت صادقة فهم بصدد الذهاب إلى مكان لم يخطر على بال أبدًا. نظرت منة إلى لمياء الشاردة، وسألتها في اهتمام: _ما بكِ يا لمياء شاردة هكذا؟ أأنتِ بخير؟

تبسمت لمياء، وهزت رأسها وشاركتهم الحديث. ولما عسعس الليل، وجاء وقت ذهاب البنات، ودعنها على وعد أن يتقابلا غدًا، واستقروا في السيارة التي كان نجيب يقودها، بينما ركبت هنا على دراجتها النارية وثبتت الخوذة على رأسها ثم ارتدت قفازات في كفيها، ثم انحنت لتقبض على ذراعي الدراجة، بعد ما أدارت المفتاح فيها وصدر صوت المحرك وهي تدور دورة دائرية خفيضة، وأبطأت وهي تنطلق بمحاذاة سيارة البنات ومالت برأسها على نافذتهما ملوحة لهم.

وفجأة، ضغطت على دواسة الوقود وأنطلقت بصورة جعلت البنات يشققن في هلع وتتطلعن من النوافذ الجانبية يحاولن استشفاف أين ذهبت؟ وإن أصابها مكروه، لكنها لم تلبث أن لاحت من بعيد تنطلق بذات السرعة فتنهدن في ارتياح. تنبهت خديجة إلى أن نجيب متوترًا، ينظر إلى المرآة بحذر، ويسرع بالسيارة، فنظرت لما خلف البنات الذين التصقن في أنفسهن حتى يكفيهم المقعد في قلق، ونقلت بصرها إليه وسألته في اهتمام:

_نجيب، لماذا أراك متوترًا، قلق، هل حدث شيئًا ما؟ أتتها الإجابة لكنها أبدًا لم تكن من نجيب، بل من رصاص انهمر على السيارة بغتة، فصرخ نجيب وهو يناور السيارتين اللتين تلحقان بسيارته: _انبطحن لأسفل، هيا.

أنصعن الفتيات في هلع وانخفضن أسفل المقعد ودوي الرصاص المفزع كاد يصيبهن بالصم، فتمسكن ببعضهن في خوف جلي. وارتجفت أجسادهم بصورة واضحة، وارتعشت أفئدتهم، خوفًا من السيارة التي تنهب الأرض نهبًا، والرصاصات التي انهالت عليهم كالمطر ولكنها للعجب لم تصب زجاج السيارة، إنما كان قناصيها محترفين إذ كانت جل الرصاصات متوجهة إلى العجلات فقط، بصورة أوحت أنهم يريدون إيقاف السيارة. راوغ نجيب وناور… وظن إنها النهاية… لكنه أخرج سلاحه حاسمًا الأمر، فأن كان الموت حتمًا فسيقاتل لآخر رمق،

سحب إبرة مسدسه وهو يقول: _من منكن متعلمة قيادة السيارة. فصاحت أروى في سرعة: _أنا. هتف نجيب وهو ينحرف يسارًا: _إذن تعالي للأمام، هيا. تحركت أروى منحنية للمقعد الأمامي للسيارة في نفس اللحظة التي فتح فيها نجيب باب السيارة وقفز خارجها، فتسلمت أروى القيادة في سرعة مندهشة، تدحرج نجيب في مرونة، وثب واقفًا، وصرخ ملوحًا لأروى: _ابتعدي بهن، هيا.

قالها، وهو يركض مستترًا خلف حاجز ضخم وراح يطلق النار على السيارتين اللتين لم تتوقفان. ورفضت الفتيات أن ينطلقن بالسيارة ويتركوه بمفرده، فما همت أروى بإيقاف السيارة إذ فجأة حانت منها التفاتة للأمام، ورأت هنا تنطلق بالدراجة نحو السيارتين القادمتين، وكادت ترتطم في جدار لولا إن تداركت نفسها وتحكمت في السيارة، وتطلعت رؤوس البنات من الزجاج الخلفي للسيارة فرأين هنا ترتفع بدراجتها النارية فوق مقدمة إحدى السيارتين التي تهشمت

زجاجها الأمامي تمامًا في وجه السائق والذي يليه وعلا صراخ الرجال فيها وهم ينبطحن عن سقف السيارة التي احتكت إطاراتها في الأرض ودارت حول نفسها وانقلبت كذا مرة حتى استقرت رأسًا على عقب، وهبطت بالدراجة إلى الأرض، ثم دارت مجددًا وأندفعت إزاء السيارة الأخرى وصاحت

إزائهم وهي تشير لهم بكفها: _هيا فاجئوني بمهارتكم أيها الأوغاد، تعالوا. وأنطلقت في مسار متعرج لتفادي الرصاص وهم خلفها وقبل أن تختفي عن أنظارهم، وآخر ما رأوه هي دراجتها تنقلب بها جانبًا بدوي مخيف، وشعرن برزاز مخدر يملئ السيارة قبل أن يسقطن جميعًا في هوة سحيقة، عميقة، مظلمة. وهناك كان نجيب ملقى أرضًا بعد ما خدره أحدٍ ما من الخلف غدرًا.

" إذن فلتبق في حفرتك السحيقة يا رجل " انبعث هذا الصوت فجأة من خلف آجار مصحوبًا بإبرة تنغرز في ذراعه فما هم بالاستدارة، راعه أن وجد ماهر الذي ينتحل خالد شخصيته وراءه وما كاد أن ينقض عليه حتى تهاوى أرضًا، فاقد الوعي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...